العودة   الحارة العمانية > حارة اللغة والأدب

ثنائيات دي سوسير

حارة اللغة والأدب

 
 
Bookmark and Share أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 16-01-11, 06:07 PM
منفتحة منفتحة غير متواجد حالياً
خاطـــر الحارة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الجنس: غير محدد
المشاركات: 12
Exclamation ثنائيات دي سوسير

ثنائيات دي سوسير في اللغة
عفراء بنت مسعود العدوي
3/1/2011
أبرز فردينان دي سوسير في مقدمة كتابه"دروس في الألسنية العامة" وجود مهمة أساسية لكل علم، يجب أن تحدد وتعرف هي ذاتها. وبالنسبة لعلم اللغة فإن ذلك مهم؛ لأن كثيرا من العلوم من جهة تعنى بالإنسان، وبلغته أيضا، ومن جهة أخرى قد بين الماضي أن علم اللغة في خطر أن تمتصه علوم أخرى لاسيما علم النفس والفلسفة. إنه يوافق الاحتكاك بتلك العلوم المتقاربة معه، غير أن علم اللغة يجب أن يبدأ من واقع علم مستقل، ويحدد موضوعا خاصا به، ويطور مناهج خاصة لبحثه.
اللغة والكلام:
فرق سوسير بين اللغة والكلام على أساس أن اللغة ذات طبيعة مستقلة عن الكلام الذي يعد منتجا فرديا شخصيا، مثل عازف آلة موسيقية –العود مثلا- ينتج باستعماله لها أنغاما تختلف عن تلك التي ينتجها عازف عود آخر، في الوقت الذي تبقى فيه الآلة مستقلة، وذات طبيعة مستقلة أيضا عن النغمات.
تنبني على هذا التفريق نتيجة مهمة، وهي أن دراسة اللغة تختلف عن دراسة الكلام الذي هو منتج فردي شخصي، وإذا كانت اللغة من حيث طبيعتها أقرب إلى الشكل؛ فإن الكلام أقرب إلى التطبيق، أو لنقل أنه مادة تستوعب ما هو عارض ومتغير بدرجة أكبر مما تستطيع أن تستوعبه اللغة، وهو ذو طبيعة تستجيب لأي قياس لأنه عرضيّ لا جوهريّ، ومتغير متنوع، وغير ثابت، وفردي غير اجتماعي. وموضوع علم اللغة أو اللسانيات ليس الكلام، إنما هو اللغة المعنية بالذات، فهي ذات بناء ونظام ثابت يتكون من مستويات مترابطة ترابطا يحول دون استقلال أحدهما عن المستويات الأخرى. وقد لوحظ أن كل فرد عند الكلام يجب أن يتبع قواعد اللغة المعنية التي يستعملها ليكون كلامه مفهوما لكنه في الوقت نفسه قد يكون التزامه بتلك القواعد غير دقيق، وقد يتضمن انحرافات تفصح عن بداهته، وطلاقته وطابعه الشخصي.
الدال والمدلول:
انطلق سوسير في تحديده اللغة من رفض اعتبارها "مصطلحية" أي قائمة من المفردات توافق عددا مماثلا من الأشياء، ورفض اعتبار الوحدات اللغوية "علامات" تنوب عن الأشياء ذاتها، وحدد اللغة بكونها نظاما من الدلائل، ففي مستوى اللفظ يلاحظ المرء أن موجات صوتية تحدث في السامع المتقبل انطباعات دلالية، وأن الانطباعات يعبر عنها المتكلم بإصدار موجات صوتية، وعملية اللفظ مزدوجة وذات وجهين بالضرورة وكل وجه من وجهيها ذو طابع مادي.
إن اللساني لا يهتم بالمرجع (المدلول عليه) الموجود في الواقع الذي يحيل إلى العنصر المحسوس المادي، بل إن اهتمامه منصب على المدلول (المفهوم)، وعليه فالدليل اللساني عند سوسير ما ربط بين المدلول (المفهوم) والصورة الصوتية التي تشير إليه ( الدال).
إن الدليل اللساني (العلامة اللغوية) عند سوسير عبارة عن:
أ. الدال: مجموعة الأصوات القابلة للتقطيع أي الصورة الصوتية.
ب. المدلول: المفهوم أو المعنى الذي يشير إليه الدال.
إذاً العملية التواصلية بين الأفراد تتكون وفق الطريقة التالية:
هناك مفهوم يريد المتكلم إيصاله إلى المتلقي، فلنسمه المرجع أو المدلول عليه، ثم يستدعي المتكلم معلوماته المختزنة في ذاكرته؛ أي يقوم بتشغيل نظامه اللغوي الذاتي ذي الطابع الداخلي لأجل اختيار المفهوم (المدلول) المطابق لذلك المرجع، ثم يربط المدلول بالصورة الصوتية المادية المجانسة له (المرجع) والتي ورثها عن مجتمعه أي من التمثيل الثقافي المخزون في ذاكرة الجماعة الناطقة. فالدليل اللغوي لا يصل بين المدلول عليه (المرجع) ولفظه، ولا بين المدلول عليه (المرجع) والمفهوم (المدلول)، بل إنه يربط بين الصورة الذهنية للشيء المادي (المرجع) وما يقابلها من أصوات (الدال)، فهذه الصورة الصوتية ليست هي الصوت المادي؛ لأنه شيء فيزيائي محض، بل انطباع هذا الصوت في النفس والصورة الصادرة عما تشاهده حواسنا، فمثلا المتكلم يريد التحدث عن القلم (المدلول)، فترتسم في ذهنه صورة القلم –أي الشكل المادي له- (المرجع)، ثم ينطق بالقلم في صورة صوتية قابلة للتقطيع (الدال). إذاً الدليل اللغوي كيان نفسي ذو وجهين هما الدال والمدلول، والعلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية لا تتدخل فيها إرادة الأفراد الجماعية؛ أي أنها علاقة غير خاضعة إلى التبرير والتعليل العقليين.


الوصفية والتاريخية:
تتراوح الدراسات اللغوية بين الوصفية والتاريخية التطورية، فهي تارة دراسات وصفية مفتقرة من البعد التاريخي، أو تنقيه ولا تعترف به صراحة لاعتبارها اللغة مرآة تعكس البنى المنطقية الموروثة، وهي تارة أخرى دراسات تاريخية تفتقر من أرضية وصفية لاعتبارها التفسير التاريخي هو التفسير الوحيد المقبول.
تحتل الثنائية التي تقابل بين الوصفية والتاريخية إحدى الركائز المنهجية التي أرساها سوسير وأولاها عناية كبيرة، على أن هذه الثنائية لا تتصل بمجرد المبادئ المنهجية ولم يكن وضعها لمجرد وضع حد لذلك الاضطراب الذي لاحظه سوسير في مجال الدراسات اللغوية بل هي ذات جذور أعمق وتنبع من ظاهرة دلالية عامة هي قيام جميع الأنظمة الدلالية على مبدأ اللاتحول والتواصل عبر الزمان مقترنا بالتحول والتغيير عبر الزمان.
ثار سوسير على الدراسة التاريخية التقليدية للغة ورأى أن هناك طريقين مختلفين لدراسة اللغة أما أحدهما فسماه المنهج "الدياكروني" أو التاريخي أو ما يدعى أحيانا بالنظرة "الديناميكية". والثاني هو طريق التحليل "السايكروني" أو ما عرف فيما بعد عند بعضهم بالوصفي أو الآني أو التزامني.
ثم أخذ سوسير يفرق تفريقا تاما بين هذين الطريقين، فالمنهج الدايكروني أساسه تعدد المدد، حيث يتعرف الدارس على الظواهر اللغوية من مدة إلى أخرى على ما أصابها من تغير وتطور. ولكن المنهج السايكروني خاصته الأساسية وحدة المدة الزمنية، مع قصر وظيفة اللغويين في هذه الحالة على النظر في وحدات التركيب اللغوي للوقوف على نوع العلاقات الداخلية بينها في هذا التركيب. إن الدارس –على هذا المنهج- لا يدخل عامل الزمن في حسبانه وإنما يعنيه أن يأخذ اللغة على أنها نظام بنيوي ثابت في نقطة محددة من الزمن لا يتعداها.
والمنهجان في نظر سوسير صالحان للأخذ بهما وضروريان للبحث اللغوي، ولكن مع التمييز بينهما والتفريق بين وظائفهما. ولا يجوز الخلط بينهما معا في آن. وحذر سوسير من اعتماد الدراسة السايكرونية بالذات على النظرة التاريخية، لما يعقب ذلك خلط في النتائج اللغوية، ولكن الطريقة الدايكرونية لها أن تلجأ إلى المنهج السايكروني، بل ذلك أمر ضروري حيث أن تعدد المدد يعني انتظام العمل إلى أكثر من دراسة سايكرونية سابقة.
خلاصة القول إن النظرة الوصفية في دراسة اللغة ترفض التفسير التاريخي للظواهر اللغوية لأن الزمان ليس هو العامل الفيصل في دراسة الأشياء، بل إن الزمان مجرد إطار لها، أما علة التغيير الذي يطرأ على عناصر اللغة ذاتها تكمن من جهة طبيعة العناصر المركبة لها في لحظة معلومة، ومن جهة أخرى في علاقات البنية القائمة بين تلك العناصر.
الاقترانية والتركيبية:
تتكون اللغة من نمطين من العلاقات: علاقات جدولية (اقترانية)، وعلاقات ترتيب (تركيبية). وتختص العلاقات الاقترانية بعضها ببعض خارج النظام اللغوي، والعلاقات التركيبية تختص بتأليف العناصر في أشكال وجمل معقدة أي داخل النظام اللغوي.
فالعلاقات الاقترانية وتسمى أيضا علاقات استبدالية تقع خارج الكلام، وتنشأ في الذاكرة بين الكلمات التي تنتمي إلى مجموعات مختلفة أو متتالية لكي تدخل في علاقات تنوع داخل الفئة الواحدة، وهذه العلاقة لا نجد فيها أي وحدات مرتبطة معا.
أما علاقات التراكيب تقع داخل الكلام، إذ تخضع الكلمات لنوع من العلاقات يختلف عن النوع الأول، ونجد فيها ترابطا بين وحداتها، وهذه العلاقة أفقية تسير في مسار خطي مع الزمن عند النطق بالكلمات التي تمثل وحدات الجمل. فمثلا عند النطق بالجملة "الأسد في الغابة" معنى الجملة يتحدد من دخول الكلمات في علاقات أفقية ببعضها داخل الجملة ويتكشف المعنى تدريجيا مع المضي في الزمن أثناء النطق بمفردات الجملة، فعند محاولة الإجابة على سؤال: أين الأسد؟ لا يمكن تحديد الإجابة إلا بالنظر إلى العلاقات التي تتخذها الكلمات بالنسبة إلى بعضها بعضا، إذ لو بدلنا (الغابة) مكان (الأسد) لتصبح الجملة "الغابة في الأسد" سيختلف معنى الجملة، وستصبح الإجابة على السؤال مختلفة، وهذا التغيير تغيير في علاقات التراكيب؛ لأنه تغيير في المسيرة الأفقية للجملة. لكن لو أبدلنا (الأسد) بكلمة أخرى مثل (النمر) لتصبح الجملة "النمر في الغابة" هنا التغيير في علاقات الاقتران على مستوى رأسي لاستبدال (الأسد) بما يقترن به من مفردات في عقل المتكلم.
أخيرا ميز سوسير بين نوعين من العلاقات القائمة بين العناصر اللغوية العلاقات الاقترانية التي كان يسميها بالعلاقات الترتيبية والعلاقات التركيبية، تظهر العلاقات الاقترانية عبر تشابه ترتيب الوحدات في محور اللغة الاستبدالي (المحور العمودي) في حين تظهر العلاقات التركيبية عبر تجاوز العناصر في المحور التركيبي( المحور الأفقي).
تعددت الإشارات إلى ولوع سوسير بالبحث عن وجوه التناقض في اللغة وجرت في العادة أن يتخذ الحديث عن سوسير شكل قائمة من المقابلات بين أزواج من المفاهيم، ويعد مجرد عرض تلك المقابلات ملخصا لنظريته وممثلا لها فمنذ سنة 1938 أشار ياكبسون إلى أن سوسير أهم من كشف القناع عن التناقضات اللغوية.
لكن هذه الثنائيات لم تكن مجرد جمع بين مفاهيم متفرقة مبعثرة بل كان سوسير بها واعيا شديد الوعي، واهتدى إليها إثر تأمل عميق وتصور شامل للظاهرة اللسانية، والبحث عن هذه الثنائيات وتفسيرها يدخلان ضمن المهام المنوطة بعهدة الألسني.

المراجع:
1. الألسنية (علم اللغة الحديث) المبادئ والأعلام، د. ميشال زكريا، المؤسسة الجامعية للدراسات، 1983م.
2. أصول تراثية في علم اللغة، د. كريم زكي حسام الدين، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1985م.
3. أهم المدارس اللسانية، د. محمد الساوش، عبد الحميد كمون، منشورات المعهد القومي لعلوم التربية، تونس، 1986م.
4. التفكير اللغوي بين القديم والجديد، د. كمال بشر، دار غريب، القاهرة، 2005م.
5.مدخل إلى علم اللغة، د، إبراهيم الخليل، دار المسيرة، عمّان، الطبعة الأولى، 2010م.
6. محاضرات في المدارس اللسانية المعاصرة، د. شفيقة العلوي، أبحاث للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2004م.
7. مناهج علم اللغة من هرمان باول حتى ناعوم تشومسكي، بريحبيته بارتشت، ترجمه، أ.د. سعيد حسن بحيرى، مؤسسة المختار، الطبعة الأولى، 2004م.

منقول من ملحق شرفات..
لماذا تشاهد هذه الإعلانات؟
 

مواقع النشر

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود BB متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 02:21 PM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd