العودة   الحارة العمانية > حارة الثقافة والفكر

مفهوم الرق.. كيف عرفه الرسول من منبر الإسلام..وكيف حرفه محمود صباغ من منبر الإعلام..

حارة الثقافة والفكر

 
 
Bookmark and Share أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 06-01-13, 12:18 AM
سيف العدل سيف العدل غير متواجد حالياً
خاطـــر الحارة
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
الجنس: ذكر
المشاركات: 15
افتراضي مفهوم الرق.. كيف عرفه الرسول من منبر الإسلام..وكيف حرفه محمود صباغ من منبر الإعلام..

مفهوم الرق.. كيف عرفه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من منبر الإسلام..وكيف حرفه الإعلامي محمود الصباغ من منبر الإعلام..

تعددت و كثرت وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، متخذة في ذلك، صوراً إعلامية متعددة، من قنوات فضائية، وصحف ورقية، ومحطات إذاعية، ومواقع إخبارية، ومنتديات انترنت، وصحف الكترونية، ومدونات، وغير ذلك، من الوسائل الأخرى، المتاحة في وقتنا الحاضر.

والإعلام الالكتروني، وخصوصاً إعلام الحارة العمانية، يعتبر أحد أبرز هذه الوسائل الإعلامية، ومن أعظمها انتشاراً، وأكثرها جذباً للقراء.

ولم يكن كذلك، لولا تميزه في المهنية الإعلامية، والأسلوب الراقي للطرح الإعلامي، فضلاً عن تمتعه بالمصداقية العالية، التي تستهدف العلم والحقيقة، وهي ميزة لم تجعل منه منتدىً إلكترونياًً فحسب، بل جعلته، وسيلة دعوية، ووسيلة تثقيف وتنوير، وأداة توجيه وإرشاد، وأداة تحكيم بين الحق والباطل، والصحيح من الخطأ.

وهذا ما أكسبه ثقة شريحة كبيرة من الرواد، من مطلعين، ومثقفين، وأكاديميين، ولكوني واحداً من هذا الجمع الغفير، فقد كان لزاماً علي، أن أكون مشاركاً فعالاً، بتقديم وطرح ما يليق بمقام المنتدى، فضلاً عن المقام الفكري لرواده، من مقالات فكرية أصيلة، أو دراسات علمية مفصلة، من منظور إسلامي، " إن لزم الأمر ".

بغيت تنوير فكر المتلقي، المسلم وغير المسلم، والارتقاء به، نحو المفاهيم الصحيحة، وذلك بتوضيح حقائق الأمور الغائبة، وكشف الجوانب المظلمة، لبعض القضايا الهامة، التي تثار إعلامياً، ويكثر حولها اللغط، والجدل الفكري، المثير لحفيظة المتعقل.

وما ذاك إلا مساهمتاً بسيطة مني، أقدمها للمنتدى، ليمضي قدماً وبثبات، نحو مصاف، كوكبة الوسائل الإعلامية التنويرية المتألقة.

ومشاركتي هذه المرة، عبارة عن دراسة فكرية موجزة، من منظور إسلامي، تتناول قضية الرق و الاستعباد، والتي أثارها ونشرها : محمود عبد الغني الصباغ، هداه الله، إعلامي جريدة الوطن السعودية، في مدونته، ثم طرحها وناقشها عبر منابر بعض المنتديات الفكرية، تحت عنوان " أسرار تجارة الجواري والعبيد في الحجاز قبل وأثناء الحكم السعودي "

والمتأمل لذلك الطرح، يجد أن الكاتب، قدم الكثير والكثير من المعلومات حول الموضوع، منها ما هو صحيح، وجلها عكس ذلك، مستغلاً في ذلك، مبدأ حرية إتاحة الكتابة بالشكل الخطأ، ومتجاوزاً قواعد الين والشرع، بطريقة ملتوية، تجعل من الصعوبة على القارئ البسيط، تميز الغث من السمين، والصحيح من الخطأ، ليوقعه في النهاية، في اعتقادات دينية خطيرة، وأخطاء فكرية جسيمه، لا يقبلها دين، ولا يقرها عقل ناضج .

ولكن الباحث الحقوقي، أو المختص، أو المثقف المطلع، سرعان ما يكتشف ذلك وبسهولة، واكتشافه سعي الصباغ، إلى إلصاق العبودية بذوي البشرة السوداء والسمراء، مستدلاً في ذلك، ببعض الأخبار المحورة، أو الناقصة، مكرراً نعته لذوي البشرة السمراء بالعبيد، ويظهر ذلك من خلال الفصول الموجزة التي استشهد بها، والروايات التي لا تكفي لإيضاح جميع الحقائق.

كما أن الباحث الإسلامي المختص، أو الناشط الحقوقي، المهتم بدراسة قضايا الرق، من المنظور الإسلامي، لا يجد في ثنايا ما قدمه الكاتب من طرح، أي صحة شرعية، تجيز أو تثبت ما يزعمه بأنه رق واستعباد مشروع، وذلك على الفئة التي اعتدي على حريتها وحقوقها، للفترة التي أشار إليها الكاتب، بأنها خلال فترة " قبل وأثناء الحكم السعودي" .

بل ان مجمل ذلك، وببساطة، يعد مخالفات شرعية، يأباها الإسلام، ارتكبت بدافع الجهل، من كلا الطرفين، سواء من جانب من تقمصوا دور السادة، أو ممن تقمصوا دور العبيد والجواري .

وذلك لأن المصادر التي بنيت عليها تلك الممارسة، كانت مصادر غير مشروعة، سلكت عن طريق الخطف، أو السرقة، أو الإكراه، أو بدافع الفقر، أو نحو ذلك، من المصادر التي يأباها الإسلام.

والجدير ذكره، أن المصدر المشروع، الذي حدده الدين الإسلامي، لغاية وحكمة ربانية، ( سيتم توضيحها وتبيانها لاحقاً ) ، هو مصدر واحد فقط، يسلك عن طريق الأسر، من خلال حرب دينية مشروعة، ضد الكفار المحاربين، من مجوس ويهود ونصارى وغيرهم.

والإسلام، يقف بنصوصه، حيال من ذكره الكاتب من مخالفات، موقفاً حاسماً حازما، وذلك من خلال نصوص ربانية، صريحة الدلالة، ظاهرة المعاني.

فقد جاء في الحديث القدسي : قول الله تعالى ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، وقد ذكر منهم : ورجل باع حراً فأكل ثمنه ) ( 1 )

وقد جاءت أيضاً، توضيحات وأقوال العلماء، ممن عاصروا زمن تلك المخالفات، متفقه مع عموم النصوص القرآنية، والنبوية الصحيحة، وإطلاقها، وقد نصت بعدم مشروعية ظاهرة الرق، التي مورست في الفترة التي حددها الكاتب.

وقد أجاب الشيخ ابن جبرين رحمه الله ، إجابة شرعية بخصوص أولئك، ممن تم استغلالهم على أنهم أرقاء ، وهم في الأصل أحرار ، ومن بعض ما ذكره الشيخ قوله : " في القرن الماضي، في أول القرن الرابع عشر وفي آخر القرن الثالث عشر كان هناك أناس يسرقون بعض الأطفال، ويبيعونهم على أنهم مماليك، يأتون إلى بعض البلاد التي فيها شيء من الجوع ونحوه، كالسودان أو الحبشة، وتلك البلاد، ثم يستدعون بعض الأولاد الذي في سن العاشرة والحادية عشر، ويختطفونه يطعمونه ويكسونه، ويقولون: اذهب معنا ونحن نطعمك ونعطيك ونحو ذلك، يذهب معهم ويعتقد أنهم سوف يحسنون إليه، فيأتون إلى هذه البلاد ويبيعونه على أنه مملوك ".

كما ذكر قولاً له في نص آخر : " وكثر بيع هؤلاء الذين ليسوا مماليك؛ وإنما هم أحرار، فلما كثر بيعهم وقَلَّ أو انقطع الجهاد من عشرات السنين رأت الحكومة في هذه البلاد أن أكثر هؤلاء المماليك ملكيتهم ليست صحيحة، وأنهم مظلومون، وأنهم قد بِيعُوا وهم أحرار، فرأتْ الحكومة تحريرهم في سنة ست وثمانين، وصدر الأمر بتحرير كل الرقاب الموجودين في المملكة، وتعويض أهاليهم عنهم، ولو كان عند أحدهم عشرة أو عشرون إذ دفعت الحكومة قيمهم وتحرروا، ولم يبقَ في هذه البلاد أرقاء، ولكن إذا حصل قتال مع الكفار، ثم حصل الاستيلاء على سبيهم فإن الرق يعود، وهذا هو الأصل؛ لأن أصله الاستيلاء على سبي المشركين؛ أطفالهم ونسائهم ونحو ذلك"، انتهى كلامه ( 2 ).

فأي جهل كان فيه ذلك الكاتب !! ليجزم ويؤكد صحة ما ذكره في طرحه الممجوج.. والذي أسماه " بالدراسة العلمية " ، ومنحه جهلاً رخصة "البحث العلمي، معتبراً ما نضمه نسج خياله، بمثابة الحقائق المسكوت عنها كما يدعي، والتي وثقها ورتبها جيداً، بهدف ترتيب الماضي بحسب ما يقول؟!

وأي تعاليم شرعية استقى منها، وأملت عليه ذلك الباطل، وزينته له، ليلبس بطريقه مختلقه، رداء الرق والاستعباد، فئة من البشر، أثبت الدين والشرع حريتهم ؟!

وأي ثقافةٍ دينية ضحلة يحملها ؟!.. وأي قلة أدراك، وقلة معرفة، بخطورة ما يكتب عنه، لقضية تتميز بالأهمية البالغة، لتعدد أطرها: الدينية، والتاريخية، والاجتماعية، التي لا تقبل الفصل، والتجزئة، و الانتقائية، الأمر الذي يصعب بل ويتعذر معه، تحديد علاقة الفرد بالجماعة، إلا بدراسة صحيحة شاملة لجميع تلك الأطر.

ومتى نسبة العبودية إلى فئة معينة؟!.. لينسب الكاتب الرق والعبودية ،إلى جنساً بشرياً محدداً؟! مشوهاً ما طاب له أن يشوهه، لاوياً في ذلك أعناق الحائق، بقصد أن يربط ويلصق كلمة عبد، أو كلمة جارية، بذوي البشرة السمراء، أو السوداء؟؟

والمؤسف والمحزن، ولجهل الكاتب، بقصد أو بغير قصد، أنه لم يكن على علم ودراية، بأنه هو وأسلافه المعنيون بقضية الرق والاستعباد هنا، وأنهم غارقون فيه إلى الأذقان، منذ فجر الإسلام، وزمن الفتوحات، إلى هذا الزمن.

فالكاتب وبحسب مسميات الروابط ،التي تقوم على أساس قواعد العلاقات الاجتماعية الإسلامية، التي أسستها ورعتها أنظمة التشريع الإسلامي، يعتبر مولى، سليل الموالي العجم ( العبيد العتقاء من أهل اللسان الأعجمي )، من الأجناس التركية، والرومية، والهندية، والشركسية، ومن إليهم، من أجناس بلاد المشرق الإسلامي، الذين وفدوا على عموم الجزيرة العربية، وعلى إقليم الحجاز على وجه الخصوص، مع أسيادهم المسلمين الفاتحين، بعد وقوعهم في الأسر، في الزمن الذي وافق حركة الفتوحات الإسلامية، وزمن توسع جغرافية الحدود الإسلامية، التي امتدت لتشمل حدود تلك الأصقاع.

ليستوطنوا ويعيشوا بعد ذلك، معظم مدن إقليم الحجاز، وتحديداً في كلاً من ( مكة المكرمة، المدينة المنورة، جدة، الطائف، ينبع ).

كما يمكن اعتبار ذلك الحدث التاريخي، أحد أبرز العوامل الرئيسية، التي جعلت المرتبطين بأولئك الموالي، من أفراد وجماعات، والمقيمين في بلاد المشرق، من إلقاء أبصارهم، وتسليطها نحو منطقة الحجاز، التي مثلت لهم الغاية العظمى، ثم باتوا يحلمون بتخطي وطوي بعد كل تلك المسافات، للاستمتاع بما فيها، من عدل وأمن وأمان، وللانتقال من الفقر إلى الغنى، ومن شظف المجوسية، إلى نعيم الإسلام .

وهذا ما يفسر السبب، في تشكل طبقة كبيرة من الجماعات البشرية، باتت لا تعرف أصولها على وجه الدقة، وهم الفئة التي أطلق عليها مؤخراً، عبارات ذات دلالات انتقاصية، كـ " طرش البحر أو بقايا الحجاج "، وغيرها من المسميات المرفوضة، والغير مقبولة إطلاقاً، من منظور الدين الإسلامي، لما فيها من تجريح، وانتقاص، بل هم أخوة لنا في الدين، وسيبقون كذلك، ما بقي الإسلام، قال تعالى ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ) ( 3 )

وقد كان حري بالكاتب، أن يبين للقارئ وبكل صدق وأمانة، المعنى الصحيح لمفهوم الرق والاستعباد، موضحاً شروطه الصحيحة، وأحكامه، فضلاً عن توضيح الحكمة الربانية، من نزع الحرية البشرية.

كما كان من الواجب عليه، أن يبين كيف دعا الإسلام إلى المساواة بين المؤمنين، بهدف إلغاء التفاوت، في المجتمع المسلم، وكيف سعى إلى تحقيق العدالة على المستويات كافة، وكيف قرب أسلافه من الموالي ( العبيد العتقاء )، وكيف ساواهم بغيرهم من العرب وسواهم، من أجل القضاء على مرض العنصرية القائم على أساس مخلفات الجاهلية النتنة، التي يريد الكاتب إحيائها، لمجرد افتخاره بعرقه الأبيض.

لينعموا بعد ذلك، بنعمة العتق والولاء، ونعمة إخاء واحترام عموم المسلمين، لينتشروا في أرض الحجاز، منصهرين في نسيج المجتمع، منهمكين في خدمة أسيادهم




أو في خدمــــــة غيرهم، بالعمل لهــم كأجراء، أو بالعمــــــــــل في امتهــــــــان الحرف الـــعامة ( كالصباغة، والحدادة، والصياغة، والدباغة،والخياطة، والخرازة.. الخ ) ( 4 ) .

تلك المهن التي اتخذوا منها ألقاباً لهم، فمثلاً لقب الصباغ ينسب إلى حرفة الصباغة، ولقب الدباغ نسبةً لحرفة الدباغة، ولقب الخياط نسبةً لحرفة الخياطة، ولقب الخاشقجي، نسبةً إلى مهنة القاشق، وهي كلمة تركية، وتعني بائع وصانع الملاعق .

ونظراً لوقوع بعض حالات العتق السائبة، التي قد تختفي معالم روابط الولاء فيها بمرور الزمن، فقد يلجأ بعض أولئك الموالي، من الانتساب إلى مواطنهم الأصلية.

فعلى سبيل المثال، اللقب كشغري، نسبةً إلى بلاد كشغر، في بلاد المشرق الإسلامي، واللقب سندي، نسبه إلى بلاد السند، واللقب سمرقندي نسبه إلى سمرقند، في بلاد المشرق، واللقب تركستاني، نسبته إلى تركستان، في بلاد المشرق، واللقب كابلي، نسبة إلى كابل، في بلاد المشرق، وهكذا.

والجدير ذكره، أن بعضاً من أولئك الموالي، قد أنصرف للعمل في المجالات الخدمية الأخرى، الأفضل حالاً، وقد كان منها، على سبيل المثال: التجارية، والتعليمية، والقضائية



أضف إلى ذلك، انخراط أعداد كبيرة منهم، أفراد، ومجموعات، في إدارات السلطة، وجيوشها.



وتكوين الفرق العسكرية، التي كان لها دور واضح، على الناحية العسكرية، في الدولة الإسلامية.

هذا لا يعني إن عموم الموالي المتواجدين في أرض الحجاز، والذين تعود أصولهم إلى بلاد المشرق الإسلامي، قد كان أسلافهم من العبيد والأرقاء، الذين وقعوا في الأسر والسبي، خلال زمن حركة الفتوحات الإسلامية.

بل يلزم التنويه، إلى أن بعضاً منهم، لم يتعرض لا من قريب، ولا من بعيد، إلى عارض الرق والاستعباد. وهنا يلزم بسط القول في الموضوع، بشيء من التفصيل، لتوضح الأمر، لنفرق من الناحية الشرعية، والفقهية، والفكرية، بين ما قرره، وأباحه الإسلام، وبين ما جرى عليه المسلمون من أخطاء، ومخالفات، وفهم خاطئ لمفهوم الرق والعبودية، سواءً أكان ذلك في مجتمعنا السعودي في السابق، أو في بعض المجتمعات الإسلامية،والعربية ،التي وقعت في مثل تلك المخالفات.

فلقد قرر دين الإسلام، وجميع الأديان السماوية الصحيحة، أن الله خلق الإنسان حراً، وجعل أساس مرده لذلك الأصل، لينصرف مختاراً، نحو عبادته سبحانه وتعالى، ملتزماً بكامل المسئولية والتكاليف الشرعية، التي رتب عليها الثواب والعقاب، على أساس اختياره وإرادته، التي لا يملك أحد من البشر تقييدها، أو سلب إرادتها في الاختيار بغير حق، لما في ذلك من عظيم الظلم والجور.

هـــذا هو ظـاهر العــنـوان العــام، لمبدأ الإسـلام في هذا الباب، ولــكــن قد يقول قائل : وكــيف أباح الدين الإسلامي الرق والاستعباد ؟؟

أقول هنا : أنه يـــــــــلزم معرفة الحكمــــــــة من ذلك، ومعرفة دقائق أحكـــــــــــام الرق فــــــــــي الإســـــــــــلام، من حيث أسبابـــــــه، ومصدره، وكيفية معاملته.

فالرق مباح في الإسلام، وهو نظام استثنائي، لسبب طارئ، يزول بزواله، وسبب الملك بالرق : هو الكفر، واستغلال الحرية أسوا استغلال، بإفشاء الطغيان، والوقوف في وجه دين الله، الذي يمثل العدل، ومنعه من الوصول إلى الناس، وقتال القائمين عليه، من الرسل والمؤمنين، هذا هو السبب العارض لوقوع الرق.

فإن أقدر الله المسلمين المجاهدين، الباذلين أنفسهم وأموالهم وجميع أوقاتهم لله، من أولئك الكفار، وكذا المقاتلين من نسائهم وأولادهم، بوقوعهم في الأسر، بشرط أن يسبق ذلك القتال، دعوة إلى الإسلام، يبين فيها أهدافه، وسننه، جعلهم الله ملكاً لهم، بفرض الرق عليهم، وهم هنا بمثابة الأمانة العظيمة، التي أودعها الله في يد ذلك المسلم، وشدد على صيانتها، ورعايتها على الوجه الذي حدده، في حال امتلاكهم، إلا إذا أختار أمام المسلمين المن والفداء عليهم، إن علم أن في ذلك، مصلحة للإسلام والمسلمين، قال تعالى ( فإما منا بعد وإما فداء ) ( 5 ).

كما أن الإسلام، قد أهتم في إكثار سبل نيل الحرية، ووضع من الفرص، ما يكفل به من استعادة حرية ذلك الكافر وأمثاله، شريطة صلاح نفسه، وعدم استغلال حريته، في مقاتلة دين الله، قال تعالى ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ) ( 6 ).

ومن وسائل التحرير التي أوجدها الإسلام : كفارات القتل الخطأ، وكفارات الأيمان، والظهار، والجماع في نهار شهر رمضان، كما أنه جعل العتق من أعظم القربات التي تقرب إلى الله عز وجل، هذا وهناك العديد من مخارج الرق، وطرق الإعتاق، التي أوجدها الإسلام .

ومما لا شك فيه، أن في نزع تلك الحرية الطائشة، المقاتلة للبشرية، وللدين، والقائمين عليه، لعظيم العدل، سواءً لها، أو لغيرها .

كما أن في إعادة تسخيرها، لتعمل من جديد، فيما يرضي خالقها، لعظيم الإنصاف.

هذا هو عدل الإسلام، وهذا هو مفهوم الرق والاستعباد، في الدين الإسلامي، وقد عرفه علماء الفقه :بأنه عجز حكمي يقع على الإنسان، بسبب الكفر.

وما يأسف، أن كثيراً من المسلمين، لم يحسنوا استيعاب تلك المفاهيم، ولا إدراك حكمة النص الرباني، لتلك الغايات الربانية.

ولذلك فقد اعتدى بعضاً منهم، على حرية الأحرار، رجالاً، ونساء، وأطفال، وسلبوها منهم دون حق، باسم الدين الإسلامي، لأنهم سلكوا ذات المصادر الغير مشروعة، التي سلكها غيرهم، من أتباع الأمم الأخرى، والتي كانت عن طريق : الخطف، أو الإكراه، أو الغدر، أو الفقر، أو نحو ذلك، من المصادر المحرمة في الإسلام، والتي يعد فاعلها آثم عند الله .

وما يحزن ويندى له الجبين، أن معظم الفقهاء، وقفوا صامتين حيال ذلك، بل أن منهم من تأولوا فيه، ومنهم من أسهبوا في شرح أحكام العبيد والجواري، وحل الاستمتاع بالإماء والجواري، وغاصوا في دقائقها، وألح البعض منهم، في الغوص إلى حد، يخرج عن مألوف الحياة الشرعية، وخير مثال على ذلك في هذا الزمن ، "فقه المالكية" ، الذي باتت تطوراته الفقهية، التي تتصل بهذه الفئة من الناس، هي نتاجاً لتفاعل فقهائه، مع الأعراف، والتقاليد، والمواريث الاجتماعية، التي سبقت عصر الإسلام، لا مع ذاك الوحي الرباني المنزل.

كما نظر البعض منهم، إلى أن أحد غايات الإسلام، من دعوته للجهاد في سبيل الله، هو الاستيلاء المباشر على نساء العدو، ثم اتخاذهن، سرارٍ، وجوارٍ، وإماء، لوطئهن، والاستمتاع، والتمتع المطلق بهن .

ومنهم من نظر، إلى أن الجمع بين العشرات من الجواري، لا إشكال فيه، حتى وإن كان ذلك على حساب العدل الأسري، وحساب ترابط كيان الأسرة المسلمة.

وبالرغم من ورود العديد من الآيات القرآنية الكريمة، التي تحدثت عن العبيد ،والإماء، والجواري، الذين فقدوا حريتهم، نتيجة السبي، المقتصر على القتال، والمرتبط بحركة الفتوح الإسلامية المشروعة، بهدف احتوائهم، ومعالجة أمورهم، صيانةً، وحفظا.

وعلى الرغم من المساحة الواسعة من الأحكام الشرعية، التي أفردها الإسلام، بخصوص قضية هذه الشريحة، بهدف تبيين، وترشيد، الدولة ، والمجتمع، والفرد، إلى الطرق الصحيحة، في حال التعامل معهم، درئاً لتفشي الأضرار الاجتماعية، وانتشار المفاسد الأخلاقية، في المجتمع الإسلامي

وعلى ما يبدو من فعالية، ومنهجية جميع تلك الإجراءات، غير أن ذلك كله، لم يراع في جميع الأحوال، ونتيجة لذلك، فقد لحقت بالأمة الإسلامية، العديد من الأضرار الجسيمة، والمفاسد التاريخية، التي لا يمكن إغفالها، وقد كان من تلك المفاسد : ظهور الغناء، وظهور أول طبقة من المغنين، وكان أكثر المنشغلين، والمنشغلات به، هم الموالي ( العبيد العتقاء )، من الأصول الفارسية، الذين ألفوا من ألحان الفرس والروم ألحاناً جديدة، وقد كان في طليعتهم مخارق، وعلوية، وابن سريج، وابن مشجع، ومعبد، والفريض، وطويس .

وقد أخذ هؤلاء في تعليم الجواري الغناء، والضرب على الأوتار




وكانوا يصوغون لهن الألحان، من هذا الشعر العذب، الذي كان يتغنى به شعراء الغزل في معشوقاتهم .

ومن المفاسد أيضاً، انتشار مدارس تعليم الغناء، ودوره، ومجالسه، ومنتدياته، التي كان الناس يرتادونها، لتعلم الغناء، أو للطرب والسماع .

ولعل بيئة الحجاز، أبان العصر الأموي، كانت من أكثر البيئات العربية، التي أزدهر فيها الغناء. فقد قام بعض الموالي، بافتتاح أول مدرسة في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، لتعليم وتقيين ( 7 ) الجواري، وتعليمهن ضروب الألحان، والضرب على العيدان

لينطلق، إلى مواطن أخرى، وكان من أشهرهم في مكة ابن شماس.

كما كان للغناء بالحجاز، مدرسة أخرى، بالمدينة المنورة، ومن رجالها: ابن رمانة، ويزيد حوراء. ومن المغنيات : عزة الميلاء، وجميلة ، وحبابة، وبصبص، وفرعة، وبلبلة، ولذة العيش

كما كان في وادي القرى، مدرسة ثالثة، ومن رجالها : حكم الوادي، يعقوب الوادي، سليمان، خليد بن عتيك، وعمر الوادي، الذي كان يقول: " ربما ترنمت بالصوت وأنا غرثان قيشبعني فيؤنسني وكسلان فينشطني".

وفي دور التقيين، كانوا يعلمون الجواري القراءة، والكتابة، والأدب، والشعر. كما كن يجمعن إلى جوار الحسن، والظرف، والدلال، أجود الغناء، وأرق ما انطلقت به حناجر الشعراء.



ومن المفاسد ، تسابق وتباهي الأشراف، والخاصة، ورجالات الدولة، إلى امتلاك أكبر عدد من الجواري، حتى باتوا لا يخرجون، إلا والجواري يحطن بهم من كل جانب. كما كانت قصورهم تعج بهن، لسقي القوم في مجالسهم، وتسليتهم بالرقص، وإمتاعهم بفنون اللهو، والمجون.



ومن تلك المفاسد، اتخاذ النساء الحرائر من عبيدهم أخدان لهن، لانصراف أزواجهن، إلى معاشرة الجواري والإماء.



ومن المفاسد أيضاً، انتشار البغاء في أوساط الجواري، وتحول دور الجواري والقيان، إلى دور فساد.



بل أن بعضاً من ملاكهن، من أقاموا لهن دوراً مخصوصة، كانت ترفع عليها الرايات الحمر، فبتن يعرفن بأصحاب الرايات ( 8 ) .



وقد وصف الجاحظ، أساليب الجواري في اقتناص الشباب فقال : ( أن الجارية لا تكاد تخالص في عشقها، ولا تناصح في ودها، لأنها مكتسبة، ومجبولة على نصب الحبالة، والشرك للمرتبطين



ليقحموا في أنشوطتها، فإذا شاهدها المشاهد رامته باللحظ، وداعبته بالتبسم، وغازلته في أشعار الغناء، ولهجت باقتراحاته، ونشطت للشرب عند شرابه، وأظهرت الشوق إلى طول مكثه، والصبابة لسرعة عودته، والحزن لفراقه.

فإذا أحست أن سحرها قد نفذ فيه، وأنه قد تعقل في الشرك، تزيدت فيما كانت قد شرعت فيه، وأوهمته أن الذي بها، أكثر مما به منها، ثم كاتبته تشكو إليه هواه..، ثم أخبرته أنها لا تنام شوقاً إليه، ولا تهنأ بالطعام، بل إنها لا تشتهي الأكل إذا غاب عنها، ولا ذكرته إلا تنغصت، ولا هتفت باسمه، إلا ارتاعت، وأنها قد جمعت، قنينة من دموعها من البكاء عليه، وربما أتت إلى بيته، فتمكنه من القبلة فما فوقها، وتفرشه نفسها، أن استحل ذلك منها.

وربما اجتمع عندها من مربوطيها ( العشاق السذج )، الثلاثة، أو الأربعة

على أنهم يتحاملون من الاجتماع، ويتغايرون عند الالتقاء، فتبكي لواحد بعين علانيتها، وتوهمه أنها له دون الآخر، وأن الذي تظهره، خلاف ضميرها.
وتكتب إليهم عند الانصراف كتباً على نسخة واحدة، تذكر لكل واحد منهم، تبرمها بالباقين، وحرصها على الخلو به دونهم .

فلو لم يكن لإبليس شرك يقتل به، ولا علم يدعو إليه، ولا فتنه يستهوي بها إلا الجواري لكفاه ) ( 9 ).

ومن المفاسد أيضاً : نجاح بعضاً من أولئك الموالي، من توطين بعض السلوكيات والأخلاقيات المخالفة للدين وللفطرة وللإنسانية، والوافدة معهم من بلاد المشرق الإسلامي، في بيئة الحياة العربية والإسلامية، كالمزدكية، والخرمية، وغيرها من الأفكار الضالة المنحرفة، القائمة على مبدأ الاشتراكية ( المشاركة في المال والنساء )، التي تبيح الاشتراك في المال، وتبيح النكاح بين الجميع، كنكاح الأب لابنته، ونكاح الأخ لأخته، وغيرها من الأنكحه المحرمة. ومن تلك الأفكار الضالة أيضاً، تلك القائمة على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة .

وإن ما يشهده العالم العربي اليوم، عبر قنواته الفضائية، من محاولات بث، وترويج للمسلسلات التركية، أو ما شابهها، من المسلسلات الداعية إلى القضاء على العفة، بنشر ثقافة عشق المحارم، والزنا بهن.

أو ما يلقاه من دعوات إعلامية، وصحفية، مطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة، والتوسيع المطلق، لدائرة الاختلاط بين الجنسين، في جميع أنشطة ومجالات الحياة،إنما هي مرحلة ممتدة، من ذلك الفكر المزدكي المنحرف، الذي مازال، يروج له أتباعه، من أحفاد أولئك الموالي، الذين يهدفون إلى هدم وتقليص مقومات الأصالة العربية، التي كانت، ومازالت، وستظل، حصناً منيعاً للعقيدة الإسلامية الصلبة، والأخلاق الإنسانية القويمة.

تلك هي إذن ظلمة الجهل المركب، وتلك هي ظلمة الأفكار الحيوانية الضالة المنحرفة، وتلك هي الفترات التاريخية القاتمة الظلال، التي أدت إلى إضعاف عوامل الحصانة، والقوة، والمقاومة، لكيان الأمة الإسلامية، وتسببت في جلب وجر ألوان المفاسد، التي جنى المجتمع المسلم جميع مآسيها.

نلخص مما سبق، إلى أن الرق والاستعباد مباح في الإسلام، وأنه لا يرتبط بجنس، أو لون، أو عرق محدد، وإنما هو نظام استثنائي، يحل بالإنسان لسبب طارئ، ثم يزول بزواله ، وهو الكفر واستغلال الحرية أسوا استغلال، بإفشاء الطغيان والوقوف في وجه دين الله، الذي يمثل العدل، ومنعه من الوصول إلى الناس وقتال القائمين عليه. وقد عرفه علماء الفقه بأنه عجز حكمي يقع على الإنسان بسبب الكفر.

نلخص كذلك، إلى أن المصدر المشروع الذي حدده الدين الإسلامي للرق، هو الأسر من خلال حرب دينية مشروعة فقط، وأن سوى ذلك من المصادر الأخرى ( الخطف، الغدر،الإكراه، الفقر.. الخ ) يعد محرماً، لما في ذلك من عظيم الظلم والجور. وذلك لضمان تحقيق الحكمة و الغاية الربانية من الرق، الهادفة ، إلى إعادة تنظيم الحياة لأصحاب تلك الحريات الطائشة، لتكون أكثر عدلاً، وذلك بإعادة عملها من جديد في الناموس الكوني، دون خرق أو تجاوز، بتسخيرها للعمل بيد ذلك المسلم، الذي بذل وقته وماله وحياته لنشر دين الله والقيام عليه، وذلك وفق ضوابط وتشريعات، يتولى تنظيمها سلطان التشريع الإسلامي.

ونلخص كذلك، إلى أن في عدم تقديم المعلومات إلى المتلقي كما هي، أثناء الطرح الإعلامي، خصوصاً للقضايا الفكرية، المتعلقة بالدين، نوعاً من المفاسد، ونوعاً من التضليل الإعلامي، المؤدي إلى تغيير المفاهيم الصحيحة، إلى أخرى زائفة، وخلق واقع جديد، لا علاقة له بالواقع المتحقق فعلاً .

وأملي أن يدرك الكاتب والإعلامي: محمود صباغ هذه الجزئية جيداً، ويفهمها فهماً صحيحاً دقيقا، حتى لا يوقع نفسه في الحرج مستقبلاً، لا سمح الله.

كما آمل منه، أن لا يسمح لنفسه، بأن يكون مطيه صحفية تمتطى، من قبل بعض الكتاب، الذين لهم اتجاهاً وجودياً، أو فكراً مجوسياً، أو من بعض أولئك، ممن لهم مفهوم ضال منحرف، والذين يسعون بكتاباتهم، إلى امتهان، وتسميم الفكر البشري.

وفي الختام، نسأل الله سبحانه، أن نكون قد وفقنا فيما قدمنا، والحمد لله رب العالمين.


التعليقات

( 1 ) رواه البخاري ( رقم 2227 ) .

( 2 ) كتاب العتق ، كتاب شرح أخصر المختصرات ، للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله .

( 3 ) سورة الأحزاب، آية رقم 5 .

( 4) كتاب الحرف والصناعات في الحجاز، للكاتب عبد العزيز إبراهيم العمري.

( 5 ) سورة محمد ، آية 4 .

( 6 ) سورة الأنفال، آية رقم 70 .

( 7 ) التقيين في الأصل تزين المرأة للزفاف، ثم أطلق على تزين الجارية وإصلاحها وتعليمها الغناء.

( 8 ) الألوسي : بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب ج 2 ص 4

( 9 ) كتاب القيان للجاحظ، من مجموعة رسائل الجاحظج٢- ص١٧١ - ١٧٥
لماذا تشاهد هذه الإعلانات؟
 

مواقع النشر

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود BB متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 03:41 PM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd