ss

شرح ديوان المتنبي

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
  1. #21
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    وربتما حملة في الوغى ... رددت بها الذبل السمر سوادا
    التاء في ربتما للتأنيث وما صلة يقول رب حملة لك على اعدائك في الحرب صرفت بها رماحك السمر سودا أي لطختها بالدماء حتى اسودت عليها لما جفت
    وهول كشفت ونصل قصفت ... ورمح تركت مبادا مبيدا
    يقول رب هول كشفته عن أوليائك وحزبك ورب سيف كسرته بقوة ضربك ورب رمح تركته مهلكا باستعمالك إياه في الطعن ومبيدا حال من الممدوح أي تركته مهلكا في حال إبادتك به وطعنك العدو ولا يجوز أن يكون نصبه كنصب مبادا لأنه بعد أن صار مبادا لا يكون مبيدا وجميع من فسر هذا الديوان جعلوا المباد والمبيد للرمح وقالوا تركته مبادا وكان مبيدا وإضمار كان لا يجوز في هذا الموضع لأنه لا دليل عليه ومثل هذا المعنى في السيف قول البعيث، وإنا لنعطى المشرفية حقها، فتقطع في أيماننا فتقطع، وقال أيضا أبو تمام، وما كنت إلا السيف لاقى ضريبةً، فقطعها ثم انثنى فتقطعا، وكرر أبو الطيب هذا المعنى فقال، قتلت نفوس العدى بالحديد، البيت وقال ألقاتل السيف في جسم القتيل به، البيت
    ومال وهبت بلا موعدٍ ... وقرن سبقت إليه الوعيدا
    هذا كقوله، لقد حال بالسيف دون الوعيد، وحالت عطاياه دون الوعود،
    بهجر سيوفك أغمادها ... تمنى الطلا أن تكون الغمودا
    يقول سيوفك قد هجرت أغمادها لأنها أبدا يضرب بها ولا ترجع إلى أغمادها فاعناق اعدائك تتمنى أن تكون أعمادا لها فلا تجتمع معها أبدا وغلط ابن دوست في هذا البيت مع وضوحه غلطة فاحشة فقال يقول يقول سلك السيوف وتفريقك بينها وبين أغمادها تتمنى اعناق الناس أن تكون غمودا لها فتغمدها فيها حتى يقل الضرب والقتل بها يريد شدة حبهم لاغمادها ولو كان ذلك في اعناقهم هذا كلامه وكنت أربأ به عن مثل هذا الغلط مع تصدره في هذا الشأن ونعوذ بالله من الفضيحة أما علم أن الغمود في القافية هي الإغماد المذكورة في البيت وكيف يفسر قوله بهجر سيوفك بقوله عند سلك السيوف ومتى تكون الباء بمعنى عند
    إلى الهام تصدر عن مثله ... ترى صدراً عن ورودٍ ورودا
    هذا البيت متصل بالذي قبله وهو مؤكد لمعناه وإلى من صلة الهجر أي بهجر سيوفك اغمادها إلى الهام كقوله قالوا هجرت إليه الغيث وتصدر معناه الحال أي صادرة عن مثل ما هجرت إليه أي تأتي الرؤوس وهي صادرة عن رؤوس قوم آخرين وصدرها عما وردت عليه ورودها على مثل ما صدرت عنه فهي أبدا صادرة عن هام إلى هام وصدرها أبدا ورودها إلى هام أخرى لذلك لا تعود إلى أغمادها ولم يفسر هذا البيت أحد كما فسرته
    قتلت نفوس العدى بالحدي ... د حتى قتلت بهن الحديدا
    هذا مثل قول أبي تمام، وما مات حتى مات مضرب سيفه، من الضرب واعتلت عليه القنا السمر، ومعنى قتل الحديد بهن كسره في نفوسهم
    فأنفدت من عيشهن البقا ... وأبقيت مما ملكت النفودا

    يقول أفنيت بقاء نفوس الاعداء أي اهلكتهم وأبقيت فناء الماء الذي كنت تملكه والمعنى انك اهلكت اعداءك وفرقت اموالك وقال ابن دوست من عيشهن يعني عيش السيوف لأنك كسرتها في الرؤوس حتى كأنك قتلتها فماتت وغلط في هذا أيضا لأن الكناية في عيشهن تعود إلى نفوس العدى لا إلى السيوف ولم يتقدم لفظ السيوف إنما تقدم ذكر الحديد في البيت السابق
    كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبقي الخلودا
    يقول لإفراط سرورك ببذل المال كأنك تبغي بذلك الغنا لأنك تسر بما تعطيه سرور غيرك بما يأخذه فكان عندك أن الفقر هو الغني وكأنك إذا مت في الحرب ترى أنك مخلد
    خلائق تهدى إلى ربها ... وآية مجدٍ أراها العبيدا
    أي للممدوح خلائق تدل عليه من الكرم والفضل ومحاسن الشيم وتدل على معرفته وله آية مجد أراها الناس وهم عبيده وهذا معنى قول أبي الفتح واحسن من هذا أن يقال خلائق خبر مبتداء محذوف أي هذه خلائق يعني ما ذكر قبل هذا البيت يستدل بها على قدرة خالقها لأنها أخلاق عجيبة لا يقدر عليها إلا الله الواحد القادر وهي آية مجد أراها الله عباده حتى يستدلوا بها على المجد والشرف
    مهذبة حلوة مرة ... حقرنا البحار بها والأسودا
    مهذبة لا عيب فيها حلوة لاوليائك مرة على اعدائك ويجوز أن يقال حلوة لأن كل أحد يحبها ويعشقها ويستحليها مرة لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس حقرنا البحار بها والأسود لزيادتك عليهما بالجود والشجاعة
    بعيد على قربها وصفها ... تغول الظنون وتنضى القصيدا
    يقول وصف اخلاقك بعيد مع قرب اخلاقك منا لانا نراها ولكن لا نقدر على وصفها لأنها تهلك الظن فلا ندركها بالظن وتهزل القصائد فلا يبلغ الشعر غاية مدحك
    فأنت وحيد بنى آدمٍ ... ولست لفقد نظير وحيدا
    يقول له لم تصر وحيدا لأنك فقدت نظيرا كان لك بل كنت وحيدا لم تزل والوحدة صفة لك لازمة وقال يمدح بدر بن عمار بن اسماعيل وكان قد وجد علة ففصده الطبيب فغرق المبضع فوق حقه فأضر به
    أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل
    يقول ابعد بعد المليحة بخلها إذ لا يمكن قطع مسافة البخل ثم قال في البعد أي في جملة البعد وانواعه ما لا تكلف الإبل قطعه وهو البعد بالبخل فإن الإبل لا تقرب هذا البعد ومثل هذا يقول الطاءي، لا أظلم النأي قد كانت خلائقها، من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا، وقوله أيضا، ففراقٍ جرعته من فراق جرعته من صدود، وقال أيضا البحتري، على أن هجران الحبيب هو النوى، لدي وعرفان المسيء هو العدل، وقال إبراهيم بن العباس، وإن مقيمات بمنقطع اللوى، لأقرب من ميٍّ وهاتيك دارها،
    ملولة ما يدوم ليس لها ... من مللٍ دائم بها ملل
    يقال رجل ملول وامرأة ملول فتدخل فيهما للمبالغة يقول تمل كل شيء دام إلا مللها الدائم فإنه لا تمل ذلك ولو ملته لتركته وعادت إلى الوصل ومن روى تدوم بالتاء كانت ما للنفي أي ليست تدوم على حالٍ
    كانما قدها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل
    يعني أنها تتمايل في مشيها تمايل سكران نظر إلى طرفها فسكر من خمر عينيها
    يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل


    يريد أن عجزها ثقيل بكثرة اللحم وهو يجذبها إذا همت بالنهوض هذا معنى قوله يجذبها تحت خصرها عجز وقوله كأنه من فراقها وجل اخطأ في تفسير هذا المصراع ابن جنى وابن دوست فقال ابن جنى كأن عجزها وجل من فراقها فهو متساقط متجدل قد ذهبت منته وتماسكه هذا كلامه ولم يعرف وجه تشبيه العجز بالوجل من فراقها ففسره بهذا التفسير وإنما يصير العجز بالصفة التي وصفها عند الموت وما دامت الحياة باقية لا يصير العجز متساقط ذاهب المنة وقال ابن دوست عجزها يجذبها إلى القعود لأنه خائف من فراقها فيقعدها بالأرض وهذا أفسد مما قاله ابن جنى ومتى وصف العجز بالخوف من فراق صاحبه وأين رأى ذلك ولكنه أراد وصف عجزها بكثرة اللحم وتحرك اللحم عليه لكثرته فشبهه بارتعاده واضطرابه بخائف من فراقها والخائف يوصف بالارتعاد وكذلك العجز إذا كثر لحمه كما قال، إذا ماست رأيت لها ارتجاجا، فهما يتشابهان من هذا الوجه والتقدير كأنه انسان وجل أو شيء وجل من فراقها وأراد كان العجز في اضطراب لحمه خائف من فراقها فلذلك ارتعد والوجل على هذا هو العجز لا غيره وليس الجذب سبب الوجل كما ذكره ابن دوست والمعنى أن عجزها بثقله وكثرة لحمه يجذبها إلى القعود كأنه خائف من فراقها فيقعدها بالأرض إذا همت بالنهوض
    بي حر شوقٍ إلى ترشفها ... ينفصل الصبر حين يتصل
    يريد ترشف فمها وهو مص ريقها يقول إذا اتصل بي ذلك الشوق انفصل الصبر
    الثغر والنحر والمخلخل والم ... عصم دائي والفاحم الرجل
    يعني أنه يحب هذه الأشياء وهذه المواضع من بدنها فهي داؤه والمعصم من اليد موضع السوار
    ومهمةٍ جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل
    يصف شدة سيره وأنه يجوب الفلاة التي تعجز عنها النوق الصلاب المذللة بالعمل المروضة للسير العرامس جمع عرمس وهو الصخرة والناقة الشديدة
    بصارمي مرتدٍ بمخبرتي ... مجتزىء بالظلام مشتمل
    أراد فأنا مرتد بصارمي فحذف المبتدأ والمعنى متقلد بسيفي مكتفٍ بعلمي وخبرتي فلم احتج إلى دليل يهديني الطريق لابس ثوب الظلام كما يشتمل الرجل بثوب أو كساء
    إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل
    يقول إذا تغير صديقي وحال عن مودته فانكرت جانبه لم تعجزني الحيلة في فراقه أي فارقته ولم أقم عليه
    في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل
    الخافقان فطرا الهواء وهما المشرق والمغرب والمضطرب موضع الاضطراب وهو الذهاب والمجيء يقول الأرض واسعة والبلاد كثيرة فإذا لم يوافقني مكان فلي عنه بدل كما قال البحتري، فإذا ما تنكرت لي بلاد، أو صديق فإنني بالخيار، وقال عبد الصمد بن المعذل، إذا وطن رابني، فكل بلاد وطن، وقال أيضا الآخر، إذا تنكر خل فاتخذ بدلا، فالأرض من تربةٍ والناس من رجل،
    وفي اعتمار الأمير بدر بن عم ... ار عن الشغل بالورى شغل
    الاعتمار الزيارة ومنه قول الأعشى، وراكبٍ جاء من تثليث معتمرا، وقال العجاج، لقد سما ابن معمر حين اعتمر، مغزى بعيداً من بعيد وصبر، يقول قصدي إياه يشغلني عن قصد غيره ويروي اعتماد بالدال ومعناه الاعتماد بالسير إليه وتعليق الرجاء به
    أصبح مالا كماله لذوي ال ... حاجة لا يبتدي ولا يسل
    أي يغنيهم بنفسه وماله وهو لهم مال وكما أن ماله يؤخذ بلا إذن كذلك لا يستأذن في الدخول عليه فكل من ورد عليه أخذ ماله بلا ابتداء من بدر ولا مسألة من الوراد
    هان على قلبه الزمان فما ... يبين فيه غم ولا جذل
    هذا صفة الكامل العقل الذي يستخف بالنوائب والحوادث لعلمه أنها لا تبقى لا الغم ولا السرور فلا يكون لهما فيه أثر فلا يبطر عند السرور ولا يجزع عند ما يجزئه
    يكاد من طاعة الحمام له ... يقتل من ما دنا له الأجل
    يكاد من صحة العزيمة ما ... يفعل قبل الفعال ينفعل
    يكاد فعله يسابقه لصحة تقديره ونفاذ عزيمته فما يفعل ينفعل قبل فعله
    تعرف في عينه حقائقه ... كأنه بالذكاء مكتحل
    يقول حقائق الخصال والمعاني التي خلقها الله فيه تعرف بالنظر إلى عينه فكأن ذكاءه وحدة ذهنه وفطنته موجود في عينه كالكحل
    أشفق عند اتقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل


    يقول إذا اضطرمت فكرته واحتد ذهنه اشفقت عليه أن يشتعل بنار فكرته فيصير نارا متوقدا كما قال ابن الرومي، أخشى عليك اضطرام الذهن لا حذرا،
    أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكبروا الذي فعلوا
    يقبلهم وجه كل سابحةٍ ... أربعها قبل طرفها تصل
    أي يجعل إليهم وجه كل فرس سابحة تقول اقبلته وجهي أي حولته وجهي وهذا من قول أبي نواس، يسبق طرف العين في التهابه، أي في شدة عدوه
    جرداء ملإ الحزام مجفرةٍ ... تكون مثلي عسيبها الخصل
    يقول أنها تملأ الحزام بسعة جنبيها وعظم بطنها والمجفرة الواسعة الجنبين والجفرة سعتهما والخصل جمع خصلة يريد أن شعر ذنبها أطول من عسيبها وهو عظم الذنب ويستحب قصره وطول شعره
    إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل
    التليل العنق والكفل الردف ويستحب فيهما الأشراف أي من حيث تأملتها وجدتها مشرفة عند اقبالها بعنقها وعند ادبارها بعجزها كما قال عليّ بن جبلة، تحسبه أقعد في استقباله، حتى إذا استدبرته قلت أكب،
    والطعن شزر والأرض واجفة ... كأنما في فؤادها وهل
    أصل الشزر في الفتل وهو ما أدير به عن الصدر ثم يستعمل في الطعن فيقال شزرا إذا فتل يده عن يمين أو شمال وذلك أشد الطعن وواجفة مضطربة لشدة الحرب ترى أن الأرض تتحرك كان في قلب الأرض فزعا فهي ترتعد من الخوف ولما وصف الأرض بالحركة من الخوف استعار لها قلبا والواو واو الحال لأن المعنى يقبلهم وجه كل سابحة في هذه الحال
    قد صبغت خدها الدماء كما ... يصبغ خد الخريدة الخجل
    شبه وجه الأرض متلطخا بالدماء بخد الجارية الحيية إذا خجلت فاحمر لونها
    والخيل تبكي جلودها عرقا ... بأدمع ما تسحها مقل
    سار ولا قفر من مواكبه ... كأنما كل سبسبٍ جبل
    يريد أنه عم القفار والأماكن الخالية بجيوشه فملأها حتى لم يبق قفر والسبسب المتسع من الأرض وشبهه بالجبل لكثافة جيوشه وارتفاعها بالخيل والأسلحة والرماح الا ترى أنه قال
    يمنها أن يصيبها مطر ... شدة ما قد تضايق الأسلُ
    فجعل فيها من الرماح ما يمنعها المطر من تضايقها بكثرتها وأصل هذا المعنى لقيس بن الحطيم، لو أنك تلقى حنظلاً فوق هامنا، تدحرج عن ذي سامة المتقارب، ثم قال ابن الرومي، فلو حصبتهم بالفضاء سحابة، لظلت على هاماتهم تتدحرج، فنزل عن الحنظل إلى البرد وبالغ في ذلك ثم نزل المتنبي عن البرد إلى المطر وهو الطف منه ثم أخذ السري هذا المعنى فقال، تضايق حتى لو جرى الماء فوقه، حماه ازدحام البيض أن يتسريا،
    يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل
    يقول أنت بدر في الحسن بحر في الجود سحاب في كثرة العطاء ليث في الشجاعة موت للعدو ورجل في الحقيقة يعني جمعت هذه الأوصاف وأنت رجل
    إن البنان الذي تقلبه ... عندك في كل موضع مثل
    أي يضرب بها المثل في الجود
    إنك من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا
    أي بخلوا عند أنفسهم ولم يفعلوا الواجب عليهم بحكم جودهم حيث لم يهبوا الأعمار
    قلوبهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتهم في تمام ما اعتقلوا
    الامتشاق الافتعال من المشق وهو سرعة الطعن والضرب والاعتقال امساك الرمح بين الساق والركاب يقول قلوبهم في مضاء سيوفهم وقدودهم في طول رماحهم والعائد إلى الموصول محذوف من البيت وتقديره ما امتشقوا به واعتقلوه
    أنت نقيض اسمه إذا اختلفت ... قواضب الهند والقنا الذبل
    يقول أنت رجل نقيض اسمه إذا جاءت الرماح وذهبت وتفسير هذا البيت فيما بعده
    أنت لعمري البدر المنير ولك ... نك في حومة الوغى زحلُ
    القمر سعد وزحل نحس يريد أنك في الحرب نحس على اعدائك
    كتيبة لست ربها نفلٌ ... وبلدة لست حليها عطل
    النفل الغنيمة والعطل التي لا حلي لها يقول كل كتيبة لست صاحبها فهي نفل للعدو وكل بلدة لست حليها فهي عطل عن الحلي
    قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسبل


    يقول قصدك الناس من شرق الأرض وغربها طمعا في عطائك وحرصا على لقائك حتى اشتكتك الإبل لكثرة ما امتطيت إليك والطرق بكثرة ما وطئت وذللت بالخفاف والحوافر والأقدام وقال ابن دوست لأنها ضاقت بكثرة القاصدين والسالكين وليس بشيء وشكوى الإبل كثيرة في الشعر كقول أبي العتاية، إن المطايا تشتكيك لأنها، قطعت إليك سباسبها ورمالا، وكقول البحتري، يشتكي الوجى والليل ملتبس الدجى، غريرية الأنساب مرت بقيعها، ومثله كثير وأما اشتكاء السبل فهو من اختراعات المتنبي وكنى عن الأرض في شرقها وغربها قبل الذكر
    لم تبق إلا قليل عافيةٍ ... قد وفدت تجتديكها العلل
    هذا كقوله أيضا، وبذلت ما ملكته نفسك كله، حتى بذلت لهذه صحاتها،
    عذر الملومين فيك أنهما ... آسٍ جبان ومبضع بطل
    كان الفصاد قد فصده واخطأ في فصده ونفذت حديدته في يده واصابه لذلك مرض وجعلهما ملومين في ذلك الخطأ الحاصل منهما ثم قال عذرهما فيك أن الطبيب كان جبانا فارتعدت يده والمبضع كان شجاعا لحدته ونفاذه فتولدت العلة من هذين ثم ذكر للطبيب عذرا آخر فقال
    مددت في راحة الطبيب يدا ... وما دري كيف يقطع الأمل
    أي إنما وقع له الخطأ لأن يدك أمل كل أحد منها يرجون العطاء والإحسان ولم يدر الطبيب كيف يقطع الأمل لأنه إنما تعود قطع العروق لا قطع الآمال وقال ابن جنى أي أن عروق كفك تتصل بها اتصال الآمال فكأنها آمال وهذا خطأ فاسد وكلام من لم يعرف المعنى
    إن يكن النفع ضر باطنها ... فربما ضر ظهرها القبل
    عني بالنفع الفصد ويروي البعض وهو اظهر وأراد بضر القبل كثرة تقبيل الناس ظهر كفه حتى أثرت فيه وضرته وقد اكثر الشعراء في ذكر تقبيل اليد ولم يذكر أحد أنها استضرت بالقبل غير أبي الطيب وهو من مبالغاته قال ابن الرومي، فامدد إلى يداً تعود بطنها، بذل النوال وظهرها التقبيلا، وقال إبراهيم بن العباس، لفضل بن سهل يد، تقاصر عنها المثل، فباطنها للندى، وظاهرها للقبل، وقال أبو الضياء الحمصي، ما خلقت كفاك إلا لأربع، وما في عباد الله مثلك ثاني، لتجريد هندي وإسداء نائل، وتقبيل أفواه وأخذ عنان، وقد ملح من قال، يد تراها أبداً، فوق يد وتحت فم، ما خلقت بنانها، إلا لسيف أو قلم،
    يشق في عرقها الفصاد ولا ... يشق في عرق جودها العذل
    الفصاد هو الفصد وأراد بالشق التأثير والنفاذ لذلك عداه بفي واستعار لجوده عرقا لما ذكر عرق يده يقول الفصد يشق عرق يدرك والعذل لا يشق عرق جودها أي لا ينجع قول العاذل فيك
    خامره إذ مددتها جزع ... كأنه من حذاقة عجل
    يقول خالط الطبيب لما مددت يدك إليه للفصد جزع من هيبتك فعجل في الفصد ولم يتأن كأنه عجل من حذقه ومن روى عجل على المصدر أراد كأنه ذو عجل من حذاقة فحذف المضاف
    جاز حدود اجتهاده فأتى ... غير اجتهاد لأمه الهبل
    يقول بالغ في الاجتهاد حتى جاوز حد الاجتهاد ففعل ما هو غير اجتهاد لأن الخطأ من فعل المقصرين ثم دعا عليه فقال لأمه الهبل وهو الثكل
    أبلغ ما يطلب النجاح به ال ... طبع وعند التعمق الزلل
    التعمق بلوغ عمق الشيء وهو اقصاه يريد به المبالغة ومجاوزة الحد يقول النجاح في الأمور مقرون بما يفعله الإنسان بطبعه فإذا تكلف وبالغ زل فأخطأ
    إرث لها إنها لما ملكت ... وبالذي قد أسلت تنهمل
    مثلك يا بدر لا يكون ولا ... تصلح إلا لمثلك الدول
    يقول لا يخلق الله مثلك ولا تصلح الدولات إلا لك في جودك وكرمك واحسانك إلى الناس وصاحب الدولة يجب أن يكون كريما سخيا لينتفع الناس بدولته والمثل الثاني صلة يريد إلا لك وقال أيضا يمدحه
    بقاءي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا
    يقول لما ارتحلوا عني ارتحل بقاءي شاء ارتحالا لا هم شاءوا ذلك وكأنهم زموا صبري للمسير لا جمالهم لأني فقدت الصبر بعدهم وإنما نفى الارتحال عنهم لأن ارتحال بقائه أهم وأعظم شأنا فكأن ارتحالهم ليس ارتحالا عند ارتحال بقائه ولأنهم ربما يعودون والبقاء إذا ارتحل لم يعد وكذلك مسير صبره أعظم من مسير الجمال فلم يعتد بسير جمالهم مع سير صبره عنه
    تولوا بغتة فكأن بينا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا


    الاغتيال الاهلاك يقال غاله واغتاله إذا اهلكه يقول كأن الفراق هابني ففاجأني باغتياله والمعنى فاغتالني اغتيالا مفاجأةً
    فكان مسير عيسهم ذميلاً ... وسير الدمع إثرهم انهمالا
    قال أبو الفتح أي سبقت دموعي عيرهم والذميل سير متوسط وقال ابن فورجة ظن أبو الفتح أنه يريد دمعي كان اسرع من سير العيس وليس كما ظن ولكن جمع ذكر سيرهم وسيلان دمعه على أثرهم في بيت واحد توجعا وتحسرا وليس يريد السبق والتأخر ومثله لابن رومي، لهم على العيس إمعان يشط بهم، وللدموع على الخدين إمعان،
    كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخاتٍ فلما ثرن سالا
    يقول كنت لا أبكي قبل فراقم فكأن ابلهم كانت تمسك دمعي عن السيلان ببروكها فوق جفني فلما فارقوني سال دمعي فكأنها ثارت من فوق جفني فسال ما كانت تمسك من دموعي قال ابن جنى وما قيل في سبب بكاء أظرف من هذا
    وحجبت النوى الظبيات عني ... وساعدت البراقع والحجالا
    لبسن الوشى لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا
    يقول لا حاجة لهن إلى التجميل بلبس الديباج ولكن يلبسنه لصون جمالهن به وقيل للصاحب اغرت على ابن الطيب في قولك، لبسن برود الوشي لا لتجمل، ولكن لصون الحسن بين برود، فقال نعم كما اغار هو في قوله، ما بال هذي النجوم حائرة، كأنها العمى ما لها قائد، على بشار في قوله، والشمس في كبد السماء كأنها، أعمى تحير ما لديه قائد،
    وضفرن الغدائر لا لحسن ... ولكن خفن في الشعر الضلالا
    التضفير فتل الذوابة والغدائر الذوائب يقول لم ينسجن ذوائبهن لتحسين ولكن خفن ضلالهن في الشعور لو أرسلنها وقد زاد في هذا على أمرء القيس في قوله، تضل العقاص في مثنى ومرسل، لأنه جعلهن يضللن
    بجسمي من برته فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا
    يقول افدي بجسمي من هزلته حتى لو جعلت قلادتي ثقب درة لجال في يصف دقته ونحوله
    ولولا أنني في غير نوم ... لبت أظنني مني خيالا
    يقول لولا أنني يقظان لكنت أظن نفسي خيالا يعني أنه كالخيال في الدقة إلا أن الخيال لا يرى في اليقظة وقوله مني أي من دقتي ويبعد أن يقال عن نفسي لأنه قد قال اظنني ومعناه اظن نفسي ولا يقال اظن نفسي من نفسي خيالا
    بدت قمراً ومالت خوط بانٍ ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
    هذه اسماء وضعت موضع الحال والمعنى بدت مشبهة قمرا في حسنها ومالت مشبهة غصن بان في تثنيها وحسن مشيها وفاحت شبهة عنبرا في طيب رائحتها ورنت مشبهة غزالا في سواد مقلتها وهذا يسمى التدبيج في الشعر ومثله، سفرن بدورا وانتقبن أهلةً، ومسن غصونا والتفتن جآذرا،
    كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا
    المشغوف الذي قد شغف الحب قلبه أي أحرقه ومنه قول امرء القيس، أيقتلني وقد شغفت فؤادها، كما شعف المهنوءة الرجل الطال، يقول كان الحزن يعشق قلبي وأنما يجد الوصال إذا هجرتني أي كلما تهجرني واصل الحزن قلبي
    كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يدمن عليه حالا
    يقول الدنيا كانت على من كان قبلي كما اراها الآن ثم بين ذلك فقال صروف لا تدوم على حالة واحدة ويروى لا يدمن
    أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
    يقول السرور الذي تيقن صاحبه الانتقال عنه فهو عندي أشد الغم لأنه يراعي وقت زواله فلا يطيب له ذلك السرور
    الفت ترحلي وجعلت أرضي ... قتودي والغريري الجلالا
    يقول تعودت الارتحال فصار مألوفا لي وصار ارضي رحالي لأني أبدا على الرحل فهو لي كالأرض للمقيم والغريري منسوب إلى غرير فحل للعرب معروف والجلال كالجليل كما يقال طوال وطويل
    فما حاولت في أرضٍ مقاما ... ولا أزمعت عن أرض زوالا
    قال ابن جنى يقول إذا كان ظهره كالوطن لي فأنا وإن جئت البلاد كالقاطن في داره هذا قوله ويجوز أن يكون المعنى ما طلبت الاقامة في أرض لاني أبدا على السفر ولا عزمت على الزوال عنها إذ العزم على الزوال تأنى الاقامة وليست أقيم حتى أزول ويدل على صحة ما ذكرنا قوله

    على قلقٍ كأن الريح تحتي ... أوجهها جنوبا أو شمالا

    ويروي على قلق بكسر اللام أي على بعير قلق كأنه ريح تحتي لسرعة مروره أوجهها مرة إلى جانب الجنوب ومرة إلى جانب الشمال فعبر بالرحين عن الجابني ويروي يمينا أو شمالا
    الى البدر بن عمار الذي لم ... يكن في غرة الشهر الهلالا
    ويروي إلى بدر بن عمار بغير لام التعريف لأنه علم ومن روى البدر فلأنه أراد بدر السماء لا لأسم العلم يعني إلى الرجل الذي هو كالبدر ثم نسبه إلى أبيه لأنه ليس بدراً في الحقيقة وأن أشبه ألا ترى أنه قال لم يكن في غرة الشهر الهلال ولا بدر إلا وكان هلال أولا وهذا الذي عناه لم يكن هلالا قط وقد فسره بقوله
    ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا
    بلا مثل وإن أبصرت فيه ... لكل مغيب حسن مثالا
    يقول لا مثل له وإن كان الناظر إليه يرى فيه مثالا لكل شيء حسن غاب عنه والمعنى لم يجتمع في أحد ما اجتماع فيه وإن كانت أشباهه متفرقة في اشياء كثيرة فكفه كالبحر وقلبه وعضده كالأسد ووجهه كالبدر
    حسان لابن رائق المرجى ... حسام المتقي أيام صالا
    يقول هو حسام لأبي بكر ابن رائق الذي كان حسام الخليفة أيام صال على اليزيدي وذلك أن المتقي حاربهم بابن رائق
    سنان في قناة بني معد ... بني أسد إذا دعوا النزالا
    بنو معد هم العرب لأن نسبهم يعود إلى معد بن عدنان واختلفوا في بني أسد ههنا وروي قوم بني أسد على أنها جمع أسد وقالوا يعني أن بني معد هم بنو أسد يصفهم بالشجاعة وذكر ابن جنى وجهين آخرين فقال بني أسد منصوب لأنه منادي مضاف ومعناه أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء يا بني أسد يقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان مركب في قناتهم لأنهم إذا دعوهم اغنوا عنهم هذا كلامه في أحد الوجهين ومعناه على ما قال أن قول بني معد عند نزال الأقران يا بني أسد كالسنان في قناتهم قال ويجوز أن يكون بدلا من قناة بني معد كأنه قال سنان في قناة بني أسد الذين هم قناة بني معدٍ يريد نصرتهم أياهم وهذا كله تكلف وتمحل وكلام من لم يعرف وجه المعنى والمتنبي يقول الممدوح سنان في قناة العرب الذين هم بنو معد ثم خصص بعض التخصيص وابدل من بني معد بني أسد فكأنه قال هو سنان قناة بني أسد عند الحرب وبنو أسد أيضا هم من ولد معد فلهذا جاز أبدالهم من بني معد لاشتمالهم عليهم كما تقول هذا من قريش بني هاشم وهذا من بني هاشم بني أبي طالب والممدوح كان أسديا لذلك خص بني أسد والنزال منازلة الأقران بعضهم إلى بعض من الخيل عند شدة القتال يقول هو رئيسهم وصدرهم الذي به يقاتلون واختار ابن فورجة الوجه الثاني من الوجهين الذين ذكرهما ابن جنى قال وقد قصر أبو الطيب في هذا البيت عن النامي حيث قال، إذا فاخرت بالمكرمات قبيلة، فتغلب أبناء العلي بك تغلب، قناة من العلياء أنت سنانها، وتلك أنابيب إليك وأكعب،
    أعز مغالب كفا وسيفا ... ومقدرة ومحميةً وآلا
    يريد بالهز ههنا الغلبى والامتناع يقول هو أعز من يغالب الأقران كفا فإن يده فوق كل يد وسيفه أغلب السيوف وقدرته فوق قدرة الناس وحمايته للبحار والحليف ومن يجب عليه الذب عنه زائدة على حماية غيره والآل الأهل يعني آل واصحابه اغلب واعز من آل غيره
    وأشرف فاخر نفسا وقوما ... وأكرم منتم عماً وخالا
    يكون أخف إثناء عليه على الدنيا وأهليها محالا
    يقول المدح الذي يستعظم للدنيا وأهلها حتى يكون لافراطه محالا إذا أطلق عليه كما خفا لاستحقاقه غاية الثناء يعني أن الناس كلهم لا يستحقون ادنى ما يستحقه ن الثناء
    ويبقى ضعف ما قد قيل فيه ... إذا لم يترك أحد مقالا
    يقول إذا مدحه الناس غاية ما قدروا عليه حتى لم يترك أحد مقالا بقي ضعف ما قالواه يعني أن المادح والمثنى لا يبلغ ما يستحقه كما قالت الخنساء، وما بلغ المهدون نحوك مدحة، وإن أطنبوا إلا وما فيك أفضل، وقال أبو نواس، إذا نحن أثنينا عليك بصالح، فأنت كما نثني وفوق الذي نثني،
    فيا ابن الطاعنين بكل لدن ... مواضع يشتكي البطل السعالا
    أراد يا ابن الطاعنين صدور الأبطال بكل رمح لين المهز
    ويا ابن الضاربين بكل عضب ... من العرب الأسافل والقلالا
    يريد بالأسافل الأرجل وبالقلال أعالي البدن من الرؤوس وهي جمع قلة وهي رأس الجبل فجعلها رؤوس الرجال
    عبدالله عمر
    التعديل الأخير تم بواسطة حلم ; 23-05-10 الساعة 11:46 AM

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ومن ذا يحمد الداء العضالا
    يقال غري بالشيء إذا ولع به والداء العضال الذي لا دواء له يعني أنه لهم كالداء الذي لا يجدون له دواء لذلك يذمونه ويحسدونه
    ومن يكن ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
    هذا مثل ضربه يقول مثلهم معي كمثل المريض مع الماء الزلال يجده مرا لمرارة فمه كذلك هؤلاء إنما يذمونني لنقصانهم وقلة معرفتهم بفضلي وشعري بالنقص فيهم لا فيّ ولو صحت حواسهم لعرفوا فضلي والزلال الماء الذي يزل في الحلق لعذوبته مثل السلسال وقد مرّ
    وقالوا هل يبلغك الثريا ... فقلت نعم إذا شئت استفالا
    أي قالوا لي حسدا له عليّ ولي عليه هل يرفعك إلى الثريا أنكارا لأن يبلغني بخدمته منزلة رفيعة فقلت نعم يبلغنيها أن نحططت عن درجتي يعني أنه رفعه فوق الثريا فإن استفل وانحط رجع إلى موضع الثريا وإلا فهو أعلى منها درجة بخدمة المدوح
    هو المفني والمذاكي والأعادي ... وبيض الهند والسمر الطوالا
    المذاكي الخيل المسنة جمع المذكي يقول هو الذي يفنى هذه الأشياء بكثرة حروبه
    وقائدها مسومة خفافاً ... على حيٍّ تصبح ثقالا
    المسومة المعلمة يقول هو قائدها خفافا في العدو وثقالا على الحي الذي يأتي صباحا للغارة
    جوائل بالقنى مثقفاتٍ ... كأن على عواملها الذبالا
    القنى جمع القنا والجوائل انلخيل تجول بأرماح فرسانها وهي مثقفة أي مقومة بالثقاف وهو الحديدي الذي يسوى به الرمح وشبه اسنتها في اللمعان بالفتائل التي في السرج
    إذا وطئت بأيديها صخورا ... يفئن لوطيء أرجلها رمالا
    يفئن يعدن ويرجعن كما قال ابن المعز، كأن حصى الصمان من وقعها رمل، ويري بقين
    جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا
    أي إذا سألني سائل فقال هل له نظير فجوابه لا ولا لك أيضا وأخر المعطوف عليه لضرورة الشعر كما قال، ألا يا نخلة من ذات عرق، عليك ورحمة الله السلام، وكرر النفي بقوله إلا لا إشارة إلى أن جهل هذا السائل يوجب إعادة الجواب عليه
    لقد أمنت بك الإعدام نفسٌ ... تعد رجاءها إياك مالا
    يقول كل نفس رجتك وأملت عطاءك فعدت ذلك مالا لها فقد أمنت الأعدام لأنك تبلغها آمالها
    وقد وجلت قلوب منك حتى ... غدت أوجالها فيها وجالا
    وجال جمع وجل مثل وجع ووجاع يقول خافتك قلوب اعدائك حتى خاف خوفهم ووجلت أوجالهم وهذا كما يقال جن جنونه وشعر شاعر وموت مائت
    سرورك أن تسر الناس طرا ... تعلمهم عليك به الدلالا
    يقول إنما يحصل لك السرور بأن تسر جميع الناس وما بقي واحد منهم لم تسره لم يحصل لك السرور فأنت تعلمهم الدلال عليك بهذا لأنه لو قال واحد أنا غير مسرور اجتهدت حتى تسره وترضيه فهم يدلون عليك إذا عرفوا منك هذا
    إذا سألوا شكرتهم عليه ... وإن سكتوا سألتهم السؤالا
    وأسعد من رأينا مستميح ... ينيل المستماح بأن ينالا
    يقول أسعد الناس سائل يعطي مسئولة بأن ينال منه شيئا يعني أن مسؤولة يفرح بأخذ عطائه حتى كأنه ينيله شيئا والاستماحة طلب العطاء
    يفارق سهمك الرجل الملاقى ... فراق القوس ما لاقى الرجالا
    يصفه بشدة نزع القوس وقوة الرمي يقول يفارق سهمك من يلقاه من الرجال وقد نفذ فيه كما يفارق القوس ولم يلق الرجال أي فيه من القوة بعد النفاذ في المرمى والمروق منه ما كان فيه حين فارق القوس وما على هذا للنفي ويجوز أن يكون ما ظرفا كأنه قال يكون الأمر كذلك مدة ملاقاته الرجال كما تقول لا اكلمك ما طار طائر
    فما تقف السهام على قرار ... كأن الريش يطلب النصالا
    يقول سهامك إذا رميتها لم تقف كأن ريشها يطلب نصالها فهي تمضي أبدا لأن الريش لا يدرك النصل لتقدم النصل عليه وهذا منقول من قول الخنساء، ولما أن رأيت الخيل قبلاً، تبارى بالخدود شبا العوالي، فنقل المعنى عن الخيل والخدود والعوالي إلى السهام والريش والنصال
    سبقت السابقين فما تجارى ... وجاوزت العلو فما تعالا
    وأقسم لو صلحت يمين شيء ... لما صلح العباد له شمالا
    يفضله على الناس كلهم ويذكر أنه لو كان يمين شيء لم يصلح عباد الله كلهم أن يكونوا شمال ذلك الشيء
    (1/113)

    أقلب منك طرفي في سماء ... وإن طلعت كواكبها خصالا
    يقول أنت في الرفعة سماء وإن كانت كواكب تلك السماء خصالا جعله كالسماء وخصاله في الشهرة نجومها كما قال البحتري، وبلوت منك خلائقا محمودة لو كن في فلك لكن نجوما،
    وأعجب منك كيف قدرت تنشا ... وقد أعطيت في المهد الكمالا
    يقول ولدت كاملا فكيف أزددت بعد الكمال وقال فيه ارتجالا وهو على الشراب وقد صفت الفاكهة والنرجس
    إنما بدر بن عمار سحاب ... هطل فيه ثواب وعقاب
    هذه القطعة مضطربة الوزن وهي من الرمل وذلك لأنه جعل العروض فاعلاتن وهو الأصل في الدائرة ولكن لم يستعمل العروض ههنا إلا محذوفة السبب على وزن فاعلن كقول عبيد، مثل سحق البرد عفى بعدك القطر مغناه وتأديب الشمال، غير أن هذا البيت الأول صحيح الوزن لأنه مصرح فتبعت عروضه ضربة والمعنى أن السحاب فيه صواعق ورعد وبرق وماء كذلك هذا الممدوح فيه ثواب لأوليائه عقاب لاعدائه
    إنما بدر رزايا وعطايا ... ومنايا وطعان وضراب
    جعله هذه الأشياء لكثرة وجودها منه كما تقول العرب الشعر زهير والسخاء حاتم وكما قالت الخنساء، ترتع ما رتعت حتى إذا أذكرت، فإنما هي إقبال وإدبار، تذكر وحشية تطلب ولدها مقبلة ومدبرة فجلتها إقبالا وإدبار لكثرتهما منها
    ما يجيل الطرف إلا حمدته ... جهدها الأيدي وذمته الرقاب
    يقول لا يجيل طرفه إلا على إحسان واساءة فله في كل طرفة ونظرة إحسان تحمد الأيدي جهدها لأنه يملأها بالعطاء واساءة تذمها الرقاب لأنه يوسعها قطعا
    ما به قتل أعادية ولكن ... يتقي أخلاف ما ترجو الذئاب
    يقول ليس له مراد في قتل الأعداء لأنه قد أمنهم بقصورهم عنه لكنه يحذر أن يخالف رجاء الذئاب وما عودها من اطعامه أياها لحوم القتلى أي فلذلك يقتلهم
    فله هيبة من لا يترجى ... وله جود مرجى لا يهاب
    يعني أنه يهاب هيبة من لا يرجى العفو عنه ويجود جود من يرجى ولا يهاب يقول أنه مهيب شديد الهيبة وجواد في غاية الجود
    طاعن الفرسان في الأحداق شزراً ... وعجاجُ الحرب للشمس نقابُ
    يقول هو يطعن في الأحداق إذا أظلم المكان وصار الغبار للشمس كالنقاب يصف حذقه بالطعن وهذا كقوله، يضع السنان بحيث شاء مجاولا،
    باعث النفس على الهول الذي ... ما لنفس وقعت فيه إيابُ
    يحمل نفسه على ركوب الأمر العظيم الذي لا يتخلص من وقع فيه
    بأبي ريحك لا نرجسنا ذا ... وأحاديثك لا هذا الشراب
    يريد أن ريحه أطيب من ريح النرجس وحديثه ألذ من الشراب وهذا ليس مما يمدح به الرجال وهذا البيت من الأبيات التي قبله بعيد البون كبعد ما بين الثريا والثرى
    ليس بالمنكر إن برزت سبقا ... غير مدفوع عن السبق العراب
    وقال يذكر منازلة الأسد
    في الخد أن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا
    يقول في الخد لأن عزم ولأجل أ، عزم الخليط وهو الحبيب الذي يخالطك مطر يعني الدمع تزيد الخدود به محولا والخدود شحوبها وتخدد لحمها وذهاب نضارتها والمطر من شأنه أن تخصب به البلاد ويخضر العشب والجمع مطر بخلاف هذا صنيعا
    يا نظرة نفت الرقاد وغادرت ... في حد قلبي ما حييت فلولا
    يعني نظرة إلى الحبيب عند افراق يقول نفت تلك النظرة رقادي وأذهبت حدة قلبي يعني اثرت في عقلي
    كانت من الكحلاء سؤلي إنما ... أجلى تمثل في فؤادي سولا
    يقول كانت هذه النظرة مرادي ومطلوبي من هذه المرأة وكانت في الحقيقة أجلي تصور مرادا في قلبي يعني أن نظرة إليها في حال التوديع أذهب روحه
    أجد الجفاء على سواك مروة ... والصبر إلا في نواك جميلا
    أراد بالجفاء النبو والامتناع ولذلك وصله بعلي يقول الامتناع من النساء مروة عندي إلا منك والصبر جميل إلا في بعدك كما قال البحتري، ما أحسن الصبر إلا عند فرقة من، ببينه صرت بين البث والحزن،
    وارى تدللك الكثير محببا ... وأرى قليل تدلل مملولا
    يقول أمل دلال غيرك وإن قل واحب دلالك وإن كثر كما قال جرير، إن كان شأنكم الدلال فإنه، حسن دلالك يا أميم جميل،
    تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا
    (1/114)

    لو أمكنه لقال شكوى الذي وجد فيكون المعنى ثقل هواك عليّ ثقل روادفك على المطية إلا أنه اتبع التأنيث ليصح الوزن ويعذب الكلام ولنه أراد أن يتبعه قوله ويغيرني جذب الزمام البيت والتي في قوله شكوى التي يعني مطية وجدت هواها دخيلا وبنى البيتين على أن المطية من شكواها روادفها وقلبها فمها إليها في أوصاف المحب العاشق هذا الذي ذكرت هو ما قيل في تفسير هذا البيت وأحسن من هذا أن يقال شكوى النفس التي وجدت هواك دخيلا يعني العاشق لها ثم يجوز أن يعني نفسه أو نفس عاشق سواه والروادف الكفل وما حوله جمع رادفة لأنها تردف الإنسان أي تكون خلفه كالرديف الذي يكون خلف الراكب
    ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا
    يقول يحملني على الغيرة جذبك زمامها إليك تقلب فمها إليك كأنها تطلب قبلة كما قال مسلم، والعيس عاطفة الرؤوس كأنما، يطلبن سر محدث في الأحلس،
    حدق الحسان من الغواني هجن لي ... يوم الفراق صبابة وغليلا
    حدق يذم من القواتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا
    يذم يجير ويعطى الذمام يقول يجير بدر من كل ما يقتل سوى هذه الأحداق أي أنه لا يقدر على الأجازة منها كما قال، وقي الأمير هوى العيون فإنه، ما لا يزول ببأسه وسخائه، فأما قوله، فلو طرحت قلوب العشق فيها، لما خافت من الحدق الحسان، فقد أثبت في هذا ما استثني في مدح بدر
    الفارج الكرب العظام بمثلها ... والتارك الملك العزيز ذليلا
    يقال فرج عنه يفرج وأفرج وفرج تفريجا أي كشف الغم عنه يغني أنه يفرج الكرب عن اوليائه بمثل ما ينزله بأعدائه يعني أنه يقتل الأعداء ليدفعهم عن اوليائه ويفقرهم ليغني اولياءه فيزيل عنهم الفقر
    محك إذا مطل الغريم بدينه ... جعل الحسام بما أراد كفيلا
    المحك اللجوج وسمع الأصمعي أعرابية ترقص ابنها وهي تقول، إذا الخصوم اجتمعت جثيا، وجتد ألوي محكا أبيا، يقول يلج فيما يطلب ولا يتوانى فإذا مطل الغريم ولم يقص دينه طالب سيفه بذلك مطالبة الكفيل يعني أنه يقتضي الدين بالسيف وإذا كان السيف متقضيا صار الغريم قاضيا
    نطق إذا حط الكلام لثامه ... أعطى بمنطقة القلوب عقولا
    النطق الجيد الكلام ومثله المنطيق وكانت العرب تتلثم بعمائمها فإذا أرادوا أن يتكلموا كشفوا اللثام عن افواههم يقول إذا وضع الكلام لثامه عن فمه عند النطق افاد منطقة قلوب السامعين عقولا يعني أنه يتكلم بالحكمة وبما يستفاد منه العقل
    أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
    قال ابن جنى أي تعلم الزمان من سخائه وسخا به وأخرجه من العدم إلى الوجود ولولا سخاؤه الذي افاد منه لبخل به على أهل الدنيا واستبقاه لنفسه قال ابن فورجة هذا تأويل فاسد وعرض بعيد وسخاء غير موجود لا يوصف بالعدوى وإنما يعني سخا به عليّ وكان بخيلا به فلما اعداه سخاؤه اسغدني الزمان بضمي إليه وهدايتي نحوه هذا كلامه والمصراع الأول منقول من قول ابن الخياط، لمست بكفي كفه أبتغي الغنى، ولم أدر أن الجود من كفه يعدى، فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى، أفدت وأعادني فأتلفت ما عندي، وقال الطاءي أيضا، علمني جودك السماح فما، أبقيت شيئا لدي من صلتك، وقال أيضا، لست يحيى مصافحا بسلام، أنني أن فعلت أتلفت مالي، وأبو الطيب نقل المعنى إلى الزمان والمصراع الثاني من قول أبي تمام، هيهات لا يأتي الزمان بمثله، إن الزمان بمثله لبخيل،
    وكأن برقا في متون غمامة ... هندية في كفه مسلولا
    هذا يسمى العكس لأن السيف يشبه البرق وهو شبه البرق بالسيف
    ومحل قائمه يسيل مواهبا ... لو كن سيلا ما وجدن مسيلا
    رقت مضاربه فهن كأنما ... بيدين من عشق الرقاب نحولا
    أراد أن سيوفه تلازم الرقاب فوصفها بالعشق لأنه ادعى الأشياء إلى اللزوم والدقة
    أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن أدخرت الصارم المصقولا
    إنما قال هذا لأنه هاج أسدا عن بقرة قد افترسها فوثب على كفل فرسه أعجله عن سل السيف فضربه بسوطه ودار الجيش به فقتله
    وقعت على الأردن منه بلية ... نضدت بها هام الرفاق تلولا
    (1/115)

    الأردن نهر بالشام ونضدت وضعت بعضه على بعض يقول كان هذا الأسد بليةً وقعت على أهل هذا النهر فأكثر قتل الرفاق في السفر وهي جمع رفقة حتى ترك رؤوسهم كالتلول المجتمعة من التراب وأسند الفعل إلى البلية والبلية هي الأسد
    ورد إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا
    الأسد يسمى الورد لأن لونه يضرب إلى الحمرة
    متخضب بدم الفوارس لابسٌ ... في غيله من لبدتيه غيلا
    يقول لكثرة ما قتل من الفوارس قد تلطخ بدمائهم والغيل الأجمة يقول هو في غيله كأنه لبس غيلا من شعر جانبي عنقه لكثافته على كتفيه
    ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلول
    عين الأسد وعين السنور وعين الحية تتراءى في ظلمة الليل بارقة يوقل ما استقبلت عين هذا الأسد في الدجى إلا ظنت نار اوقدت لجماعة نزلوا موضعا
    في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا
    يقول هو في غيله منفرد انفراد الرهبان في متعبداتهم غير أنه لا يعرف حراما ولا حلالا والأسد إذا كان قويا لم يسكن معه في غيله غيره من الأسود
    يطأ الثرى مترفقا من تيهه ... فكأنه آسٍ يجس عليلا
    الأسد لعزته في نفسه وقوته لا يسرع المشي لأنه لا يخاف شيئا شبهه في لين مشيه بالطبيب الذي يمس العليل فإنه يرفق به ولا يعجل
    ويرد غفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا
    الغفرة الشعر المجتمع على قفاه يقول يرد ذلك الشعر إلى هامته حتى يجتمع عليها فيصير ذلك لرأسه كالاكليل وإنما يفعل ذلك غضبا وتغيظا يجمع قوته في أعالي بدنه وابن دوست يقول الغفرة شعر الناصية يعني إن هذا الأس يرفع رأسه في مشيته حتى يرتد شعر ناصيته إلى رأسه والقول هو الأول لنه بعد هذا وصف غيظ الأسد فقال
    وتظنه مما تزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا
    الزمجة ترديد الصوت أنشد الأصمعي، إذا استهل رنة وزمجرة، يقول تظنه مشغولا عن نفسه لشدة تغيظه وزمجرته ومن روى يزمجر بالياء قال تظنه نفسه مشغولا عنها مما يزمجر أي من زمجرته وصياحه وهو رواية ابن جنى
    قصرت مخافته الخطا فكأنهما ... ركب الكمى جواده مشكولا
    القصر ههنا ضد التطويل ومنه قصر الصلاة من قوله تعالى أن تقصروا من الصلوة والمخافة مصدر مضاف إلى المفعول وذو الحافر إذا رأى الأسد وقف وفحج وبال يقول كأن الشجاع ركب فرسه بشكاله حتى لا يخطو ولا يتحرك خوفا منه هذا تفسير الناس لهذا البيت وقال ابن فورجة معناه لما خاف منك الأسد تقاصرت خطاه هيبةً ونازعته نفسه إليك جراءة فخلط إقداما بإحجام فكأنه فارس كمى ركب فرسه مشكولا فهو يهيجه للأقدام جراءة والفرس يحجم عجزا عما يسومه لمكان شكاله
    ألقى فريسته وبربر دونها ... وقربت قرباً خاله تطفيلا
    الفريسة صيد الأسد وهو ما يفترسه يريد البقرة التي هاجه عنها والبربرة الصياح يقول لما قصدته ألقى الفريسة وصاح دونها يعني دفعا عنها لنه ظن أنك تتطفل على صيده لتأكل منه قال الليث التطفيل من كلام أهل العراق ويقال هو يتطفل في الأعراس
    فتشابه الخلقان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا
    يقول تشابهتما مقدمين وتخالفتما شحيحا على الطعام وباذلا له كما قال البحتري، شاركته في البأس ثم فضلته، بالجود محقوقا بذاك زعيما،
    أسد يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعداً مفتولا
    الأزل القليل اللحم والمفتول القوي الشديد خلقة كأنه فتل أي لي يقول اشبهه منك هذان العضوان
    في سرج ظامية الفصوص طمرةٍ ... يأبى تفردها لها التمثيلا
    يعني فرسا دقيقة المفاصل ليست برهلة يقال خيل ظماء الفصوص وكذا تكون خيل العرب والطمرة الوثابة يريد أنه كان راكبا في سرج فرس بهذه الصفة وتفردها بالكمال يأبى أن يكون لها مثلٌ
    نيالة الطلبات لولا أنها ... تعطى مكان لجامها ما نيلا
    يقول هذه الفرس تدرك ما تطلبه بشدة حضرها وهي طويلة العنق لولا أنها تحط رأسها للجام ما نيل رأسها لطول عنقها كما قال زهير، وملجمنا ما أن ينال قذاله، ولا قدماه الأرض إلا أنامله
    تندى سوالفها إذا استحضرتها ... ويظن عقد عنانها محلولا
    (1/116)

    يقول تعرق عنقها وما حولها إذا طلبت حضرها أي إذا ركضتها وإذا جذبت عنانها طاوعت ولانت عنقها حتى تظن العنان محلول العقد لأنها لا تجاذبك العنان لمطاوعتها ويجوز أن يكون هذا وصفا بطول العنق يعني أنها إذا رفعت رأسها استرخى العنان وطال لأنه على قدر طول عنقها فيصير العنان كأنه محلول ويقول أبنه دوسته أنها تمد عنقها ورأسها كيف شاءت وتغلب فارسها فلا يقدر على رد رأسها بالعنان فكأن عقد عنانها غير مشدود لأنه لو كان مشدودا لقدر الفارس على ضبطها وما أبعد ما وقع إذ فسر بضد المراد ووصف الفرس بالجماح
    ما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا
    عاد إلى وصف الأسد فقال ما زال يجمع قوى نفسه في صدره حتى صار عريضا في قدر طوله وكذلك يفعل الأسد إذا أراد الوثوب على الصيد
    ويدق بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
    يقال حجر واحجار لم تصدقه النظر إليك ولو صدقته لما دنا منك هيبةً لك وأدنى افتعل من الدنو وعني بالخطب الجليل مقاتلة الممدوح
    أنف الكريم من الدنية تارك ... في عينه العدد الكثير قليلا
    يقول الكريم يأنف من الدنية فلا يهرب بل يقدم على العدد الكثير حتى كأنه قليل في عينه
    والعار مضاض وليس بخائف ... من حتفه من خاف مما قيلا
    مضاض محرق يقال مضنى الأمر وامضني والمعنى أن من أنف من الدنية لم يحجم عن المنية
    سبق التقاءكه بوثبة هاجمٍ ... لو لم تصادمه لجازك ميلا
    يعني عجل الأسد بوثبته على ردف فرسك قبل التقائك معه فهجم عليك بوثبةٍ لو لم تصطكه لجاوزك بمقدار ميل وهو ثلث فرسخ والمصادمة مفاعلة من الصدم وهي الصك
    خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا
    يقول ذهبت قوته لما قاتلته فكأنه طلب النصر من التسليم وهو الانقياد وترك الخصومة والتجديل من قولهم جدله إذا صرعه والتجديل كل من جهة الممدوح وهو جدله والأسد مال إلى ذلك وانجدل فكأنه رأي النصر في ذلك
    قبضت منيته يديه وعنقه ... فكأنما صادفته مغلولا
    اساء أبو الطيب في هذا حين لم يجعل أثرا للممدوح ولاغناء في قتل الأسد وقال كأنه كان مغلول اليد والعنق بقبض المنية عليه
    سمع ابن عمته به وبحاله ... فنجا يهرول أمس منك مهولا
    يريد أسدا كان قد هرب منه أي لما سمع بقتلك الأسد الأول هرب ونجا برأسه خائفا منك ولم يرد بقوله ابن عمته تحقيق النسب إنما أراد أسدا آخر من جنسه
    وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله أن لايموت قتيلا
    يقول فراره أمر من هلاكه الذي فر منه وكقتله إذ لم يقتل لأن المقتول بالسيف خير من المقتول بالذم والعيب وهذا من قول أبي تمام، ألفوا المنايا فالقتيل لديهم، من لم يخل العيش وهو قتيل
    تلف الذي اتخذ الجراءة خلةً ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
    يقول تلف الأسد الذي اجترأ عليك وعظ هذا الذي فر وحبب إليه الفرار
    لو كان علمك بالإله مقسماً ... في الناس ما بعث الإله رسولا
    يقول لو عرف الناس ربهم معرفتك به لم يبعث الله تعالى رسولا يدعوهم إليه ويعلمهم دينه
    لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال ... قرآن والتوراة والأنجيلا
    اساء في هذين البيتين وافرط وتجاوز الحد نعوذ بالله من ذلك
    لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
    يقول لو وصل إلى الناس عطاؤك قبل اعطائك أياهم لكانوا لا يعرفون الأمل لأن الموجود لا يؤمل أي فكانوا يستغنون بما نالوا منك لأنك تعطى فوق الأمل فلا يحتاجون إلى تأميل بعد ذلك
    فلقد عرفت وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا
    أي لم يعرفوك حق معرفتك لأنهم لا يبلغون كنة قدرك فإذا لم يعرفوك حق المعرفة فقد جهلوك
    نطقت بسوددك الحمام تغنياً ... وبما تجشمها الجياد صهيلا
    يقول إذا غنت الحمام غنت بذكر سيادتك وكذلك الخيل إذا صهلت يعني أن البهائم الذي لا تعقل عقلت سيادتك فنطقت بها
    ما كل من طلب المعالي نافذاً ... فيها ولا كل الرجال فحولا
    ورد كتاب من ابن رائق على بدر بإضافة الساحل إلى عمله فقال
    تهني بصورٍ أم نهنئها بكا ... وقل الذي صور فأنت له لكا
    (1/117)
    صور بلدة معروفة بالساحل يقول أتهني بولاية صور أم تهنىء صورا بك ثم قال وقل لك صاحبا صور الذي له هذه البلدة وأنت له أي أنت أحد أصحابه يعني ابن رائق وهذا كقول اشجع، إن خراسان وإن أصبحت، ترفع من ذي الهمة الشأنا، لم يحب هرون به جعفرا، لكنه حابا خراسانا، يعني الرشيد حين وليّ جعفر بن يحيى إمارة خراسان يقول تفضل بجعفر على خراسان لا بخراسان على جعفرٍ
    وما صغر الأردن والساحل الذي ... حبيت به إلا إلى جنب قدركا
    يعني أن هذه الولاية إنما تصغر بالأضافة إليك وإلا فالشأن فيها كبير
    تحاسدت البلدان حتى لو أنها ... نفوس لسار الشرق والغرب نحوكا
    مثل هذا كثير في الشعر قال أبو تمام، لو سمعت بلدةٌ لإعظام نعمى، لسعي نحوها المكان الجديب، يصف ديمة وقال البحتري، فلو أن مشتاقاً فوق ما، في وسعه لمشى إليك المنبر، وفي مثل هذا يقول الخوارزمي، تغايرت البلاد على يديه، وزاحمت الجروم به الصدور،
    وأصبح مصر لا تكون أميره ... ولو أنه ذو مقلةٍ وفم بكى
    ودخل عليه فرأى خلعا بين يديه مطوية وكانت عليه فطواها وتأخر أبو الطيب لعلة عرضت له فقال
    أرى حللا مطواة حساناً ... عداني أن أراك بها اعتلالي
    إنما قال هذا لأنه رأى الخلع مطوية إلى جانبه ولم يره فيها لأنه كان ذلك اليوم الذي لبس فيه الخلعة عليلا ومعنى أراك بها أراك وهي عليك ومعك كما يقال ركب بسلاحه وخرج بثيابه
    وهبك طويتها وخرجت منها ... أتطوي ما عليك من الجمال
    يعني أنه لا يتجمل بالثياب فإن له جمالا لا ينطوي عنه
    لقد ظلت أواخرها الأعالي ... مع الأولى بجسمك في قتال
    يعني أعالى الثياب وهو ما ظهر منها للأعين تحسد الأقرب إليك وهو ما يباشر جسده فبينهما قتال
    تلاحظك العيون وأنت فيها ... كأن عليك أفئدة الرجال
    قال ابن جنى أي فهم يحبونك كما يحب الإنسان فؤاده وقال ابن فورجة يعني استحسان القلوب لها وتعلقها به وبها من حيث الاستحسان وقال غيرهما أي يديمون النظر إليك فإن العين تبع القلب تنظر إلى حيث يميل إليه القلب فالعيون إنما تنظر إليك لأن القلوب تحبك كما قال ابن جنى أو تستحسن الخلع كما قال ابن فورجة
    متى أحصيت فضلك في كلام ... فقد أحصيت حبات الرمال
    وقال يمدحه وكان سار إلى الساحل ثم عاد إلى طبرية


    عبدالله عمر

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
    روى الالسنا بفتح السين ويكون ما على هذه الرواية بمعنى الذي يقول غاية الحب ما منع لسان صاحبه من الكلام فلم يقدر على وصف ما في قلبه منه كما قال المجنون ولما شكوت الحب قالت كذبتني، فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا، فما الحب حتى يلصق الجلد بالحشا، وتخرس حتى لا تجيب المناديا، وكما قال قيس بن دريج، وما هو إلا أن أراها فجاءة، فأبهت حتى ما أكاد أجيب، ويجوز أيضا أن يكون ما بمعنى الذي على رواية من روى الالسنا بضم السين والظاهر أن ما نفى لأن المصراع الثاني حث على إعلان العشق وإما يعلن من قدر على الكلام وهو معنى قول أبي نواس، فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى، فلا خير في اللذات من دونها ستر، ويقول علي بن الجهم، وقل ما يطيب الهوى، إلا لمنهتك الستر، وقول الموصلي، ظهر الهوى وتهتك أستاره، والحب خير سبيله إظهاره، أعصى العواذل في هواه جهارةً، فألذ عيش المستهام جهاره،
    ليست الحبيب الهاجري هجر الكرى ... من غير جرم واصلي صلة الضنا
    بنا فلو حليتنا لم تدر ما ... ألواننا مما امتقعن تلونا
    يقول فارقنا احبابنا ولو أردت أن تثبت حليتنا لم تدر الواننا لتغيرها عند الفراقفكنت لاتدري بأي لون تصفنا
    وتوقدت أنفاسنا حتى لقد ... أشفقت تحترق العواذل بيننا
    أي لشدة حرارة الوجد صارت أنفاسنا كالنار المتوقدة حتى خفت على العواذل أن يحترقن فيما بيننا وإنما خاف ذلك لأنه كان ينم على ما في قلوبهم من حرارة الهوى
    أفدى المودعة التي أتبعتها ... نظراً فرادى بين زفراتٍ ثنا
    أي كلما نظرت إليها واحدة زفرت زفرتين وثناء ممدودة قصره ضرورة
    أنكرت طارقة الحوادث مرة ... ثم اعترفت بها فصارت ديدنا


    أنكرتها أول ما طرقتنين وقلت ليست تقصدني وإنما اخطأت في قصدي ثم لما كثرت أقررت بها وعرفت أنها تأتيني فصارت عادة لي لا تفارقني ولا أنفك منها والديدن العادة ورواه الخوارزمي بكسر الدال الأولى كأنه أراد معرب ديدن وليس في كلام العرب فيعل بكسرة الفاء
    وقطعت في الدنيا الفلا وركائبي ... فيها ووقتي الضحى والموهنا
    يصف كثرة اسفاره وتردده في الدنيا حتى قطع الفلوات وقطع المركوب أيضا بكثرة الإنعاب وقطع الليل والنهار والمعنى أنه قطع المكان والزمان والمركوب يعني أفنيت كلا منها هذا هو الصحيح في معنى البيت وما سوى هذا فهو تخليط وعدول عن الصواب
    فوقفت منها حيث أوقفني الندا ... وبلغت من بدر بن عمار المنى
    منها أي من الدنيا ويروي فيها وأوقفه لغة عند بعضهم وقال ابو عمرو بن العلا لو قال رجل فلان أوقفني أي عرضني للوقوف لم أر بذلك بأسا وكذلك ههنا اوقفني الندى عرضني للوقوف يقول وقفت من الدنيا حيث حبسني الجود وأدركت من الممدوح ما كنت أتمنى
    لأبي الحسين جدى يضيق وعاءه ... عنه ولو كان الوعاء الأزمنا
    يقول عطاؤه يضيق عنه الوعاء ولو كان الزمان مع سعته العالم بما فيه وإذا ضاق الزمان عن شيء فحسبك به عظما
    وشجاعة أغناه عنها ذكرها ... ونهى الجبان حديثها أن يجبنا
    ذكر شجاعته واشتهارها في الناس اغناه عن اظهارها واستعمالها فكل أحد يهابه لما سمع من شجاعته وذلك أيضا يشجع الجبان لأنه يسمع ما يتكرر من الثناء عليه فيتمنى ذلك فيترك الجبن
    نيطت حمائله بعاتق محرب ... ما كر قط وهل يكر وما أنثنى
    المحرب صاحب الحرب يقول ما عاد ولا رجع إلى الحرب لأن الكر يكون بعد الفر وهو لم ينثن ولم يول العدو ظهره فكيف يكر وهذا منقول من قول الآخر، الله يعلم أني لست أذكره، أو كيف أذكره إذ لست أنساه، والشعراء يصفون بالكر والانحياز والطراد في الحرب والمتنبي بالغ وجعل الممدوح لا ينثني البتة
    فكأنه والطعن من قدامه ... متخوف من خلفه أن يطعنا
    يقول لشدة إقدامه وتقدمه في الحرب كان الخوف وراءه فهو يتقدم خوفا مما وراءه كما قال بكر ابن النطاح، كأنك عند الطعن في حومة الوغى، تفر من الصف الذي من ورائكا،
    نفت التوهم عنه دحة ذهنه ... فقضى على غيب الأمور تيقنا
    هذا كأنه اعتذار له مما ذكر من إقدامه وذكر أن فطنته تقفه على عواقب الأمور حتى يعرفها يقينا لا وهما
    يتفزع الجبار من بغتاته ... فيظل في خلواته متكفنا
    يقول الرجل الجبار يخاف أن يأخذ بغتة ويهجم عليه من حيث لا يدري فيظل لابس كفنه وتوقعا لوقعته ويروي متكتنا وهو المتندم يعني أنه يندم على معاداته
    أمضى إرادته فسوف له قد ... واستقرب الأقصى فثم له هنا
    سوف للاستقبال وقد لما مضى ومقاربة الحال يقول هو ماضي الإرادة فما يقال فيه سوف يكون يقال هو قد كان والبعيد عنده قريب لقوة عزمه فما يقال فيه ثم وهو للمكان المتراخي قال هو هنا وهو يستعمل فيما دنا وجعل قد اسما فأعربه ونونه
    يجد الحديد على بضاضة جلده ... ثوباً أخف من الحرير وألينا
    البضاضة مثل الغضاضة يقال غض بض أي طري لين وهذا من قول البحتري، ملوك يعدون الرماح مخاصرا، إذا زعزعوها والدروع غلائلا، ومثله لأبي الطيب، متعوداً لبس الدروع، البيت
    وأمر من فقد الأحبة عنده ... فقد السيوف الفاقدات الأجفنا
    يعني أن الحرب أحب إليه من الغزل فإذا فقد سيوفه كان ذلك أشد عليه من فقد أحبته ثم وصف سيوفه بإنها فاقدة لجفونها لأنه أبدا يستعملها في الحرب
    لا يستكن الرعب بين ضلوعه ... يوماً ولا الإحسان أن لا يحسنا


    الإحسان الأول مصدر أحسنت الشيء إذا حذقته وعلمته والإحسان الثاني هو ضد الاساءة يقول هو لا يحسن أن لا يحسن أي لا يعرف ترك الإحسان حتى إذا رام أن لا يحسن لم يعرف ذلك ولم يمكنه وهذا من قول الآخر، يحسن أن يحسن حتى إذا، رام سوى الإحسان لم يحسن، ون لا يحسن في محل النصب لأنه مفعول المصدر الذي هو الإحسان ولو قال ولا إحسان أن لا يحسن كان أقرب إلى الفهم من إستعماله بالألف واللام وإن كان المعنى سواء فإن قولك اعجبني ضرب زيدٍ أقرب إلى الفهم من قولك أعجبني الضرب زيدا ومعنى البيت لا يستكن الرعب ضلوعه ولا علم أن يترك الإحسان وقال ابن فورجة الإحسان ضد الإساءة يقول لا يستكن الإحسان حتى يحسن أي لا يثبت حتى يفعله وعلى هذا الإحسان الهم به يقول إذا هم بالإحسان لم يصبر عليه حتى يفعله
    مستنبط من علمه ما في غدٍ ... فكأن ما سيكون منه دونا
    يقول يعرف بعلمه ما يقع فيما يستقبل فكان ما سيكون قد كتب في علمه والمعنى أن علمه صحيفة الكائنات ويروى من يومه والمعنى أنه يستدل بما في يومه على ما سيقع في غد فيعرفه
    تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذي الأفلاك فيه والدني
    الدني جمع الدنيا مثل الكبر والصغر في جمع الكبرى والصغرى يقول إفهام الناس قصيرة عن إدراك هذا الممدوح كما تقاصرت عن علم الشيء المحيط بالأفلاك وبالدني فإن أحدا لا يعرف ما وراء الأفلاك وإن العالم إلى ما ينتهي من الأعلى والأسفل والتقدير تتقاصر الإفهام مثل تقاصرها عن إدراك الذي فيه الافلاك لكنه حذف لدلالة ما تقدم على ما حذف
    من ليس من قتلاه من طلقائه ... من ليس ممن دان ممن حينا
    يقول من أفلت من سيفه فلم يقتله فهو ممن اطلقه وعفا عن ومن لم يطعه وليس من أهل طاعته فهو ممن يهلكه ويقتله وذكر لفظ الماضي لتحقق وجود الهلاك ومن روى بضم الحاء فالمعنى فهو ممن هلك
    لما قفلت من السواحل نحونا ... قفلت إليها وحشة من عندنا
    أي كنا في وحشة من غيبتك فلما رجعت إلينا عادت الوحشة من عندنا إلى حيث انصرفت منه إلينا
    ارج الطريق فما مررت بموضع ... إلا أقام به الشذا مستوطنا
    الشذا شدة الرائحة يقول طاب الطريق الذي سلكته ففاحت رائحته وما مررت بطريق إلا صارت الرائحة الطيبة مقيمة هناك
    لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا
    سلكت تماثيل القباب الجن من ... شوقٍ بها فأدرن فيك الأعينا
    يقول اشتاقت الجن إليك فتوارت بتماثيل القباب للنظر إليك وتماثيل القباب هي القباب ويجوز أن يريد بتماثيلها الصور المنقوشة عليها أي أنها تضمنت من الجن أرواحا وهذا معنى قول ابن جنى لأنه قال ما أعلم أنه وصفت صورة بأنها تكاد تنطق باحسن من هذا
    طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياء عاقها رقصت بنا
    أي لسرورها بقدومك طربت حتى ظننا أنها لو لا الحياء لرقصت بنا والمعنى أن سرور قدومك غلب حتى ظهر في البهيمة التي لا تعقل
    أقبلت تبسم والجياد عوابس ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا
    تبسم معناه باسما أريد به الحال والجياد يعني جياد الممدوح عابسة لطول سيرها ويريد بالحلق المضاعف الدروع
    عقدت سنابكها عليها عثيراً ... لو تبتغي عنقاً عليه أمكنا
    العثير الغبار يقول عقدت سنابك الجياد فوقها غبارا كثيفا لو تطلب السير عليه أمكن كما قال، كأن الجو وعثا أو خبار، وهذا منقول من قول البحتري، لما أتاك جيشا أرعنا، يمشي عليه كثافة وجموعاً، فنقله أبو الطيب إلى الرهج
    والأمر أمرك والقلوب خوافق ... في موقف بين المنية والمنى
    يقول أمرك مطاع والحال ما ذكر وهو اضطراب القلوب في الحرب بين القتل وبين ادراك المطلوب
    فعجبت حتى ما عجبت من الظبي ... ورأيت حتى ما رأيت من السنا
    يقول عجبت من كثرة السيوف حتى زال تعجبي لما كثرت ورأيت من الضوء وتألق الحديد ما خطف بصري يعني يوم قدومه رأى السيوف والأسلحة مع عسكره
    إني أراك من المكارم عسكرا ... في عسكرٍ ومن المعالي معدنا
    تقديره أني أراك عسكرا في عسكر من المكارم أي أنت في نفسك عسكر وحولك عسكر آخر من المكارم وأراك معدنا من المعالي أي أصلا لها فهي تؤخذ منك


    فطن الفؤاد لما أتيت على النوى ... ولما تركت مخافة أن تفطنا
    يقول قلبك يعرف ما فعلته في حال بعدك وما تركته فلم أفعله خوفا من أن تعلم فتعاتبني عليه وكان قد وشى به إليه وكأنه قد اعترف بتقصير منه لأن سياق الأبيات يدل عليه
    أضحى فراقك لي عليه عقوبةً ... ليس الذي قاسيت فيه هينا
    عليه أي على ما فعلته يقول صار فراقك عقوبةً لي على ما فعلته مما كرهته
    فاغفر فدى لك واحبني من بعدها ... لتخصني بعطيةٍ منها أنا
    أراد فأغفر لي أي ذنبي الذي جنيته فدى لك نفسي وأعطني بعد المغفرة لأكون مخصوصا بعطية منها نفسي يعني إذا عفوت عني واعطيتني كنت قد خصصتني بعطاء أنا من جملته
    وأنه المشير عليك في بضلةٍ ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا
    كان الأعور بن كروس قد وشى به إلى بدر بن عمار لما سار وتأخر عنه المتنبي وجعل قبوله منه ضلةً أي أن اطعته فيّ ضللت يهدده بالهجاء ويجوز أن يريد بالضلال ما يؤمر به من هجران المتنبي وحرمانه وهذا أولى مما ذكر ابن جنى من التهديد وعنى بالحر نفسه وبأولاد الزنا الوشاة ومثله للطاءي، وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع، وهذا من قول مروان ابن أبي حفصة، ما ضرني حسد اللئام ولم يزل، ذو الفضل يحسده ذون التقصير،
    وإذا الفتى طرح الكلام معرضا ... في مجلس أخذ الكلام اللذ عني
    يعني أنه قد عرض بذكر أولاد الزمنا وقد فهمه من عناه بهذا الكلام
    ومكائد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى
    يعني السعاة والوشاة الذين وشوا به يقول كيدهم يعود عليهم بالشر
    لعنت مقارنة اللئام فإنها ... ضيف يجر من الندامة ضيفنا
    يقول مخالطة اللئيم مذمومة ملعونة لأن عاقبتها الندامة فهي كضيف معه ضيف من الندامة
    غضب الحسود إذا لقيتك راضيا ... رزء أخف على من أن يوزنا
    أمسى الذي بربك كافرا ... من غيرنا معنا بفضلك مؤمنا
    أى أمسى من يكفر بالله من غيرنا مؤمنا بفضلك معنا يعني أن من يخالفنا في الأيمان يوافقنا في الإقرار بفضلك
    خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لاتحزنا
    الغزالة اسم الشمس يقول جعلك الله عوضا من الشمس للبلاد وأهلها عند فقد الشمس بالليل كي لا يحزنوا وسيبويه لا يجيز تقديم ضمير الغائب المتصل على الحاضر في مثل قولك ما فعل الرجل الذي أعطاهوك زيد على معنى الذي أعطاه إياك فتأتي بالضمير المنفصل وتدع المتصل وأبو العباس يجيزه والصواب عند سيبويه فأعاضها أياك والشعر موقف ضرورة فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره ويقال عاضه وأعاضه وعوضه بمعنى وأمر بدر أن يحجب الناس عنه
    أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍ ... هيهات لست على الحجاب بقادر
    من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر
    أما ضوء الحبين فمن قول قيس ابن الخطيم، قضى لها الله حين يخلقها الخالق أن لايكنها سدف، وأما ذكر الجود فمن قول أبي تمام، يا أيها الملك الناءي برؤيته، وجوده لمراعي جوده كثب، وقد قال أبو نواس، ترى ضوءها من ظاهر الكأس ساطعاً، عليك لو غطيتها بغطاء،


    عبدالله عمر

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    فإذا احتجبت فأنت غير محجب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر
    هذا من قول الطاءي، فنعمت من شمس إذا حجبت بدت، من خدرها فكأنها لم تحجب وسقاه بدر ولم يكن له رغبة في الشراب فقال
    لم تر من نادمت الأكا ... لا لسوى ودك لي ذاكا
    من هاهنا نكرة بمنزلة أحد والاك فيه قبح والوجه إلا أياك لأن إلا ليست لها قوة الفعل ولا هي أيضا عاملة وهو يجوز في الضرورة كقوله، فما نبالي إذا ما كنت جارتنا، ألا يجاورنا إلاك ديار، يقول لم ترك أحدا نادمته غيرك وليس ذلك لشيء سوى ودك لي أي إنما أنادمك لأنك تودني لا لمعنى آخر
    ولا لحبيها ولكنني ... أمسيت أرجوك وأخشاكا
    كنى عن الخمر ولم يجر لها ذكر يقول لست أنادمك لحب الخمر ولكن لأنك مرجو مهيب وقال أيضا
    عذلت منادمة الأمير عواذلي ... في شربها وكفت جواب السائل
    يقول من عذلني في شرب الخمر عذلته منادمتين الأمير لأن منادمته شرف والشرف مطلوب وليس للعاذل أن يعذل فيما يورث الشرف وكفت جواب سائل يسأل فيقول لم تشرب الخمر ولم تنادمه بما حصلت لي من الشرف


    مطرت سحاب يديك ريَّ جوانحي ... وحملت شكرك واصطناعك حاملي
    يقول أرواني سحاب جودك وحملت شكرك على انعامك واحسانك حملني لأنه كفى مؤني وتحمل اثقالي
    فمتى أقوم بشكر ما أوليتني ... والقول فيك علو قدر القائل
    متى سؤال عن الزمان كأنه قال منكرا أي زمان أقوم بشكر ما أعطيتني أي لا أقوم به لأني كلما اثنيت عليك وشكرتك حصلت عليّ نعمةٌ لك جديدة وهو أن ذلك يكسبني علوا ورفعة وتاب بدر من الشراب فرآه يشرب فقال
    يا أيها الملك الذي ندماؤه ... شركاؤه في ملكه لا ملكه
    في كل يوم بيننا دم كرمةٍ ... لك توبة من توبةٍ من سفكهِ
    جعل الخمر دم الكرم وجعل شربها واستهلاكها سفكا لذلك الدم يقول كل يوم تتوب من توبتك من شرب الخمر والتوبة من التوبة ترك التوبة
    والصدق من شيم الكرام فنبئنا ... أمن المدام تتوب أم من تركه
    قال له بدر بل من تركه قال ابن جنى وكان الوجه أن يقول فنبيئنا ولكنه أبدل الهمزة ياء ثم حذفها وقال ابن فورجة هذا تصحيف والصحيح فنبئن فكتبت بالألف فصحفت إلى نبنا وقال أيضا فيه
    بدر فتى لو كان من سؤاله ... يوماً توفر حظه من ماله
    أي لأن حظ السؤال أكثر من حظه
    تخير الأفعال في أفعاله ... ويقل ما يأتيه في إقباله
    أي افعال الناس وصنائعهم تخير فيما يفعله هو لقصورها عن فعله وزيادة ما يفعله على فعلهم ثم يقل ذلك في دولته لاقتضائها الزيادة على ما فعل
    قمراً ترى وسحابتين بموضع ... من وجهه ويمينه وشماله
    فسر المصراع بالمصراع الثاني وقال ابن جنى أي يمينه تسح العطاء وشماله الدماء قال ابن فورجة الرجل لايقاتل بشماله والفعل يكون لليمين في كل شيء وإنما يكون عمل الشمال كالمعاونة لليمين وإنما يعني أن يديه جيمعا كالسحابتين عطاء وسح دماء
    سفك الدماء بجوده لا بأسه ... كرما لأن الطير بعض عياله
    هذا كقوله، ما به قتل اعادي، البيت زاد بذكر الجود والعيال على ما قاله الشعراء من اطعام الطير لحوم الاعداء
    إن يفن ما يحوي فقد أبقى به ... ذكرا يزول الدهر قبل زواله
    هذا منقول من قول الشاعر، بقلبي غرام لست أبلغ وصفه، على أنه ما كان فهو شديد، ترم به الأيام تسحب ذيلها، وتبلى به الأيام وهو جديد وقد سأله حاجة فقضاها فنهض فقال
    قد أبت بالحاجة مقضية ... وعفت في الجلسة تطويلها
    أنت الذي طول بقائي به ... خير لنفسي من بقائي لها
    وسأله بدر الجلوس فقال
    يا بدر إنك والحديث شجون ... من لم يكن لمثاله تكوين
    قوله الحديث شجون مثل والمعنى أنه ذو شجون أي ذو طريق مشتبكة مختلطة وفصل بهذا المثل بين أسم إن وخبرها كما يفصل بالقسم فيقال أنك والله عاقل يقول أنك من لم يكون الله مثله ولم يخلقه واشار بقوله والحديث شجون إلى أن تحت قوله لا مثل لك معان كثيرة لا تحصى
    لعظمت حتى لو تكون أمانة ... ما كان مؤتمنا بها جبرين
    جبرين لغة في جبريل بكسر الجيم وحذف الهمزة وتبدل اللام نونا وكذاك يقال اسماعيل واسمعين واسرائيل واسرائين يقول لو كنت أمانة لكنت عظيما لا يؤتمن بها جبريل الأمين على وحي الله وكتبه إلى انبيائه وهذا إفراط وتجاوز حد يدل على قلة دين وسخافة عقل
    بعض البرية فوق بعض خاليا ... فإذا حضرت فكل فوق دون
    يقول إذا خلا الناس منك اختلفوا وتباينوا فإذا حضرت استووا كلهم في التقصير عنك وصار اعلاهم دونك واخلص فوقا ودونا اسمين وقال فيه أيضا
    فدتك الخيل وهي مسومات ... وبيض الهند وهي مجردات
    المسومات المعلمات بعلامات تعرف بها يقول فدتك الخيل والسيوف في الحرب حتى تفنى هي وتبقى أنت
    وصفتك في قوافٍ سائرات ... وقد بقيت وإن كثرت صفات
    أي بقيت صفات وإن كثرت القوافي لأنها لا تحيط بصفاتك
    أفاعيل الورى من قبل دهم ... وفعلك في فعالهم شيات
    الشية من اللون ما خالف معظمه كالغرة والتحجيل يقول أفعال الناس من قبلك سود بالقياس إلى فعلك وفعلك يتميز من أفعالهم تميز الشية من لون الأدهم أو تتزين أفعالهم بفعلك تزين الأدهم بالغرة والتحجيل كقول الطاءي، قوم إذا اسود الزمان توضحوا، فيه وغودر وهو منهم أبلق وقام منصرفا بالليل وقال


    مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
    ويروى في الجفون وكان يجب أن يقول ولقياك لأن الرؤيا تستعمل في المنام خاصةً لكنه ذهب بالرؤيا إلى الرؤية لأنه كان بالليل كقوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس لم يرد رؤيا المنام إنما أراد رؤيا اليقظة ولكنه كان بالليل
    على أنني طوقت منك بنعمةٍ ... شهيد بها بعضي لغيري على بعضي
    يريد انصرف عنك مع أنك قلدتني نعمةً يشهد بها بعضي على بعضٍ أي من نصر إليّ استدل بنعمتك عليّ والمعنى أن القلب أن أنكر نعمتك شهد الجلد بما عليه من الخلعة
    سلام الذي فوق السموات عرشه ... تخص به يا خير ماشٍ على الأرض
    وقال أيضا وهو يلعب بالشطرنج وقد كثر المطر فقال
    ألم تر أيها الملك المرجى ... عجائب ما رأيت من السحاب
    تشكي الأرض غيبته إليه ... وترشف ماءه رشف الرضاب
    هذا البيت تفسير ما ذكره من العجائب يقول الأرض بعطشها تشكو إلى السحاب غيبته عنها وتمص ماءه كما يمص العاشق ريق المحبوب
    وأوهم أن في الشطرنج همي ... وفيك تأملي ولك انتصابي
    الشطرنج معرب والأحسن كسر الشين ليكون على وزن فعلل كجردحل وقرطعب يقال ما له قرطعبة أي شيء والجردحل من الأبل الضخم وليس في كلام العرب فعلل وقيل أنه معرب من سدرنج يعني أن من اشتغل به ذهب غناؤه باطلا يقول إنما اتأمل في محاسنك لا في الشطرنج وانتصب جالسا لأراك لا للعب
    سأمضي والسلام عليك مني ... مغيبي ليلتي وغداً إيابي
    وأخذ الشراب من أبي الطيب وأراد الانصراف فلم يقدر على الكلام فقال هذين البيتين وهو لا يدري
    نال الذي نلت منه مني ... لله ما تصنع الخمور
    وذا انصرافي إلى محلي ... أآذن أيها الأمير
    يقول الذي نلت منه بشربه نال مني بتغيير اعضائي والأخذ من عقلي ثم تعجب مما تفعله الخمر وهذا كما قال الطائي، وكأس كمعسول الأماني شربتها، ولكنها أجلت وقد شربت عقلي، إذا اليد نالتها بوتر توترت، على ضغنها ثم استقادت من الرجل، وكما قال ايضا، أفيكم فتًى حيٌّ فيخبرني عني، بما شربت مشروبة الراح من ذهني وعرض عليه الصحبة في غد فقال
    وجدت المدامة غلابةً ... تهيج للقلب أشواقه
    غلابة تغلب العقل والحزن وتحرك الشوق كما قال البحتري، من قهوةٍ تنسى الهموم وتبعث، الشوق الذي قد ضل في الأحشاء،
    تسيء من المرء تأديبه ... ولكن تحسن أخلاقه
    أراد بسوء الأدب حركاته المفرطة وقول الخنا والعربدة وبحسن الخلق السماحة
    وأنفس ما للفتى لبه ... وذو اللب يكره إنفاقه
    اعز ما للانسان عقله والعاقل يكره اخراج العقل من نفسه
    وقد مت أمس بها موتةً ... وما يشتهي الموت من ذاقه
    جعل غلبة السكر عقله كالموت ثم قال ومات مرة لا يشتهي العود إليه وقال يصف لعبة أحضرت المجلس على صورة جارية
    وجارية شعرها شطرها ... محكمةٍ نافذ أمرها
    يعني أن شعر رأسها طويل قد بلغ نصف بدنها حكمها أهل المجلس واطاعوها فيما تأمرهم لأنها كانت تدور فإذا وقفت بحذاء واحد منهم شرب فأمرها نافذ عليهم
    تدور وفي يدها طاقة ... تضمنها مكرهاً شبرها
    كانت قد وضعت في كفها طاقة ريحان أو نرجس كرها لأنها لم تأخذها طوعا
    فإن أسكرتنا ففي جهلها ... بما فعلته بنا عذرها
    أي أن اسكرتنا بوقوفها حذاءنا فجهلها ما فعلت عذر لها لأنها لا تعلم ما فعلت واديرت فوقفت حذاء أبي الطيب فقال
    جارية ما لجسمها روح ... بالقلب من حبها تباريح
    يعني أن القلوب تحبها للطف صورتها والتباريح الشدائد
    في يدها طاقة تشير بها ... لكل طيب من طيبها ريح
    أي كل طيب يستفيد طيب الرائحة منها لأنها أطيب الأشياء ريحا
    سأشرب الكاس عن إشارتها ... ودمع عيني في الخد مسفوح
    أي إنما يبكي لكراهية الشرب ولكنه لا يمكنه مخالفة اشارتها واديرت فوقفت حذاء بدر رافعةً رجلها فقال
    يا ذا المعالي ومعدن الأدب ... سيدنا وابن سيد العرب
    أنت عليم بكل معجزةٍ ... ولو سألنا سواك لم يجب
    أي بكل مسألة معجزة الناس عن بيانها والجواب فيها
    أهذه قابلتك راقصة ... أم رفعت رجلها من التعب


    وقال أيضا فيها:
    أن الأمير أدام الله دولته ... لفاخر كسيت فخراً به مضر
    يعني أن العرب كلها قد لبست فخرا به ويروى كسبت
    في الشرب جارية من تحتها خشب ... ما كان والدها جن و لابشر
    قامت على فرد رجلٍ من مهابته ... وليس تعقل ما تأتي وما تدر
    وأديرت فسقطت فقال بديها
    ما نقلت في مشيئة قدما ... ولا اشتكت من دوارها ألما
    يقول هي لا تنقل القدم في مشيتها وأرادتها يعني لا قصد لها ولا إرادة ويروي في مشية تصغير مشية
    لم أر شخصا من قبل رؤيتها ... يفعل أفعالها وما عزما
    فلا تلمها على تواقعها ... أطربها أن رأتك مبتسما
    وقال لبدر ما حملك على احضار اللعبة فقال أردت نفي الظنة عن أدبك فقال أبو الطيب
    زعمت أنك تنفى الظن عن أدبي ... وأنت أعظم أهل العصر مقدارا
    كان المتنبي يتهم بأنه لا يقدر على ارتجال الشعر فاراد بدر أن يفنى عنه هذه التهمة
    أني أنا الذهب المعروف مخبره ... يزيد في السبك للدينار دينارا
    يقول أنا كالذهب الذي يخبر للناس جوهره بالسبك فتزيد قيمته على ما كانت قبل السبك فقال بدر بل والله للدينار قنطار فقال أبو الطيب
    برجاء جودك يطرد الفقر ... وبأن تعادي ينفد العمر
    فخر الزجاج بأن شربت به ... وزرت على من عافها الخمر
    وسلمت منها وهي تسكرنا ... حتى كأنك هابك السكر
    ما يرتجي أحد لمكرمة ... إلا الإله وأنت يا بدر
    وقال يمدح أبا الحسن عليّ بن أحمد المري الخراساني
    لا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محاربٍ لا ينام
    كان الوجه أن يقول لا افتخار بالفتح كما يقال لا رجل في الدار وإنما يجوز الرفع مع النفي بلا إذا عطف عليه فيرفع وينون فيقال لا رجل في الدار ولا امرأة ولكنه اجازه بغير عطف لضرورة الشعر وجعل من نكرةً وجر مدرك أو محارب لأنهما وصف له كما يقال مررت بمن عاقل أي بإنسان عاقل يقول لافخر إلا لمن لا يظلم بامتناعه عن الظلم بقوته وهو إما مدرك ما طلب أو محارب لا ينام ولا يغفل حتى يدرك ما يطلبه
    ليس عزماً ما مرض المرء فيه ... ليس هما ما عاق عنه الظلام
    يقول العازم على الشيء لا يقصر فيه وما قصر الإنسان فيه لم يكن ذلك عزما وما منعك الظلام عن طلبه ليس ذلك عمة لأن العازم إذا هم بأمرٍ لم يعقه دون ادراكه شيءٍ
    ذل من يغبط الذليل بعيشٍ ... رب عيشٍ أخف منه الحمامُ
    يقول من عاش بذل فليس له عيش يغبط به ومن غبطه بذلك العيش فهو ذليل لأن الموت في العز أخف من العيش من الذل
    كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ ... حجة لاجيء إليها اللئام
    يقول الحلم إذا لم يكن عن قدرة على العدو كان عجزا وهو حجة اللئام يسمون عجزهم عن مكافأة العدو حلما كما قال الآخر، إن من الحلم ذلا أنت عارفه، والحلم عن قدرةٍ فضل على الكرم،
    من يهن يسهل الهوان عليه ... لم لجرح بميتٍ إيلام
    يقول إذا كان الإنسان هينا في نفسه سهل عليه احتمال الهوان كالميت الذي لا يتألم بالجراحة
    ضاق ذرعاً بأن أضيق به ذر ... عاً زماني واستكمرتني الكرام
    يقال ضاق ذرعا بكذا إذا لم يطقه إذا لم يطقه وهو من الذراع وأصله أن يمد الرجل ذراعه إلى شيء فلا يصل إليه فيقال ضاق ذرعا بكذا كما يقال حسن وجها يقول عجز الزمان عن أن يدخل على أمرا لا احتمله ولا أطيقه أي لست أضيق بالزمان ذرعا وأن كثرت ذنوبه واساءته إليّ ثم قال استكرمتني الكرام أي وجدوني كريما صبورا على نوائب الزمان غير جزوع يقال استكرمت فاربط أي وجدت كريما فتمسك به
    واقفاً تحت أخمصي قدر نفسي ... واقفاً تحت أخمصي الأنام
    يقول إذا علوت الأنام ووقفوا تحت أخمصي كنت في تلك الحال واقفا تحت أخمص همتي أي لم أبلغ مع بلغته همتي وأن كنت فوق جميع الأنام
    أقراراً ألذ فوق شرارٍ ... ومراماً أبغي وظلمي يرام
    يقول لا أستلذ القرار فوق شرار النار أي لا اصبر على مقاساة الذل ولا أبغي مطلبا ما دام ظلمي يرام ويطلب كأنه قال لا أبغي مرام دون دفع الضيم عن نفسي وهو قوله

    دون أن يشرق الحجاز ونجدٌ ... والعراقان بالقنا والشام

    أي قبل أن تغص وتضيق هذه البلاد بالرماح أي املأها بالخيل والشام إنما يزاد فيها الألف عند النسبة إليها فيحذف التشديد من ياء النسبة وتجعل الألف بدلا من التشديد كما يقال يمنى ويمانٍ
    شرق الجو بالغبار إذا سا ... ر على بن أحمد القمقام
    الأديب المهذب الأصيد الضر ... بالذكي الجعد السري الهمام
    والذي ريب دهره من أسارا ... ه ومن حاسدي يديه الغمام
    ريب الزمان صروفه ونوائبه يعني أنه اسر ريب الدهر وحبسه عن الناس
    يتداوى من كثرة المال والإق ... لالِ جوداً كأن هالاً سقام
    يقول كأن المال سقام وكأن الأقلال برء ذلك السقام فهو يتداوى من كثرة المال بالاقلال أي يبذله ليصير مقلا فيصير ذلك دواء له من الداء الذي هو الإكثار
    حسن في عيون أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام
    يقول هو حسن وتم الكلام ثم قال في عيون اعدائه أقبح من ضيفه في عين المال الراعي لأنه ينحر إبله للأضياف فهي تكرههم كما قال الآخر يصف الضيف، حبيب إلى كلب الكريم مناخه، بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر، وقوله في عيون أعدائه ظرف للقبح لا للحسن وقدمه عليه كما تقول في الدار زيد
    لو حمى سيداً من الموت حامٍ ... لحماك الإجلال والإعظام
    يقول لو كان سيد محمياً من الموت لحماك وحفظك لا تموت وقال ابن دوست لأنهم يهابونك فلا يقدمون عليك وليس المعنى في اجلال الناس إياه من ذكره لأنه ليس كل الموت القتل حتى يصح ما ذكر
    وعوار لوامعٌ دينها الح ... لُّ ولكن زيها الإحرام
    أي وسيوف عوار من الغمود دينها استحلال قتل النفوس ولكن زيها زي محرم لأن المحرم عارٍ من الثياب
    كتبت في صحائف المجد بسم ... ثم قيس وبعد قيس السلام
    من قال بسم اجري الباء كبعض حروفها لطول صحبتها الإسم كما أنشده الفراء، فلا والله لا يلفي لما بي، ولا للما بهم أبداً دواء، وانشد الاخر، وكاتبٍ قطط اٌلاما، وخط بسما ألفا ولاما، ومن قال بسم خفضه بالباء وأراد بسم الله وهذا قبيح جداً أن يجعل ما ليس من نفس الكلمة كالجزء منه وقوله وبعد قيس من كسر السين حذف التنوين لاجتماع الساكنين ومثله كثير ومن نصب قيس ذهب إلى القبيلة فلم يصرفها للتعريف والتأنيث ومعنى البيت أن غير قيس لا يسمى عند التسمية أهل المجد فيكتب بإسم الله ثم أسم هذه القبيلة ثم يكتب السلام الذي يكتب في أواخر الكتب
    إنما مرة بن عوف بن سعدٍ ... جمرات لا تشتهيها النعام
    جمرات العرب بنو عبس وبنو ضبةَ وبنو ذبيان سموا جمرات لشوكتهم وشدتهم وما أحسن ما فضل هذه القبيلة الملقبة بالجمرة على سائر الجمرات جعلها لا تشتهيها النعام لأنها قبيلة ذات بأس وشدة لا ذات جمر في الحقيقة فهم جمرات الحرب لا جمرات اللهب والنعام تشتهي جمرة النار لفرط برودة في طبعها
    ليلها صبحها من النار والأص ... باح ليل من الدخان تمام
    يعني أنهم مضاييف بالليل والنهار فليلها كالصبح لضوء النار التي أوقدوها للضيغان ونهارهم كالليل من الدخان وقوله تمام أتى به لإتمام القافية فقط وتم المعنى دونه ومعناه تام في الطول
    همم بلغتكم رتباتٍ ... قصرت عن بلوغها الأوهام
    ونفوس إذا ايرت لقتالٍ ... نفدت قبل ينفذ الإقدام
    الانبراء التعرض للشيء والمعنى أنها تقبل مقدمة فتنفد والاقدام باق بحاله لأنها لم تتأخر فنفادها قبل نفاد اقدامها ويجوز أن يكون المعنى أنهم يعلمون الناس الأقدام فيفنون وأقدامهم باقٍ ويجوز أيضا أن يريد أنهم متجسمون من الأقدام فإذا فنيت الروح فالجسم الباقي هو الإقدام
    وقلوب موطنات على الرو ... ع كأن اقتحامها استسلام
    الموطنات المسكنات وأراد بالروع الحرب لا الفزع والاقتحام الدخول في الحرب والاستسلام طلب السلم والصلح يقول كان دخولهم في الحرب طلب للسلم لاسترسالهم وانبساطهم
    قائدو كل شطبةٍ وحصانٍ ... قد براها الإسراج والإلجامُ
    يتعثران بالرؤوس كما م ... ر بتاءات نطقه التمام
    التمام الذي يتردد لسانه بالتاء يعني أن خيلهم تعثر برؤوس القتلى من الاعداء كما يعثر التمتام بالتاء ويقال تمتا وتاتاء
    طال غشيانك الكرائه حتى ... قال فيك الذي أقول الحسامُ

    سنواصل رحلتنا مع شرح الديوان إن شاء الله الاسبوع القادم .
    عبدالله عمر

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    يقول طال اتيانك الحروب حتى أن السيف يشهد بما أقوله بانفلاله فجعل ذلك كالقول من السيف ولم يعرف ابن دوست المعنى فقال السيف قال فيك ما أقوله من المدح والشجاعة
    وكفتك الصفائح الناس حتى ... قد كفتك الصفائح الأقلام
    قال ابن جنى أي استغنيت بسيوفك عن نصرة الناس لك وليس المعنى على ما ذكر يقول هاب الناس سيوفك فكفوا عنك ولم تحتج إلى قتالهم ثم صرت إلى أن كفتك الأقلام السيوف لما استقر لك من الهيبة في القلوب وقال ابن دوست كفتك سيوفك الناس من العساكر وغيرها حتى استغنيت عنهم ولم تحتج إليهم وهذا أيضا ضعيف لن السيوف تحتاج إلى من يحملها ليحصل له الهيبة وهي بمجردها لا تكفيه الناس والمعنى ما ذكرنا ومن روى البأس أراد كفتك سيوفك الحرب فتكون هذه الرواية تأكيدا للمعنى الذي ذكرنا
    وكفتك التجارب الفكر حتى ... قد كفاك التجارب الإلهام
    التجارب جمع التجربة وهي التجريب يقول قد جربت الأمور وعرفتها حتى لا تحتاج إلى التفكر فيها ثم صرت ملهما يلهمك الله الصواب حتى كفاك الهام الله تعالى التجارب
    فارس يشتري برازك للفخ ... ر بقتلٍ معجلٍ لا يلام
    يقول من اشترى نفاسة ما يكتسبه من الفخر بكونه قرنا لك بأن تعجل قتله لم يلم على ذلك لأنك وإن قتلته فقد استحق الفخر بأن يقال قدر على مبارزته
    نائل منك نظرةً ساقه الفق ... ر عليه لفقره إنعامُ
    أي لما كان فقره سبب نظره إليك بقصده إياك كان فقره منعما عليه يعني لو لم ينل غير النظر إليك لكان لفقره أنعام عليه
    خير أعضائنا الرؤس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
    يقول خير اعضاء الإنسان الرأس لأنه مجمع الحواس وفيه الدماغ الذي هو محل العقل ولكن الأقدام صارت أفضل منها بقصدها إياك وهذا كما قال ايضا، وإن القيام التي حوله، لتحسد أقدامها الأروس،
    قد لعمري أقصرت عنك وللوف ... د ازدحام وللعطايا ازدحام
    يقول لم آتك حين ازدحمت عليك الوفود وازدحمت عليهم عطاياك
    خفت إن صرت في يمينك أن تأ ... خذني في هباتك الأقوامُ
    ذكر علة تأخره عنه وهي خوفه أن يؤخذ في جملة ما كان يهبها وهذا اغراق في وصف كثرة عطاياه حتى خاف شاعره وزائره أن يوخذ فيما يوخذ عنه من الهبة وهذا كقول البحتري، ومن لو ترى في ملكه عدت نائلا، لأول عافٍ من مرجيه مقتر،
    ومن الرشد لم أزرك على القر ... ب على البعد يعرف الإلمام
    يقول من اصابة الرشد لم أزرك وأنا على القرب منك لأن حق الزيارة إنما يعرف إذا كان من بعد قال أبو الطيب كنت بالقرب منه ولم أزره فلما بعدت عنه زرته
    ومن الخير بطؤ سيبك عنى ... أسرع السحب في المسير الجهام
    البطؤ اسم من الإبطاء وهو التأخر يقول تأخر عطائك عني يدل على كثرته كالسحاب إنما يسرع منها ما كان جهاما لا ماء فيه وما يكون فيه الماء يكون ثقيل المشي
    قل فكم من جواهر بنظامٍ ... ودها أنها بفيك كلام
    يقول للممدوح قل وتكلم فإن الجوهر المنظوم يتمنى أن يكون كلاما لك لحسن نطقك وانتظام كلماتك
    حسبك الله ما تضل عن الح ... ق ولا يهتدي إليك أثام
    يقول كافيك الله أي هو الذي يكفيك كل شر وغائلة وأنت مع الحق لا تضل عنه ولا تهتدي إليك الإثم لأنك لا تأتي بما تأثم فيه
    لم لا تحذر العواقب في غي ... رِ الدنايا أو ما عليك حرامُ
    يعني أنه يقدم على المهالك وكل شيء ولا يتفكر في عقابة شيء إلا ما كان من دنية أو شيء حرام فإنه لا يقدم عليه فيقول لم تفعل ذلك وروى أما بالإستفهام وهو رواية ابن جنى وقال في تفسيره يقول لافراطك في توقي الدنايا صار كأنه حرام عليك غيرها هذا كلامه والمعنى أنه لا يتفكر في عاقبة شيء سوى الدنايا فكأنه لم يحرم عليه شيء والأول أمدح
    كم حبيبٍ لا عذر في اللوم فيه ... لك فيه من التقي لوام
    يقول كم حبيب يستحق المواصلة بتمام حسنه ولا تلام لو واصلته وتقاك يمنعك عنه حني كأن التقوى لوام يلومونك في وصله يصفه بتقوى الله وخشيته ثم أكد هذا فقال
    كم حبيب لا عذر في اللوم فيه ... لك فيه من التقى لوام
    يقول نزاهتك وتباعدك عن الآثام رفعت قدرك عن مواصلته وصرفت قلبك عنه الأمور العظيمة التي تسعى فيها
    إن بعضا من القريض هذاء ... ليس شيئا وبعضه أحكام
    الهذاء الذيان والأحكام جمع الحكم بمعنى الحكمة كما روى في الحديث إن من الشعر لحكما أي حكمةً والبيت مآخوذ من هذا الحديث
    منه ما يجلب البراعة والفض ... ل ومنه ما يجلب البرسام
    هذا البيت تفسير لما قبله وقال أيضا وأراد الأرتحال
    لا تنكرن رحيلي عنك في عجلٍ ... فإنني لرحيلي غير مختارِ
    وربما فارق الإنسان مهجته ... يوم الوغى غير قالٍ خشية العارِ
    شبه فراقه الممدوح بفراق الإنسان روحه يقول قد يعرض للمرء ما يوجب له فراق روحه من غير بغض للروح كذلك أنا أفارقك كارها لذلك مضطرا
    وقد منيت بحساد أحاربهم ... فاجعل نداك عليهم بعض انصاري
    يقول أنا مبتلي بحساد أعاديهم فانصرني عليهم بجودك يعني لأفتخر عليهم بما وهبت لي وقال يصف سيره في البوادي وهجا فيها ابن كروس الأعور
    عذيري من عذاري من أمور ... سكن جوانحي بدل الخدور
    قولهم عذيري من فلان يستعملونه عند الشكاية من الشيء والمعنى من يعذرني أن أوقعت به وأسات إليه فقد استحق ذلك ويريد بالأمور العذارى همما لم يسبق إليها أو خطوبا عظيمة لا عهد بمثلها يقول هذه الأمور اتخذت اضلاعي وقلبي مسكنا كما تسكن العذارى خدورهن
    ومبتسمات هيجاوات عصرٍ ... عن الأسياف ليس عن الثغور
    الهيجاوات جمع الهيجاء وهي الحرب أي من حروب تبتسم هبواتها عن بريق السيوف لا عن الثغور
    ركبت مشمراً قدمي إليها ... وكل عذافر قلق الضفور
    مشمرا رافعا ذيلي للسرعة والعذافر القوي من الإبل والناقة عذافرة والضفور جمع ضفر وهو الحبل والنسع يقول قصدتها راجلا وراكبا وإنما تقلق الضفور لشدة السير والهزال
    أوانا في بيوت البدو رحلي ... وآونةً على قتد البعير
    الآونة جمع أوانٍ مثل زمان وأزمنة يقول ارتحالي أكثر من نزولي لذلك قال في النزول أوانا وفي الأرتحال آونة
    أعرض للرماح الصم نحري ... وأنصب حر وجهي للهجير
    وأسرى في ظلام الليل وحدي ... كأني منه في قمرٍ منيرِ
    يقول كأني في الظلام في قمر لمعرفتي بالطرق واهتداءي فيها
    فقل في حاجةٍ لم أقض منها ... على تعبي بها شروي نقير
    النقير النقرة تكون في ظهر النواة يضرب مثلا للشيء الحقير شروي الشيء مثله ومعنى قل فيها أي أكثر القول وقل ما شئت فإن فيه مقالاتٍ يذكر كثرة تعبه وقلة نيله يقول كم من حاجة تعبت فيها أو شغفت بها ثم لم أقض منها شيئاً قليلا ولم يفسر أحد معنى قل ههنا
    ونفس لا نجيب إلى خسيس ... وعين لا تدار على نظيرٍ
    أي وقل ما شئت في نفس يعني لا تجيب إلى أمر خسيس وعينٍ لا تفتح ولا تدار في النظر على نظير لي
    وكفٍ لا تنازع من أتاني ... ينازعني سوى شرفي وخيري
    يعني وكف جوادٍ لا تمسك الأشياء ولا تنازع المنازع في غير الشرف والكرم يعني أنه يجود بالماد وكل شيء سوى الشرف
    وقلة ناصرٍ جوزيت عني ... بشرٍّ منك يا شر الدهور
    أي وقل في قلة من ينصرني على ما اطلبه ثم خاطب الدهر فقال جوزيت عني بدهر شر منك أي ابتلاك الله بدهر شر منك كما ابتلاني بك وأنت شر الدهور
    عدوي كل شيء فيك حتى ... لنحلت الأكم موغرة الصدور
    قال ابن جنى هذا يحتمل أمرين أحدهما أن يريد أن الأكم تنبو به ولا تطمئن فكأن ذلك لعداوة بينهما والآخر وهو الوجه أن يكون إراد شدة ما يقاسي فيها من الحر فكأنها موغرة الصدور من قوة حرارتها قال ابن فورجة أما المعنى الأول فيقال لم يريد أن يستقر في الأكم فتنبو به وبئسما يختار لداره ومقامه وأما المعنى الآخر فيقال كيف خص الأكم بشدة الحر والمكان الضاحي للشمس أولى أن يكون أحر والأكمة ظل وهو أبرد من المكان الذي لا ظل فيه وهذا أيضا خطأ والذي يعني أبو الطيب أنه كل شيء يعاديه حتى خشي أن يكون الأكمة التي هي شخص بلا عقل معاديةً له وإن لم يكن ظهر منها ما يوجب ذلك كما يقول الرجل الخائف أخاف الجدار وأخاف كل شخص ماثل وإن لم يكن ظهر من الحائط ما يستريب به وإنما يريد بذلك المبالغة في الخوف
    فلو أني حسدت على نفيسٍ ... لجدت به لذا الجد العثورِ
    يقول لو حسدني الأعداء على شيء نفيس يرغب فيه لتركته لما أنا فيه من الجد العاثر ويروى لذي الجد أي لجدت به لاخس الناس
    ولكني حسدت على حيوتي ... وما خير الحيوى بلا سرور
    كنى بالحيوة عن السرور لأن الحيوة إذا خلت عن السرور لم تكن حيوةً والمعنى أنهم حسدوني على سروري وأنسي وأرادوا أن أكون محزونا أبداً وإذا أرادوا فكأنهم قد أرادوا موتي لأن حيوة المحزون لا خير فيها هذا ما يفسر به البيت وليس بظاهر وأظهر من هذا أنه ذكر في البيت قبله أنه لو حسد على نفيس لجاد به ثم قال إنما أحسد على حيوتي وهي حيوة بلا سرور يدل على هذا قوله وما خير الحيوة بلا سرور أي فلا خير في حيوتي لأنها بغير سرور ولو كان فيها خير وسرور لجدت بها ولكن لا يرغب أحد في حيوة لا سرور فيها فجعل الحيوة كالشيء الذي يجاد به على الحاسد للنجاة من شره وحسده ثم ذكر أنها خالية من السرور فلا يرغب فيها راغب
    فيا ابن كروسٍ يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيها نصف البصير
    هذا الأعور كان يعاديه لذلك سماه نصف الأعمى ونصف البصير والمعنى أن فخرت ببصرك فأنت ذو بصر واحد
    تعادينا لأنا غير لكن ... وتبغضنا لأنا غير عور
    يقول تعادينا لما بيننا من المضادة لأنك الكن وأنا فصيح وأنت أعور وأنا بصير
    فلو كنت امرءً يهجا هجونا ... ولكن ضاق فتر عن مسير
    يقول لخستك لا مجال للشعر فيك فإن الهجاء يرتفع عن قدرك والفتر يضيق مقداره عن المسير فيه كذلك أنت ليس لك عرض يهجي كما قال، بما أهجوك لا أدري، لساني فيك لا يجري، إذا فكرت في عرضك أشفقت على شعري، وقال يمدح محمد بن عبيد الله بن محمد بن الخطيب القاضي الخصيبي
    أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
    يقول الافضلون كالأغراض للزمان يرميهم بنوائبه ويقصدهم بالمحن وإنما يخلو من الحزن من كان خاليا من الفطنة والبصيرة يعني أن الزمان إنما يقصد بشره الأفضل كما قال ذو الإصبع، أطاف بنا ريب الزمان فداسنا، له طائف بالصالحين بصير، وقال البحتري، ألم تر للنوائب كيف تسمو، إلى أهل النوافل والفضول،
    وإنما نحن في جيل سواسية ... شرٍ على الحر من سقمٍ على بدن
    الجيل الضرب من الناس وسواسية متساوون في الشر ولا يقال في الخير
    حولي بكل مكانٍ منهم خلق ... تخطى إذا جئت في استفهامها بمن
    خلق جمع خلقة وهي الصورة ويروي خلق جمع خلقة من الناس والمعنى أن من يستفهم بها عن من يعقل وهؤلاء كالبهائم وإذا استفهمت عنهم فقل ما أنتم ولا تقل من أنتم
    لا أقتري بلداً إلا على غررٍ ... ولا أمر بخلقٍ غير مضطغنِ
    تقول قزوت البلاد واستقريتها واقتريتها إذا تتبعتها تخرج من بلد إلى بلد ومضطغن ذو ضغن وحقد يقول لا أسافر على خطر وخوف على نفسي من الحساد والاعداء ولا أمر بأحد لا يكون له عليّ حقد يعني أنهم جهال اعداء لذوي الفضل والعلم فلجهلهم وفضلي يعادونني
    ولا أعاشر من أملاكهم أحدا ... لا أحق بضرب الرأس من وثنِ
    يقول لا اخالط أحدا من ملوكهم إلا وهو يستحق القتل كالصنم الذي يستق أن يكسر ويفصل بين رأسه وبدنه حتى لا يكون على خلقة الإنسان ويجوز أن يكون ضرب الرأس كناية عن الاذلال يقول هو أحق بالإذلال من الوثن وإنما خص الوثن لأنه أراد أنه صورة لا معنى وراءه كالوثن الذي يفتن به قوم يعبدونه وهو تمثال لا معنى وراءه
    إني لأعذرهم مما أعنفهم ... حتى أعنف نفسي فيهم وأني
    يقول أجعل لهم عذرا فيما الومهم به من الغفلة واللؤم حتى اعود على نفسي باللوم واقصر في لومهم وعذرهم أنهم جهال والجاهل لا يلام على ترك المكارم والرغبة عن المعالي وقد ذكر هذا فقال
    فقر الجهول بلا قلبٍ إلى أدب ... فقرالحمارِ بلا رأسٍ إلى رسنِ
    أول ما يحتاج إليه الإنسان العقل والقلب الذي به يعقل ثم يتأدب بعد ذلك فإذا لم يكن عاقلا لم يحتج إلى أدب كالحمار إذا لم يكن له رأس لم يحتج إلى الرسن
    ومدقعين مسبورتٍ صحبتهم ... عارين من حللٍ كاسين من درنِ
    يريد الصعاليك الذين يجلسون على الدقعاء بالمفازة التي لا نبت فيها ومنه قيل للفقير سبروت
    خراب بادية غرثى بطونهم ... مكن الضباب لهم زاد بلا ثمن
    الخراب جمع خراب وهو الذي يسرق الإبل خاصة ثم سميّ به كل لص والمكن بيض الضب يقول هم سراق فلاة وليس لهم زاد إلا بيض الضب يأخذونه بلا ثمن
    يستخبرون فلا أعطيهم خبري ... وما يطيش لهم سهم من الظنن
    وخلةٍ في جليسٍ أتقيه بها ... كيما يرى أننا مثلان في الوهن
    يقول رب خصلة في جليس لي استقبله بمثلها من نفسي أي اتخلق بمثلها كي يظنني مثله في ضعف الرأي كما قال الآخر، أحامقه حتى يقال سجيةٌ، ولو كان ذا عقلٍ لكنت أعاقله، وإنما يفعل ذلك لكي يستر نفسه وفضله فلا يحسده ويؤكد هذا قوله
    وكلمةٍ في طريق خفتأعربها ... فيهتدي لي فلم أقدر على اللحن
    أصل معنى اللحن العدول عن الظاهر إما خطأ وإما إلغازا وفطنة ويسمى الفطن لحنا ومنه الحديث ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته أي افطن لها يقول رب كلامٍ أردت ترك الإعراب فيه لئلا يهتدي إليّ ولا يطلع على أنني المتنبي فلم أقدر على ذلك يعني أنه مطبوع على الفصاحة لا يقدر أن يخالفها إلى الخطأ
    قد هون الصبر عندي كل نازلةٍ ... ولين العزم حد المركب الخشن
    يقول صبري جعل كل حادثة تنزل بي سهلة هينةً وعزمي ألان لي المركب الخشن يعني لا أشتكي النوازل بل أصبر عليها ولا استخشن الخطوب الصعبة لقوة عزمي إذا عزمت
    كمن مخلصٍ على في خوض مهلكةٍ ... وقتلةٍ قرنت بالذم في الجبن
    يقول كم خلاص وعلو لمن خاض المهالك وكم من قتل مع الذم للجبان يعني كثيرا ما يتخلص خائض المهالك مع ما يكسب من الرفعة وكثيرا ما يقتل الجبان مذموما
    لايعجبن مضيماً حسن بزته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن
    المضيم المظلوم والبزة اللباس يقول لا ينبغي للمظلوم ان يعجب بحسن لباسه فإن الميت لا يعجب بحسن كفنه شبه المظلوم الذي لا يدفع الظلم عن نفسه بالميت وجعل ثوبه كالكفن
    لله حالٌ أرجيها وتخلفني ... وأقتضي كونها دهري فيمطلني
    يقال عند التعجب من الشيء لله هو والمعنى ههنا إن القادر على تمكيني من هذه الحال التي أرجوا بلوغها وهي تخلفني أي لا تصل إليّ ولا تنجز عدتي وأسال دهري وهو يمطلني هو الله تعالى
    مدحت قوما وإن عشنا نظمت لهم ... قصائداً من إناثِ الخيلِ والحصن
    مدح قوما بخلاء لا يستحقون المدح يقول ن عشت غزوتهم بخيل إناث وذكور والحصن جمع حصان وهو الفحل من الخيل وجعلها كالقصائد المؤلفة بدل القصائد التي ألفها في مدهم
    تحت العجاحِ قوافيها مضمرةً ... إذا تنوشدن لم يدخلن في أذن
    يقول قوافي هذه القصائد خيل مضمرة تحت العجاج وليست مما ينشد فيدخل الآذان
    فلا أحارب مدفوعا على جدرٍ ... ولا أصالح مغروراً على دخن
    مدفوعا حال له وكذلك مغرورا أي لست ممن يعتصم في الحرب بالأبنية والجدر وروى ابن جنى مرفوعا أي يرفع إلى الجدر فيحارب عليها أي لا أصالح إلا على بذل الرضاء والدخن الفساد والعداوة في القلب ومنه الحديث هدنة على دخن والمعنى لا أصالح أعداءي إذا غروني ونافقوني
    مخيم الجمع بالبيداء يصهره ... حر الهواجر في صمٍ من الفتن
    يقول إنا مخيم الجمع بالبيداء يعني عسكره قد نصبوا الخيام بالصراء يذيبهم حر الهواجر في فتن صم شديدة أو فتن لا يهتدي فيها كالحية الصماء التي لا تجيب الرافي
    ألقى الكرام الأولى بادوا مكارمهم ... على الخصيبي عند الفرض والسننِ
    يقول الكرام الذين هلكوا ورثوه مكارمهم فهو يستعملها عند ما يلزمه كالفريضة وعند ما لا يلزمه كالسنة
    فهن في الحجر منه كلما عرضت ... له اليتامى بدا بالمجد والمنن
    يقول فالمكارم في حجره يريبها ولكما عرضت له الإيتام بدا باستعمال المجد فمن عليهم واحسن إليهم وإنما ذكر اليتامى لأنه يمدح قاضيا والقضاة يتكلفون أمر الأيتام وأطال ابن فورجة الكلام في معنى البيتين وذلك أ،ه قال يعني أن المكارم فقد راغبوها وكان لها منالكرام اباء فلما هلكوا اكفلوها هذا الممدوح لنه قاض والقضاة تكفل اليتامى فجعلوه كفيلها فهو يربيها مع سائر الأيتام غير أنه يؤثر المكارم بحسن التربية على سائر الأيتام وهذا معنى قوله كلما عرضت له اليتامى بدا بالمجد والمنن أراد بدا بالمكارم فأقام المجد والمنن مقامهما لأنها في معناها هذا كلامه وهو تكلف من لم يعرف المعنى
    قاضٍ إذا التبس الأمران عنَّ له ... رأيٌ يخلص بين الماء واللبنِ
    يقول إذا اختلط الأمران فاشتبها ظهر له رأيٌ يفصل بين ما لا يمكن الفصل بينهما وهو الماء واللبن
    غض الشباب بعيدٌ فجر ليلته ... مجانب العين للفحشاء والوسن
    في بعيد فجر ليلته وجهان احدهما أنه يسهر فيما يكسبه العلم والدين وليس ممن يقصر ليلته باللذات والثاني أنه أراد بالفجر بياض الشيب وبالليالي سواد الشباب والمعنى أن بياض الشيب بعيد منه لأنه شابٌّ طريٌّ الشباب وقوله مجانب العين للفحشاء والوسن أي عينه بعيدة عن النظر إلى ما لا يحل وعن النوم أيضا لطول سهره
    شرابه النشح لا للري يطلبه ... وطعمه لقوام الجسم لا السمن
    النشح الشرب القليل ومنه قول ذي الرمة، وقد نشحن فلا ريٌّ ولا هيم، والطعم الطعام يقول يشرب ويطعم القدر الذي يقيم به جسمه ليس يشرب للري ولا يأكل للسمن
    القائل الصدق فيه ما يضر به ... والواحد الحالتين السر والعلن
    أي يقول الحق والصدق وإن كان فيه ضرر عليه ولا يضر خلاف ما يظهر ريآءٌ
    يقول عيي بالأمر إذا عجز عنه والساهي الغافل والذهن الفطن الذي يقول يفصل برأيه وعلمه الحكم الذي عجز عنه السابقون ويظهر حق الخصم الغافل من الخصم الذكيّ
    أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
    أي يعرف أنه من ولد الخصيب بما ظهر من افعاله حتى لو لم ينتسب إليه عرفنا ذلك كما يستدل بالغصن على الأصل والمعنى من قول بعضهم، وإذا جهلت من امرء أعراقه، وأصوله فانظر إلى ما يصنع، ومثله قول الطاءي، فروعٌ لا ترف عليك إلا، شهدت بها على طيب الأروم،
    العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارضِ الهتنِ
    العارض السحاب يعرض في جانب الهواء والهتن الكثير الصب مثل الهطل يقول هو ابن آباء اجواد كالسحاب
    قد صرت أول الدنيا وآخرها ... آباؤه من مغار العلم في قرنِ
    المغار الحبل الشديد الفتل والقرن الحبل قال ابن جنى هذا مثل ضربه أي قد ضبطوا العلم وقيدوا به الأحكام والشرائع ويكون التقدير على ما قال أول أحكام الدنيا أي الأحكام التي تكون في الدنيا وتجري فيها والمعنى أن آباءه كانوا علماء وقال ابن فورجة مدحهم برواية الحديث يعني أنهم ضابطون الأيام عارفون بالأخبار واظهر من القولين أنه مدحهم بكثرة التجارب والعلم بالدنيا يقول احاطوا علما باحوال الدنيا من أولها إلى آخرها ويدل على صحة هذا قوله
    كأنهم ولدوا من قبل أن ولدوا ... وكان فهمهم أيام لم يكن
    أي لعلمهم بالأمور وأحوال الدنيا كأنهم قد شاهدوا أولها فكانوا قبل أن كانوا لأنهم إذا علموا احوال الماضين فكأنهم كانوا معهم في عصرهم وكأن فهمهم كان موجودا في الأيام التي لم يكن فيها موجودا لأنهم فهموا ما كان في تلك الأيام
    الخاطرين على أعدائهم أبداً ... من المحامد في أوقى من الجننِ
    يقال خطر يخطر إذا مشى متبخترا خطرانا يقول يمرون على اعدائهم متبخترين وعليهم من المحاميد ما يقي اعراضهم الذم أكثر ما تقي الجنة السلاح
    للناظرين إلى إقباله فرح ... يزيل ما بجباه القوم من غضن
    الغضن واحد الغضون وهو تكسر الجلد يعني أنه يقبل على الزائرين اقبالا يفرحون به فيزول بذلك حزنهم وتشنج وجوههم والمسرور يكون بشا طلقا والمحزون يكون متزوي جلدة الوجه
    كأن مال ابن عبد الله مغتر ... من راحتيه بأرض الروم واليمن
    يريد أن عطاءه يوجد في كل موضع ويسافر إلى كل أحد وإن بعد عنه حتى كأنه يؤخذ من يده في أرض الروم واليمن أي عطاؤه بالأقاصي كعطائه بحيث هو والمعنى أن ماله يقرب من القاصي قربه من الداني
    لم نفتقد بك من مزنٍ سوى لثقٍ ... ولا من البحر غير الريح والسفنِ
    يقول لم نفقد بوجودك من السحاب سوى الوحل الذي يكون من مائه ولا من البحر غير الريح والسفن التي لا يمكن عبور البحر إلا بهما والمعنى أنه سحاب وبحر
    ولا من الليث إلا قبح منظره ... ومن سواه سوى ما ليس بالحسنِ
    يقول وجدنا بك كل شيء إلا ما كان قبيحا يعني أن جميع محاسن الدنيا مجتمعة فيه وجميع المقابح منفية عنه
    منذ احتبيت بأنطاكية اعتدلت ... حتى كأن ذوي الأوتار في هدنِ
    يقول منذ جلست محتبيا للحكم بهذه البلدة استوى أمرها واستقام حتى كأن اصحاب الأحقاد قد تصالحوا وهادنوا فزال الشر والظلم والخلاف
    ومذ مررت على أطوادها قرعت ... من السجود فلا نبت على القنن
    أراد أنها على بعدها من التمييز عرفت أنك فوقها وأفضل منها حلما فخضعت لك ومن شعار الخضوع السجود فجعل الخضوع سجودا والمبالغة في السجود أن يتعدى الجبين إلى الرأس والمبالغة فيه أن يتوالى السجود عليه حتى يقرع والقنن جمع قنة وهي أعلى موضع في الجبل
    أخلت مواهبك الأسواق من صنعٍ ... أغنى نداك عن الأعمال والمهن
    الصنع الصانع الحاذق بيده ومنه قول ابي ذويبٍ، أو صنع السوابغ تبع، والمهن جمع المهنة وهي الخدمة يقول أهل الأسواق من الصنائع قد عطلوها استغناء بعطائك عما كانوا يعملون حتى خلت منهم الأسواق والمعنى أن مواهبك قد انتشرت وفشت بين الناس حتى اصاب منها أهل الأسواق ما استغنوا به عن الأعمال
    ذا جود من ليس من دهرٍ على ثقةٍ ... وزهد من ليس من دنياه في وطن
    يقول هذا الجود الذي نشاهده منك جودُ من لا يأمن الدهر ويعلم أن المال للحادثات فهو يجود به ليحرز به الحمد والأجر وزهدك زهد من علم أن الدنيا دار قلعة ومحل نقلة فلا تشتغل بعماراتها وجمع المال لها
    وهذه هيبةٌ لم يؤتها بشرٌ ... وذا اقتدار لسانٍ ليس في المننِ
    فمر وأوم تطع قدست من جبلٍ ... تبارك الله مجرى الروح في حضنِ
    حضن جبلٌ بأعلى نجد ومنه المثل أنجد من رأي حضناً جعله كجبل ذي روح في ثباته ووقاره ورزانته وقال يرثي جدته لأمه
    ألا لا أري الأحداث حمداً ولا ذما ... فما بطشها جهلا وما كفها حلما
    يقول لا أحمد الحوادث السارة ولا أذم الضارة فإنها إذا بطشت بنا أو ضت لم يكن ذلك جهلا منها وإذا كفت عن الضرر لم يكن ذلك حلما يعني أن الفعل في جميع ذلك لله لا لها وإنما تنسب الأفعال إليها استعارة ومجازا
    عبدالله عمر

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى ... يعود كما أبدى ويكرى كما أرمي
    يقول كل واحد يرجع إلى ما كان عليه من العدم ويعود إلى حالته الأولى كما أبدى وينقص كما زاد يقال بدا الشيء وأبدى وبدأ الله الخلق وأبدأهم والإكراء النقص والإرماء الزيادة
    لك الله من مفجوعةٍ بحبيبها ... قتيلة شوقٍ غير ملحقها وصما
    معنى لك الله دعاء لها وعني بالحبيب نفسه وشوقها لم يلحقها عيبا لأنها اشتاقت إلى ولدها
    أحن إلى الكأس التي شربت بها ... وأهوى لمثواها التراب وما ضما
    يعني كاس الموت يقول لا أحب البقاء بعدها وأحب لأجل مقامها في التراب التراب وما ضمه التراب يعني شخصها أو كل مدفون في التراب وحبه التراب يجوز أن يكون حبا للدفن فيه ويجوز أن يحب التراب لأنها فيه
    بكيت عليها خيفة في حيوتها ... وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
    يقول كنت أبكي عليها في حياتها خوفا من فقدها وتغربت عنها فثكلتها وثكلتني قبل الموت
    ولو قتل الهجر المحبين كلهم ... مضى بلد باقٍ أجدت له صرما
    يقول لو كان الهجر يقتل كل محب لقتل بلدها واجد بمعنى جدد يعني أن البلد كان يحبها لافتخاره بها ولكن الهجر إنما يقتل بعض المحبين دون بعض
    عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما
    يقول كنت عالما بالليالي وتفريقها بين الاحبة قبل ان صنعت بنا هذا التفريق فلما دهتني هذه المصيبة لم تزدني بها علما وهذا منقول من قول الطائي، حلمتني وأراني، قبل هذا التحليم كنت حليما،
    منافعها ما ضر في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن نجوع وأن تظما
    قال ابن جنى أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ وهذا ضار لغيرها ومعنى جوعها أو ظمئها أن تهلك الناس فتخلى عنهم الدنيا قال ابن فورجة الضمير في منافعها للجدة المرثية يعني أنها قتين قليلة الطعم تؤثر بالطعام على نفسها فتجوع وتظمأ لتنفع غيرها وتم الكلام ثم جعل المصراع الثاني تفسيرا للمصراع الأول فقال غذاؤها وريها في أ، تجوع وتظمأ لأن سرورها بإطعام غيرها يقوم مقام تغذيها وترويها أما قول ابن جنى فليس بالوجه فليس بالوجه ولا وجه لجوع الاحداث وظمئها على ما ذكر فأما قول ابن فورجة فيصبح على تقدير منافعها ما ضرها في نفع غيرها وهي الجوع والعطش بائثار غيرها بالطعام والشراب وذلك ضر ينفع غيرها وهذا صحيح من هذا الوجه غير أن الأولى ردّ الكناية إلى الأحداث والليالي لا إلى الجدّة والمعنى منافع الليالي في مضرة غيرها من الناس ثم ذكر ذلك وفسر فقال غذاؤها وريها في أن تجوع أيها المخاطب وتظمأ لولوعها بالإساءة بنا كأن ريها وشعبها في جوعنا وظمئنا ويروى نجوع ونظمأ بالنون على ما ذكرنا من التفسير ويجوز أن يكون تجوع وتظمأ بالتاء خبرا عن الليالي والمعنى غذاؤها وريها جوعها وعطشها أي لا ريَّ لها ولا شبع لأنها لا تروى ولا تشبع من أهلاك الأنفس وازهاق الأرواح وتقدير ما ضر في نفع غيرها ما أثر في نفع غيرها بالضرر كأنه قال منافعها في ضر غيرها
    أتاها كتابي بعد يأسٍ وترحةٍ ... فماتت سروراً بي فمت بها هما
    حرام على قلبي السرور فإنني ... أعد الذي ماتت به بعدها سما
    أي كثر حزني بفقدها حتى كأني ميت حزنا
    تعجب من خطي ولفظي كأنها ... ترى بحروف السطر أغربةً عصما
    إنما تعجبت لأنه سافر عنها حتى يئست منه فلما وصل إليها كتابه تعجبت من ذلك حتى كأنها رأت غرابا اعصم وهو قليل الوجود في الغربان أو تعجبت منه لفصاحته وحسنه الأعصم الغراب الذي في جناحه بياض
    وتلثمه حتى أصار مداده ... محاجر عينيها وأنيابها سحما
    يقول تقبل الكتاب وتضعه على عينيها حتى صارت أنيابها وما حول عينيها سودا بمداده
    رقا دمعها البحارى وجفت جفونها ... وفارق حبي قلبها بعد ما أدمى
    يعني لما ماتت انقطع ما كان يجري من دمعها على فراقي ويبست جفونها عن الدمع وسليت عني بعد ما ادمي حنّي قلبها في حياتها.
    ولم يسلها إلا المنايا وإنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقما
    لم يسلها عني إلا الموت والموت الذي أذهب سقمها بالحزن لأجلي كان اشد من السقم كما قال الطاءي، أقول وقد قالوا استراحت بموتها، من الكرب روح الموت شر من الكرب،
    طلبت لها حظا ففاتت وفاتني ... وقد رضيت بي لو رضيت بها قسما
    يقول إنما سافرت لأطلب لها حظا من الدنيا ففاتني بموتها ولم أحد ذلك الحظ الذي طلبته وكانت قد رضيت بي حظا من الدنيا لو كنت أرضى أنا بها.
    فأصبحت استسقي الغمام لقبرها ... وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما
    يقول بعد أن كنت استسقي الحرب والرماح دماء الأعداء صرت استسقي السحاب لقبرها فأقول سقى الله قبرها على عادة العرب في الدعاء للقبور بسقيا السماء يعني تركت الحرب وجدا بها اشتغلت بالدعاء لها.
    وكنت قبيل الموت استعظم النوى ... فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى
    أي كنت قبل موتها استعظم فراقها وقد صارت حادثة الفراق صغيرة بموتها وكانت عظيمة يعني أن موتها أعظم من فراقها.
    هبيني أخذت الثار فيك من العدى ... فكيف بأخذ الثار فيك من الحمى
    يقول اجعليني بمنزلة من أخذ ثارك من الأعداء لو قتلوك فكيف آخذ ثارك من العلة التي قتلتك ولا سبيل إلى ذلك
    وما انسدت الدنيا عليّ لضيقها ... ولكن ظرفا لا أراك به أعمى
    يقول لم تسند عليّ الدنيا لأنها ضيقة بل هي واسعة ولكنني كالأعمى لفقدك والأعمى تنسد عليه المسالك
    فوا أسفاً ألا أكب مقبلا ... لرأسك والصدر الذي مليأَ حزما
    اللذ لغة في الذي وتثنيته اللذا ومنه قول الأخطل، أبني كليبٍ إن عمى اللذا،والمتنبي قال بهذه اللغة ويجوز أن يكون أراد اللذين فحذف النون لطول الأسم بالصلة ويقال أكب على الشيء مثل انكب يقول ما أشد حظني أن لا أنكب عليك مقبلا رأسك وصدرك اللذين ملئا حزامة وعقلا
    وألا ألاقى روحك الطيب الذي ... كأن ذكي المسك كان له جسما
    يقول ووا أسفي أني لا ألقى روحك الطاهر الذي كان جسم ذلك الروح من المسك الذكي الشديد الرائحة
    ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍ ... لكان أباك الضخم كونك لي أما
    يقول لو لم يكن أبوك أكرم والد لكانت ولادتك أياي بمنزلة أبٍ عظيمٍ تنسبين إليه أي إذا قيل لك أم أبي الطيب قام ذلك مقام نسبٍ عظيمٍ لو لم يكن لك نسب
    لئن لذ يوم الشامتين بموتها ... لقد ولدت مني لأنفهم رغما
    تغرب لا مستعظما غير نفسه ... ولا قابلا إلا لخالقه حكما
    يقول خرج عن بلده إلى الغربة يعني نفسه لأنه لم يستعظم غير نفسه فأراد أن يفارق الذين كانوا يتعظمون عليه بغير استحقاق ولم يقبل حكم أحد عليه إلا حكم الله الذي خلقه.
    يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ ... وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى
    أل الناس يقولون لي لما يرون من كثرة أسفاري أي شيء أنت فأنا نراك في كل بلدة وما الذي تطلبه فأقول ما اطلبه أجل من أن يذكر باسمه يعني قتل الملوك والاستيلاء على ملكهم
    كأن بنيهم عالمون بأنني ... جلوبٌ إليهم من معادنه اليتما
    يقول أبناء هؤلاء الذين يسألون عن حالي وسفري كأنهم يعلمون أنى أؤممهم واجلب إليهم اليتم بقتل آبائهم أي فهم يبغضونني.
    وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما
    الجد البخت والحظ من الدنيا والمعنى أن الفهم في الأمور والعلوم والعقل في التدبير لا يجتمع مع البخت في الدنيا وليس الجمع بين الضدين بأصعب من الجمع بينهما أي فهما لا يجتمعان كما لا يجتمع الضدان وهذا البيت تفسير قول الحمدوني، إن المقدم في حذقٍ بصنعته، أني توجه فيها فهو محروم،
    ولكنني مستنصر بذبابه ... ومرتكب في كل حالٍ به الغشا
    يقول لكني أن لم أقدر على الجمع بين الجد والفهم اطلب النصرة بذباب السيف وأركب الظلم في كلّ حال يعني اظلم اعداءي بسيفي.
    وجاعله يوم اللقاء تحيتي ... وإلا فلست السيد البطل القرما
    يقول أحيي أعداءي يوم الحرب بسيفي أي أجعله بدل التحية كما قال عمرو بن معدي كرب، وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ، تحية بينهم ضرب وجيع،
    إذا فل عزمي عن مدى خوف بعده ... فأبعد شيءٍ ممكن لم يجد عزما
    يقول إذا منع عزمي عن بلوغ غايةٍ خوف بعد تلك الغاية فإن الممكن وجوده لا يدرك أيضا إذا لم يكن عزم يعني لا يوصل إلى شيءٍٍِ البتة إلا بالعزم عليه وإذا كنت تحتاج إلى لاعز لنيل القريب وتدركه بالعزم فأعزم أيضا على البعيد لنناله ولا يمنعك منه خوف بعده فإنه يقرب بالعزم ويمكن
    وإني لمن قومٍ كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
    أي إنا نتعرض أبدا للحرب لنقتل فكأن نفوسنا تأنف أن تسكن أجسادا هي لحم وعظم فهي تتطلع لسكنى غيرها أي تختار القتل على الحياة ولو قال كأن نفوسهم كان أوجه لاعادة الضمير على لفظ الغيبة لكنه قال نفوسنا لأنهم هم القوم الذين عناهم ولأن هذا امدح
    كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي ... ويا نفس زيدي في كرائهها قدما
    يقول للدنيا أنا كما وصفت نفسي لا أقبل ضيما ولا آسف لدنية فاذهبي عني إن شئت فلست أبالي بك ويا نفس زيدي تقدما فيما تكرهه الدنيا من التعزز والتعظم عليها وترك الانقياد لها وإن شئت قلت في كرائه أهلها يعني في الحروب وهي مكروهة عند أهل الدنيا ولذلك تسمى الحرب الكريهة فيكون الكلام من باب حذف المضاف.
    فلا عبرت بي ساعة لا تعرني ... ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
    وجعل قوم يستعظمون ما قال في آخر هذه القصيدة فقال
    يستعظمون أبياتاً نأمت بها ... لاتحسدن على أن ينئم الأسدا
    أبيات تصغير أبيات وإنما صغرها تحقيرا لها يعني أنهم يستعظمونها وأنا أحقرها وجعل صوته نئيما إلى أنه أسد في شجاعته
    لو أن ثم قلوبا يعقلون بها ... أنساهم الذعر مما تحتها الحسدا
    يقول لو أنها لهم عقولا لأنستهم ما تضمنته أبياتي من الوعيد الحسد وثم اشارةٌ إلى حيث هم والمعنى لو أن لهم أو معهم.
    قال يمدح القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي
    لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منعك أواهل
    يقول لمنازل الاحبة لكن في قلبي منازل أنت خالية ومنازلك في القلب ذات أهل عامرة أي لم تدرس منازلك في القلوب وأن اقفرت أنت يعني تجدد ذكرها في قلبه وهذا من قول أبي تمام، وقفت وأحشاءي منازل للأسى، به وهو قفر قد تعفت منازله،
    يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولا كما ببكى عليه العاقل
    ذاك خطاب للمنازل وإشارة إلى ما ذكر من الإقفار يقول منازلك في القلب يعلمن اقفارك وخلوك عن الأحبة وأنت لا تعلمين والأولى منكما بالبكاء عليه العاقل يعني القلب أي قلبي أولى بأن أبكى عليه منك لأنك جماد لا تعلمين ما حل بك ويروي يبكي عليه قال ابن جنى أي منازل الحزن بقلبي تعلم ما يرم بها من ألم الهوى وأنت تجهلين ذلك.
    وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
    يقول طرفي جلب إليّ المنية بالنظر فمن أطالب بدمي وأنا قتلت نفسي وهذا كما قال قيس بن ذريج، وما كنت أخشى أ، تكون منيتي، بكفي إلا أن من حان حائن، وقال دعبل، لا تأخذا بظلامتي أحداً، قلبي وطرفي في دمي اشتركا،
    تخلو الديار من الظباء وعنده ... من كل تابعةٍ خيال خاذل
    وعنده الضمير فيه للذي وعني به نفسه والخاذل المتاخر يقال ظبية خاذل وخذول إذا تأخرت في المرعى عن صواحبها يقول تخلو الديار من النساء الحسان وعندي من كل صغيرة منهن خيال يأتيني كأنه تأخر عنهن وجلعها تابعة يريد بذلك صغر سنها كما تتبع الظبية أمها
    أللاء افتكها الجبان بمهجتي ... وأحبها قربا إلى الباخلُ
    يريد بالجبان النفارة من الرجال لأنها تخافهم والمعنى أن النفور منهن افتك بمهجتي من الإنسان والبخيل ممنهن بالوصل أحبهن قربا
    الراميات لنا وهن نوافرٌ ... والخاتلات لنا وهن غوافلُ
    يقول يرميننا بسهام لحاظهن وهن عنا نافرات يعني لا يقصدن ذلك وكذلك يختلننا بحسنهن ولم يعلمن ذلك.
    كافأننا عن شبههن من المها ... فلهن في غير التراب حبائل
    يقول هؤلاء يشبهن بقر الوحش في سواد احداقهن وسعة عيونهن ونحن نصيد البقر الوحشية فكافأننا عنهن وصدننا بحبائل في غير التراب أي بأعينهنّ.
    من طاعني ثغر الرجال جآذر ... ومن الرماح دمالج وخلاخل
    يريد بالجآذر نساءَ والمعنى أنهن يفعلن بحسنهن ما يفعل الطاعن بالرمح يعني يقتلن بهواهن وحليهن تفعل ما تفعل الرماح كما قال الآخر، سلاحه يوم الوغى مكاحله، وقال أيضا مسلم، بارزته وسلاحه خلخاله، حتى فضضت بكفي الخلخالا،
    ولذا أسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
    يقول إنما سمي غطاء العين جفنا لأنه تضمن مقلة تعمل ما يعمله السيف فسمي باسم غطاء السيف وهو الجفن
    كم وقفةٍ سجرتك شوقا بعد ما ... غرى الرقيب بنا ولج العاذل
    سجرتك ملأتك من قوله تعالى والبحر المسجور ويجوز أن يكون بمعنى أوقدتك فقد قيل في الآية أنه بمعنى الموقد ويروي شجرتك من قولهم شجرت الدابة إذا أصبت شجرها باللجام لتكفها والمعنى أن الوقفة حبستك عن الكلام بما شغلتك به من الشوق ويروي سحرتك أي جعلتك مسحوراً بالشوق حتى صرت كالمجنون الواله وأصابت وغري بالشيء إذا ولع به وتمام الكلام فيما بعده من قوله:
    دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصبٍ أدقهما وضم الشاكل
    أي كم وقفنا ناحلين دون التعانق أي قرب بعضنا من بعض ولم نتعانق ثم شبههما واقفين متدانيين ناحلين بشكلتي فتحتين دقيقتين قد ضم الشاكل بينهما فقرب أحداهما من الأخرى وليس يريد الضم الذي يسمى رفعا والشاكل الذي يشكل الكتاب أي يعجمه وهذا منقول من قول الآخر، إني رأيتك في نوميتعانقني، كما تعانق لام الكاتب الألفا، ومثله لأبي اسحاق الفارسي، ضممتها ضمة عدنا بها جسداً، فلو رأتنا عيون ما خشيناها.
    إنعم ولذ فللأمور أواخر ... أبداً إذا كانت لهن أوائل
    يقول تمتع بالنعمة واللذة ما بقي لك شبابك فله آخر من حيث كان له أول يعني أنه يفنى ولايبقى.
    ما دمت من أرب الحسان فإنما ... ظل الشباب عليك ظلٌ زائلُ
    أي ما دام للحسان فيك أرب يعني ما دمت شاباً فإن روق الشباب وهو أوله ظل يزول ولا يبقى
    للهو آونة تمر كأ،ها ... قبل يزودها حبيب راحل
    آونة جمع أوان يريد أنها سريعة المرور كتزويد الحبيب الراحل من عندك قبلا فهي لذيذة ولكنها وشيكة الانقضاء كذلك ساعات اللو
    جمع الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل
    حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ ... يتهُ المنى وهي المقام الهائل
    يقول منى كل أحد رؤيته وهي مقام هائل لهيبته فهذه المنية لم تخلص للناس من شائب
    ممطورة طرقي إليه دونه ... من جوده في كل قج وابل
    يعني أن طريقه إلى الممدوح مملوءة بآثار يديه ويروى إليها ودونها ورواه ابن جنى والضمير للرؤية والمعنى يصل إلى احسانه قبل الوصول إليه.
    محجوبةٌ بسرادقٍ من هيبةٍ ... تثني الأزمة والمطي ذواملُ
    أي الطرق إليه محجوبة والبيت يدل على أنه يتعذر الوصول إليه لهيبته وإن هيبته ترد عنه المطي الذوامل إليه وهذا إلى الهجاء أقرب منه إلى الممدح وابن جنى عدل عن ظاهر الكلام فقال كان على الطرق إليه سرادقا يمنع من العدول عنه إلى غيره والناس أبدا ينحون نحوه قال ابن فورجة ألا يعلم أبو الفتح أن الهيبة تثني الزائر عن الالتقاء به لا تثني زائر غيره إليه وما قبل هذا البيت يدل على هذا أي رؤيته محجوبةٌ بالهيبة التي لو أن مطيا ذملت في سيرها واعترضتها هذه الهيبة لانثنت وعدلت ولم تقدم إشفاقا من الإقدام واستعظاما للانهجام.
    للشمس فيه وللسحاب وللجا ... ر وللرياح وللأسود شمائلُ
    يريد عموما نفعه وعموم تصرفه وإسراعه في العطاء يريد فيه إضاءة الشمس ومنفعتها وبهاؤها وعموم الرياح وجود السحاب والبحار وإقدام الأسود
    ولديه ملعقيان والأدب المفا ... د وما الحيوة وما الممات مناهلُ
    أراد من العقيان وهو الذهب فحذف النون لالتقاء الساكنين وخصت النون بالحذف لمناسبتها حروف العلة بالغنة والمعنى أن الناس يردون منه على هذه الأشياء كما يردون المناهل وقوله من الحياة أي لأوليائه ومن الممات أي لاعدائه وقد زاد على أبي تمام في قوله، ترمي باشباحنا إلى ملك، نأخذ من ماله ومن أدبه، لأنه ذكر الموت والحياة.
    لو لم يهب لجب الوفود حواله ... لسرى إليه قطا الفلاة الناهل
    يقول لو لم يخف القطا أصوات الوفود ببابه لسرى إليها ليشرب منه قاله ابن جنى وقال ابن فورجة يعني أ، القطا يراه ماء معيناً فيهم بوروده وتشفق من لجب وفوده على عادة الطير هذا كلامه والمعنى أنه لعموم نفعه تهم الطير بالورود عليه لتنقع غلتها ليس أنه ماء يشرب منه أو تراه الطير ماء كما ذكر الشيخان.
    يدري بما بك قبل تظهره له ... من ذهنه ويجيب قبل تسائل
    وتراه معترضا لها وموليا ... أحداقنا وتحار حين يقابل
    أي تراه أحداقنا إذا اعترض لها أو تولى يعني أن الأبصار إذا واجهته تحيرت ولم تستوف النظر إليه من الهيبة وإنما تراه في حال اعتراضه وتوليه لأنحرافه عنها
    كلماته قضب وهن فواصل ... كل الضرائب تحتهن مفاصل
    يقول كلماته سيوف فواصل أينما أصابت فصلت كالسيوف التي تطبق المفاصل يعني أنها تفصل بين الخصوم والأحكام كما تفصل السيوف إذا ضربت على المفاصل.
    هزمت مكارمه المكارم كلها ... حتى كأن المكرمات قبائل
    يقول غلبت مكارمه مكارم الناس حتى كأنها جيوش يعني أنه يغلب كل جيشٍ كذلك مكارمه غلبت أيضا مكارم غيره والقبيلة الجماعة.
    وقتلن دفراً والدهيم فما ترى ... أم الدهيم وأم دفرٍ هابل
    الدفر معناه النتن ثم سميت به الداهية لخبثها والدهيم اسم لناقةٍ حمل عليها رؤس قومس قتلوا فسميت بها الداهية يقول مكارمه أفنت واذهبت الأمور الشديدة حتى فقدت فكأن أمها صارت ثاكلةً ولدها قال ابن فورجة أراد فما تريان فاكتفى بضمير الواحد من الاثنين قال وأراد أم الدهيم ودفر هابل فراد أما توكيدا ولذلك قال هابلٌ ولم يقل هابلتان هذا كلامه واحسن مما ذكر أن يقال أم الدهيم مفعول ترى إراد فما ترى أم الدهيم أي أنها قد فقدت وليس ترى ثم ابتدأ فقال أم دفر هابل وقد استغنينا عن تكلفه في الموضعين.
    علامة العلماء واللج الذي ... لا ينتهي ولكل لج ساحل
    عبدالله عمر

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    لو طاب مولد كل حيٍّ مثله ... ولد النساء وما لهن قوابل

    أراد مثل مولده في الطيب والطهارة والمعنى أنه خرج من بطن أمه طيبا طاهرا ولو ولدت النساء أولادهن كما ولدته أمه لما احتجن إلى من يشارفن في تلك الحال
    لو بان بالكرم الجنين بيانه ... لدرت به ذكر أم أنثى الحامل
    يقول لو بان الجنين بيانه بالكرم أي كما بان كرمه حين كان جنينا لما التبس على الحامل الذكر بالأنثى والمعنى أنه حين كان جنينا كان ظاهر الكرم يعرف أنه مولود كريم فلو بان حال كل جنين بيان كرمه لعرف الذكر من الأنثى والتقدير أذكر أم أنثى فحذف همزة الاستفهام.
    ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا ... هيهات تكتم في الظلام مشاعل
    يأمرهم أن يزيدوا تواضعا فإن فضائلهم لا تنكتم بالتواضع وقد ضرب لذلك المثل بكتمان المشاعل في الظلام فإنها لا تخفى ومتى كان الظلام أشد كانت اظهر كذلك متى كان تواضعهم أكثر كانت فضائلهم أكثر.
    ستروا الندى ستر الغراب سفاده ... فبدا وهل يخفى الرباب الهاطل
    يريد أنهم يكتمون معروفهم كما يكتم الغراب سفاده ثم ذلك لا ينكتم كما لا يخفى السحاب الهاطل.
    جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأعز دلائل
    الجفخ الكبر والفخر يقول جفخت بهم شيم وفخرت وهم لا يفخرون بها ثم ذكر أن شيمهم دلائل حسبهم الظاهر والحسب ما يعد من مآثر الآباء.
    متشابهي ورع النفوس كبيرهم ... وصغيرهم عف الإزار حلال
    يقول كبارهم ورعون يشبه ورع بعضهم ورع الآخرين وشابهم عفيف الازار والحلاحل السيد الذي ويقال عف وعفيف مثل طب وطبيب.
    يا أفخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل
    أراد يا هذا افخر فحذف المنادى كقراءة من قرأ ألا يا اسجدوا على معنى ألا يا هؤلاء اسجدوا ومنه قول ذي الرمة، ألا يا اسلمني يا دار ميَّ على البلا، ولا زال منهلا بجرعائك القطر، يقول الناس فيك ثلاثة أقسام أما متستعظم يستعظمك لما يرى من عظمك أو حاسد يحسد فضلك أو جاهل يجهل قدرك
    ولقد علوت فما تبالي بعد ما ... عرفوا أيحمد أم يذم القائل
    يقول بعد أن ظهر علوك وعرفه الناس لا تبالي يذم الحاسد لأنه لا ينقص محلك ولا بحمد الحامد لأنه لا يزيدك علوا.
    أثنى عليك ولو تشاء لقلت لي ... قصرت بالإمساك عني نمائل
    أي أمساك عن إسكاتي نائل منك عندي بعد ما عرفت تقصيري
    لا تجسر الفصحاء تنشد هاهنا ... بيتاً ولكني الهزبرُ الباسلُ
    يقول لهيبتك وعلمك بالشعر لا يحسنون إن ينشدون أو لا يجسرون وقول أبي نصر بن نباتة في هذا المعنى أحسن وأجود حيث يقول، ويلمها عند السرادق هيبةً، لو سابقت قصب العظام خصائلي، نفضت عليّ من القبول محبةً، قامت بصبغي في المقام الهائل،
    وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادة لي بأني فاضلُ
    يقول إذا ذمني ناقص كان ذمه دليل فضلي لأن الناقص لا يحب الفاضل لما بينها من التنافر وهذا من قول أبي تمام، وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع، وأخذه هو من قول مروان بن أبي حفصة، ما ضرني حسد اللئام ولم يزل، ذو الفضل يحسده ذوو التقصير، وأصل هذا من قول الأول، وقد زادني نحبا لنفسي أنني، بغيض إلى كل أمرء غير طائل، وأني شقيٌّ باللئام ولا ترى، شقيا بهم إلا كريم الشمائل،
    من لي بفهم أهيل عصرٍ يدعي ... أن يحسب الهندي فيهم باقلُ
    باقل اسم رجل كان يوصف بالعيّ وفيه جرى المثل أعيى من باقل ويقال أنه كان اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فقيل له بكم اشتريت فعيّ عن الجواب بلسانه ففتح يديه وفرق اصابعهما واخرج لسانه يريد أحد عشر درهما فافلت الظبي وقال ابن جنى وباقل هذا لم يؤت من سوء حسابه وإنما أتى من سوء عبارته ولو قال أني فحم الخطباء فيهم باقل أو نحو هذا لكان اسوغ وليس كما قال فإن باقلا كما أتى من البيان أُتي من البنان فإنه لو بنى من سبابته وإبهامه دائرة ومن خنصره عقدة لم يفلت منه الظبي فصحّ قوله في نسبه إلى جهل الحساب ومعنى البيت يقول من يكفل لي بفهم أهل عصر يدعون أن باقلا كان يعلم حساب الهند مع سوء علمه بالحساب يعني أنهم جهالا لا يعرفون الجاهل من العالم ولا الناقص من الفاضل وصغر الأهل تحقيرا لهم وقال يدعى لأن لفظ الأهل واحد والشائع الذائع عن باقل عيه وفهاهته.


    وأما وحقلك وهو غايرة مقسمٍ ... للحق أنت وما سواك الباطل
    الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
    تقدير البيت الطيب أنت طيبه إذا أصابك والماء أنت الغاسل له إذا اغتسلت والمعنى أنت أطيب من الطيب واطهر من الماء كما قال الآخر، وإذا الدر زان حسن وجوهٍ، كان للدر حسن وجهك زينا، وتزيدين أطيب الطيب طيباً، إن تمسيه أين مثلك أينا، ونحوه قول ابن الجويرية، تزين الحليَ أن لبست سليمى، وتحسن حين تلبسها الثياب، وروى ابن جنى والماء أنت نصبا قال وتقديره وتغسل أنت الماء ودل على هذا المضمر قوله الغاسل قال ولا يجوز انتصابه بالغاسل لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ألا ترى أنه لا يجوز زيداً أنت الضارب.
    ما دار في الحنك اللسان وقلبت ... قلماً بأحسن من نثاك أناملُ
    يقول ما دار اللسان في الحنك وما قلبت أنامل قلما بأحسن من اخبارك كأنه قال ما قيل ولا كتب أحسم من أخبار كرمك والنثا الخبر من نثوت الحديث أي نشرته.
    وقال يمدح أخاه أبا سهلٍ سعيد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي الحمصي.
    قد علم البين منا البيت أجفانا ... تدمي وألف في ذا القلب أحزانا
    يقول قد علم البين اجفانا منا أي اجفاننا البين فما تلتقي سهرا كما قال، وفرق الهجر بين الجفن والوسن، وقوله تجمي من صفة الاجفان كأنه قال اجفانا دامية وجعل البين يؤلف الحزن إغراباً في الصنعة.
    أملت ساعة ساروا كشف معصمها ... ليلبث الحي دون السير حيرانا
    يقول رجوت حين ساروا أن تكشف معصمها أي تظهره عند ركوب الهودج ليراه الحي فيتحيروا عن السير ويقفوا.
    ولو بدت لأتاهتهم فحجبها ... صون عقولهم من لحظها صانا
    يقول لو ظهرت لهم هذه المرأة لحيرتهم ولكن حجبها صون صان عقولهم عن لحظها يعني أنها صانت نفسها عن البروز والظهور وذاك الصون صان عقولهم عن لحظها واللحظ مصدر يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل ويجوز أن يكون مضافا إلى المفعول أي لو لحظوها لطارت عقولهم ولو لحظتهم لأخذت عقولهم.
    بالواخدات وحاديها وبي قمر ... يظل من وخدها في الخدر حشيانا
    ياقل حشى الرجل يحشى حشى فهو حشيان إذا أخذه الربو يقول يفدي بالإبل الواخدة والذي يجدوها وبي قمر يظل من وخد الواخدات حشيان قد علاه البهر ويروي بالخاء أي أنها تخشى سرعة سير الإبل لم تسافر قط.
    أما الثياب فتعرى من محاسنه ... إذا نضاها ويكسى الحسن عريانا
    يقول إذا خلع الثياب عريت من محاسنه لأنه يزين الثياب بحسنه وإذا عرى عن الثوب كان مكسوا بالحسن يقال كسوته ثوبا أكسوه وكسى يكسي فهو كاسٍ إذا اكتسى قال، يكسي ولا يغرب مملوكها، إذا تهرت عبدها الهاريه،
    يضمه المسك ضم المستهام به ... حتى يصير على الأعكان أعكانا
    يقول إن المسك يحبه كالمستهام به ويلتف عليه حتى يصير المسك اعكانا على اعكان بطنها والإعكان الأطواء في بطن الجارية يقال عكنة وعكن واعكان وتعكن بطن الجارية.
    قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيزٍ بعدكم هانا
    أي أنه يهون عليه فقد البصر في البكاء على فراقهم.
    تهدي البوارق أخلاف المياه لكم ... وللمحب من التذكار نيرانا
    البوارق السحاب ذات البرق والأخلاق الضروع واستعار للمياه اخلافا لأنها تغذو النبات كما تغذو الأم بالإرضاع الولد يقول هذه البوارق تهدي لكم المياه وتذكي نيران شوقي لأنها تلمع من جانبكم الذي ارتحلتهم إليه فيتجددبها شوقي وذكري.
    إذا قدمت على الأهوال شيعني ... قلب إذا شئت إن يسلاكم خانا
    يقول قلبي يشيعني ويطيعني في كل شيء إلا على السلو وقدمتمعناه تقدمت وقدمت وردت.
    أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحاً وإهوانا
    يقول من يذكرني بالسوء في غيبتي إذا ظهرت له عظمني وخضع لي وأنا أعرض عن عتباه اهانةً له وإنما قال أهوانا لأنه أخرجه على الأصل ضرورةً كما قال الآخر، صددت فأطولت الصدود وقلما، وصال على طول الصدود يدوم، يريد فأطلت فجاء به على الأصل.

    وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس غريب حيثما كانا


    يقول كنت وأنا في وطني وفيما بين أهلي غريبا قليل الموافق والمساعد ثم قال وكذلك الرجل النفيس العزيز غريبٌ حيث كان كما قال أبو تمام، غربته العلي على كثرة الأهل فأضحى في الأقربين جنيبا، فليطل عمره فلو مات في مرو مقيماً بها لمات غريبا،
    محسد الفضل مكذوب على أثري ... ألقى الكمي ويلقاني إذا حانا
    قوله مكذوب على أثري من قول البرح التغلبي، يغتاب عرضي خاليا، وإذا يلاقينا اقشعر، ومن قول سويد بن أبي كاهل، ويحييني إذا لاقيته، وغذا يخلوا له لحمي رتع، وتقدير الكلام مكذوب عليّ على أثري أي يكذب عليّ إذا قمت وخرجت من مشهد ومجمع والشجاع إذا حان حينه لقيني في المعركة.
    لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاً ... ولا أبيت على ما فات حسرانا
    يقال اشرأب إلى الشيء إذا تطلع نحوه والحسران فعلان من الحسرة.
    ولا أسر بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلى الجهر ملآنا
    يقول لا أسر بما آخذه من غيري لأنه المحمود على إعطائه ولو ملأت إليّ الدهر عطايا.
    لايجذبن ركابي نحوه أحد ... ما جمت حيا وما قلقن كيرانا
    أي لا أقصد أحدا ما حييت وما حركت ركابي اكوارها يعني لا يستحق أحد أن أقصده.
    لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
    يقول لو قدرت لأظهرت ما وراء ظواهرهم من المعاني البهيمية وإظهار ذلك بأجرائهم مجرى سائر الحيوان بالركوب وإنما كنت أفعل ذلك لأنه لو عقل لم وبعرانا حال للناس وقال ابن عباد في هذا البيت أراد أن يزيد على الشعراء في ذكر المطايا فأتى باخرى الحزايا قال ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها وللممدوح أيضا عصبةٌ لا يحب أن يركبوا إليه وليس الأمر على ما قال لأن الشاعر إذا ذكر الناس فقد يخرج من جملتهم كثير من الناس كما قال، ألا إن خير الناس حيا وميتاً، أسير ثقيفٍ عندهم في السلاسل، لم يفضل السريّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا البيت وإن كان قد أكد بقوله حيا وميتا على أنه خصص في البيت الثاني وهو قوله:
    فالعيس أعقل من قومٍ رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا
    قد ظهر في هذا البيت أنه إنما يمتطي من الناس اللئام الذين عموا عن طريق الإحسان فلم يروا منه ما رآه الممدوح
    ذاك الجواد وإن قل الجواد له ... ذاك الشجاع وإن لم يرض أقرانا
    يعني ليس يمكننا أن نصفه في جوده بصفةٍ فوق الجواد وإن قل له هذا الإسم وهذه الصفة وهو الشجاع وإن لم يرض قرنا من الناس يعني أنه فوق كل شجاع وإن كان يوصف بهذا الوصف.
    ذاك المعد الذي تقنوا يداه لنا ... فلو أصيب بشيءٍ منه عزانا
    أي ما يجمعه من المال ويقتنيه إنما يقتنيه للشعراء والزائرين فلو أصيب بشيء من ذلك المال عزانا لأن ذلك المال لنا وإن كان في يده ويقال قنوت الشيء أقنوه قنوا.
    خف الزمان على أطراف أنمله ... حتى توهمن للأزمان أزمانا
    يعني أن الزمان في يده وتحت تصرفه فهو يصرفه على إرادته فكأن أنامله أزمان للأزمان لتقليبها أياها والزمان يقلب الأحوال وأنامله تقلب الزمان فكأنها زمان للزمان.
    يلقى الوغى والقنا والنازلات به ... والسيف والضيف رحب الباع جذلانا
    تخاله من ذكاء القلب محتمياً ... ومن تكرمه والبشر نشوانا
    متحتميا متوقدا شديد الحرارة أي لحدة قلبه كأنه متوقد ومن كرمه وظهور بشره كأنه سكران.
    وتسحب الحبر القينات رافلةً ... في جوده وتجر الخيل أرسانا
    يريد أن جميع ما ينفقه من ماله فما يلبسه الجواري وترفل فيه من ثياب الحسن فهو من جوده وكذلك ما تجر خيلنا من الأرسان.
    يعطى المبشر بالقصاد قبلهم ... كمن يبشره بالماء عطشانا
    من بشره بالزوار والعفاة قبل اتيانهم يعطيه لبشارته كما يعطى من يبشره بالماء إذا كان عطشان يعني أنه يسر بالزائرين كما يسر بالماء عند العطش كما قال أبو تمام، يبشره خدامه بعفاته، كما بشر الظمآن بالماء واشله،
    جزت بني الحسن الحسنى فإنهم ... في قومهم مثلهم في الغر عدنانا
    أي كانت الحسنى لهم جزاء فإنهم في قومهم مثل قومهم في عدنان الغر وعدنان بدل من الغر يعني أنهم خير قومهم وقومهم خير عدنان الغر وهذا من قوله تعالى فله جزاء الحسنى

    ما شيد الله من مجد لسالفهم ... إلا ونحن نراه فيهم الآنا
    يعني أنهم حماة المجد حاموا على شرف آبائهم وأحسابهم فلم يهدموه ولم يضيعوه حتى بقي فيهم.
    إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا
    هذا تفصيل ما اجمله في البيت الذي قبله يعين أنهم كتاب فضلاء شجعان كآبائهم فهم فرسان الكتابة والبلاغة والحرب وليس يريد بقوله لقوا ملاقاة الأقران في القتال لأنه ذكر الحرب بعده إنما يريد ملاقاة الأقران في الخطابة والمكالمة وقد فسر في المصراع الثاني.
    كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا
    الخرصان جمع خرصٍ وهو حلقة السنان ويريد بها الأسنة هاهنا يريد أن أسنتهم ماضية نافذة فكأنها السنهم في النطق وهذا منقول من قول البحتري، وإذا تالق في الندى كلامه المصقولخلت لسانه من عضبه.
    كأنهم يردون الموت من ظمإٍ ... أو نشقون من الخطى ريحانا
    أي لحرصهم على الموت وسهولة أمر الحرب عليهم صار الموت عندهم كالماء للظمآن وصارت الرماح كالريحان الذي يشم.
    الكائنين لمن أبغى عداوته ... أعدى العدى ولمن آخيت إخوانا
    نصب الكائنين على المدح كأنه قال أعني الكائنين فهو مثل قول البحتري، أخ لي لا يدني الذي أنا مبعدٌ، لشيء ولا يرضى الذي أنا ساخطه.
    خلائق لو حواها الزنج لانقلبوا ... ظمى الشفاه جعاد الشعر غرانا
    يريد بالخلائق الخلق جمع الخلقة وهي الخلق وليس يريد السجايا لأن السجايا الحسان قد تكون في الصور القبيحة والزنج لا يجتمع فيهم بياض الوجه مع جعودة الشعر ودقة الشفاه لن شفاههم غليظة وهم سود الألوان ومعنى ظمى الشفاه دقاق الشفاه كأنها لم ترتو فتغلظ والمعنى لو أن خلقهم للزنج لحسنوا مع جعودة شعورهم فكانوا احسن خلق الله تعالى هذا معنى قد ذكرناه إلا أن الخليقة بمعنى الخلقة لا تصح وإذا حملنا الخلائق على السجايا فسد معنى البيت لأن الخلقة لا تتغير بالسجية.
    وأنفس يلمعيات تحبهم ... لها اضطراراً ولو أقصوك شنآنا
    اليلمعي والألمعي الحاد الفطنة يقول لهم أنفس زكية وتحبهم لأجل أنفسهم ضرورة ولو أبعدوك بغضا لك يعني أن من عادوه يحبهم لما فيهم من الفطانة فحبهم ضرورة
    الواضحين أبواتٍ وأجبنةً ... ووالداتٍ وألباناً وأذهانا
    يريد بالأبوات الآباء يعني أن آباءهم معروفون وأنسابهم ظاهرة ويقال فلان واضح الجبين إذا كان حسن المنظر بهيا كما قال ابن غنمة، كأن جبينه سيف صقيل،
    يا صائد الجحفل المرهوب جانبه ... إن الليوث تصيد الناس أحدانا
    أحدان جمع واحد وأصله وحدان يقول أنت تصيد الجيش كله والليث يصيد واحداً فواحداً
    وواهباً كل وقتس وقتُ نائلهِ ... وإنما يهب الوهاب أحيانا
    أنت الذي سبك الأموال مكرمةً ... ثم اتخذت لها السؤال خزانا
    سبك الأموال إي جمعها وصفاها واستخلصها ثم أتخذ السؤال خزانا مكرمةً أي سلمها إليهم كما يسلم المال إلى الخازن وهو من قول البحتري، جمل من لهى يشككن في القوم أهم مجتدوه أو خزانه،
    عليك منك إذا أخليت مرتقب ... لم تأت في السر ما لم تأت إعلانا
    أخليت وجدت خاليا ويروى خليت أي صادفت مكانا خاليا أي كانك رقيب نفسك فلست تفعل في الخلا ما لا تفعله في الملا كما قال، والواحد الحالتين السر والعلن،
    لا أستزيدك فيما فيك من كرمٍ ... أنا الذي نام إن نبهت يقظانا
    يقول أن استزيدك كرما كنت كمن نبه يقظان واليقظان لا ينبه كذالك أنت لا تستزاد كرما.
    فإن مثلك باهيت الكرام به ... ورد سخطا على الأيام رضوانا
    أي بمثلك أباهي الكرام وارضى به عن الأيام والمعنى أنك ترد الساخط على الأيام راضيا بإحسانك وانعامك.

    عبدالله عمر

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    وأنت أبعدهم ذكرا وأكبرهم ... قدراً وأرفعهم في المجد بنيانا
    قد شرف الله أرضاً أنت ساكنها ... وشرف الناس إذ سواك إنسانا

    قال ابن جنى لا يعجبني قوله سواك لأنه لا يليق بشرف الفاظه ولو قال انشأك أو نحوه كان اليق قال أبو الفضل العروضي فيما املاه عليّ سبحان الله أتليق هذه اللفظة بشرف القرآن ولا تليق بلفظ المتنبي يقول الله تعالى الذي خلق فسوى وقال بشرا سوياً ثم قال فسواك فعدلك وقال ثم سواك رجلا وقال ابن فورجة نهاية ما يقدر عليه الفصيح أن يأتي بألفاظ القرآن والفاظ الرسول أن ألفاظ الصحابة بعده ثم عدّ الأيات التي ذكرناها قال وعند أبي الفتح أنه يقدر على تبديل الفاظ هذا الشعر بما هو خير منه وقرأت على أبي العلاء المعري ومنزلته في الشعر ما قد علمه من كان ذا أدب فقلت له يوما في كلمةٍ ما ضر أبا الطيب لو قال مكان هذه الكلمة كلمة أخرى أوردتها فأبان لي عوار الكلمة التي ظننتها ثم قال لي لا تظنن أنك تقدر على إبدال كلمةٍ واحدةٍ من شعره بما هو خير منها فجرب إن كنت مرتابا وها أنا أجرب ذلك منذ العهد فلم أعثر بكلمة لو ابدلتها بأخرى كان اليق بمكانها وليجرب من لم يصدق يجد الأمر على ما أقول.
    وقال يمدح أبا أيوب أحمد بن عمران
    سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها
    يريد بالسرب جماعة النساء يقول هو أي سربٌ حرمت ذوات محاسنه وذوات محاسن السرب هن السرب وكأنه قال هو أي سرب حرمته أي حيل بيني وبينه وهو داني الصفات لأن الوصف قول وهو قادر عليه متى أراده إلا أن الموصوف بهذه الصفة وهو السرب بعيد فكأنه يقول هذا السرب بعيد مني وذكره حاضر واضاف ذوات إلى المضمر ولا يجوز ذلك عند سيبويه البتة وأصحابه لا يجيزون أن تقول هذا رجل ضربت ذاه أي صاحبه وأجاز ذلك أبو العباس المبرد.
    أوفى فكنت إذا رميت بمقلتي ... بشراً رأيت ارق من عبراتها
    أي اشرف السرب على مكان عالٍ لما سرن ويجوز أن يريد علون في هوادجهن للمسير والبشر جمع البشرة وهي ظاهر الجلد أي إذا وقع بصري على بشرتها رأيت ارق والطف من عبرات المقلة ويجوز أن يكون الضمير للبشر وأراد بالعبرات عرقهن الذي يسيل منها ويكون فيها اشارة إلى انهن قد عرقن من الإعياء وروى الخوارزمي نشزاً وهو ما ارتفع من الأرض يقول إذا نظرت إلى النشر الذي أوفى عليه السرب رأيته لطول البعد في صورة السراب والسراب أرق من العبرات والضمير للمقلة.
    يستاق عيسهم أنيني خلفهم ... تتوهم الزفرات زجر حداتها
    يقال ساقه واستقاه والمعنى أن الإبل تظن زفراتي لشدتها أصوات الحداة فسائها أنيني وزفرتي.
    وكأنها شجر بدا لكنها ... شجر جنيت الموت من ثمراتها
    العرب تشبه الأبل المرحولة عليها هوادجها بالنخل والشجر والسفن كل ذلك قد جاء في اشعارهم وروى ابن جنى بلوت المر من ثمراتها قال وهو من قول أبي نواس، لا أذود الطير عن شجرٍ، قد بلوت من ثمره، واراد أنها سارت بالأحبة وكانت سبب فراقن وهو المر الذي جناه منها.
    لا سرت من إبلٍ لو أني فوقها ... لمحت حرارة مدمعي سماتها
    يريد حرارة عينيه في البكاء وجمع الحزن يكون سخينا حارا ولهذا يقال في الدعاء على الإنسان اسخن الله عينيه أي أبكاه وجدا وحزنا حتى تسخن عينه وقال ابن جنى أراد حرارة ذي مدمعي يعني الدمع فحذف المضاف لأن المدمع مجرى الدمع من العين دعا على تلك الإبل بأن لا تسير ثم ذكر أنه لو كان فوقها لمحت سماتها حرارة دموعه ومعنى لمحت محت اللام الذي فيه لمكان لو
    وحملت ما حملت من هذي المها ... وحملت ما حملت من حسراتها
    هذا دعاء يقول كنت حامل ما حملته من هؤلاء النسوة وكنت حاملة ما حملته من حسرات فراقهن.
    إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
    قال ابن عباد كانت الشعراء تصف المآزر تنزيها لالفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطا هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح وكثير من العهر احسن من هذا العفاف وسمعت أبا الفضل العروضي يقول سمعت أبا بكر الشعراني يقول هذا ما غير عليه الصاحب وكان المتنبي قد قال لأعف عما في سرابيلاتها جمع سربال وهو القميص وكذا رواه الخوارزمي يقول أنا مع حبي لوجوههن أعف عن أبدانهن.

    وترى المروة والفتوة والأب ... وة في كل مليحةٍ ضراتها


    يقول هن يرين هذه الأشياء والخصال مني ضراتهن لأنها تمنعني الخلوة بهن ويروي وترى المروة بالرفع وكذلك ما عطف عليها وكل بالنصب على اسناد الفعل إلى المروة وقد فسر هذا البيت بما قال:
    هن الثلاث المانعاني لذتي ... في خلوتي لا الخوف من تبعاتها
    يقول هذه الأشياء تمنعني اللذة بهن في الخلوة لا ما يتخوف من تبعات اللذة.
    ومطالبٍ فيها الهلاك اتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها
    ثبت الجنان ثابت القلب قال العجاج، ثبت ما صيح بالقوم وقره، يقول قلبي وأنا قد أتيتها كهو وأنا لم آتها يصف قوة قلبه وأنه لا يفزع من شيء.
    ومقانبٍ بمقانب غادرتها ... أقوات وحشٍ كن من أقواتها
    المقانب جمع المقنب وهو الجماعة من الخيل يقول رب جيش قد تركتهم بجيش آخر أقوات وحوشٍ كانت تلك الوحوش من أقواتها أي كانوا يصيدون الوحوش فيتقوتونها فلما قتلتهم صاروا قوتا للوحوش وهذا على مذهب العرب في أكلهم كل ما دب ودرج لأنه لا يتقوت في الشرع من الوحوش ما يتقوت الناس.
    أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
    اقبلتها ألهاء للمقانب التي اهلكها ويقال اقبلته الشيء أي وجهته إليه وجعلته قبالته مما يليه وعني بالأيدي النعم وجرت العادة في جمع يد النعمة بالأيادي وفي يد العضو بالأيدي واستعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك في الموضعين جميعا أحدهما هذا البيت والثاني قوله فتل الأيادي وبياض يد النعمة مجاز والشاعر يورد المجاز موارد الحقيقة.
    الثابتين فروسةً كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها
    إذا رفعت الطعن فالواو للحال ومعناه ان الطعن ينزف الخيل وهم يثبتون في تلك الحال فإذا خفضت فمعناه يثبتون في ظهورها ثبات الطعن في صدورها.
    العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها
    كان الوجه أن يقول والراكب جدودهم لأنه في معنى الذين ركب جدودهم كما يقال مررت بقالوم القائم أخوهم أي الذين قام أخوهم إلا أن هذا على قول من يقول ذهبوا اخوتك، وقاما أخواك والذي يذكره الناس في معنى هذا البيت أن هذه الخيل تعرفهم وهم يعرفونهم لأنها من نتائجهم تناسلت عندهم فجدود الممدوحين كانت تركب أمات هذه الخيل وسياق الأبيات قبله يدل على أنه يصف خيل نفسه لا خيل الممدوحين وهو قوله أقبلتها غرر الجياد وإذا كان كذلك لم يستقم هذا المعنى إلا أن يدعى مدعٍ أنه قاتل على خيل الممدوحين وأنهم يقودون الخيل إلى الشعراء قال ابن فورجة والذي عندي أنه يصف معرفتهم بالخيل ولا يعرفها إلا من طال مراسه لها والخيل تعرفهم أيضا لأنهم فرسان هذا كلامه ولم يوضح أيضا ما وقع به الإشكال وإنما يزول الإشكال بأن يقال الجياد أسم الجنس ففي قوله غرر الجياد أراد جياد نفسه وفيما بعده أراد خيل الممدوحين والجياد تعم الخيلين جميعا وقوله والراكبين جدودهم أماتها يريد أن جدودهم كانوا من ركاب الخيل أي أنهم عريفون في الفروسية طالما ركبوا الخيل فهذه الخيل مما ركب جدودهم أماتها ويشبه هذا في المعنى قول أبي العلاء المعري، يا ابن الأولى غير زجر الخيل ما عرفوا، إذ تعرف العرب زجر الشاء والعكر، ويقال الأمات فيما لا يعقل والأمهات يطلق على من يعقل هذا هو الغالب في الاستعمال ويجوزعلى العكس من هذا.
    فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
    الصهوة مقعدة الفارس يقول لشدة إلفهم الفروسية وطول مراسهم ركوب الخيل كأنها ولدت تحتهم وكأنهم ولدوا عليها.
    إن الكرام بلا كرامٍ منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
    يعني أنهم خلص الكرام فهم بمنزلة السويداء من القلب.
    تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها
    أي يغلبون الناس على العلا ويغلبهم المجد فيحول بينهم وبين شهواتهم التي جعلت في بنى آدم مما يغر ويشين.
    سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبي أيوب خير نباتها


    جعل اجوادهم وآباءهم منابت لنفوسهم لما أراد أن يدعو لها بالسقي إذ كانت المنابت محتاجة إلى السقي ولما جعلهم منابت جعل أبا أيوب أكرم نبات تلك المنابت يقول سقى الله منابت هذه النفوس بيدي أبي أيوب الذي هو خير نباتها أي نفسه اشرف هذه النفوس المذكورة وجعل النبات يسقى المنابت إغرابا في الصنعة قال ابن جنى أي لا أزال الله ظله وعرفه عن أهله وذويه قال ابن فورجة ليس الغرض أن يدعو لقوم أبي ايوب بأفضاله عليهم ولكن الغرض تعظيم شأن عطائه كأنه لو دعا بأن يسقيهم الغيث كان دون سقيا ندى أبي أيوب
    ليس التعجب من مواهب مالهِ ... بل من سلامتها إلى أوقاتها
    يقول لسنا نتعجب من كثرة مواهبه وعطاياه وإنما نتعجب كيف سلمت من بذله وتفريقه إلى أن وهبها لأنه ليس من عادته الإمساك ومعنى إلى أوقاتها إلى أوقات بذلها.
    عجباً له حفظ العنان بأنملٍ ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
    لو مر يركض في سطور كتابةٍ ... أحصى بحافر مهره ميماتها
    يصفه بالفروسية فإن فرسه يطاوعه على ما كلفه وخص الميم لأنه اشبه بالحافر من جميع حروف المعجم.
    يضع السنان بحيث شاء مجاولا ... حتى من الآذان في أخراتها
    مجاولا مفاعلا من الجولان وبالحاء من المحاولة يعني الطلب يصفه بالحذق والثقافة في الطعان يقول يقدر أن يضع سنانه في ثقب الأذنين.
    تكبو وراءك يا ابن أحمد قرح ... ليست قوائمهن من آلاتها
    القرح جمع قارح من الخيل وهو الذي أتى عليه خمس سنين واستكمل قوته أي قوائمهن لا تصلح لاتباعك في طريقك والهاء من آلاتها تعود إلى وراء وهي مؤنثة وتصغيرها ورية بالتاء ويجوز أن تعود ألى القرح أي أنها إذا اتبعتك لم تعنها قوائمها فليست من آلاتها وهذا مثل يريد أن الكبار والفحول إذا راموا لحاقك في مدى الكرم كبوا ولم يلحقوك والمعنى أن سبيلك في العلى تخفى وعورته على من تبعك فيعثر وأن كان قوياً كالقارح من الخيل.
    رعد القوارس منك في أبدانها ... أجرى من العسلان في قنواتها
    الرعد جمع رعدة وعسلان الرمح اضطرابه يقول الارتعاد في ابدان الفوارس من خوفك اظهر وأجرى من الاهتزاز في رماحهم.
    لا خلق أسمح منك إلا عارف ... بك رآء نفسك لم يقل لك هاتها
    راء مقلوب من رأى كما قالوا نآء ونأي يقول لا أحد اسمح منك إلا إنسان رآك فعرفك فلم يسألك أن تهب له نفسك وهذا من قول الآخر، ولو لم يكن في كفه غير روحه، لجاد بها فليتق الله سائله،
    غلت الذي حسب العشور بآيةٍ ... ترتيلك السوراتِ من آياتها
    الغلت مثل الغلط والعشور اعشار القرآن والترتيل التبيين في القراءة يقول الذي يحسب العشور يعني القرآن والقرآن كله عشور وهي معجزة واحدة وترتيلك في حسن قراءتك وبيانك معجزة أيضا فمن سمع ترتيلك فلم يعده آيةً فهو غالط بآية لأن ترتيلك في الإعجاز مثلها فوجب الحاقه بها حتى يقال القرآن معجزة وترتيلك معجزة فهما معجزتان.
    كرم تبين في كلامك ماثلاً ... ويبين عتق الخيل في أصواتها
    الماثل الظاهر إذا سمع إنسان كلامك عرف كرمك كما أن الفرس الكريم إذا صهل عرف عتقه بصهيله والمعنى أن كلامك أمر بالعطاء ووعد بالإحسان وما أشبه ذلك مما يدل على كرمك.
    أعيا زوالك عن محلٍّ نلتهُ ... لا تخرج الأقمار عن هالاتها
    شبهه في علو محله بالقمر لذلك ضرب له المثل في أنه لا يزول عن شرف محله كالقمر الذي لا يخرج من هالته وهي الدائرة حوله.
    لا نعذل المرض الذي بك شائق ... أنت الرجال وشائق علاتها
    يقال شاقه إذا حمله على الشوق يقول المرض الذي أصابك غير ملومٍ في إصبته إياك لأنك تشوق كل شيء إلى زيارتك لما يسمع من اعاجيب اخبارك فتشوق الرجال إلى قصدك وتشوق علات الرجال أيضا ومن علاتها مرض الشوق إلى الممدوح يقول فأنت تشوقها وتنتقل إليك عنهم.

    فإذا نوت سفراً إليك سبقتها ... فأضفت قبل مضافها حالاتها


    لمضاف ههنا مصدر بمعنى الإضافة يقول إذا أرادت الرجال السفر إليك سبقتها بإضافة أحوالها قبل إضافتك أياها وإنما يريد إقامة العذر للمرض الذي به وجميع الناس رووا سبقتها بالتاء قال ابن فورجة والصواب عندي سبقنها بالنون لن المعنى إذا نوت الرجال السفر إليك سبقت العلات الرجال فجاءتك قبلها ويصح سبقتها بالتاء على تمحل وهو إن يقال سبقت إضافتها أي إضافة حالاتها فيكون من باب حذف المضاف ويريد بالحالات حالات المرض الذي ذكر
    ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها
    يقول لا عذر للحمى في تركها جسمك إذا كان أفضل الجسوم ويقال حمى وحمة قال الشاعر، لعمري لقد بر الضباب بنوئه، وبعض البنين حمةٌ وسعال،
    أعجبتها شرفاً فطال وقوفها ... لتأمل الأعضاء لا لآذاتها
    يقول أعجبت الحمى بما رأت فيك من خصال الكرم والشرف فاقامت في بدنك لتتأمل اعضاءك المشتملة على تلك الخصال لا لتؤذيك والأذاة مصدر أذى يأذي أذى وأذاةً.
    وبذلت ما عشقته نفسك كله ... حتى بذلت لهذه صحاتها
    يقول كل ما احبته نفسك قد بذلته حتى بذلت لهذه العلة صحتك يريد أنه بذول يبذل كل شيء يحبه.
    حق الكواكب أن تزورك من علو ... وتعودك الآساد من غاباتها
    من علو من فوق يقول حقها أن تأتيك عائدةً لك لأنها شريكتك في العلو وكذلك الآساد لأنها تشبهك في الشجاعة.
    والجن من ستراتها والوحش من ... فلواتها والطير من وكناتها
    يريد أن جميع الأجناس من الحيوان تتألم لعلتك لعموم نفعك فلو قدرت على عيادتك لأتتك والوكنة اسم لكل وكر وعش وهي مواقع الطير.
    ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً ... كنت البديع الفرد من أبياتها
    في الناس أمثلة تدور حيوتها ... كمماتها ومماتها كحيوتها
    أمثلة جمع مثال يعني أنهم أشباه الناس وليسوا بناس ولا فصل بين حيوتهم وموتهم لأنه لا خير فيهم وتدور صفة الأمثلة ومعناه تنتقل من حالٍ إلى حالٍ.
    هبت النكاح حذار نسلٍ مثلها ... حتى وفرت على النساء بناتها
    خفت إن تزوجت أن يكون لي ولد مثل هؤلاء فتركت البنات موفورةً على الأمهات لم أتزوج واحدة منهنّ.
    فاليوم صرت إلى الذي لو أنه ... ملك البرية لأستقل هباتها
    أي لو كانوا مملوكين له ثم وهبهم لاستقل ذلك ومن روى وهب كان المعنى أنه لو عم البرايا بالعطاء لاستقلها.
    مسترخصٌ نظرٌ إليه بما به ... نظرت وعثرة رجله بدياتها
    يقول لو اشترت البرية نظرا إليها باعينها لكان رخيصا ولو فديت عثرة رجله بديات البرية لكان الفداء رخيصا أيضا يعني أن دية عثرته أكثر من ديات البرية ويروى وعثير رجله يعني أن غبار رجله لو اشترى بديات الورى لكان رخيصا.
    وقال يمدح عليّ بن أحمد بن عامر الأنطاكي.
    أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر ... وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر
    أراد بالخيل الحوادث يقول أقاتل عسكرا الدهر أحد فوارسه والمعنى أني أقاتل الدهر واحداثه وحيدا لا ناصر لي ثم رجع عن هذا وقال لم أقول أني وحيد والصبر معي يريد مقاساته شدائد الدهر ونوائبه وصبره على ذلك.
    وأشجع مني كل يومٍ سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي نفسها أمرُ
    يقول سلامتي في بقائها معي في هذه المطاعته أشجع مني وهذا مجاز والمعنى أني أسلم من هذه الحوادث فلا تصيب بدني ولا مهجتي بضرب ثم قال وما بقيت سلامتي معي إلا لأمم عظيم يظهر علي بدني.
    تمرست بالآفات حتى تركتها ... تقول أمات الموت أم ذعر الذعرُ
    يقول تحككت بالآفات من الأسفار والحروب حتى قالت الآفات أمات الموت حيث لا يصيب هذا المتمرس بي أم ذعر الذعر فلا يذعره وهذا مجاز والمعنى أن الآفات لو قدرت على النطق لقلت هذا القول لكثرة ما تراني أمارسها من غير خوفٍ يلحقني ولا هلاكٍ يصيبني.
    وأقدمت أقدام الأتي كأن لي ... سوى مهجتي أو كان لي عندها وترُ
    يقول أقدمت على الشدائد والأهوال إقدام السيل الذي لا يرده شيء كأن لي سوى مهجتي مهجة أخرى أن فاتتني مهجتي كانت لي بدلا أو كأن لي حقدا عند مهدتي فأنا أريد إهلاكها.
    ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جارانِ دارهما العمر


    جعل الجسم والروح جارين والعمر دارهما وصحبتهما تكون مدة العمر فإذا فنى العمر افترقا يقول دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تريد من لذةٍ أو مال أو حرب فإنها غير باقيةٍ مع الجسم.
    ولا تحسبن أن كمال الشرف أن تشتغل بشرب الخمر سماع القيان فليس المجد إلا ضرب السيف وقتل الأعداء اغتيالا والبكر من كل شيء الذي لم يكن له مثل سبقه ويعني بالفتكة البكر التي لم يفتك مثلها.
    وتضريب أعناق الرجال وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
    الهبوات الغبرات والمجر الجيش العظيم.
    وتركك في الدنيا دويًّا كأنما ... تداول سمع المرء أنملهُ العشرُ
    الدوي الصوت العظيم يسمع من الريح وحفيف الشجر يقول وأن تترك في الدنيا جلبة وصياحا عظيما كأن المرء سدّ مسامعه بأنامله على وجه التداول إذا انأى واحدةً أدنى أخرى وذلك أن الإنسان إذا سد أذنه سمع ضجيجا وجلبة ونقل بعضهم هذا المعنى وجعل ذلك خرير دموعه فقال، فأحش صماخيك بسبابتي، كفيك تسمع لدموعي خرير، ويجوز أن يريد أنه لا يسمع إلا الضجة حتى كأنه سد مسامعه عن غيرها.
    إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... على هبةٍ فالفضل فيمن له الشكر
    يقول إذا لم يرفعك فضلك عن الأنبساط إلى اللئيم فقد الزمك الأخذ منه شكره وإذا صار مشكوراً فإن الفضل له وقال ابن جنى أي إذا اضطرتك الحال إلى الشكر اصاغر النار على ما تتبلغ به فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور وقال أبو الفضل العروضي يقول أبو الطيب بالفضل فيمن له الشكر ويقول أبو الفتح بالفضل فيك ولك فيغير اللفظ ويفسد المعنى والذي أراد أبو الطيب أن الفضل والأدب إذا لم يرفعاك عن شكر الناقص على هبته فتمدحه طمعا وتشكره على هبته فالناقص هو الفاضل لا أنت يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا يحتاج هو الفاضل لا أنت يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا يحتاج إلى شكره وقال ابن فورجة الذي أراد أبو الطيب أنه إذا كان فضلك لا يرفعك عن شكر ناقصٍ على إحسانٍ منه إليك فإن الفضل لمن شكرته لا لك لأنك محتاج إليه يعني أن الغنى خير من الأدب إذا كان الأدب محتاجا إلى الغنى هذا كلامه وليس في البيت ذكر الغنى ولا الحاجة وجملته أنه يحث على ترك الإنبساط إلى اللئيم الناقص حتى لا تحتاج إلى أن تشكره فيكون له الفضل بشكر الفاضل إياه والأخذ منه كما قال العروضي والذي أدخل الشبهة على أبي الفتح حتى قال فالفضل فيك ولك أنه تاول في قوله فالفضل فيمن له الشكر أنه يريد الشاكر والشاكر له الشكر من حيث أنه يشكر إلى هذا ذهب فأفسد المعنى وإنما أراد أبو الطيب بقوله له الشكر المشكور الذي يشكر على إحسانه.
    ومن ينفق الساعات في جمع مالهِ ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر
    يقول من جمع المال خوف الفقر كان ذلك هو الفقر لأنه إذا جمع منع والمنع فقر وهذا كما قيل قديما الناس في الفقر مخافة الفقر.
    عليّ لأهل الجور كل طمرةٍ ... عليها غلامٌ مل حيزومهِ غمرُ
    الطمرة الفرس الوثابة نشاطا والحيزوم الصدر والغمر الحقد يقول أنا كفيل لهم بخيل فرسانها هؤلاء.
    يدير بأطراف الرماح عليهم ... كؤوس المنايا حيث لا تشتهي الخمر
    وكم من جبالٍ جبت تشهد أنني ال ... جبال وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر
    يريد أن الجبال تشهد لي بالوقار والحلم والبحار بالجود وسعة القلب.
    وخرقٍ مكان العيس منه مكاننا ... من العيس فيه واسط الكورِ والظهرُ
    قال ابن جنى معنى البيت أن الإبل كأنها واقفةٌ في هذا الخرق وليست تذهب فيه ولا تجيء وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه أي فكما أنا نحن في ظهور هذه الإبل لا نبرح منها في أواسط اكوارها فكذلك هنّ كأن لها من أرض هذا الخرق كوار وظهرا فقد أقامت به لا تبرحه هذا كلامه وقد خلط فيما ذكر إنما يصف مفازةً قد توسطها وهو على ظهر البعير في جوزه فمكانه من ظهر الناقة مكانها من الخرق والمعنى أنا في وسط ظهور الأبل والإبل في وسط ظهر الخرق ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها ثم ذكر سيرها في البيت الثاني فقال:
    يخدن بنا في جوزه وكأننا ... على كرةٍ أو أرضه معنا سفرُ


    كيف يتجه قول أبي الفتح مع قوله يخدن بنا وهذا يحتمل معنيين أحدهما أنا وإن كنا نسير فكأننا لا نسير لطول المفازة وأنه ليس لها طرف والكرة لا يكون لها طرف والكرة لا يكون لها طرف ينتهي إليه السير لذلك قال كأننا على كرة أو كان أرض الخرق تسير معنا حيث كانت لا تنقطع كما قال السريّ، وخرقٍ طال فيه السير حتى، حسبناه يسير مع الركابِ، والثاني أنه يصف شدة سيرهم والكرة توصف بكثرة الحركة والتنزي كما قال بشار، كان فؤاده كرة تنزى، حذار البين لو نفع الحذار، والإنسان إذا اسرع في السير أو في الركض رأى الأرض كأنها تسير معه من الجانبين لذلك قال أو أرضه معنا سفر.
    ويوم وصلناه بليلٍ كأنما ... على أفقه من برقهِ حلل حمرُ
    يصف إدآبهم للسير ووصلهم فيه اليوم بالليل والضمير في أفقه يعود إلى الليل ولا يكون لليل أفق إنما أراد أفق السماء في ذلك الليل
    وليل وصلناه بيوم كأنما ... على متنه من دجنه حلل خضر
    أي كأن على متن ذلك اليوم من ظلمة السحاب حللا سودا والسواد يسمى خضرة ومنه، في ظل أخضر يدعو هامه البوم، أو يريد أنه سافر في أيام الربيع
    وغيث ظننا تحته أن عامرا ... علا لم يمت أو في السحاب له قبر
    عامر جد الممدوح يقول كأنه في السحاب قد ارتفع إليه ولم يمت فهو يصب المطر علينا صبا أو قبره في السحاب فقد اعداه بجوده
    أو ابن ابنه الباقي علي بن أحمد ... يجود به لم أجز ويدي صفر
    يقال صفرت اليد تصفر صفرا فهي صفر ولا يقال صفرة يقول لو لم اجز هذا الغيث ويدي خالية لقلت أن الممدوح كان في السحاب ولما جزت ويدي صفر علمت أنه جود لاجود
    وأن سحابا جوده مثل جوده ... سحاب على كل السحاب له فخر
    يعني أن تشبيه جود ذلك السحاب بجود مدح للسحاب وفخر له
    فتى لا يضم القلب همات قلبه ... ولو ضمها قلب لما ضمه صدر
    يقولما تجمع في قلبه من الهمم لا يجمعه قلب غيره ولو ضمها قلب لكان عظيما مثلها ولو كان كذلك لما وسعه الصدر لعظم القلب وهذا مما أجرى فيه المجاز مجرى الحقيقة لأن عظم الهمة ليس من كثرة الأجزاء حتى يكون محلها واسعا لسعتها ألا ترى أن قلب الممدوح قد وسعها وصدره قد وسع قلبه وليس بأعظم من صدر غيره وقد قال ابن الرومي، كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا ويحويه دفتا حيزوم، فبين أن الفؤاد يستغرق الدنيا بالعلم والفهم ثم يحويه جانيا الصدر
    ولا ينفع الإمكان لولا سخاؤه ... وهل نافع لولا الأكف القنا السمر
    يقول لولا سخاؤه لما انتفع الناس بإمكانه وغناه لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع والمعنى أن الوجود لا ينفع بلا جود كالرماح لا تعمل ولاتنفع بلا راح
    قران تلاقي الصلت فيه وعامر ... كما يتلاقى الهنداوي والنصر
    القران اسم لمقارنة الكوكبين جعل اجتماع جديه من الطرفين في المصاهرة ونسب الممدوح كقران الكواكب تعظميا له ثم شبه إجتماعهما بإجتماع السيف الهندي مع النصر فإذا إجتمعا حسن أثرهما وعلا أمرهما ثم ذكر تمام المعنى فيما بعد فقال:
    فجاءا به صلت الجبين معظما ... ترى الناس قلا حوله وهم كثر
    صلت الجبين واضح الجبين وقد مر تفسيره يقول ترى الناس حوله وهم كثيرون بالعدد قليلون بالإضافة إليه والقياس به والقل والكثر الكثرة والتقدير ذو قل أي في المعنى وهم ذو كثر في العدد ثم حذف المضاف
    مفدى بآبآء الرجال سميدعا ... هو الكرم المد الذي ما له جزر
    أي يقول له الرجال فديناك بآبائنا والسميدع السيد الكريم وجمعه سمادع والمد زيادة الماء والجزر نقصانه وجعله كرما لكثرة وجوده منه يقول هو كرم زائد لا نقصان له.
    وما زلت حتى قادني الشوق نحوه ... يسايرني في كل ركبٍ له ذكر
    أي ما زلت يسايرني في كل ركب ذكره حتى قادني الشوق إليه أي قبل أن أتيته كنت أسمع ذكره وما صاحبت أحدا إلا وهو يذكره بمدح وثناء.
    وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر
    يعني بالأخبار ما يسمعه من حديثه الشائع في الناس والخبر الخبرة والاختبار يقول كانت استعظم ما اسمعه من حديثه قبل أن لقيته فلما لقيته صغر خبره خبره أي وجدته خيرا مما كنت اسمع
    إليك طعنا في مدى كل صفصفٍ ... بكل وآةٍ كل مما لقيت نحرُ

    الوأاة الناقة القوية والصفصف الفلاة المستوية جعل سيرها في الفلاة طعنا وجعل ما يقطعه من الأرض نحرا أي كل ما مرت به كأنه صدر طعنا بها فيه يقول أينما قصدت من الأرض قطعته وجازته بمنزلة الطعنة إذا صادفت نحرا فإنها تؤثر الأثر الأكبر وشرح ابن فورجة هذا فقال جعل سيرها طعنا وما تسير فيه من الفلاة نحرا يقول مرت نافذةً كما ينفذ الطعن في النحر وكأنها رمح وطان الصفصف ومداه نحر ولو أمكنه لقال كل ما لقيت من المفاوز فيظهر المعنى مثل قوله، فزل يا بعد عن أيدي ركابٍ، لها وقع الأسنة في حشاكا، ويجوز أن يكون المعنى كل ما لقيته هذه الناقة من مشاق الطريق نحر لها أي يعمل بها عمل النحر فكأنها تنحر في كل ساعة.
    إذا ورمت من لسعةٍ مرحت لها ... كأن نوالا صر في جلدها النبر
    النبر دويبة تلسع الإبل فيرم موضع لسعتها يقول إذا لسعها النبر مرحت لشدة اللسعة أي قلقت للوجع فكأنها فرحت فرحا لنه صر في جلدها نوالا وشبه موضع اللسعة بالصرة ويجوز أن يكون المرح ههنا حقيقةً ولم يرد القلق يقول لا يفل الشدائد حد مرحها.
    فجئناك دون الشمس والبدر في النوى ... ودونك في أحوالك الشمس والبدر
    يقول أنت دونها في البعد أي أقرب إلينا منهما وهما دونك في جميع احوالك فأنت أعم نفعا منهما وأشهر ذكرا وأعلى منزلةً وقدرا.
    كأنك برد الماء لا عيش دونه ... ولو كنت برد الماء لم يكن العشر
    العشر أبعد أظماء الإبل يقول لو كنت الماء لوسعت بطبع الجود كل حيوان في كل مكان وفي ذلك ارتفاع الإظماء ويجوز أن يقال لو كنت برد الماء لما عاودت غلة اطفأتها وقال ابن جنى أي كانت تجاوز المدة في وردها العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.
    دعاني إليك العلم والحلم والحجي ... وهذا الكلام النظم والنائل النثر
    يقول دعاني إليك ما فيك من هذه الفضائل وما تنظمه من كلامك في شعرك وما تنثره من نائلك.
    وما قلت من شعرٍ تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيض من نورها الحبر
    يريد بيوت الشعر ويقال إن هذا الممدوح كان حسن الشعر مليحه.
    كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجوم الثريا أو خلائقك الزهر
    شبه شعره في صحة معناه وحسن لفظه بالثريا اشتهارا في الناس وأن كل أحد يعرفه وكذلك أخلاقه الزاهرة المضية مشهورة في الناس واشعاره كذلك.
    وجنبني قرب السلاطين مقتها ... وما يقتضيني من جماجمها النسر
    يقول بغضي السلاطين نهاني عن قربهم وأني قاتل لهم فإن النسر كأنه ينتظر أكل لحومهم فهو يطالبني بجماجمهم.
    فإني رأيت الضر أحسن منظرا ... وأهون من مرأي صغيرٍ به كبر
    يقول مقاساة الضر والفقر احسن عندي من أن أرى صغيرا متكبرا ويروى من لقيا ويروي من مرء صغيرٍ.
    لساني وعيني والفؤاد وهمتي ... أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
    يقال رجل ود وودٌ وودٌ وجمعه أود قال ابن جنى يقول لساني وعيني وفؤادي وهمتي تود لسانك وعينك وفؤادك وهمتك والشطر النصف أي هن شطرها كأنها شقت منها فصارتا شطرين ولشدة محبتي لك كأنك شقيقي سمعت العروضي يقول قد أكثر الناس في هذا البيت والذي حكاه أبو الفتح أجود ما قالوه على أني أقول قوله أنك مثلي وشقيق ليس في هذا كثير المدح ولعل الممدوح لا يرضى بهذا ولكن معناه عندي أن الشريف من الإنسان هذه الأعضاء التي عدها فقال هذه الأعضاء التي طار اسمها وذكرها في الناس بك تأدبت ومنك أخذت وقوله والشطر أي أن الله خالقها وأنت اعطيتني وادبتني فمنك رزقها وأدبها والخلق لله تعالى قال وروايتي على هذا التفسير أودى بالإضافة وبه أقرأنا أبو بكر الخوارزمي والمعنى أني وددت هذه الأشياء لأن اسمها منك أي بك علت ومنك استفادت الأسم وعلى هذا يصير ذا حشوا كما يقال انصرفت من ذي عنده ومن ذا الذي يفعل كذا وقال ابن فورجة ذا إشارة إلى اسمٍ وكان يجب لو يمكن أن يقول هذه اسماؤها لكن الوزن اضطره والشطر عطف على الأود والغرض في هذا البيت التعمية فقط وإلا فما الفائدة في هذا البيت مع ما فيه من الأضطراب.
    وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر

    عبدالله عمر

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    يقول ما انفردت أنا بإنشاء هذا الشعر ولكن اعانني شعري على مدحك لأنه أراد مدحك كما أردته والمعنى من قول أبي تمام، تغاير الشعر فيه غذ سهرت له، حتى ظننت قوافيه ستقتتل،
    وما ذا الذي فيه من الحسن رونقاً ... ولكن بدا في وجهه نحوك البشر
    يقول ليس ما يرى في شعري من الحسن كله رونق الألفاظ والمعاني ولكن لفرح شعري بك كأنه ضحك لما رآك فصار له رونقٌ.
    وإني ولو نلت السماء لعالمٌ ... بأنك ما نلت الذي يوجب القدر
    أزالت بك الأيام عتبي كأنما ... بنوها لها ذنب وأنت لها عذر
    المصراع الأول من قول الطاءي، نوالك رد حسادي فلولا، وأصلح بين أيامي وبيني، والثاني من قوله، كثرت خطايا الدهر في وقد يرى، بنداك وهو إليَّ منها تائب، ومثله لأبي هفان، أصبح الدهر مسيئا كله، ما له إلا ابن يحيى حسنه.
    وقال يمدح عليّ بن محمد بن سيار بن مكرم التميمي
    ضروب الناس عشاقٌ ضروبا ... فأعذرهم أشفهم حببا
    يقول أنواع الناس على اختلافهم يحبون أنواع المحبوبات على اختلافها فأحقهم بالعذر في العشق والمحبة من كان محبوبه أفضل وأشف معناه أفضل والشف الفضل.
    وما سكنى سوى قتل الأعادي ... فهل من زورةٍ تشفى القلوبا
    يقول فالذي أحبه أنا وأسكن إليه قتل الأعداء فهل من زيارةٍ لهذا الحبيب أي هو أمكن من ذلك فيشفى قلبي كما يشفي قلب المحب زيارته الحبيب
    تظل الطير منها في حديثٍ ... ترد به الصراصر والنعيبا
    الصرصرة صوت البازي والنسر جعل صياح الطيور المجتمعة على القتلى كالحديث الذي يجري بين قومس يقول هل من سبيل إلى وقعةٍ تكثر فيها القتلى فيجتمع عليها الطير فينعب الغراب ويضرصر النسر
    وقد لبست دماءهم عليهم ... حداداً لم تشق لها جيوبا
    الرواية الصحيحة دماءهم بالنصب والمعنى لبست هذه الطير دماء الفتلى التي عليهم أي تلطخت بها وجفت عليها فاسودت وصارت كالحداد وهي الثياب السود تلبس عند المصيبة إلا أن هذه الطير لم تشق على هؤلاء القتلى جيوبا للحداد لأنها ليست حزينة أي هنّ عليها كالحداد غير أنه حدادٌ غير مشقوق الجيب ويجوز أن يكون المعنى في شقّ الجيب أنه ليس بمخيط يشق جيبه للبس فالطير كأنها لبست حداداً غير مخيط أي لم يجعل له جيب ومن روى دماءهم رفعا أراد أن الدماء اسودت على القتلى فكأنها لبست ثوبا غير ما كانت تلبس من الحمرة.
    أدمنا طعنهم والقتل حتى ... خلطنا في عظامهم الكعوبا
    ادمنا خلطنا وجمعنا من قولهم ادمت الخبز بالإدام يقال للمتزوجين أدام الله بينهما والمعنى جعلنا القتل مقرونا الطعن إلى أن جعلنا كعوب القنا في عظامهم ويجوز أن يكون من أدامة الشيء يعني إننا لم نزل نطعنهم حتى كسرنا كعوب الرماح فيهم فاختلطت في ابدانهم بعظامهم.
    كأن خيولنا كانت قديما ... تسقى في قحوفهم الحليبا
    العرب تسقي اللبن كرام خيولهم يقول خيلنا كأنها تسقى اللبن المحلوب في اقحاف رؤس اعدائنا لإلفها بها وهو قوله:
    فمرت غير نافرةٍ عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا
    أي وطئت رؤوسهم وصدورهم فنحن عليها ولم تنفر عنهم
    يقدمها وقد خضبت شواها ... فتًى ترمي الحروب به الحروبا
    يقول يقدم هذه الخيل إلى الحروب وقد تلطخت قوائمها بالدماء فتى قد تعود الحروب لا تزال حربا تقذفه إلى حرب أخرى ومن روى خضبت بفتح الخاء كان الفعل للخيل.
    شديد الخنزوانة لا يبالي ... أصاب إذا تنمر أم أصيبا
    الخنزوانة في الأصل ذبابة تطير في أنف البعير فيشمخ لها بأنفه واستعيرت للكبر فقيل بفلان خنزوانة ومعنى تنمر صار كالنمر في الغضب والمعنى إذا غضب على اعدائه وقاتلهم لم يبال أقتلهم أم قتلوه.
    أعزمي طال هذا الليل فانظر ... أمنك الصبح يفرق أن يؤوبا
    قال ابن فورجة أراد لعظم ما عزمت عليه ولشدة الأمر الذي هممت به كان الصبح يفرق من عزمي ويخشى أن يصيبه بمكروه فهو يتأخر ولا يؤوب وقال العروضي يخاطب عزمه يقول أنظر يا عزمي هل علم الصبح بما أعزم عليه من الاقتحام فخشى أن يكون من جملة اعداءي
    كأن الفجر حب مستزار ... يراعى من دجنته رقيبا
    شبه الفجر بحبيبٍ قد طلب أن يزور وهو يراعي من ظلمة الليل رقيبا وتتأخر زيارته من خوف الرقيب يريد طول الليل وأن الفجر ليس يطلع فكأنه حبيب يخاف رقيبا.
    كان نجومه حليٌّ عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا
    شبه النجوم الثاقبة بحليّ على الليل وجعل وجه الأرض كالحذاء لليل يقول كان الأرض جعلت نعلا له فهو لا يقدر على المشي لثقل الأرض على قوائمه يقول كان لليل من النجوم حليا ومن الأرض قيدا
    كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا
    يقول كأن الهواء قد كابد ما أكابده من طول الوجد فاسود لونه وصار سواده كالشحوب وهو تغير اللون أي كأن الليل اسود لأنه دفع إلى ما دفعت إليه فصار السواد له بمنزلة الشحوب.
    كأن دجاه يجذبها سهادي ... فليس تغيب إلا أن يغيبا
    الدجى جمع دجية يريد طول ظلمة الليل وطول سهاده فكأن السهاد يجذب الدجى فليس تغيب الدجى إلا أن يغيب السهر والسهر ليس يغيب فكذلك ظلمة الليل.
    أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الدنوبا
    أي لكثرة تقليبي إياها كأني أعد على الدهر ذنوبه أي كما أن ذنوب الدهر كثيرة لا تفنيى كذلك تقليبني لأجفاني كثير لا يفنى فلا نوم هناك.
    وما ليل بأطول من نهار ... يظل بلحظ حسادي مشوبا
    يقول ليلى وإن طال فليس بأطول من نهار أنظر فيه إلى حسادي واعداءي
    وما موت بأبغض من حيوةٍ ... أرى لهم معي فيها نصيبا
    يقول إذا شاركني أعدائي في الحياة وعاشوا كما أعيش ولم أقتلهم فالموت ليس بأبغض إليّ من تلك الحياة التي تخل من مشاركة الأعداء فيها
    عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نقيبا
    أي لكثرة ما أصابتني النوائب صرت عارفا بها حتى لو كانت لها أنسابٌ لكنت نقيبها والنقيب للقوم هو الذي يعرف انسابهم ويقال انتسب الرجل إلى فلان إذا نسب نفسه إليه
    ولما قلت الإبل امتطينا ... إلى ابنِ أبي سليمان الخطوبا
    أي لما اعوزتنا الإبل وفقدناها لقلة ذات اليد أدتني المحن والشدائد إلى الممدوح فكأنها كانت مطايا لنا
    مطايا لا تذل لمن عليها ... ولا يبغي لها أحد ركوبا
    وترتع دون نبت الأرض فينا ... فما فارقتها إلا جديبا
    يقول هذه المطايا يعني الحوادث لا ترعى نبات الأرض إنما ترعانا وتصيب منا فلم افارقها إلا مجدبا كالمكان الذي أكل نباته فصار جديبا والمعنى أنها رعتني فلم تترك مني ناميا
    إلى ذي شيمةٍ شغفت فؤادي ... فلولاه لقلت بها النسيبا
    شغفت فؤادي أي غلبت على عقله والوجه لولا هو كقوله تعالى فلولا أنتم ويجوز لولاه ولولاك يقول لولا أن خلق الممدوح احسن من خلقه لقلت النسيب بخلقه ويجوز أن يريد لولا أني احتشمه لقلت الغزل بشيمته.
    تنازعني هواها كل نفسٍ ... وإن لم تشبه الرشأ الربيبا
    يقول كل احد ينازعني عشق شيمته أي يعشقها عشقي لها وإن كانت لا تشبه الرشأ إنما هي خلق وطبع لا شخص لها.
    عجيب في الزمان وما عجيب ... أتى من آل سيارٍ عجيبا
    يقول هو عجيب في الزمان وليس بمنكر أن تأتي من آل سيار العجائب لأنهم النهاية في النجابة والكرم
    وشيخ في الشباب وليس شيخاً ... سمي كل من بلغ المشيبا
    يقول هو مع أنه شاب في حنكة الشيخ ورب إنسانٍ غيره بلغ المشيب ولم يستحق إن سمي شيخا لنقصه وتخلفه
    قسا فالأسد تفزع من قواه ... ورق فنحن نفزغ أن يذوبا
    يقول قسا قلبا بالأسود تخافه ورق طبعا وكرما فنحن نخاف أني يذوب يقال فلان يذوب طرفا إذا لأن جانبه وحسن خلقه والقوى جمع القوى وروى من يديه.
    أشد من الرياح الهوج بطشاً ... وأسرع في الندى منها هبوبا
    الهوج جمع الهوجاء وهي التي لا تستوي في هبوبها والبطش الأخذ بقوة يقول هو أشد عند البطش من الريح الشديدة العاصف وأسرع منها في العطاء
    وقالوا ذاك أرمي من رأينا ... فقلت رأيتهم الغرض القريبا
    أي قال الناس للممدوح أنه أرمى من رأيناه يرمي السهم فقلت رأيتموه وهو يرمي الغرض القريب منه يعني فكيف لو رأيتموه يرمي غرضنا بعيدا والغرض الهدف.
    وهل يخطى بأسهمه الرمايا ... وما يخطى بما ظن الغيوبا
    الرمايا جمع الرمية وهو كل ما يرمى من غرض أو صيد يعني أن أصاب رميته بسهمه فلا عجب فإنه لا يخطى بسهم ظنه الغائب عنه أي أنه صائب الفكرة.
    إذا نكبت كنانته استبنا ... بأنصلها لأنصلها ندوبا
    روى ابن جنى نكتت أي قلبت على رأسها يقال للفارس إذا رمى عن فرسه فوقع على رأسه نكت فهو منكوت وقال ابن فورجة هذا صحيح في الفارس والمعهود في الكنانة نكبتها قال ابن دريد نكبت الإناء انكبه نكبا إذا صببت ما فيه ولا يكون للشيء السائل إنما يكون للشيء اليابس واستبنا تبينا ورأينا والندوب الآثار يقول إذا صبت كنانته رأينا لنصوله آثارا في نصوله لأنه يرميها على طريقة واحدة فيصيب النصول بعضها بعضا.
    يصيب ببعضها أفواق بعضٍ ... فلولا الكسر لاتصلت قضيبا
    يصيب ببعض سهامه أو نصوله أفواق السهام التي رماها فلولا أنه يكسرها لاتصلت السهام حتى تيصير قضيبا مستويا.
    بكل مقوم بدل من قوله ببعضها وعني بالمقوم سهما مستويا لا يعصيه فيما يأمره به من الإصابة حتى ظنناه عاقلا لطاعته له.
    يريك النزع بين القوس منه ... وبين رميه الهدف اللهيبا
    يريد بالنزع جذب الوتر وقوله منه أي من المقوم والرميّ المرميّ وهو الهدف يقول إذا جذب الوتر ورمى السهم رأيت بين قوسه وهدفه نارا والعرب إذا وصفت شيئا بالسرعة شبهته بالنار ومنه قول العجاج، كأنما يستضرمان العرجفا، وذلك أن حفيف السهم في سرعة مروره يشبه حفيف النار في التهابها ويروي وبين رميه بالهاء والهدف خفض على البدل منه.
    ألست ابن الأولى سعدوا وسادوا ... ولم يلدوا امرأ إلا نجيبا
    يقول ألست ابن الذين كانوا سعداء بما طلبوا فكانوا سادةً منجبين لم يلدوا إلا نجيبا وهذا استفهام معناه التقرير كقول جرير، ألستم خير من ركب المطايا، وأندى العالمين بطون راحِ، أي أنتم كذلك.
    ونالوا ما اشتهوا بالحزم هوناً ... وصاد الوحش نملهم دبيبا
    أي ادركوا ما تمنوا بحزمهم على رفق وتؤدة وادركوا المراد الصعب البعيد بأهون سعي جعل الوحش مثلا للمطلوب البعيد ودبيب النمل مثلا لسعيهم هونا وإنما ذلك لحزمهم ولطف تأنيهم
    وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا
    يقول إن الذي يشم من روائح الرياض ليس لها في الحقيقة ولكنه شيء اكتسبته واستفادته من دفن ابائه في التراب
    أيا من عاد روح المجد فيه ... وصار زمانه البالي فتشيبا
    قال ابن جنى معناه أن روح المجد انتقل إليه فصار هو المجد على المبالغة وقال غيره معناه يا من عاد به روح المجد في المجد يعني أن المجد كان ميتا فعاد به حيا وعاد الزمان الذي كان باليا جديدا به
    تيممني وكيلك مادحاً لي ... وأنشدني من الشعر الغريبا
    سمعت الشيخ أبا المجد كريم بن الفضل رحمه الله قال سمعت والدي أبا بشر قاضي القضاة قال انشدني أبو الحسين الشامي الملقب بالمشوق قال كنت عند المتنبي فجاءه هذا الوكيل فانشده هذه الأبيات، فؤاددي قد انصدع، وضرسي قد انقلع، وعقللي لليللي، قد انهوى وما رجع، يا حب ظبي غنجج، كالبدر لما أن طلع، رأيته في بيته، من كوةٍ قد اطلع، فقلت تِهْ تِهْ وتِهْ، فقال لي مر يا لكع، هاتِ قطع ثم قطع، ثم قطع ثم قطع، وضع بكفي ففي، حتى أدعك بضعضعْ، فهذا الذي عناه المتنبي بقوله وأنشدني من الشعر الغريبا.
    فآجرك الإله على عليلٍ ... بعثت إلى المسيح به طبيبا
    يقال أجره أجرا وآجره يؤاجره مؤاجرة وإجارا جعل نفسه كالمسيح وهذا الوكيل كالعليل ولا حاجة بالمسيح إلى الطبيب سيما إذا كان عليلا فإنه كان يحيى الموتى ويداوي الأكمه والأبرص.
    ولست بمنكرٍ منك الهدايا ... ولكن زدتني فيها أديبا
    فلا زالت ديارك مشرقاتٍ ... ولا دانيت يا شمس الغروبا
    يقول لا زالت ديارك مشرقة بنورك فإنك فيها شمس ولا كان لك غروبا وكني بالغروب عن موته لما جعله شمسا
    لأصبح آمنا فيك الرزايا ... كما أنا آمن فيك العيوبا
    أي كما أنا آمن ان لا يصيبك عيب آمن أن لا أصاب فيك بمصيبة.
    وقال يمدحه أيضاً
    أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أو لم أنل جد
    بله اسم سمي به الفعل ومعناه دع كما قالوا صه بمعنى أسكت ومه بمعنى لا تفعل وبله اكثر أي دع أكثره ويجوز الجر به على أ، يجعل بله مصدرا مضافا إلى أكثره كما قال الله تعالى فضرب الرقاب ومعناه فاضربوا الرقاب والنصب أقوى لأن بله لو كان مصدرا لوجد فعله وليس يعرف له تصرف وهو بمنزلة صه ومه وإيه على أنه قد وجد مصا6ر لا أفعال لها نحو ويل وويس وويح والأنى بمعنى الإعياء والإد للعجب ولا فعل له وأجاز قطرب فيما بعد بله الرفع على أنه بمعنى كيف والمسموع فيما بعد بله في غالب الأمر النصب ومعنى المصراع الأول من هذا البيت أني لا أفعل إلا ومغزاي المجد وإياه أنحو ولو صرح بالأقل لقال نومي وأكلي وشربي للمجد ولو صرح بالأكثر لقال تغريري بنفسي وركوبي المهالك وشهودي الحرب كله مجد أي لأجل المجد وتحصيله يقول إذا عرفت كون الأقل مجدا أغناك ذلك عن أن تعرف الأكثر وقوله وذا الجد فيه نلت معناه أن الجد في الأمور فيصير عادة الجد كعادة الجد قال ابن جنى أي فلو لم يكن عندي غير هذا الجد في أمري وترك التواني لقد كان جدا لي.
    سأطلب حقي بالقنا ومشائخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
    أراد أنه يطلب حقه بنفسه وبغيره فكنى بالقنا عن نفسه وبالمشائخ عن اصحابه وأراد أنهم محنكون مجربون ولذلك جعلهم مشائخ وقوله كأنهم من طول ما التثموا مرد أي أنهم لا يفارقون الحرب فلا يفارقهم اللثام فكأنهم مرد حيث لم تر لحاهم كما لا يرى للمرد لحى.
    ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا ... كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا
    يقول ثقال لشدة وطأتهم على الأعداء ويجوز أن يريد ثباتهم عند الملاقاة وكنى بالخفة عن سرعة الإجابة وكنى بالكثرة عن سد الواحد مسد الألف يقول هم على قلتهم يكفون كفاية الدهم.
    وطعن كأن الطعن لا طعن عنده ... وضربٍ كأن النار من حره برد
    يقول كان طعن الناس عند ذلك الطعن غير طعن لشدته وقصور طعن الناس عنه فكل طعن بالإضافة إليه غير طعن ويجوز أن يريد سرعته فيكون كقوله، ليس لها من وحائها ألم، وضرب حار كان النار بالإضافة إليه برد أي متجسمة من برد فهو مبالغة ويجوز أن يريد ذات برد فحذف المضاف.
    إذا شئت حفت بي على كل سابحٍ ... رجال كأن الموت في فمها شهد
    يريد أنه مطاع في قومه فمتى ما شاء احاطت به رجال يستعذبون طعم الموت كما يستحلى الشهد يعني إذا دعوتهم أجابوني محيطين بي على فرس سابح ويريد كان طعم الموت في فمها شهد واوقع الواحد موقع الجماعة لأنه يريد في أفواهها وهو كما قال، بها جيف الحسرى فأما عظامها، فبيض وأما جلدها فصليب،
    أذم إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغدُ
    صغر الأهل تحقيرا لهم والفدم العيُّ من الرجال والوغد اللئيم الضعيف وإذا كان الإعلام فدما كيف الجاهل وكان من حقه أن يقول فانطقهم فدم لأن الفدامة لا تنافي العلم لكنه أراد أن الإعلام منهم لا يقدر على النطق وهو عيب شديد في الرجال فكأنه قال اعلمهم ناقص.
    وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ ... وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد
    أي أكرمهم في خسة الكلب وأبصرهم أي أعلمهم من البصيرى أعمى القلب وأكثرهم سهادا ينام نوم الفهد وبه يضرب المثل في كثرة النوم ويضرب المثل بالقرد في الجبن ويقال أن القرد لا ينام إلا وفي كفه حجر لشدة الجبن ولا تنام القرود بالليل حتى يجتمع منها الكثير.
    ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بدُّ
    النكد قلة الخير يقول ممن قلة خيرها إن الحر يحتاج فيها إلى اظهار صداقة عدوه ليأمن شره وهو يعلم أنه له عدو ثم لا يجد بدا من أن يرى الصداقة من نفسه دفعا لغائلته وأراد ما من مداجاته بد ولكنه سمي المداجاة صداقة لما كانت في صورة الصداقة ولما كان الناس يحسبونه صداقة ويجوز أن يريد ما من اظهار صداقته فحذف المضاف.
    فيا نكد الدنيا متى أنت مقصر ... عن الحر حتى لا يكون له ضد
    يروح ويغدو كارها لوصاله ... وتضطره الأيام والزمن النكد
    بقلبي وإن لم أرو منها ملالةٌ ... وبي عن غوانيها وإن وصلت صدُّ

    قال ابن جنى أي أنا احب الحياة في الدنيا ولما رأى من سوء افعال أهلها ما قد ذكرت زهدت فيها قال ابن فورجة ليس في لفظ البيت ما يدل على أنه يحب الحياة في الدنيا بل فيه تصريح أنه قد ملها فدعواه أنه يحبها محال وإنما ملالته لها لما يشاهد من فيح صنيعها من ابدال النعمى بالبؤسى واسترجاع ما تهب والإساءة إلى أهل الفضل وقعودها بهم عما يستحقونه وقد اجاد أبو العلاء المعري حيث يقول، وقد غرضت من الدنيا فهل زمني، معطى حياتي لغرٍّ بعد ما غرضا، انتهى كلامه يقول أبو الطيب قد مللتها وإن لم استوف حظي منها وبي إعراض عن نسائها وإن واصلتني.
    خليلاي دون الناس حزن وعبرةٌ ... على فقد من أحببت ما لهما فقد
    جعل الحزن والعبرة خليلين له لأنهما يلازمانه ولا يفارقانه وكأنهما خليلان له ألا تراه يقول ما لهما فقد أي فقدت من كنت احبه وصاحبني لفقده حزن وعبرة لست افقدهما.
    تلج دموعي بالجفون كأنما ... جفوني لعيني كلِّ باكيةٍ خدُّ
    أي لا تخلوا جفوني من الدموع فكان جفوني خد كل باكية في الدنيا يريد أن ما يسيل من جفونه مثل الذي يسيل على خد كل باكية ويجوز أن يريد أن جفونه لا تنفك في حال من الدمع كما لا تنفك حال من بكاء باكية ما في العالم وبهذا قال ابن جنى لأنه قال أي فلست اخلو من بكاء ودموعٍ كما لا تخلو الدنيا من باكية تجري دموعها.
    وأني لتفهيني من الماء بقية ... وأصبر عنه ما تصبر الربد
    النغبة الجرعة من الماء وجمعها نغب والربد النعام يقال ظليم أربد ونعامة ربداء وذلك لما في لونها من السواد يصف نفسه بقلة شرب الماء وذلك دليلٌ على أنه زهيد الأكل صابر على العطش كالنعام فإنها لا ترد الماء.
    وأمضى كما يمضي السنان لطيتي ... وأطوي كما تطوى المجلحة العقد
    الطية المكان الذي تطوى إليه المراحل ومنه قول الشنفري، وشدت لطياتٍ مطايا وأرحل،وأطوى اجوع معناه اطوى بطني عن الزاد والمجلحة الذئاب المصممة والتجليح التصميم والعقد جمع الأعقد وهو الذي في ذنبه عقدة وقيل الذي انعقد لحمه ضمرا وهزالا والذئاب اصبر السباع على الجوع والعرب تمدح بقلة الطعم والصبر على الجوع كما قال الأعشى، تكفيه حزة فلذٍ إن ألم بها،
    وأكبر نفسي عن جزاء بغيبةٍ ... وكل اغتيابٍ جهد من ما له جهد
    الجهد المشقة والجهد الطاقة يقول لا اجازي عدوي بالاغتياب لان ذلك طاقة من لاطاقة له بمواجهة عدوه ومحاربته وهذا كقول الآخر، ونشتم بالأفعال لا بالتكلم،
    وأرحم أقواما من العيِّ والغبي ... وأعذر في بغضي لأنهم ضدُّ
    الغبي مثل الغباوة يقول إذا نظرت إلى أقوام من أهل العي والغباوة رحمتهم وإذا ابغضوني عذرتهم لأنهم اضدادي والضد يبغض ضده
    ويمنعني ممن سوى ابن محمدٍ ... أياد له عندي يضيق بها عندُ
    عند اسم مبهم لا يستعمل إلا ظرفا فجعله اسما خاصا للمكان كأنه قال يضيق بها المكان هذا كقول الطاءي، وما زلت منشوراً عليَّ نواله، وعندي حتى قد بقيت بلا عند،
    توالي بلا وعدٍ لكن قبلها ... شمائله من غير وعدٍ بها وعدُ
    أي إذا رأيت شمائله وهي أخلاقه علمت أنه سيعطيك فقامت لك مقام الوعد
    سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي ... إلى السيف مما يطبع الله لا الهندُ
    يقول سرى صاحبي الذي هو السيف يريد سريت ومعي السيف إلى إنسانٍ كأنه سيف لكن الله طابعه.
    فلما رآني مقبلاً هز نفسهُ ... إلى حسام كل صفحٍ له حدُّ
    هز نفسه حرك نفسه للقيام إلى حسام كل وجهٍ من وجهيه حد ينفذ في اعدائه وجعله هو الحسام فرفعه وهو امدح من أن ينصبه على الحال فيقول حساما لأن الحال غير لازمةٍ ونفس الشيء أشد مصاحبة له من حاله
    فلم أر قبلي من مشي البحر نحوه ... ولا رجلاً قامت تعانقه الأسد
    جعله في الحقيقة بحراً وأسداً يقول لم أر قبلي رجلا مشى نحوه البحر أو عانقته الأسود وتحقيق معنى الكلام من مشى نحوه رجل كالبحر أي في الجود وعانقه رجل كالأسد في الشجاعة
    كان القسيَّ العاصيات تطيعه ... هوى أو بها في غير أنمله زهدُ
    عنى بالعاصيات القسي الشديدة الممتنعة من النزع يقول كأنها تطيعه حبا له أو زهدا في غير أنامله.
    يكاد يصيب الشيء من قبل رميه ... ويمكنه في سهمه المرسل الردُّ
    عبدالله عمر

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    الإصابة لمساعفتها أياه يكاد يسبق رميه وكاد السهم لانقياده له يرجع من طريقه إليه وهذا مبالغة في وصف اقتدراه على الرمي ويمكنه عطف على يصيب لا علي يكاد كأنه قال ويكاد يمكنه.
    وينفذه في العقد وهو مضيق ... من الشعرة السوداء والليل مسود
    بنفسي الذي لا يزدهي بخديعة ... وإن كثرت فيه الذرائع والقصد
    لا يزدهي لا يحرك ولا يستخف أي لا ينفذ فيه الخدائع وإن أحكمت بالوسائل قال ابن جنى كأنه قال بنفسي غيرك أيها الممدوح لأنني ازدهيك الخديعة وأسخر منك بهذا القول لأن هذا مما لا يجوز مثله قال وهذا مذهبه في أكثر شعره لأنه يطوي المدح على هجاء حذقا منه بصفة الشعر وتداهيا كما كان يقول في كافور من أبيات ظاهرها مدح وباطنها هجاء قال ابن فورجة إنام فعل أبو الطيب ذلك في مدائح كافور استهزاء به لأنه كان عبدا أسود لم يكن يفهم ما ينشده وإما عليّ بن محمد بن سيار بن مكرم الذي يمدحه بهذه القصيدة فمن صميم بني تميم عربيٌّّ لم يزل يمدح وينتابه الشعراء لا يبعد من فهمٍ وليس في هذا البيت ما يدل على أنه يعني به غيره بل يعنيه به يقول بنفسي أنت ووصفه واتبع ذلك بأوصاف كثيرة على نسق واحد لو كان كلها وصفا لغيره كانت هذه القصيدة خاليةً من مدحه وليس انفاذ الرمي في عقدة من شعر في ليل مظلمٍ أول محالٍ أدعى للممدوح وما هذا غير هوسٍ عرض له فقذفه.
    ومن بعده فقر ومن قربه غنيً ... ومن عرضه حر ومن ماله عبد
    ويصطنع المعروف مبتدئا به ... ويمنعه من كل من ذمه حمدُ
    يصفه بالتيقظ ومعرفة ما يأتي وما يدع يقول يمنع معروفه من كل ساقط إذا ذم أحدا فقد مدحه لأنه ينبىء عن بعد ما بينهما يعني أنه يعطى المستحقين وذوي القدر قبل أن يسألوه
    ويمقر المساء عن ذكره لهم ... كأنهم في الخلق ما خلقوا بعد
    يقول يحقر الحساد عن أن يذكرهم وإذا لم يذكرهم كأنهم معدومون لم يخلقوا لأن من لم يذكره يسقط عن ذكر الناس وذل قدره وهذا كقول الأعور الشني، إذا صحبتني من أناسٍ ثعالبٌ، لأدفع ما قالوا منحتهم حقرا، والحقر الحقارة.
    وتأمنه الأعداء من غير ذلةٍ ... ولكن على قدر الذي يذنب الحقد
    يقول اعداؤه يأمنون جانبه لا لضعف وذلة ولكن حقده على قدر المذنب فإن كان حقيرا لم يحقد عليه وإذا لم يحقد عليه أمن المذنب والمعنى أنه يستحقر أعداءه ولا يعبأ بهم
    فإن يك سيار بن مكرمٍ أنقضى ... فإنك ماء الورد أن ذهبَ الوردُ
    يقول إن مات جدك وفنى عمره فإن فضائله ومحاسنه صارت فيك فلم يفقد إلا شخصه كماء الورد يبقى بعد الورد فيكون أفضل منه ومثل هذا من تفضيل الفرع على الأصل قوله أيضا، فإن تكن تغلب الغلباء عنصرها، فإن في الخمر معنى ليس في العنب، وكذا قوله، فإن المسك بعض دم الغزال، وأخذ السريّ هذا المعنى فقال، يحيى بحسن فعالهِ، أفعال والده الحلاحل، كالورد زال وماءه، عبق الروائح غير زائل،
    مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحداً فرد
    عطف بنوه على الضمير في مضى من غير أن يظهره وهوعيب وكان من حقه أن يقول مضى هو وبنوه كما قال الله تعالى فاذهب انت وربك واسكن أنت وزوجك الجنة والمعنى أنت واحد صورة جماعةٌ معنى كالألف فأنث الألف في قوله جمعت إرادة الجماعة ومعناه إذا ركبت من الأحاد الألف فالألف واحد فرد وكذلك أنت واحد وقد اجتمع فيك ما كان في جماعة فكأنك جماعة.
    لهم أوجه غر وأيدٍ كريمةٌ ... ومعرفة عدٌّ وألسنةٌ لدُّ
    غر جمع أغر والعرب تتمدح ببياض الوجه كما قال، وأوجههم بيض المسافر غرانُ، وإنما يريدون بذلك النقاء والطهارة ما يعاب كما أنهم يكنون عن العيب والفضيحة بسواد الوجه وقوله وأيد كريمة أي بالعطاء ومعرفة عد قديمة كثيرة لا تنقطع مادتها كالماء العد واللدّ جمع الالدّ وهو الشديد الخصومة.
    وأردية خضر وملك مطاعةٌ ... ومركوزةٌ سمرٌ ومقربةٌ جردٌ
    خضرة الرداء يكنى بها عن السيادة وذلك إن الخضرة عندهم أفضل الألوان لأن خضرة النبات تدل على الخصب وسعة العيش وذهب بالملك إلى المملكة والمقربة الخيل المدناة من البيوت إما لفرط الحاجة إليها وإما للضن بها ولا ترسل للرعي والجرد القصار الشعور.
    وما عشت ما ماتوا ولا أبواهم ... تميم بن مر وابن طابخةٍ أدُّ


    يقول ما كنت حيا فلم يغب عنا أحد من هؤلاء لأن جميع محاسنهم موجودة فيك ويروي ما ماتا ولا أبواهما يعني سياراً ومكرما وتميم بن مر وأد بن طابخة قبيلتان مشهورتان من العرب إليهما ينتسب الممدوح وكان الوجه إن يقول فما ماتوا كما تقول ما دمت حيا فما احزن ولكنه حذف الفاء ضرورة كقوله، من يفعل الحسنات الله يشكرها، تقديره فالله يشكرها.
    فبعض الذي يبدو الذي أنا ذاكر ... وبعض الذي يخفى عليّ الذي يبدو
    يقول الذي أنا ذاكر من فضائله بعض الذي يبدو بعض الذي يخفى عليّ أي إنما أذكر بعض ما يظهر من فضائله والذي يظهر بعض الذي يخفى يريد أن فضائله كثيرة يظهر له بعضها فيذكر منه بعضه ولا يظهر له كلها.
    الوم به من لامني في وداده ... وحق لخير الخلق من خيره الودُّ
    يقول من لامني في وده لمته بما وصفت من فضله فيتبين أن من أحبه لا يستحق اللوم وأنه أهل لأن يحبه وحق له مني الود لأنه خير الأمراء وأنا خير الشعراء وحقيق على أهل الخيران يود بعضهم بعضا.
    كذا فتنحوا عن عليٍّ وطرقه ... بنى اللؤم حتى يعبر الملك الجعد
    يقول كذا هو أي كما وصفت فلا تنازعوه وبتاعدوا عنه حتى يمضي في طريقه إلى المعالي من غير أن تنازعوه ويجوز أن تكون الإشارة في كذا إلى التنحي الذي أمرهم به يقول قد تنحيتم وبلغتم في البعد عن غايته الغاية وكذا يجب أن يكون والقول هو الأول.
    فما في سجاياكم منازعة العلي ... ولا في طباع التربة المسك والندُّ
    يقول أنتم منه كالتراب من المسك ولا يكون بينهما منازعة كذلك ليس في طباعكم أن تنازعوه العلى.
    ودع صديقا له فقال ارتجالا
    أما الفراق فإنه ما أعهد ... هو توأمي لو أن بينا يولد
    يقول أما الفراق فإنه شيء اعهده وأراه دائما وهو توءمي ولد معي ن كان البيت مولودا أي لا أنفك من فراق حبيبٍ فلو كان الفراق مولودا لقضيت عليه بأنه توأمي ويجوز أن يكون المعنى حقيقة الفراق ما أعهده من فراقك يعني أن وجد فراق هذا الحبيب فوق وجد فراق كل أحد حتى كان الفراق فراق لا فراق غيره.
    ولقد علمنا أننا سنطيعه ... لما علمنا أننا لا نخلد
    أل لما كنا نموت ونفني علمنا أننا ننقاد للفراق بمفارقة كلٍّ من الخليلين صاحبه والمعنى أن الفرقة على كل حالٍ محتومة علينا لأنه لا يخلد أحد فنحن في طاعة الفراق أما عاجلا وإما آجلا.
    وإذا الجياد أبا البهيٍّ نقلننا ... عنكم فأردأ ما ركبت الأجود
    يقول إذا نقلتنا عنكم الخيل وباعدت بيننا صار الأجود الاردأ لأنه إذا كان اسرع كان اعجل إبعاداً.
    من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئا يحمدُ
    وقال يمدح أبا بكر عليّ بن صالحٍ الروذباري الكاتب.
    كفرندي فرند سيفي الجرازِ ... لذة العين عدةٌ للبرازِ
    الفرند جوهر السيف وهو معرب دخيلٌ وفعل أكثر في كلام العرب من فعل والجراز السيف القاطع أي سيفي يحكيني في المضاء وهو حسن في مرأة العين عدة للمبارزة.
    تحسب الماء خط في لهب النا ... رِ أدق الخطوط في الأحرازِ
    شبه بريق سيفه بالنار وآثار الفرند فيه ودقته بخطوط من الماء دقيقةٍ كأدق الخطوط في الأحراز جمع حرز وهو العوذة وجرت العادة بتدقيق خط الأحراز.
    كلما رمت لونه منع النا ... ظر موجٌ كأنه منك هازي
    أي كلما أردت أن تعرف لونه وانعمت النظر منع ناظرك من الوقوف ماؤه وبياضه الذي يتردد فيه كالموج فإنه يهزء بك لأنه لا يستقر لينفذ فيه شعاع عينيك.
    ودقيق قذى الهباء أنيق ... متوالٍ في مستوٍ هزهازِ
    ودقيق بقذى كما تقولن حسن وجها لكنه أضافه إلى الهباء إشارةً إلى أن الفرند في دقته يشبه الهباء شبه آثار الفرند في دقتها بقذى الهباء وجعله أنيقا لنه معجب للناظر متوال يتبع بعضه بعضا في متن مستوٍ هزهاز متحرك مضطرب يجيء ويذهب يقال سيف هزهاز وهزاهز كان ماؤه يذهب عليه ويجيء وروى ابن جنى قدي الهباء يعني مقدار الهباء من قولهم قدي رمحٍ وقاد رمح وقيد رمح.

    ورد الماء فالجوانب قدرا ... شربت والتي تليها جوازي


    الجوازي التي لم تشرب الماء من قولهم جزأت الوحشية بالرطب عن الماء تجزأ فهي جازئة وهن جوازي يقول شرب جوانبه من الماء بقدر وما يليها من العير والمتن لم يشرب لأنه لا يسقي جميع السيف بل يسقي شفرتاه ويترك المتن ليكون اثبت عند الضرب فلا ينحطم.
    حملته حمائل الدهر حتى ... وهي محتاجةٌ إلى خرازِ
    يقول قد تداولته أيدي الدهر يعني أنه قديم الصنعة قد طالت عليه السنون ولما ذكر قدمه جعل الدهر حاملا له والسيف يحمل بالحمائل والحائل إذا أتت عليها الأيام اخلقت واحتاجت إلى الخراز وأضاف الحمائل إلى الدهر لأنه جعل الدهر حاملا له يقال حمالة وحمائل والمعنى اخلق الدهر حمائله بكثرة حمله إياه ولما كثر حمله أضاف الحمائل إليه كأنها له لما كان تحمله بها كثيراً.
    فهو لا تلحق الدماء غراري ... ه ولا عرض منتضيه المخازي
    أي لسرعة قطعة يعبر الدم قبل أن يشعر فلا يلصق به ولا يتلطخ بالدم ولا تلحق المخازي عرض منتضيه يعني نفسه لحسن بلائه عند الحرب والمخازي جمع مخزاة وهو ما يخزى به الإنسان.
    يا مزيل الظلام عني وروضي ... يوم شربي ومعقلي في البراز
    يقول لسيفه أنت تزيل عني الظلام بصفائك ورونقك وأنت روضي يوم شربي يريد خضرته والسيف يوصف بالخضرة كما قال أبو جعفر الحمامي في مقصورة له، مهندٌ كأنما طباعه، أشربه بالهند ماء الهندبا، ومثله للبحتري، حملت حمائله القديمة بقلةً، من عهد عادٍ غضة لم تذبل، والبراز الصحراء.
    واليماني الذي لو أسطعت كانت ... مقلتي غمده من الإعزازِ
    أي من شدة صيانتي لو قدرت جعلت مقلتي غمده
    إن برقي إذا برقت فعالي ... وصليل إذا صللت ارتجازي
    يقول إن بإزاء برقك فعالي وبإزاء صليلك ارتجازي يقارب بين سيفه ونفسه يعني أن كان برقك ففعلي وشعري أبرق منه وإذا ارتفع صليلك أي صوتك في الضريبة فإن ارتجازي صليلي أصل به كما صللت وارتجازي انشادي الاراجيز من شعري فبها أصل لا بالطنين الذي يسمع من السيوف
    ولم أحملك معلماًهكذا إلا ... لضرب الرقاب والأجواز
    المعلم الذي قد شهر نفسه في الحرب بشيء يعرف به وذلك فعل الأبطال والأجواز الأوساط
    ولقطعي بك الحديد عليها ... فكلانا لجنسه اليوم غازي
    عليها على الرقاب والاجواز يعني الدروع والمغافر فأنا اغزو الناس وأنت تغزو الحديد.
    سله الركض بعد وهنٍ بنجدٍ ... فتصدى للغيث أهل الحجاز
    يقول ركضنا الخيل اخرجه من الغمد وكنا بنجد بعد أن مضى صدر من الليل فظن أهل الحجاز لمعانه ضوء برق فتعرضوا للغيث وقد نقل هذا من قول أبي الجهم، إذا أوقدت نارها بالحجاز، أضاء العراق سنا نارها،
    فتمنيت مثله فكأني ... طالب لابن صالح من يوازي
    أي هما فريدان لا نظير لسيفي ولا لهذا الممدوح
    ليس كل السراةِ بالروذبار ... ي ولا كل ما يطير ببازي
    فارسيٌ له من المجد تاجٌ ... كان من جوهرٍ على أبروازِ
    يعني أنه من أولاد ملوك فارس وتاجه من المجد وتاج أبرويز كان من الجوهر وأبرويز أحد ملوك العجم وغير اسمه لأن العرب إذا تكلمت بالعجمية تصرفت فيها كما أرادت.
    نفسه فوق كل أصلٍ شريفٍ ... ولو أني له إلى الشمس عازي
    أي هو بنفسه أجل من كل أب وإن كان شريفا حتى لو نسبته إلى الشمس كان اشرف منها ويقال عوزته إذا نسبته إلى أبيه.
    شغلت قلبه حسان المعالي ... عن حسان الوجوه والأعجاز
    الإعجاز جمع العجز وعني بحسان الوجوه والأعجاز النساء يريد أن شغله بالمعالي لا بالنساء.
    وكأن الفريد والدر واليا ... قوت من لفظه وسام الركاز
    السام عروق الذهب والركاز ما يوجد في المعدن من الذهب يعني أن هذه الأشياء كأنها أخذت من لفظه لحسنه وانتظامه.
    تقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز
    أي لحنقهم عليه وشدة غيظهم بقصورها دونه يقضمون الحديد والجمر كما يقضم السكر.
    بلغته البلاغة الجهد بالعف ... و ونال الإسهاب بالإيجاز
    يقول بلاغته تبلغه بالسهولة واليسر ما يبلغه غيره بالجهد وينال بايجازه في القول ما نال غيره بالإكثار.
    حامل الحرب والديات عن القو ... م وثقل الديون والأعوازِ

    كيف لا يشتكي وكيف تشكوا ... وبه لا بمن شكاها المرازي


    أي العجب منه كيف لا يشتكي ثقل ما يحمل والعجب ممن يشكو رزيةً كيف يشكوها وهو حاملها عنه.
    أيها الواسع الفناء وما في ... ه مبيتٌ لمالكَ المجتازِ
    يقول مالك مجتاز بك وغير مقيم عندك وليس له عندك مكان يبيت فيه وإن كان فناءك واسعا.
    بك أضحى شبا السنة عندي ... كشبا أسوق الجراد النوازي
    شبا الأسنة حدها يقول لما أعتصمت بك لم تعمل فيّ شبا الأسنة وصارت عندي كسوق الجراد من قلة مبالاتي بها والنوازي من قولك نزا الجراد ينزو إذا وثب.
    وأنثنى عني الرديني حتى ... دار دور الحروف في هوازِ
    يقول انعطف عني الرمح والتوى على نفسه التواء الحروف المدورة في هواز كالهاء والواو والزاي والألف زائدة ولو امكنه أن يقول هوز كان احسن والعرب تنطق بهذه الكلمات على غير ما وضعت كما قال أبو حنش في البرامكة، أبو جادهم بذل الندى يلهمونه، ومعجمهم بالسوط ضرب الفوراس، وقال آخر، تعلمت باجاداً وآل مرامرٍ، وإنما هو ابجد والجيد في تعطف الرماح قول أبي العلا المعريّ، وتعطفت لعب الصلال رماحهم، فالزج عند اللهذم الرعافِ،
    وبآباءك الكرام التأسي ... والتسلي عمن مضى والتعازي
    أي إنما يتعزى ويتأسى عمن مضى منا بذكر آبائك الكرام فإذا ذكرنا فقدهم هان علينا فقد من بعدهم.
    تركوا الأرض بعدما ذللوها ... ومشت تحتهم بلا مهماز
    يقول ماتوا بعد أن ملكوا الأرض واطاعتهم طاعة الدابة الذلول التي تمشي بغير مهمازٍ وهي حديدةٌ تكون مع النخاسين تنخس بها الدواب لتسرع في العدو.
    واطاعتهم الجيوش وهيبوا ... فكلام الورى لهم كالنحازِ
    أي كانوا مطاعين في جيوشهم ومهيبين والنحاز شبه السعال يأخذ في الصدور قال ابن جنى أي لم يعبأوا بكلام أحد لما صاروا إلى هذه الحالة وأجود من هذا أن يقال السعال يرقق الصوت والمعنى لهيبتهم كانوا لا يرفعون الصوت بين أيديهم.
    وهجان على هجان تأيي ... ك عديد الحبوب في الأقوازِ
    رواه ابن جنى تأتتك وقال تأتتك قصدتك وأنشد الأعشى، إذا ما تأتي يريد القيام، تهادى كما قد رأيت البهيرا، قال ابن فورجة تأتي تفعل من الإتيان والأتى وهو يتضمن معنى القصد إلا أنه مقصور على قولهم تأتيك لهذا الأمر إذا احسنت الصنع فيه وهو من التلطف في الفعل يقال فلان لا يتاتى لهذا الأمر أي لا يطوع لفعله فإما معدي إلى مفعول بمعنى صريح القصد فلا أراه سمع والذي في بيت الأعشى ليس بمتعد والذي في شعر أبي الطيب روى عنه عل كل لسان تأييك وهذه لفظة تستعمل للقصد الصريح ومنه قوله، الحصن أدنى لو تأييته، قال ابن دريد تأياه بالسلام تعمده به قال الشاعر، فتأيا بطرير مرهفٍ، جفرة الجنبين منه فشعل، فإذا لم تعد فقلت تأييت فمعناه تحبست يقال تأيا فلا بالمكان تقية إذا اقام ولي في هذا الأمر تاية أي نظر ومعنى البيت رب رجال خالصي النسب على نوق كريمة قصدوك في كثرة عدد حبوب الرمل يعني من جيشه واوليائه والقوز من الرمل المستدير شبه الرابية.
    صفها السير في العراء فكانت ... فوق مثل الملاء مثل الطرازِ
    العراء الأرض الواسعة شبه استواء الإبل على سعة الفضاء بطراز على ملأة ولا سيما إن كان هناك سراب كان التشبيه أوقع لبياضه وهكذا سير الإبل إذا وقعت في نشاطٍ وكانت كلها كراما استقامت في السير فلم تتقدم واحدة على أخرى كما قال أبو نواس، تذر المطيَّ وراءها فكأنها، صف تقدمهن وهي إمام، والطراز فارسيّ معرب.
    وحكى في اللحوم فعلك في الوف ... ر فأودى بالعنتريس الكناز
    الوفر المال الكثير والعنتريس الناقة الشديدة والكناز الكتنزة اللحم يقول حكى السير في اذهاب لحوم هذه الإبل جودك في اهلاك المال حين أهلك الناقة الشديدة.
    كلما جادت الظنون بوعدٍ ... عنك جادت يداك بالإنجاز
    أي كلما ظن انسان أنك تعطيه شيئا فوعدته ظنونه عنك وعدا انجزت أنت ذلك الوعد.
    ملك منشد القريض لديه ... وأضع الثوب في يدي بزازِ
    ويروى وضع الثوب والمعنى أنه عارف بالشعر معرفة البزاز بالثوب
    ولنا القول وهو أدرى بفح ... واه وأهدى فيه إلى الإعجاز
    أي ينسب القول إلينا وهو أعلم بمعناه وأولى منا أن يأتي في القول بالمعجز
    ومن الناس من يجوز عليه ... شعراء كأنها الخازباز

    الخازباز حكاية صوت الذباب ثم يسمى الذباب أيضا بهذا الأسم ومنه قول ابن احمر، وجن الخازباز به جنونا، يقول من الناس من لا يعرف الشعر فيجوز عليه شعراء كأنهم الذباب في هذيانهم.
    ويرى أنه البصير بهذا ... وهو في العمى ضائع العكازِ
    أي يظن أنه بصير بالشعر وهو كالأعمى الذي ضاع عصاه فهو لا يهتدي للطريق يقول هو في جملة العميان ضائع العكاز.
    كل شعرٍ نظير قائله في ... ك وعقل المجيز مثل المجازِ
    لا شك أن كل شعر نظير قائله فإن العالم بالشعر شعره يكون على حسب علمه وكذلك من دونه ويروي قائله منك والخطاب للشاعر يقول إذا مدحت أحدا فقبل شعرك فهو نظيره يعني أن العالم بالشعر لا يقبل إلا الجيد والجاهل به يقبل الردى وعقل الممدوح المجيز مثل عقل المادح المجاز وتقدير الكلام مثل عقل المجاز فحذف المضاف والمجيز الممدوح الذي يعطى الجائزة والمجاز الشاعر.
    وقال يهجو قوماً
    أماتكم من قبل موتكم الجهل ... وجركم من خفةٍ بكم النمل
    يقول أماتكم الجهل قبل أن تموتوا أي أنتم موتي من جهلكم وإن كنتم احياء ولا وزن لكم ولا قدر فلخفة وزنكم تقدر النمل على جركم والسفيه الخفيف العقل يوصف بخفة الوزن كما أن الحكيم الرزين يوصف بثقل الوزن.
    وليد أبي الطيب الكلب ما لكم ... فطنتم إلى الدعوى وليس لكم عقلُ
    وليد ها هنا تصغير ولد وهو بمعنى الجماعة والكلب صفة أبي الطيب والدعوى الإدعاء وهو الانتساب يقول لا عقل لكم تعقلون به شيئا فكيف عقلتم الإدعاء في نسب لستم في ذلك النسب.
    ولو ضربتكم منجنيقي وأصلكم ... قويٌّ لهدتكم فكيف ولا أصل
    المنجنيق مؤنث يريد بها هجاءه يقول لو ضربتكم بهجاءي وأصلكم قويّ لكسركم وأبادكم فكيف ولا أصل لكم يعرف.
    ولو كنتم ممن يدبر أمره ... لما كنتم نسل الذي ما له نسلُ
    أي لو كنتم عقلاء لما انتسبتم إلى من يعرف أنه لا نسل له ولا عقب أي قد ظهرت دعواكم بهذا الإنتساب.
    وقال يمدح الحسين بن عليّ الهمداني
    لقد حازني وجد بمن حازه بعد ... فيا ليتني بعدٌ ويا ليته وجدُ
    يقول لقد ضمني واشتمل عليّ وجدٌ بمن ضمه البعد وقاربه ثم قال لي ليتني بعد لأحوزه فأكون معه ويا ليته وجد ليحوزني ويتصل بي.
    أسر بتجديد الهوى ذكر ما مضى ... وإن كان لا يبقى له الحجر الصلدُ
    يقول أسر بأن يجدد لي الوى ذكر شيء قد مضى من أيام وصل الأحبة ولذة التواصل وإن كان الحجر الشديد لا يبقى له تأسفا عليه وحنينا إليه.
    سهادٌ أتانا منك في العين عندنا ... رقاد وقلام رعى سربكم وردُ
    السرب المال الراعي والسرب القطيع يقول السهاد إذا كان لأجلكم رقاد في الطيب والقلام على خبث ريحه إذا رعته أبلكم وردٌ.
    ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعدُ
    أي أنت مصورة في خاطري وفكري حتى كأنك حاضرة عندي لم تفارقيني وحتى كان يأسي من وصلك وعد بالوصال.
    وحتى تكادي تمسحين مدامعي ... ويعبق في ثوبي من ريحك الندُّ
    يقول يكاد قرب صورتك يمسح مدامعي الجارية على خدي ويلزم ثوبي رائحتك الطيبة يريد أن قوة فكره تجعلها موجودة في ناظره وخاطره فتشمه رائحتها وتلزمها ثوبه ومن نصب يعبق كان عظفا على تكادي ومن رفع كان عطفا علي تمسحين.
    إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهدُ
    المرأة الحسناء إذا غدرت وخانت في المودة فقد وفت بالعهد لأن عهدها أنها لا تبقى على العهد فإذن وفاءها غدرٌ.
    وإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فأذهب فما فركها قصد
    يقول إذا عشقت المرأة كان عشقها أشد من عشق الرجال لأنهن أرق طبعا وأقل صبرا وإذا ابغضت جاوزت الحد أيضا في البغض ولم يكن ذلك قصدا وقوله فاذهب حشو أتى به لإتمام الوزن ومعناه لا تطمع ف يحبها إذا فركت واذهب لشأنك وإن شئت قلت فإذهب في تلافي ذلك الفرك والأول الظاهر.
    وإن حقدت لم يبق في قلبها رضًى ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
    أي هي مبالغة في كلتى حالتيها في الحقد والرضى.
    كذلك أخلاق النساء وربما ... يضل بها الهادي ويخفى بها الرشد

    عبدالله عمر

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    يريد اخلاقهن كما ذكرته والذي يهدي غيره ربما يضل بهن ويخفى عليه بها الرشد حتى يبتلي بهن والكناية في بها تعود إلى الأخلاق لان ضلال الهادي بأخلاقهن إذا اغتر بشدة صبابتهن ويخفى عليه الرشد أيضا بأخلاقهن.
    ولكن حبا خامر القلب في الصبي ... يزيد على مر الزمانِ ويشتدُّ
    هذا كالأعتذار من حبهن بعد ما ذكر من غدرهن وماسوي اخلاقهن واستدرك على نفسه بأنه لا يقدر على مفارقة هوى نشأ عليه طفلا فهو يزداد على مرور الزمان شدةً.
    سقى ابن عليٍّ كل مزنٍ سقتكم ... مكافأة يغدو إليها كما تغدو
    المزن جمع مزنة يقول سقى الممدوح كل سحاب سقاكم مكافأة له على ما فعل من سقيكم فهو يغدو إليها بالسقيا كما كانت تغدو إليكم جعل الممدوح يسقي السحاب لأنه أكثر ندى.
    لتروي كما تروى بلاداً سكنتها ... وينبت فيها فوقك الفخر والمجدُ
    أي لتروي السحاب كما ترويكم وينبت فوقك الفخر والمجد لأن عطاياه تورث المجد والشرف فيشرب السحاب بما ينال من جدواه فيكون الفخر والمجد نابتين فيها لما شربت من سقياه
    بمن تشخص الأبصار يوم ركوبه ... ويخرق من زحمٍ على الرجل البردُ
    الباء متعلقة بتروي يقول لتروى سحابكم بهذا الممدوح وإن شئت قلت ينبت به الفخر والتقدير بجوده أو بسببه ومعنى البيت أن الناس يزدحمون يوم ركوبه للنظر إليه لجلالة قدره والتعجب من حسنه.
    وتلقى وما تدري البنان سلاحها ... لكثرة إيماء إليه إذا يبدو
    أي لشغلهم بالنظر إليه والإيماء نحوه يلقون ما في ايديهم ولا يشعرون به وكأن هذا مقتبس من قوله تعالى فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن.
    ضروب لهام الضاربي الهام في الوغى ... خفيف إذا ما أثقل الفرس اللبدُ
    يقول هو خفيف لحذقه بالفروسية أو خفيف مسرعٌ إلى الحرب إذا بلغ الفرس من الجهد ما يثقل عليه لبده.
    بصير بأخذ الحمد في كل موضعٍ ... ولو خبأته بين أنيابها الأسدُ
    يقول يتوصل إلى احراز الحمد باحسانه وإن كان يتعذر الوصول إليه والمعنى لو لاح له الحمد في فك الأسد لتوصل إليه.
    بتأميله يغني الفتى قبل نيلهِ ... وبالذعر من قبل المهند ينقدَّ
    يقول إذا أمله الفتى صار غنيا قبل أن يأخذ عطاياه ومعنى غناه أنه ينفق ما يملكه ثقة بالخلف من عنده إذ كان يأمل عطاءه فيعيش عيش الأغنياء وإذا خافه تقطع خوفا منه قبل ان يقتله بسيفه.
    وسيفي لأنت السيف لا ما تسله ... لضربٍ ومما السيف منه لك الغمدُ
    اقسم بسيفه تعظيما له على أن السيف في الحقيقة الممدوح لا ما يسله ليضرب به لأنه أمضى منه في الأمور ولأن مضاء السيف بفعله ثم قال وغمدك من الحديد الذي منه السيف يعني درعه والمعنى إذا لبست الدرع كنت فيه كالسيف وكان لك كالغمد.
    ورمحي لأنت الرمح لا ما تبله ... نجيعا ولولا القدح لم يثقب الزندُ
    أي لولا أنت لم يمض الرمح كما أنه لولا القدح لم يضيء الزند لأن النار إنما تستخرج بالقدح والعرب قد تقسم بالسيف والرمح كما روي عن هجرس بن كليب أنه قال أما وسيفي وغراريه ورمحي وزجيه وفرسي وأذنيه لا يترك الرجل قاتل أبيه ينظر إليه ثم حمل إليه فقتله ورواء الأستاذ أبو بكر يثقب أي يضيء يقال ثقبت النار تثقب ثقوبا إذا اضاءت وغيره يرويه لم يثقب الزند وهو أجود لأن الثقوب لازم والإثقاب متعدٍ والثقوب فعل النار والاثقاب فعل الزند.
    من القاسمين الشكر بيني وبينهم ... لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا
    يقول هو من الآباء القاسمين ومن قال من الرجال القاسمين أثبت للممدوح أمثالا يفعلون فعله والمعنى أنهم يشكرونني على الأخذ والقبول كما اشكرهم على الانعام لانهم يبرون بأن يبروا فيوخذ برهم ويقال أسدى إليه إذا أنعم عليه يقول ينعم عليهم بإنعامهم كما قال زهير، كأنك تعطيه الذي أنت سائله،
    فشكري لهم شكران شكرٌ على الندى ... وشكر على الشكر الذي وهبوا بعدُ
    جعل الشكر الذي شكروه على أخذ نوالهم هبةً ثانية منهم له ولفظ الهبة في الشكر ههنا متسحسن وزيادة في المعنى والصنعة ومثله الخريمي، كان عليه الشكر في كل نعمةٍ، يقلدنيها باديا ويعيدها، ومثله لأبي الطيب، إذا سألوا شكرتهم عليه،
    صيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصها في قلب خائفهم تعدوا
    صيام واقفة من قولهم صام الفرس إذا وقف يقول خيلهم قائمة عندهم وهي كأنها تعدو في قلوب اعدائهم لشدة خوفهم والمعنى أنهم مخوفون وإن لم يقصدوا أحدا
    وأنفسهم مبذولة لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفدُ
    أي أنهم غير مجوبين عمن يقصدهم من الوفود واموالهم ترد على من لم يأتهم لأنهم يبعثونها إليهم.
    كأن عطيات الحسين عساكر ... ففيها العبدي والمطهمة الجردُ
    العبدي مما يجمع عليه العبد يقول أن فيما يعطيه عبيدا وخيلا حسانا فكان عطاءه عساكر
    أرى القمر ابن الشمس قد لبس العلي ... رويدك حتى يلبس الشعر الخد
    جعله قمرا وأباه شمسا يريد رفعتهما وشهرتهما يقول قد لبس العلي ثوبا ثم قال له تلبث وتمهل حتى تبلغ الرجولية.
    وغال فضول الدرع من جنباتها ... على بدنٍ قد القناة له قدُّ
    غالها أي ذهب بها أي رفعها من الأرض يقول قد استوفى بقده طول الدرع من جميع جوانبها وفيه اشارة إلى أنه طويل القامة وليس بأقعس ولا أحدب لأنهما لا يرفعانها من جميع الجوانب.
    وباشر ابكار المكارم أمرداً ... وكان ندا آباؤه وهم مرد
    يقول استعمل المكارم وتخلق بها في حال مرودته وكذلك آباؤه كانوا يفعلون ذلك قبل التحائهم.
    مدحت أباه قبله فشفى يدي ... من العدم من تشفى به الأعين الرمدُ
    جعل العدم كالداء الذي يطلب منه الشفاء وجعلال الممدوح يشفي الأعين الرمد بحسنه وجماله كما قال ابن الرومي، يا رمد العين قم قبالته، فداو باللحظ نحوه رمدك،
    حباني بأثمان السوابق دونها ... مخافة سيري أنها للنوى جندُ
    أي اعطاني الدراهم والدنانير التي تكون اثمان الخيل السوابق ولم يعطني الخيل مخافة أن أسير عليها فافارقه لأن الخيل بجريها تعين الرجل على السفر والبعد فهي من اسباب الفراق وأعوانه.
    وشهوة عود إن جود يمينه ... ثناء ثناءٌ والجواد بها فردُ
    شهوة معطوفة على مخافة أي وشهوة معاودةٍ منه للبر أي إشتهى أن يعود لي في العطاء لن جوده مثنى وإن كان هو فرداً لا نظير له والضمير في بهاء للأثمان أو لقوله ثناء ثناءٌ لأنها جملة.
    فلا زلت ألقي الحاسدين بمثلها ... وفي يدهم غيظ وفي يدي الرفدُ
    بمثلها بمثل عطاياه وهي مذكورة في قوله ثناء ثناءٌ واوقع الواحد موقع الجمع في قوله وفي يدهم غيظ.
    وعندي قباطي الهمام وماله ... وعندهم مما ظفرت به الجحدُ
    القباطي ثياب بيض تحمل من مصر واحدها قبطية ومنه قول زهير، كما دنس القبطية الودك، قوله وعندهم مما ظفرت به الجحد قال ابن جنى هذا دعاء عليهم بأن لا يزرقوا شيئا حتى إذا قيل لهم هل عندكم خير أو بر من هذا الممدوح قالوا لا فذلك هو الجحد وليس كما قال بل هذا تمحل والمعنى أنهم يجحدون وينكرون ما أعطانيه يقولون لم يعطه ولم ينل جميع ما يدعى أي فلا زال الأمر على هذا آخذ وهم يقولون لم يأخذ.
    يرومون شأوى في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى في ما خلا المنطق القردُ
    يقول هؤلاء المتشاعرون يتكلفون أن يبلغوا غايتي في الشعر فلا يقدرون كالقرد الذي يحكي ابن آدم في أفعاله ما خلا المنطق فإنه لا يقدر أن يحكيه في ذلك كذلك هؤلاء هم قرود لا يمكنهم أن يتكلموا بمثل كلامي.
    فهم في جموع لا يراها ابن دأيةٍ ... وهم في ضجيجٍ لا يحس به الخلد
    ابن دأية هو الغراب يقع على دأية البعير الدبر فينقرها ومنه قول الشاعر، إن ابن دأيةَ بالفراق لمولعٌ، وبما كرهت لدائمُ التنعاب، والعرب تصفه بحدة النظر والخلد جنس من الفار أعمى موصوف بحدة السمع يقول جموعهم قليلة لا يبصرها الغراب مع حدة بصره ولا يسمعها الفار مع حدة سمعه يعني أنهم لقلتهم وحقارتهم كلا شيءٍ.
    ومني استفاد الناس كل غريبةٍ ... فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمدُ
    قال ابن جنى قوله فجاوزاو كما تقول هذا الدرهم يجوز على خبث نقده أي يتسمح به أي فغايتهم أن لايذموا فأما أن يحمدوا فلا قال أبو الفضل العروضي قضيت العجب ممن يخفى عليه هذا ثم يدعي أنه أحكم سماع تفسير شعره منه وإنما يقول الناس مني استفادوا كل شعرٍ غريبٍ وكلامٍ بارعٍ ثم رجع إلى الخطاب فقال فجازوني على فوائدي بترك الذم إن لم تحمدوني عليها قال ابن فورجة كذا يتحمل للمحال من كل محفاره عن انباط الصحيح وما يصنع بهذا البيت على حسنه وكونه مثلا سائرا إذا كان تفسيره ما قد زعم ولقد تعجبت من مثل فضله أن سقط به على مثل هذه الرذيلة وإنما قوله فجازوا أمر من المجازاة يقول مني استفدتم كل غريبة فإن لم تحمدوني عليها فجازوني بترك المذمة.
    وجدت عليا وابنه خير قومهِ ... وهم خير قومٍ واستوى الحر والعبدُ
    عليٌّ أبو الممدوح وابنه الحسين يقول هما خير قوم عليّ الذي ينتسب إليهم وهم خير قوم من الناس ثم بعد هؤلاء يستوي الأحرار والعبيد فلا يكون لأحد على غيره فضل وهذا كقول أبي تمام، متواطئو عقبيك في طلب العلا، والمجد ثمت تستوي الأقدام، وكقول البحتري، جزت العلي سبقا وصلى ثانيا، ثم استوت من بعده الأقدام، وكرر أبو الطيب هذا المعنى فقال، حتى يشار إليك ذا مولاهم، البيت.
    وأصبح شعري منهما في مكانهِ ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ
    أي في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه لأنهما أهل أن يمدحا به فزاد حسنه كما أن العقد إذا حصل في عنق الحسناء ازاداد حسنه وهذا كقوله أيضا، وقد أطال ثناءي طول لابسه، إن الثناء على التنبال تنبالُ.
    وقال يمدح أبا محمد الحسن بن عبد الله بن طغج.
    أنا لائمي إن كنتُ وقت اللوائمِ ... علمت بما بي بين تلك المعالمِ
    يعني بالمعالم ديار الاحبة وهي حيث ظهرت علامات النازلين به من آثار النار والدواب والخيام وحين وقف عليها اصابه من الدهش والوجد لفرقتهم ما اذهب عقله حتى لم يشعر بما يجري عليه من الجزع والبكاء يقول إن كنت حين تلومني اللوائم على فرط جزعي علمت ما بي وما الذي دهاني هناك فأنا لائمي أي قد لمت نفسي في قصور محبتي لأن ثبات علمي وعقلي معي في ديارهم بعد ارتحالهم دليل على أن هواي قاصر ويجوز أن يكون المعنى أنا لائمي في الخسر والنقصان أو في السلوان إن علمت ما يجري عليّ وهذا اختيار ابن جنى لأنه قال هذا كقولك أنا مثلكإن فعلت كذا قال ونظيره قوله، عيون رواحلي إن حرتُ عيني، وكل بغام رازحةٍ بغامي.
    ولكنني مما شدهت متيمٌ ... كسالٍ وقلبي بائح مثل كاتمِ
    شده الرجل فهو مشدوه إذا تحير والمعنى ولكنني متيم كسالٍ مما ذهلت أي افرط ذهولي حتى كأني ذهلت عن الهوى فصرت كالسالي وقلبي بائح يبوح بما فيه من الوجد وهو مع ذلك كالكاتم لأنه لم يقصد البوح.
    وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن من أذوادنا في القوائم
    أي أطلنا الوقوف هناك فكان ما في قلوبنا من الحيرة والوجد كان في قوائم إبلنا لأنها وقفت فلم تبرح.
    ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت استشفي بلثم المناسمِ
    المنسم للخف بمنزلة السنبك للحافر يقول الثم مناسم أبلى اطلب بذلك شفاء ما بي لأنها وطئت تراب منازلهم.
    ديار اللواتي دارهن عزيزةٌ ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائمِ
    أي ديارهن منيعةٌ لا يتوصل إليها وهن يحفظن بالرماح لا بالتعاويذ.
    حسان التثني ينقش الوشى مثله ... إذا مسن في اجسامهن النواعمِ
    أي لنعمة جلودهن يؤثر الوشي فيها مثل نقوشه إذا مشين متبختراتٍ كما قال السريّ، رقت عن الوشي نعمة فإذا، صافح منها الجسوم وشاها،
    ويبسمن عن جر تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسمِ
    يريد أن ثغورهن في الصفاء وحسن النظم كالدر الذي تقلدنه فكان تراقيهن حليت بثورهن.
    فما لي وللدنيا طلابي نجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم
    لم يقل أحد في تفسير هذا البيت ما يعتمج أو يساوي الحكاية لأن جميع ما قيل في هذا البيت من المعنى لا يوافقه اللفظ والذي عندي فيه أنه يشكو الدنيا يقول ما لي ولها اطلب معاليها وأنا مرتبك في نوائبها وخطوبها يعني أن الدنيا عكست عليه الأمر هو يطلب المعالي بنجوم الدنيا عما فيها من الشرف والذكر وبشدوق الأراقم عن الخطوب المهلكة والنوائب المفظعة وهذا ظاهر صحيح بحمد الله تعالى.
    من الحلم أن تستعمل الجهل دونهُ ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالمِ
    أي إذا كان حلمك داعيا إلى ظلمك فإن من الحلم أن تجهل والمظالم جمع المظلمة وهي الظلم.
    وأن ترد الماء الذي شطره دمٌ ... فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحمِ
    أي الماء الذي كثر القتل عليه حتى امتزج بدم المقتولين عليه والمعنى أن تزاحم على الأمر المتنافس فيه
    ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحمِ
    فليس بمرحومٍ إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثمِ
    إذا صلتُ لم أترك مصالا لفاتكٍ ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالمِ
    يريد أنه في غاية الشجاعة والعمل وإذا صال كفى غيره الصول وإن قال كفى غيره القول.
    وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائمِ
    أي أن كنت كاذبا فيما قلت فلا وفت لي القوافي حتى أعجز عن نظمها وضعفت عزيمتي في قصد الممدوح حتى يعوقني عنه ضعف عزمي يعني أنه إذا قعد عنه ولم يأته لم يصل إلى المطلوب.
    عن المقتني بذل التلاد تلاده ... ومجتنب البخل اجتناب المحارمِ
    أي عن الذي يدخر البذل مالا فيقوم بذل ماله مقام ما يقتنيه يعني أنه يلازم البذل ملازمة المال المقتنى.
    تمنى أعاديه محل عفاته ... وتحسد كفيه ثقال الغمائمِ
    يعني أن عفاته يغيرون على أمواله وهذا اقصى ما يتمناه اعاديه ويجوز أن يريد أن عفاته في أمان من نوائب الزمان وتمنى العداة هذا والغمام الثقيل بالماء يحسد كفه لأنها اندى منه.
    ولا يتلقى الحرب إلا بمهجةٍ ... معظمةٍ مذخورةٍ للعظائمِ
    أي لا يستقبل الحرب إلا بمجة مرفوعة عن الدنايا لا تسف لأمرٍ دني وهي مدخرةٌ لكفاية الأمور العظيمة التي لا تكفي إلا بمثله ومهجته نفسه لأن نفسه لا تقوم دونها.
    وذي لجبٍ لا ذو الجناح أمامه ... بناجٍ ولا الوحش المثار بسالمِ
    يعني وبجيش ذي لجب قال ابن جنى يقول الجيش يصيد الوحش والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه قال ابن فورجة صيد الطير بالنبل والسهام مستمرٌّ معتادٌ فلم ينسبه إلى العقبان ولا مدح في ذلك من فعلها فإنها تصيد الطير وإن لم تصحب جيش الممدوح قال والمعنى عندي أن هذا الجيش جيش الملوك تصحبه الفهود والبزاة والكلاب فلا الطائر يسلم منه ولا الوحش قال ونكت بقوله المثار فإن الجيش الكثير يثير ما كمن من الوحوش لأجل ذلك قال مالك بن الريث، بجيشٍ لهامٍ يشغل الأرض جمعه، على الطير حتى ما يجدن منازلا،
    تمر عليه الشمس وهي ضعيفةٌ ... تطالعه من بين ريش القشاعمِ
    ضعيفة بالعقبان أو بالغبار أو بضوء الأسلحة ولا يقع ضوءها عليه إلا من خلال رئيس النسور وهو قوله
    إذا ضوءها لاقى من الطير فرجةً ... تدور فوق البيضِ مثل الدراهمِ
    شبه ما يتساقط من الضوء في فرج أجنحة الطير بالدراهم وشبهه في موضعٍ آخر بالدنانير وهو قوله، وألقى الشرق منها في ثيابي، دنانيرا تفر من البنانِ،
    ويخفى عليك الرعد والبرق فوقه ... من اللمع في حافاتهِ والهماهمِ
    أي لكثرة ما في ذلك الجيش من بريق الأسلحة ولمعانها يخفى عليك البرق فلا تعرفه فكذلك الرعد لكثرة ما فيه من الأصوات.
    أرى دون ما بين الفرات وبرقةٍ ... ضربا يمشي الخيل فوق الجماجمِ
    يقول أرى في هذا الموضع مضاربةً بالسيف يكثر فيها قطع الرؤوس حتى تطأها الخيل فتمشي فوق الجماجم
    وطعن غطاريفٍ كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصمِ
    الغطريف السيد الكريم يقول أنهم لحذقهم بالطعان كأنهم عرفوا الرماح قبل ما تشد على سواعدهم في طفولتهم.
    حمته على الأعداء من كل جانبٍ ... سيوف بني طغج بن جفِّ القماقمِ

    أي جعلت سيوفهم هذا المكاان حمًى على الأعداء فلا يحومون حوله وترك صرف طغج وجف وذلك يجوز عند الكوفيين وعند البصريين إذا سمي باعجميٍّ ثلاثيٍّ انصرف نحو هودٍ ولوط ونوح والأجود أن يكسرهما جميعا ويحذف التنوين منهما لالتقاء الساكنين كما يقال حاتم الطاءي وهاب المئي وهو كثير في الشعر والكلام ومنه قراءةً من قرأ عزير بن الله بغير تنوين وهذا احسن من تلك الصرف فيهما وهو طغج بضم الغين ولكنه غير لأن العرب إذا نطقت بالأعجمية اجترأت على تغييرها كيف شاءت.
    هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم
    يريد أنهم يكرون في الحرب على اعدائهم كذلك يعودون في المكارم فيضعفونها ولا يقصرون في الأمرين على مرة واحدة.
    وهم يحسنون العفو عن كل مذنبٍ ... ويحتملون الغرم عن كل غارمِ
    حييون إلا أنهم في نزالهم ... أقل حياء من شفار الصوارمِ
    يعني أنهم لا حياء عندهم في الحرب فهم فيها صفاق الوجوه لا يلينون لأقرانهم.
    ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودةٌ في البهائم
    سرى النوم عني في سراي إلى الذي ... صنائعه تسري إلى كل نائم
    إلى مطلق الأسرى ومختوم العدي ... ومشكى ذوي الشكوى ورغم المراغم
    يعني أنه يمكن على الاسرى فيطلقهم من الإسار ويختطف الأعداء في الحرب بسيوفه واسنته ويزيل شكوى ذويها بالإحسان إليهم.
    كريم نفضت الناس لما بلغته ... كأنهم ما جف من زاد قادمِ
    يقول نفضت الناس لما بلغته نفض القادم حثالة زاده لاستغنائه عنها بعد القدوم وكذلك انا استغنيت به عن غيره.
    وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركهِ في عمري المتقادمِ
    وفارقت شر الأرض أهلا وتربةً ... بها علويٌّ جده غير هاشمِ
    بلى الله حساد الأمير بحلمه ... وأجلسه منهم مكان العمائمِ
    يقول ابتلاهم الله بحلمه حتى لا يقتلهم ورفعه فوقهم حتى يكون منهم مكان عمائمهم ثم ذكر تمام المعنى فقال:
    فإن لهم في سرعة الموت راحةً ... وإن لهم في العيش حز الغلاصمِ
    كأنك ما جاودت من بان جوده ... عليك ولا قاتلت من لم تقاومِ
    هذا تعريض بالذين يبارون الممدوح في الجود والشجاعة من حساده يقول أيها الإنسان الذي تباريه في الجود ويظهر عليك جوده كأنك ما جاودته لأن الفضل والغلبة له عليك وكأنك لم تقاتل من لم تقاومه في الحرب لأن من غلبك في الحرب لم ينفعك محاربتك إياه والمعنى أن مفاخرتهم إياه لا تنفعهم إذا كانت الغلبة له.
    وسأله أبو محمد الشرب فامتنع فقال له بحقي عليك
    سقاني الخمر قولك لي بحقي ... وود لم تشبه لي بمذق
    يميناً لو حلفت وأنت تأتي ... على قتلي بها لضربت عنقي
    وروى ابن جنى وأنت ناء أي وإن كنت بعيداً وحلفت حلفا تريد به قتلي لفعلت ذلك ثم أخذ الكاس وقال
    حييت من قسمٍ وأفدى المقسما ... أمسى الأنام له مجلا معظما
    وإذا طلبت رضا الأمير بشربها ... وأخذتها فلقد تركت الأحرما
    يقول شربها حرام وعصيانك حرام وأنا تركت عصيانك فإنه احرم من شرب الخمر وغنى مغنٍّ فقال يخاطب أبا محمد
    ما ذا يقول الذي يغني ... يا خير من تحت ذي السماء
    شغلت قلبي بلحظ عيني ... إليك عن حسن ذا الغناءِ
    وعرض عليه سيفا فاشار به إلى بعض من حضر فقال
    أرى مرهفا مدهش الصيقلين ... وبابة كلِّ غلامٍ عتا
    يريد سيفا رققت شفرتاه يدهش الصيقل لجوهره وهو آلة كل طاغٍ عاتٍ
    أتأذن لي ولك السابقاتُ ... أجربه لك في ذا الفتى
    عبدالله عمر

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    يريد ولك الأيادي السابقة وأراد الأنصراف فقال
    يقاتلني عليك الليل جدا ... ومنصرفي له أمضى السلاحِ
    الليل يقول انصرف وهو يميل إلى الأمير وإلى مجلسه ويعصيه فقد حصل التنازع فجعل ذلك قتالا ثم قال وإذا انصرفت فقد اعنته على نفسي ويجوز أن يكون المعنى إن الليل برده ندماءه وتفريقه جلساءه يتوسل إلى الخلو به فانصرافي امضى سلاح له واعون على مراده
    لأني كلما فارقت طرفي ... بعيد بين جفني والصباح
    هذا البيت تعليل لقوله ومنصرفي له أمضى السلاح لاني كلما لم أرك طال ليلى فيعد ما بين جفني والصباح لسهري شوقا إلى لقائك ولو قال بين عيني والصباح كان اظهر لأن الصبح إنما يرى بالعين لا بالجفن واخرج بين عن الظرفية ورفعه بفعله وهو معنى بعيد ومثله قول الآخر، كان رماحهم أشطان بئرٍ، بعيدٌ بين جانبها جرورِ.
    وسايره وهو لا يدري أين يريد به فلما دخل كفرديس قال
    وزيارةٍ عن غير موعد ... كالغمض في الجفن المسهد
    أي اتفقت لنا زيارة هذه القرية بغتةً فكانت لطيبها كالنوم في الجفن الساهد
    معجت بنا فيها الجيا ... د مع الأمير أبي محمد
    المعج ضرب من السير لين سهل يقال معجت الإبل والريح إذا هبت هبوبا لينا ومنه قول الشاعر، يصل الشد بشدٍ فإذا، ونت الخيل من الشد معج،
    حتى دخلنا جنةً ... لو أن ساكنها مخلد
    خضراء حمراء الترا ... ب كأنها في خد أغيد
    شبه خضرة نباتها على حمرة ترابها بخضرة الشارب على الخد والمورد والغيد لا ينبيءُ عن الحمرة لكنه أراد أغيد مورد الخد حين شبه الخضرة على الحمرة بما في خده كما قال، كأن أيديهن بالموماة، أيدي جوار بتن ناعمات، يريد أن أيدي الإبل قد انخضبت من الدم كما أن أيدي الجواري الناعمات حمر بالخضاب وليست النعمة من الخضاب في شيء.
    أحببت تشبيها لها ... فوجدته ما ليس يوجد
    أي أردت أن أشبهها بشيء فوجدت تشبيها معدوما ويجوز أن يريد بالتشبيه المفعول وهو المشبه به يقول اردت مشبها لها فكان مستحيل الوجود فإن قيل هذا يناقض ما قبله لأنه ذكر التشبيه قلنا ذلك تشبيه جزءي لأنه ذكر خضرة النبات على حمرة التراب في التشبيه وأراد في هذا البيت تشبيه الجملة فلم يتعارضا
    وإذا رجعت إلى الحقا ... ئق فهي واحدة لأوحد
    أي هي واحدة في الحسن لأوحد في المجد.
    وقال فيه أيضاً
    ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍ ... وفي لي بأهليه وزاد كثيرا
    يريد أن وقتي عند يفي بجميع الزمان كما أن الممدوح يفي بكل إنسان.
    شربت على استحسان ضوء جبينهِ ... وزهر ترى للماء فيه خريرا
    غدا الناس مثليهم به لا عدمته ... وأصبح دهري في ذراه دهورا
    أي هو عالم مثل الناس كلهم فالناس به عالمون ودهره عظيم القدر به فقد صار به الدهر دهورا.
    وقال يصف مجلسين له متقابلين على مثال ربربين قد شدا بقلس
    المجلسان على التمييز بينهما ... مقابلان ولكن أحسنا الأدبا
    يقول هما وإن ميز بينهما مقابلان وكل واحد منهما قد احسن الأدب ثم ذكر ذلك الأدب فقال.
    إذا صعدت إلى ذا مال ذا رهباً ... وإن صعدت إلى ذا مال ذا رهبا
    يقول إذا صعدت إلى احدهما فجلست فيه مال الآخر هيبةً لك حين هجرته.
    فلم يهابك ما لا حس يردعه ... أني لأبصر من فعليهما عجبا
    واقبل الليل وهما في بستان فقال:
    زال النهار ونور منك يوهمنا ... أن لم يزل ولجنح الليل إجنانُ
    أي إذا ابصرنا نور وهجك ظننا أن النهار باقٍ لم يزل مع أن الليل قد اظلم.
    وإن يكن طلب البستان يمسكنا ... فرح فكل مكانٍ مكن بستانُ
    يقول إن كان يسمكنا في هذا البستان طلب البستان لتكون فيه فسر منه فكل مكان كنت فيه فهو بستان.
    وكره الشرب فلما كثر البخور وارتفعت رائحة الند بمجلسه قال:
    أنشر الكباء ووجه الأمير ... وحسن الغناء وصافي الخمورِ
    النشر الرائحة الطيبة والكباء العود الذي يتبخر به وخبر المبتداء محذوف للعلم به كأنه قال اتجتمع هذه الاشياء لأحد كما اجتمعت لي.
    فداو خماري بشربي لها ... فإني سكرت بشربِ السرورِ
    أي أنا سكران بالسرور حين اجتمع لي ما ذكرته فداوِ خماري بشرب الخمر أي إنما أريد شرب الخمر لأنفى الخمار لا للسكر فإني سكران من السرور.
    ولما انصرف ن البستان نظر الى السحاب فقال:
    تعرض لي السحاب وقد قفلنا ... فقلت إليك إن معي السحابا
    فشم في القبة الملك المرجى ... فأمسك بعد ما عزم انسكابا
    وأشار إليه طاهر العلويّ بمسك وأبو محمد حاضر فقال
    الطيب مما غنيت عنه ... كفى بقرب الأمير طيبا
    يبني به ربنا المعالي ... كما بكم يغفر الذنوبا
    وجعل أبو محمد يضرب البخر بكمه ويسوقه إليه فقال
    يا أكرم الناس في الفعال ... وأفصح الناس في المقالِ
    إن قلت في ذا البخور سوقا ... فهكذا قلت في النوالِ
    قلت ههنا بمعنى اشرت قال بكمه أي اشار وقال برأسه نعم أي أشار والمعنى إن اشرت في البخور تسوقه إليّ سوقا فهكذا قلت وفعلت في العطاء وحدث أبو محمد عن مسيرهم بالليل لكبس بادية وإن المطر قد اصابهم فقال
    غير مستنكرٍ لك الإقدامُ ... فلمن ذا الحديث والإعلامُ
    قد علمنا من قبل أنك من لا ... يمنع الليل همه والغمامُ
    وقال أيضا وهو عند طاهر العلويّ
    قد بلغت الذي أردت من الب ... ر ومن حق ذا الشريف عليكا
    وإذا لم تسر إلى الدار في وقت ... ك ذا خفت أن تسير إليكا
    وهمّ بالنهوض فأقعده فقال
    يا من رأيت الحليم وغدا ... به وحر الملوك عبدا
    مال على الشراب جدا ... وأنت للمكرمات أهدا
    فإن تفضلت بانصرافي ... عددته من لديك رفدا
    أي المتنبي لا ينصرف ما لم يصرف فتفضله بالصرف في تفضل بالإنصراف وذكر أبومحمد أن أباه استخفى مرى فعرفه يهودي فقال
    لا تلومن اليهوديَّ على ... أن يرى الشمس فلا ينكرها
    إنما اللوم على حاسبها ... ظلمة من بعد ما يبصرها
    وسئل عما اترجل من الشعر فاعاده فتعجبوا من حفظه فقال
    إنما أحفظ المديح بعيني ... لا بلقبي لما أرى في الأميرِ
    يقول لا احتاج إلى حفظه بالقلب لأني اشاهد بالعين ما امدحه به وهو قوله
    من خصالٍ إذا نظرت إليها ... نظمت لي غرائب المنثورِ
    يقول عيني تنظم فضائلك لإدراكها إياها عينا لا قلبي.
    قال وقد حدث جليس له لأبي محمد بن عبيد الله عن قتلى هاله أمرهم ومنظرهم
    أباعث كل مكرمةٍ طموحِ ... وفارس كل سلهبةٍ سبوحِ
    يريد أنه يحيى كل مكرمةٍ ممتنعة على غيره وإنه لا يركب إلا كل فرسٍ طويلة تسبح في جريها
    وطاعن كل نجلاء غموسٍ ... وعاصى كل عذالٍ نصيحِ
    يريد وطاعن كل طعنةٍ واسعة تغمس صاحبها المطعون في الدم وعاصي كل من يعذلك في الجود والشجاعة
    سقاني الله قبل الموت يوما ... دم الأعداء من جوف الجروحِ
    وأطلق الباشق على سماناةٍ فأخذها فقال
    أمن كل شيء بلغت المرادا ... وفي كل شأوٍ شأوت العبادا
    فما ذا تركت لمن لم يسد ... وما ذا تركت لمن كان سادا
    أي لم يبق شيئا من أسباب السيادة إلا وقد جمعتها فلم تترك منها شيئا يختص به من لم يسد أو ساد من قبل
    كأن السماني إذا ما رأتك ... تصيدها تشتهي أن تصادا
    أي لتفخر بقربك والسماني يكون واحدا وجمعا كالحبارى.
    واجتاز أبو محمد ببعض الجبال فأثار الغلمان خشفا فالتقفته الكلاب فقال أبو الطيب
    وشامخ من الجبال أقود ... فرد كيافوخ البعير الأصيد
    الشامخ العالي والأقود المنقاد طولا يريد أن هذا الجبل يمتد في الهواء وفيه إعوجاج فشبهه بيافوخ البعير الاصيد لعلوه واعوجاجه والاصيد البعير الذي في عنقه اعوجاج من دائه
    يسار من مضيقه والجلمد ... في مثله متن المسد المعقد
    أي يسار من هذا الجبل في طريق ضيق يلتوي عليه كأنه ما بين قوى المسد في التوائه واعوجاجه
    زرناه للأمر الذي لم يعهد ... للصيد والنزهة والتمرد
    قال ابن جنى إنما قال لم يعهد لان الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب قال ابن فورجة يريد انه لم يعهد لهوه وروايتي بفتح الياء يعني ان الشامخ لم يعهد الصيد فيه لعلوه وارتفاعه ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير ألا ترى انه وصفه بالارتفاع ووعورة الطريق هذا كلامه ويجوز على رواية من ضم الياء ان الصيد لم يعهد بهذا الجبل فيكون المعنى كما ذكر ابن فورجة والتمرد طغيان النشاط
    بكل مسقى الدماء أسودِ ... معاودٍ مقودٍ مقلد
    أي بكل كلب يسقى دم ما يصيده أسود في لونه معاودٍ يعاود الصيد ويتكرر عليه مقودٍ جعل له مقود يقاد به إلى الصيد مقلد من القلادة
    بكل ناب ذرب محدد ... على حفافي حنكك كالمبرد
    أي معاود للصيد بكل ناب ذرب أي حاد والحفافان الجاذبان وشبه حنكه بالمبرد للطرائق التي فيه
    كطالب الثار وإن لم يحقد ... يقتل ما يقتله ولا يدى
    أي كأنه يطلب نارا من الصيد وان لم يكن له عليه حقد
    ينشد من ذا الخشف ما لم يفقد ... فثار من أخضر ممطور ندى
    كأنه بدؤ عذار الأمردِ
    قال ابن جنى يطلب من هذه الخشف ما لم يفقده فوضع الخشف مكان الخشفين وهذا باطل ومن لبيان الموصول وانبعث الخشف من مكان اخضر وشبهه في خضرته بشعر أول ما بدأ في خد امرد
    فلم يكد إلا لحتفٍ يهتدي ... ولم يقع إلا على بطن يدِ
    أي كأنه محير لا يهتدي إلا لحتفه وكأنه يطلب حتفه لسرعته إليه ولم يقع إلا على بطن يد الكلب فحصل فيه ويجوز أن يكون المعنى أنه لما يئس من الفوت مد يديه لاطئا بالأرض
    ولم يدع للشاعر المجودِ ... وصفاً له عند الأمير الأمجدِ
    أي لم يدع الكلب وصفا له يصفه به الشاعر لأنه لو اجتهد في وصفه لم يمكنه أن يأتي بشيء أكثر مما فعله الكلب من سرعة العدو والتفافه الصيد والضمير في له للشاعر وابن جنى يحمل هذا على الخشف ولا معنى لذلك.
    الملك القرم أبي محمدِ ... القانص الأبطال بالمهندِ
    ذي النعم الغر البوادي العودِ ... إذا أردت عدها لم أعدد
    أي النعم التي تظهر فتبدوا ثم تعود ولا تكون مرة واحدة
    وإن ذكرت فضله لم ينفد
    واستحسن عين بازٍ في مجلسه فقال
    أيا ما أحيسنها مقلةً ... ولولا الملاحة لم أعجبِ
    صغر فعل التعجب لإلحاقه بالأسماء إذ عدم تصرفه ومعنى التحقير ههنا المبالغة في استحسانها
    خلوقية في خلوقيها ... سويداء من عنب الثعلبِ
    يجوز الرفع في خلوقية على تقدير هذه المقلة خلوقية في لونها الخلوقي حبة سوداء من عنب الثعلب يريد لون مقلتها وما فيها من السواد
    إذا نظر الباز في عطفه ... كسته شعاعا على المنكب
    أي لبريق عينه إذا نظر إلى جانبه كسته حدقته شعاعا على منكبه.
    وعاتبه على تركه مدحه فقال
    ترك مديحك كالهجاء لنفسي ... وقليل لكل المديح الكثيرُ
    غير أني تركت مقتضب الشع ... رِ لأمرٍ مثلي به معذور
    المقتضب ههنا مصدر بمعنى الاقتضاب وهو الاقتطاع ويستعمل ذلك فيما يقال بديها يقال اقتضب كلاما وشعرا إذا أتى به على البديهة كانه اقتطع غصنا من أغصان الشجر ولم يبين ذلك العذر الذي اعتذر به في ترك الشعر كأنه كان عذرا واضحا قد عرفه الممدوح فأهمل ذكره
    وسجاياك مادحاتك لا لف ... ظي وجودٌ على كلامي يغير
    يقول إنما يمدحك ما فيك من الأخلاق الحميدة وجود أكثر من شعري فهو لا يترك لي قولا إلا استغرقه
    فسقى الله من أحب بكفي ... ك وأسقاك أيهذا الأمير
    يقول سقى الله احبابي بكفيك فإنها سقيا نافعة كثيرة وتولى الله سقيك وجعل سقى وأسقى بمعنى واحد وقال يودعه
    ما ذا الوداع وداع المواق الكمد ... هذا الوداع وداع الروح للجسد
    إذا السحاب زفته الريح مرتفعا ... فلا عدا الرملة البيضاء من بلدِ
    زفته حركته وساقته يقال زفاه يزفيه زفيا ولا عدا لا تجاوز والرملة اسم بلد الممدوح
    ويا فراق الأمير الرحب منزله ... إن أنت فارقتنا يوما فلا تعدِ
    وقال يمدح أنا القاسم طاهر ابن الحسين بن طاهر العلوي
    أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
    قال ابن جنى معناه ردوا الكواعب والحبائب ليرجع صباحي فأبصر أمري ويرجع نومي إذا نظرت اليهن وقال ابن فورجة أي دهري ليلٌ كله ولا صباح لي إلا وجوههن وليلى سهر كله ولا رقاد لي حتى أراهن
    فإن نهاري ليلةٌ مدلهمةٌ ... على مقلةٍ من فقدكم في غياهب
    مدلهمة شديدة السواد والغياهب جمع غيهب وهو شدة الظلمة وإنما جعل النهار ليلا اشارةً إلى أنه لا يهتدي إلى شيء من مصالحه وقد عمى لحيرته أو إلى أن جفونا فتحت على وجوههن محتومة لا تفتح على غيرها وإذا انطبقت الجفون فالنهار ليل كقوله، فلو أني استطعت ختمت طرفي، فلم أبصر به حتى أراكا، قال ابن جنى أي لما غبتم لم أبصر بعدكم شيئا أي بكيت حتى عميت
    بعيدة ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالي كل هدبٍ بحاجبِ

    أن حملنا قوله كل هذب على العموم فالحاجب ههنا بمعنى المانع لأنا لو حملنا الحاجب على المعهود كان مغمضا لأن هدب الجفن الأسفل إذا عقد بالحادب حصل التغميص فإذا جعلنا الحاجب بمعنى المانع صح الكلام وإن جعلنا الحاجب المعهود حملنا قوله كل هدب على التخصيص وإن كان اللفظ عاما فنقول أراد هدب الجفن الأعلى وهذا مثل قول الطرمي في رطاناته، ورأسي مرفوع إلى النجمِ كأنما، قفاي إلى صلبي بخيطٍ مخيط، وهذا من قول بشار، جفت عيني عن التغميض حتى، كأن جفونها عنها قصار،
    وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقته والدهر أخبث صاحب
    يريد أن الدهر يخالفه في كل ما أراد حتى لو أحب فراقهم لواصلوه وكان من حقه أن يقول لفارقني لأن قوله لفارقته فعل نفسه وهو يشكو الدهر ولا يشكو فعل نفسه ولكنه قلبه لأن من فارقك فقد فارقته فهذا من باب القلب وإنما قال اخبث صاحب وكان من حقه إن يقول اخبث الأصحاب لأنه أراد أخبث من يصحب وما كان اسم فاعلٍ في مثل هذا يجوز فيه الإفراد والجمع قال الله تعالى ولا تكونوا أول من يكفر به وأنشد الفراء، وإذا هم طعموا فألام طاعمٍ، وإذا هم جاعوا فشر جياعِ، فأتى بالأمرين جميعا وأشار أبو الطيب إلى أن من أهواه ينأى عني ومن أبغضه يقرب مني لسوء صحبة الدهر أياي كما قال لطف الله بن المعافى، أرى ما أشتهيه يفر مني، وما لا أشتهيه إليّ يأتي، ومن أهواه يبغضني عنادا، ومن أشناه يشبث في لهاتي، كأن الدهر يطلبني بثارٍ، فليس يسره إلا وفاتي،
    فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
    ليتهم وأصلوني مواصلة المصائب وليتها بعدت عني بعدهم كما قال أيضا، ليت الحبيب الهاجري هجر الكرى، من غير جرمٍ واصلي صلة الضنا،
    أراك ظننت السلك جسمي فعقتهِ ... عليك بدرٍ عن لقاء الترائب
    أراد بالسلك الخيط الذي ينظم فيه الدر وفي البيت تقديم وتأخير لأن المعنى فعقته بدر عليك يقول لعلك حسبت السلك في دقته جسمي فمنعته عن مباشرة ترائبك بأن سلكته في الدر يشكو مخالفتها إياه وزهدها في وصاله والمعنى ميلك إلى مشاقتي حملك على منافرة شكلي حتى عقت السلك عن مس ترائبك بالدر لمشابهته أياي في الدقة
    ولو قلم القيت في شقِّ رأسهِ ... من السقمِ ما غيرتُ في خط كاتبِ
    تخوفني دون الذي أمرتْ به ... ولم تدر أن العار شر العواقبِ
    الذي أمرت به ملازمة البيت وثرك السفروالذي خوفته به الهلاك وتقدير اللفظ تخوفني بشيء دون الذي أمرت به أي تخوفني بالهلاك وهو دون ما تأمر به من ملازمة البيت لأن فيها عارا والعار شر من البوار.
    ولابد من يومٍ أغر محجلٍ ... يطول استماعي بعده للنوادبِ
    أي يوم مشهور يتيمز بشهرته عن سائر الأيام أكثر فيه قتل أعادي فاسمع بعده صياح النوادب عليهم.
    يهون على مثلي إذا رام حاجةً ... وقوع العوالي دونها والقواضب
    يقول مثلي إذا طلب حاجةً لم يبالِ أن يكون جون الوصول إليها رماح وسيوف يعني يتوصل إليها وإن كان دونها حروب وأهوال وأراد بالوقوع ههنا الحلول كما يقال هذا يقع موقعه أي يحل محله
    كثير حياة المرء مثل قليلها ... يزول وباقي عيشه مثال ذاهب
    هذا حث على الشجاعة ونهي عن الجبن أي إذا كانت الحيوة لا تبقى وإن كانت طويلة فأي معنى للجبن
    إليك فإني لست ممن إذا أتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقاربِ
    إليك كلمة تبعيد وتحذير يقول تباعدي عني فإني لست ممن إذا اتقى الهلاك صبر على الذل والهوان فجعل عض الأفاعي مثلا للهلاك لكونه قاتلا وجعل لسع العقارب مثلا للعار لأنه لا يقتل وقال ابن فورجة من بات فوق العقارب أدته كثرة لساعها إلى الهلاك كما لو نهشته الأفعى أي العار أيضا يؤدي الإنسان ذا المجد إلى الهلاك لتعيير الناس إياه بل هو اشد فإنه عذاب يتكرر والهلاك دقعةً واحدةً فجعل عض الأفاعي مثلا للهلاك ولسع العقارب مثلا للعار
    عبدالله عمر

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    أتاني وعيد الأدعياء وأنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقبِ
    يريد قوما يدعون نسب عليّ رضى الله تعالى عنه أرادوا به سوء وكفر عاقب اسم قرية بالشام
    ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم ... فهل في وحدي قولهم غير كاذبِ
    يقول لو صدقوا في الإنتساب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لجوزت صدقهم في وعيدي فكنت احذرهم لاحتمال صدقهم لكنهم كاذبون في نسبهم فقلت أنهم لا يصدقون في وعيدي خاصة وقال ابن فورجة يقول هل يجوز أن يكون قولهم في وحدي صادقا وقد علم أنهم كاذبون
    إليَّ لعمري قصدُ كل عجيبةٍ ... كأني عجيب في عيون العجائبِ
    بأي بلادٍ لم أجر ذوائبي ... وأي مكانٍ لم تطأه ركائبي
    قال ابن جنى أي لم أدع موضعا من الأرض إلا جولت فيه إما متغزلا وإما غازيا قال ابن فورجة ليس في البيت ما يدل على أنه وطئه غازيا فكيف قصره على الغزو ووجوه السفر كثيرة
    كأن رحيلي كان من كف طاهرٍ ... فأثبت كورى في ظهور المواهبِ
    أي كما أن مواهبه لم تدع موضعا إلا أتته كذلك أنا لم أدع مكانا إلا اتيته فكأني كنت امتطيت مواهبه
    فلم يبق خلق لم يردن فناءه ... وهن له شرب ورود المشاربِ
    أي لم يبق أحد لم ترد مواهبه فناءه ورود الناس المشارب والمواهب شرب للخلق أراد أنها شرب يرد الشارب فهو بخلاف العادة ومعنى وهن له شرب أي وهن ينفعنه كما ينفع الماء وارده
    فتى علمته نفسه وجدوده ... قراع الأعادي وابتذال الرغائبِ
    الابتذال مثل البذل والرغائب جمع الرغيبة وهي كل ما يرغب فيه أي أن شجاعته وجوده غريزتان موروثتان.
    فقد غيب الشهاد عن كل موطنٍ ... ورد إلى أوطانه كل غائب
    الشهاد جمع شاهد وهو الحاضر أي استحضرهم بنداه وردهم إلى أوطانهم بالغنى فاغناهم عن السفر
    كذا الفاطميون الندى في بنانهم ... أعز امحاء من خطوط الرواجبِ
    أي لا يذهب الجود عن بنانهم كما لا تنمحى خطوط رواجبهم وهي ظهور السلاميات والمعنى أن الجود مخلوق فيها خلق خطوط رواجبهم قال أبو عبيدة سمعت أنها قصب الأصابع
    أناس إذا لاقوا عدى فكأنما ... سلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
    يقول سلاح أعدائهم عندهم كغابرالخيل لا يعبأون به ولا يتلفتون إليه وخص السلاهب لأنها اسرع وغبارها أدق وألطف ويجوز أن يريد بالسلاهب خيل الممدوحين يقول كأن سلاح الاعداء غبار الخيل الطوال التي ركبوها لقلة احتفالهم به ويجوز أن يريد إن سلاح من يلقونه بالحرب الهرب فيثير الغبار في هربه فكأنه يتقيهم بالغبار
    رموا بنواصيها القسيَّ فجئنها ... دوامي الهوادي سالمات الجوانبِ
    هذا يدل على أنه أراد بالسلاهب خيل الممدوحين لأنه كنى عنها يقول استقبلوا بوجوه خيلهم الرماةَ من العدي وأبدع في هذا لآن القسيّ هي التي يرمي عنها فجعلها يرمي إليها والهوادي الأعناق وهي داميةُ الأعناق لأنها لا تنحرف ولا تعرف إلا التصميم قدما ولهذا كانت سالمة الجوابن من الأعطاف والأعجاز كما قال الآخر، شكرت جيادك منك برد مقيلها، في الحر بين براقعٍ وجلالِ، فجزتك صبرا في الوغى حتى انثنت، جرحى الصدور سوالمَ الأكفالِ،
    أولائك أحلى من حيوةٍ معادةً ... وأكثر ذكرا من دهور الشبائب
    يقول هم في القلوب احلى موقعا من الحياة في النفوس إذا أعيدت فردت على صاحبها وذكرهم أكثر على الألسنة من ذكر أيام الشباب.
    نصرت غليا يا ابنة ببواترٍ ... من الفعل لا فل لها في المضارب
    أي فعلت من الكرم ما دل على كرم أبيك فكان ذلك بمنزلة النصر له وكنى بالبواتر عن الأفعال الحسنة
    وأبهر آيات التهاميِّ أنه ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب
    قال ابن جنى قد أكثر الناس القول في هذا البيت وهو في الجملة شنيع الظاهر وقد كان يتعسف في الاحتجاج له والاعتذار منه بما لست أراه مقنعا مع هذا فليست الآراء والاعتقادات في الدين ما يقدح في جودة الشعر قال أبو الفضل العروضي فيما أملاه عليّ ذا بيت حسن المعنى مستقيم اللفظ حتى لو قلت أنه أمدح بيت في شعره لم ابعد عن الصواب ولا ذنب له إذا جهل الناس غرضه واشتبه عليهم أما معناه أن قريشا واعداء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون أن محمدا صنبور أي منفرد ابتر لا عقب له فإذا مات استرحنا منه فانزل الله تعالى أنا أعطيناك الكوثر أي العدد الكثير ولست بالابتر الذي قالوه أن شانئك هو الابتر فقال المتنبي أنتم من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وآيات لتصديقه وتحقيق قول الله تعالى وذلك اجدى ما لكم من مناقب بالجيم فإن قيل الأنساب تنعقد بالأبناء والآباء لا بالبنات والامهات كما قال الشاعر، بنونا بنو أبنائنا وبناتنا، بنوهن أبناء الرجال الأباعد، قلنا هذا خلاف حكم الله تعالى وقوله تعالى في القرآن الحكيم ومن ذريته داءود وسليمان إلى قوله تعالى ويحيى وعيسى فجعل عيسى من أولاد إبراهيم وذريته ولا خلاف أنه لم يكن لعيسى أبٌ وأما ذكر التهامي فإن الله تعالى كان قد أنزل في التوارة أنه باعثٌ نبيا من تهامة من أولاد إسماعيل في آخر الزمان وأمر موسى أمته أن يومنوا به إذا بعث ودل عليه بعلامات أخر فأنكر اليهود نبوته فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا النبي التهاميّ الأبطحي الأميّ فلا أدري كيف نقموا على المتنبي لفظةً افتخر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولما رووا وإحدى بالحاء اضطرب عليهم المعنى واقرأنا أبو الحسن الرخجي أولا والشعراني ثانيا والخوارزمي ثالثا وأجدى ما لكم بالجيم واستقام المعنى واللفظ وتشنيع أبي الفتح وغيره عليه باطل انتهى كلامه وليس يفسد المعنى وإن روى واحدي بالحاء فإنه يقول كون النبي التهامي أبا لكم أحدى مناقبكم أي لكم مناقب كثيرة أحداها انتسابكم إليه وقال ابن فورجة وروى بعضهم وأكبر آيات التهامي أنه أبوك قال يعني به عليذ ابن أبي طالب رضي الله عنه وكان آية من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    إذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فما ذا الذي كرام المناصبِ
    النسيب ذو النسب الشريف والمنصب الأصل يعني أن كرم الأصل لا ينفع مع لؤم النفس يشير إلى من ذكرهم من الادعياء يعني أنهم وإن صدقوا في نسبهم لم يكن لهم به فخر حتى يفعلوا ما فعل آباؤهم كما قال أبو يعقوب الخريمي، إذا أنت لم تحم القديم بحادثٍ، من المجدِ لم ينفعك ما كان من قبلُ، وقال البحتري، ولست أعتد للفتى حسباً، حتى يرى في فعاله حسبه،
    وما قربت أشباه قومٍ أباعدٍ ... وما بعدت أشباه قومٍ أقاربِ
    لم أجد في هذا البيت بيانا شافيا وتفسيرا مقنعا وكل تفسير لا يوافقه لفظ البيت لم يكن تفسيرا للبيت والذي يصح في تفسيره أنه يقول الأشباه من الأباعد لا يقرب بعضهم من بعضٍ لأن الشبه لا يحصل القرب في النسب والاشباه من الأقارب لا يبعد بعضهم من بعض لأن الشبه يؤكد قرب النسب هذا إذا جعل الأشباه الذين يشبه بعضهم بعضا كقوله الناس ما لم يروك أشباه فإن جعلنا الأشباه جمع الشبه من قولهم بينهما شبه فمعنى البيت لم يقرب شبه قومٍ أباعد أي لا يتقاربون في الشبه ولا يشبه بعضهم بعضا ولا يبعد شبه قوم أقارب أي أنهم إذا تقاربوا في النسب تقاربوا في الشبه.
    إذا علويٌ لم يكن مثل طاهرٍ ... فما هو إلا حجة للنواصبِ
    يعني بالنواصب الخوارج الذين نصبوا العداوة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول إذا لم يكن العلوي تقيا ورعا مثل طاهر كان حجةً لاعداء عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لأنهم يستدلون بنقصه على نقص أبيه
    يقولون تأثير الكواكب في الورى ... فما باله تأثيره في الكواكب
    تأثير الكواكب مبتدأ محذوف الخبر وتقديره تأثير الكواكب حق أو صدق أو كائن يعني أن الناس يقولون ذلك وعني بتأثيرها السعادة والنحوسة وأما تأثيره في الكواكب فقال ابن جنى أي أنه يبلغ من الأمور ما أراد فكأن الكواكب تبع له وليس تبعا لها هذا كلامه ويحتاج إلى شرح وهو إن الممدوح يجعل المنحوس بحكم المنجم صاحب صعادةٍ بأن يعينه أو ويرفعه أو يطلقه ويزيل عنه حكم النحوسة ويقدر على الضد من هذا فيمن طالعه سعدٌ فهذا تأثيره في الكواكب وكونها تبعا له قال ابن فورجة تأثيره في الكواكب إثارته الغبار حتى لا تظهر وحتى يزول ضوء الشمس وحتى تظهر الكواكب بالنهار قال وهذا اظهر مما قاله ابن جنى.
    علا كتد الدنيا إلى كل غاية ... تسير به سير الذلول براكب
    يريد أن الدنيا قد أطاعته وانقادت له انقياد الدابة الذلول براكبها تسير به إلى كل غايةٍ قصدها وأرادها.
    وحق له أن يسبق الناس جالسا ... ويدرك ما لم يدركوا غير طالبِ
    أي حقيق له أن يتقدم الناس بما له من الفضائل من غير مشقة ويدرك ما يريد من غير طلب ما لم يدركوه يريد تميزه عن الناس وبيان فضله عليهم.
    ويجذى عرانين الملوك وإنها ... لمن قدميه في أجل المراتبِ
    أي وأن يحذى أي يجعل عرانين الملوك نعلا له ثم تكون تلك العرانين في أجل المراتب إذا كانت حذاء لقدميه والمعنى أنه لو وطئها كانت من أجل المراتب من قدميه.
    يد للزمان الجمع بيني وبينه ... لتفريقه بيني وبين النوائب
    هو ابن رسول الله وابن وصيهِ ... وشبههما شبهت بعد التجاربِ
    يرى أن ما ما بان منك لضاربٍ ... بأقتل مما بان منك لعائبِ
    ما الأولى نفيٌ والثانية بمعنى الذي واسم أن محذوف والتقدير يرى أنه ما الذي بان منك لضارب باقتل من الذي بان منك لعائب أي لا يرى القتل أشد من العيب وهذا قول الطاءي، فتًى لا يرى أن الفريصة مقتل، ولكن يرى أن العيوب المقاتل،
    ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعز فهذا فعله في الكتائبِ
    يقول لماله لست وحدك مهلكا على يده بل يفعل بالجيوش ما فعله بك
    لعلك في وقتٍ شغلت فؤاده ... عن الجود أو كثرت جيش محاربِ
    حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحجي سقى الرياض السحائب
    جعل القصيدة كالحديقة وهي الروضة التي احدق بها حاجز وجعل ساقيا لها لأن المعالي التي فيها إنما تحسن بالعقل ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول كما قال، فزججتها متمكنا، زج القلوص أبي مزاده،
    فحييت خير ابن لخير أبٍ بها ... لأشرف بيتٍ في لؤي بن غالبِ
    يقول حييت بالحديقة وهي القصيدة يا خير ابنٍ لخير أب لاشرف بيتٍ في قريشٍ عني بخير ابن الممدوح وخير أبٍ النبي صلى الله عليه وسلم وبأشرف بيتٍ هاشما.
    وقال أبو الطيب يصف فرسا له ويذكر تأخر الكلاء عنه
    ما للمروج الخضر والحدائق ... يشكو خلاها كثرة العوائق
    المرج موضع تمرج فيه الدواب أي ترسل لترعى والخلا الكلاء الرطب والمعنى أن نبتها يشكو كثرة الموانع من الطلوع وأراد بالموانع البرد والثلوج التي تمنع النبات من الظهور
    أقام فيها الثلج كالمرافق ... يعقد فوق السن ريق الباصقِ
    يريد أن ريق الباصق وهو الذي يبصق أي يجمد في فمه لشدة البرد
    ثم مضى لا عاد من مفارق ... بقائدس من ذوبه وسائقِ
    جعل أوائل الذوب قائدا والأواخر سائقا والمعنى أن الثلج قد انحسر بذوبه فكان الذوب قاده وساقه حتى ذهب ويروى من دونه أي من قدامه وذالك أن قائد الشيء يكون أمامه وسائقه يكون خلفه.
    كأنما الطخرور باغي ابقِ ... يأكل من نبتٍ قصيرٍ لاصقِ
    الطخرور اسم فرسه يريد أنه لاعواز المرعي لا يثبت في مكانٍ واحد فهو يطلبه ههنا وهنا كأنه يطلب آبقا لتردده في طلب المرعى وقوله لاصق أي بالأرض لم يرتفع عنها
    كقشرك الحبر من المهارق ... أروده منه بكالشوذانق
    المهارق جمع المهرق وهو الصحيفة يكتب فيها وهو مغرب مره كرده وذلك أنهم كانوا يأخذون الخرق ويطلونها بشيء ثم يصقلونها ويكتبون عليها شبه رعى فرسه نبتا لاصقا بالأرض بقشر الحبر عن الصحيفة والشوذابق الذي يقال له الشاهين وهو معرب من سه ذانك أي نصف درهم ويراد أنه كنصف البازي يقول اطلب الكلاء والنبت من هذا الفرس بفرس كالشوذانق في خفته.
    بمطلق اليمنى طويل الفائق ... عبل الشوى مقارب المرافقِ
    مطلق اليمنى أن يكون لونها مخالفا للون الثلاث بأن يكون التحجيل فيها والفائق مغرز الرأس في العنق وإذا طال الفائق طال العنق فهو محمود وعبل الشوى غليظ القوائم وإذا تدانت مرافقه كان امدح له
    رحب اللبان نائه الطرائق ... ذي منخرٍ رحبٍ واطل لاحقِ
    رحب اللبان واسع الصدر ويستحب من الفرس أن يكون جلد صدره واسعا يجيء ويذهب ليكون خطوه ابعد فإنه إنما يقدر على توسيع الخطو بسعة جلد صدره وقوله نائه الطرائق قال ابن جنى ناه الشيء ينوه إذا علا ونهت به ونوهته إذا اشدت به والطرائق جمع طريقة يعني الخلق أي هو مرتفع الأخلاق شريفها لعتقه وكرمه وقال ابن فورجة الرواية نابه من النبيه يقال امرؤ نابه إذا كان عظيما جليلا وقد أتى بالنابه البحتري فقال، وينحو نحوها النابه الغمر، وأراد بالطرائق طرائق اللحم يعني أن طرائق اللحم على كفله ومتنه عالية ويسحب سعة المنخر لئلا يحبس نفسه والإطل الخاصرة ولحوقه ضمره.
    محجلٍ نهدٍ كميتٍ زاهقِ ... شادخة غرته كالشارق
    التحجيل بياض القوائم والنهد العالي المشرف والزاهق الذي بين السمين والمهزول والغرة الشادخة التي ملأت الوجه والشارق الشمس شبه بياض وجهه بالشمس
    كأنها من لونه في بارق ... باقٍ على البوغاء والشقائق
    البارق السحاب ذو البرق جعل الغرة برقا وباقي الجسد سحابا يقول كأنها برق في سحاب والبوغاء التراب والشقائق جمع الشقيقة وهي أرض يكون فيها رمل وحصى أي هو باق على السير في السهل والحزن.
    والأبردين والهجير الماحق
    الأبردان الغداة والعشى والهجير شدة الحر والماحق الذي يمحق كل شيء بحرارته كما قال، في ماحقٍ من نهار الصيف محتدمِ، يريد أنه باق على الحر والبرد.
    للفارس الراكض منه الواثق ... خوف الجبان في فؤاد العاشق
    للفارس الواثق بغروسيته خوف منه لنشاطه وشدة قوته أي إذا ركبه كان ذاهل القلب من الخوف
    كأنه في ريد طود شاهق
    في معنى على كقوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل يعني كان فارسه على جبلٍ عالٍ لعظم هذا الفرس والريد حرف كم حروف الجبل
    يشأى إلى المسمع صوت الناطق
    أي يسبق الصوت إلى الأذن فيصل إليها قبل وصول الصوت
    لو سابق الشمس من المشارق ... جاء إلى الغرب مجيء السابق
    يترك في حجارة الأبارق ... آثار قلع الحلي في المناطق
    الأبارق جمع الأبرق وهي الآكام التي فيها طين وحجارة يريد أنه لقوة وطئه إذا وطىء الأبرق بحوافره ترك فيه آثارا كآثار الحلى إذا قلع من المنطقة
    مشياً وإن يعد فكالخنادق
    يعني هذا التأثير الذي ذكرنا إنما يكون إذا مشى فإن عدا أثر فيها كالخنادق
    لو أوردت غب سحابٍ صادقِ ... لأحسبت خوامس الأيانق
    لو أوردت تلك الآثار التي هي كالخنادق بعد اقلاع سحاب صادق المطر لكفت نوقا عطاشا ترد الخمس
    إذا اللجام جاءه لطارق ... شحا له شحو الغراب الناعق
    يقول إذا ألجم لأمر طارق بالليل فتح فاه كما يفتح الغراب فاه للنعيق يريد أنه ليس بممتنع من اللجام ويريد أيضا أنه واسع الفم.
    كأنما الجلد لعرى الناهق ... منحدر عن سيتي جلاهقِ
    الناهقان عظمان في مجرى جمع الفرس ويستحب عريه عن اللحم شبه رقة جلده وصلابته على ناهقه بمتن قوس البندق.
    بذ المذاكي وهو في العقائق ... وزاد في الساق على النقانق
    المذاكي جمع مذاك وهو الذي أتى عليه سنة بعد قروحه والعقائق جمع العقيقة وهو الشعر الذي يولد المولود وهو عليه يقول سبق الخيل المسنة وهو مهر عليه شعره الأول وزاد في طول الساق وشدته على النعام كما قال أمرء القيس، له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ،
    وزاد في الوقع على الصواعق ... وزاد في الأذن على الخرانق
    يعني أن صوت وقع حوافره أشد من صوت الصواعق ويجوز أن يريد أن نار وطىء حوافره يزيد على صواعق السحاب والخرانق جمع الخرنق وهو ولد الأرنب شبه أذنه بأذنها في الدقة والانتصاب.
    وزاد في الحذر على العقاعق ... يميز الهزل من الحقائق
    العقعق ضرب من الغراب يضرب المثل في الحذر بالغراب فيقال أحذر من غراب لشدة تيقظه يحذر حذر الغراب ولهذا قال يميز الهزل من الحقائق أي يعرف أن صاحبه إذا استحضره يطلب حضره هزلا أم حقيقة.
    وينذر الركب بكل سارق ... يريك خرقاً وهو عين الحاذق
    أي لذكائه وحذقه إذا أحس بسارق بالليل صهل ليعلم يمكانه وكذلك خيل الأعراب والخرق ضد الحذق أي لشدة جريه وتناهيه في العدو تظن به خرقا وهو مع ذلك حاذق وحذقه أنه لا يخرج ما عنده من الجري بمرة واحدة بل يعلم ما يراد منه فيستبقي جريه كما قال، وللقارح اليعبوب خير علالةً، من الجذع المرخى وأبعد منزعاً،
    يحك أني شاء حك الباشق ... قوبل من آفقةٍ وآفقِ
    يريد لين معاطفه وإنه يحك به كيف شاء وأين شاء كالباشق الذي ينتهي رأسه ومنقاره إلى أي موضع أراد من جسده والآفق من كل شيء فاضله وشريفه ويقال أيضا أفق بالقصر ومنه قول عروة، أرجل جمتي وأجر ذيلي، ويحمل شكتي أفق كميت، فالمعنى أن العتق يكنفه من قبل أبيه وأمه فكرم الأم يقابل فيه كرم الأب كما يقال مقابل في عمه وخاله أي شريف الطرفين وتمام هذا قوله
    بين عتاق الخيل والعتائق ... فعنقه يربي على البواسقِ
    أي بين كرامها وكرائمها يريد اباءة وامهاته من الخيل الكرام أي هو وسيط في العتق وعنقه يزيد على النخيل الطوال طولا كما قال، وهاديها كأن جذع سحوق،
    وحلقه يمكن فتر الخانق ... أعده للطعن في الفيالق
    يريد أن أعلى حلقه دقيق حتى لو أراد الخانق أن يجمعه بفتره قدر عليه والفيالق الكتائب من الجيش.
    والضرب في الأوجه والمفارق ... والسير في ظل اللواء الخافق
    يحملني والنصل ذا السفاسق ... يقطر في كمي إلى البنائق
    سفاسق النصل طرائقه التي فيه الواحد سفسقة يقول يحملني والسيف في الحرب وهو قوله يقطر يعني النصل يقطر دما في كمي وروى ابن جنى والنصل ذو السفاسق قال أي يحملني والسيف هذه حاله فلذلك رفعه بالابتداء
    لا ألحظ الدنيا بعيني وامق ... ولا أبالي قلة الموافقِ
    أي لا أنظر إليها بعيني من يعشقها فيذل لطلبها ولا أبالي أن لا أجد من يوافقني على طلبي معالي الأمور كما قال، إذا عظم المطلوب قل المساعد،
    أي كبت كل حاسدٍ منافقِ ... أنت لنا وكلنا للخالق
    تقول كبته الله لوجهه أي صرعه قال ابن نجنى يخاطب ممدوحا له وليس في القصيدة شيء من المدح ولم يمدح به أحدا فكيف يخاطب الممدوح وإنما يخاطب الفرس الذي وصفه يقول أنت تكبت حسادي لأنهم يحسدونني لأجلك.
    وقال وقد كبست انطاكية وقتل المهر الحجر فقال
    إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ ... فلا تقنع بما دون النجوم
    يقول إذا طلبت شرفا فلا تقنع بما دون اعلاه والمغامرة الدخول في المهالك والمعنى إذا غامرت في طلب شرف
    فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ ... كطعم الموت في أمرٍ عظيمِ
    ستبكي شجوها فرسي ومهري ... صفائح دمعها ماء الجسومِ
    يقول ستسيل سيوفي دما على فرسي ومهري يشير إلى قتل من قتلهما فتجري سيوفه دما كأنه دمع باك عليهما ولما جعل السيوف باكيةً جعل الدماء التي تقطر منها دمعا لها والمعنى ستبكي فرسي ومهري حزنا عليهما سيوفي وكل هذا مجاز واستعارة ومراده أنه يقول سأقتل من قتلهما
    قربن النار ثم نشأن فيها ... كما نشأ العذارى في النعيم
    روى ابن جنى قربن من قولهم قربت الإبل الماء تقرب إذا وردت صبيحة ليلها يريد أن السيوف وردت النار وهذا قلب المعهود لأن القرب إنما يستعمل في الورود الماء فجعل النار لهذه السيوف كالماء الذي ترده الشاربة والنار تهلك وتفنى وقد أنمت هذه السيوف وربتها تربية النعيم للعذارى يريد أنها تخلصت من الخبث وحسنت صنعتها بحسن تأثير النار في تخليصها وإنما طبعت وطولت سيوفا بعد أن كانت زبرا بالنار فذلك نشأها نشاء العذارى في النعيم ويروي قرين النار أي جعلت النار قرى لها فنشأن بحسن القرى ويروي قرين النار جعل السيوف بما تؤديه إلى النار من الخبث قاريةً لها وكان حكم النماء أن يكون للمقري لا للقاري فعكس موجب القرى بأن جعل النشاء للقاري
    وفارقن الصياقل مخلصاتٍ ... وأيديها كثيرات الكلوم
    يريد أن الصياقل لم تقدر أن تحفظ أيديها من هذه السيوف لحدة شفرتيها
    يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
    لوم طبع الجبان يريه العجز في صورة العقل حتى يظن أن عظه وجريه على حكم الجبن عقل
    وكل شجاعةٍ في المرء تغنى ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
    يعني أن الشجاعة كيفما كانت وفيمنت كانت مغنية كافية وإذا كانت في الرجل الحكيم العاقل كانت أتم وأحسن لأنضمام العقل إليها والمعنى أن الشجاعة في غير الحكيم ليست مثل الشجاعة في الحكيم
    وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
    أخذه من قول أبي تمام حين قال له أبو سعيد الضرير لم لا تقول ما يفهم فقال يا ابا سعيد لم لا تفهم ما يقال
    ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم
    يقول كل أذن تأخذ مما تسمع على قدر طبع صاحبها وعلمه يعني أن الجاهل إذا سمع شيئا لم يفهمه ولم يعلمه وكل احد على قدر علمه وطبعه يعلم ما يسمع وإذا عاب إنسان قولا صحيحا فذلك لأنه لم يفهمه ولم يقف عليه والقريحة أول ما ينبع من الماء وقريحة الرجل طبيعته والمعنى أن أذن كل أحد ترك من الكلام ما ينبهه عليه طبعه وقال يهجو اسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ
    لهوى القلوب سريرة لا تعلم ... عرضا نظرت وخلت أني أسلمُ
    يقول سريرة الهوى لا تعرف ولا يدري من أي تأتي كما قال، إن المحبة أمرها عجب، تلقى عليك وما له سبب، وقوله عرضا أي فجاءة واعتراضا عن غير قصد كقول عنترة، علقتها عرضا وأقتل قومها زعما لعمر أبيك ليس بمزعم، يقول نظرت إليها نظرة عن فجاءة وخلت أني أسلم من هواها
    يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثم أرق منك وأرحم
    قال ابن جنى يرميه بأخته وبالأبنة وثم اشارة إلى المكان الذي يخلو فيه للحال المكروهة هذا كلامه وإنما أتى هذا من البيت الثاني وهو قوله
    يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أن المحبوس تصيب فيما تحكم
    قال أبو الفضل العروضي فيما أملاه عليّ شبب بامرأةٍ أخوها مبارز قتال يقول هو على قساوة قلبه وأراقته الدماء ارحم منك وكيف يرميه بالأبنة وبأخته وهو يقول يرنو إليك عند المجوس حكمة لما يرى من حسنها حدثنا أبو الفضل العروضي أملاء قال حدثنا أبو نصر محمد بن ظاهر الويزر قال اخبرنا سعيد بن محمد الذهلي عن العنبري قال بينا بشار في جماعة من نساء يداعبهن قلن له ليتنا بناتك فقال وأنا علء دين كسرى قال واحسب لما كانت القصيدة هجاء سبق وهمه إلى الهجاء قبل افتتاحه وقال ابن فورجة شبب بامرأة ومدح أخاها وزعم أنها من بيت الفوراس الأنجاد كما قال في أخرى، متى تزر قوم من تهوى زيارتها، لا يتحفوك بغير البيض والأسل، وكقوله أيضا، ديار اللواتي دارهن عزيزة، بطول القنا يحفظن لا بالتمائم، وكقوله، تحول رماح الخط دون سبائه، ثم قال لحبيبته أنت قاسية القلب وأخوك على بسالته إذا لقى العدو كان أرحم منك لي وأرق عليه منك عليّ ثم أراد المبالغة في ذكر حسنها فقال أخوك يود لو كان دينه دين المجوس فيتزوج بك والنهاية في الحسن إن يود أخوها وأبوها أنها تحل له ولأجل هذا قال أبو بكر الخوارزمي، تخشى عليها أمها أباها، وقال أبو تمام في مثل هذا، بأبي من إذا رآها أبوها، شغفاً قال ليت أنا مجوس، ومثله لعبد الصمد بن المعذل في جارية كان يسميها بنته، أحب بنينتي حبا اراه، يزيد على محبات البنات، أراني منك أهوى قرص خد، ورشفاً للثنايا واللثاتِ، وإلصاقا ببطن منك بطنا، وضما للقرون الواردات، وشيئا لست أذكره مليحاً، به يحظى الفتى عند الفتاة، أرى حكم المجوس إذا لدينا، يكون أحل من ماء الفرات،

    عبدالله عمر

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    أرعتك رائعة البياض بعارضي ... ولو أنها الولى لراع الأسحم
    رائعة البياض الشعرة البيضاء التي تروع الناظر وروى ابن جنى راعية البياض قال والراعية من الشعر أول شعرة تطلع من الشيب وجمعها راعٍ وأنشد، أهلا براعيةٍ للشيب واحدةٍ، تنفي الشباب وتنهانا عن الغزل، قال أحمد ابن يحيى قال ابن الأعرابي براعيةٍ بتقديم العين وقال غيره برائعة وهي التي تروع الناظر قال وهذه أصوب ومعنى البيت أنه يقول راعك شيبي ولو كان أول لون الشعر بياضا ثم يسود لراعك الأسود إذا ظهر فلا تراعي بالبياض لأنه كالسواد
    لو كان يمكنني سفرت عن الصبا ... فالشيب من للأوان تلثم
    أي لو أمكنني أن أظهر صباي لكشفت عنه فإن حدث السن ولكن الشيب ستر صباي فكأنه تلثم يستر ما تحته من السواد يعني أن على شبابه لثاما من الشيب المستعجل إليه قبل وقته
    ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققا يميت ولا سواداً يعصم
    يقول البياض في الشعر لا يكون موجباً للموت فقد يعيش الشيخ والسواد ولا يحفظ من الموت فقد يموت الشاب.
    والهم يخترم الجسيم نحافةً ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
    يقول الحزن يذهب جسم الجسيم بالنحافة ويهرم الصبي قبل أوانه كما قال أبو نواس، وما إن شبت من كبرٍ ولكن، لقيت من الحوادث ما أشابا،
    ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
    يريد أن العاقل يشقى وإن كان في نعمة لتفكره في عاقبة أمره وعلمه بتحول الأحوال والجاهل ينعم في الشقاوة لغفلته وقلة تفكره في العواقب وقد قال البحتري، أرى الحلم بؤسا في المعيشة للفتى، ولا عيش إلا ما حباك به الجهل، وقال أبو نصر بن نباتة، من لي بعيش الأغبياء فإنه، لا عيش إلا عيش من لم يعلم، وسابق هذه الحلبة بن المعتز في قوله، وحلاوة الدنيا لجاهلها، ومرارة الدنيا لمن عقلا، وأحسن ابن ميكال في قوله، العقل عن درك المطالب عقلة، عجبا لأمر العاقل المعقول، وأخو الدراية والنباهة متعب، والعيش عيش الجاهل المجهول، وقد قالت القدماء ثمرة الدنيا السرور وما سر عاقل قد يراد بتفكره في العواقب وتخوفه إياها.
    والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلق ... ينسى الذي يولى وعافٍ يندم
    يريد إنهم لا يحافظون على الحقوق ولا يراعون الاذمة فمطلق من الأشار بنسى ما أزل إليه من الإحسان وعافٍ مجرمٍ ومسيء يندم لأن صنيعته كفرت فلم تشكر
    لا يخدعنك من عدوٍّ دمعه ... وأرحم شبابك من عدوٍّ ترحمُ
    أي لا تنخدع ببكاء العدو وأرحم نفسك من عدو ترحمه فإنه إن ظفر بك لم يبق عليك
    لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدمُ
    لا يسلم للشريف شرفه من أدى الحساد والمعادين حتى يقتل حساده واعداءه فإذا أراق دماءهم سلم شرفه لأنه يصير مهيبا فلا يتعرض له
    يؤذى القليل من اللئام بطبعه ... من لا يقل كما يقل ويلؤم
    يقول اللئيم مطبوع على اذى الكريم لعدم المشاكلة بينهما وليس يريد بالقليل القليل وبالعدد إنما يريد الخسيس الحقير
    والظلم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
    يحمى ابن كيغلغ الطريق وعرسهُ ... ما بين رجليها الطريق الأعظم
    إنما قال هذا لأنه كان قد أخذ الطريق على المتنبي وسأله إن يمدحه فلم يفعل وهرب منه ومعنى البيت من قول الفرزدق، وأبحت أمك يا جرير كأنها، للناس باركةً طريق يعمل، وقد أبدع عليّ بن عباس الرومي في مثل هذا حيث يقول في امرأة أبي يوسف بن المعلم، وتبيت بين مقابلٍ ومدابرٍ، مثل الطريق لمقبلٍ ولمدبرِ، كما جرى المنشار يعتورانهِ، متنازعيه في فليج صنوبرِ، وتقول للضيف المعلم سراجةً، إن شئت في استي فأتني يعتورانه، متنازعيه في فليج صنوبر، وتقول للضيف الملم سراجةً، إن شئت في استي فأتني أو في حري، أنا كعبة النيك التي خلقت له، فتلق مني حيث شئت وكبر، يا زوجةَ الأعمى المباح حريمهُ، يا عرس ذي القرنين لا الإسكندر، باتت إذا أفردت عدة نيكها، قالت عدمت الفرد عين الأعور، فإذا أضفت إلى الفريد قرينه، قالت عدمت مصليا لم يوترِ، ما زال ديدنها وذلك ديدني، حتى بدا علم الصباح الأزهر، أرمى مشيمتها برأس ململمٍ، ريانَ من ماء الشبيبة أعجر، عبلٍ إذا قللاق النساء بحده، نلن الأمان من الولاد الأعسر،
    أقم المسالح فوق شفرِ سكينةٍ ... إن المنى بحلقتيها خضرمُ
    المسالح المواضع يعلق عليها السلاح والشفر حرف الفرج ويريد بحلقتيها الفرج والرحم والخضرم البحر الكثير الماء.
    وأرفق بنفسك إن خلقك ناقصٌ ... واستر أباك فإن أصلك مظلمُ
    معنى وأرفق بنفسك أي لا تتحكك بالشعراء كي لا يذكروا خلقك وأصلك ثم صرح بهذا فقال
    وغناك مسألة وطيشك نفخةٌ ... ورضاك فيشلةٌ وربك درهمُ
    أي أنت مكدٍ فيكون غناك في المسألة عن الناس وليس وراء طيشك حقيقةٌ وإنما ذلك نفخة نفخت فيك
    واحذر مناوأة الرجال فإنما ... تقوى على كمر العبيد وتقدمُ
    ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن غيه وخطاب من لا يفهم
    يمشى بأربعةٍ على أعقابهِ ... تحت العلوج ومن وراء يلجمُ
    يريد أنه يمشي القهقري حبا للاستدخال وكان يجب أن يقول باربع لأنه يريد اليدين والرجلين لكنه ذهب إلى الأعضاء فذكر
    وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفةٌ أو فت فيها حصرمُ
    يريد أنه أبدا يحرك جفونه يستدعي العلوج فيشير لهم بجفونه يحركها حتى كأنها أصيبت بقذى
    وإذا أشار محدثا فكأنه ... قردٌ يقهقه أو عجوز تلطم
    يريد قبح وجهه وكثرة تشنجه وجعل حديثه كضحك القرد حيث لم يفهم لعيه ولهذا جعله مشيرا لأنه لا يقدر على الكلام فيشير وجعل اشارته كلطم العجوز
    يقلي مفارقةً الأكف قذاله ... حتى يكاد على يدٍ يتعممُ
    يريد أنه صفعان تعود أن يصفع فيكاد يتعمم على يده لتصفع يده أيضا
    وتراه أصغر ما تراه ناطقاً ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
    أحقر ما تراه إذا نطق لعيه لا يكاد يبين وأكذب ما يكون إذا حلق كما قال الآخر، فلا تخلق فإنك غير برٍّ، وأكذب ما تكون إذا حلفتا، أراد وأكذب ما يكون مقسما فوضع المضارع موضع الحال وزاد واوا.
    والذل يظهر في الذليل مودةً ... وأود منه لمن يود الأرقم
    يعني أن الذليل يظهر من اذله المودة إذ ليس يقدر على مكافة و لاامتناع عنده فيتودد إليه على أن الحية أقرب إلى المصافاة من الذليل إذا أظهر الود ومعنى لمن يود أي لمن يظهر وده وهذا من قول سديف، ذلها أظهر المودة منها، وبها منكم كحز المواسي،
    ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلمُ
    يعني أن عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه فتنفع وصداقته تدل على مناسبته فتضر وهذا من صالح بن عبد القدوس، عدوك ذو العقل خير من الصديق لك الوامق الأحمق،
    أرسلت تسألني المديح سفاهةً ... صفراء أضيق منك ما ذا أزعم
    صفراء اسم أمه أي هي على سعتها أضيق منك فكيف يتجه لي مدحك
    أترى القيادةَ في سواك تكسباً ... يا ابن الأعير وهي فيك تكرمُ
    أعير تحقير أعور ويجوز أعيور وكان أبوه إبراهيم الأعور القيادة في غيرك كسب وأنت تتكرم بها تظنها كرما
    فلشد ما جاوزت قدرك صاعدا ... ولشد ما قربت عليك الأنجمُ
    يقول ما أشد تجاوزك قدرك حين تطلب مني المديح وعني يالأنجم أبيات شعره
    وأرغت ما لأبي العشائر خالصا ... إن الثناء لمن يزار فينعم
    الأراغة الطلب يقول طلبت من المديح ما هو خالص لأبي العشائر لأنه المنعم على زواره
    ولمن أقمت على الهوانِ ببابهِ ... تدنو فيوجأ أخدعاك وتنهم
    وجأ الأخدع كناية عن الصفع والنهم الزجر الشديد والبيت من قول جرير، قومٌ إذا حضر الملوك وفودهم، نتفت شواربهم على الأبواب،
    ولمن يهين المال وهو مكرم ... ولمن يجر الجيش وهو عرمرم
    ولمن إذا التقت الكماة بمازقٍ ... فنصيبه منها الكمى المعلمُ
    ولربما أطر القناة بفارسٍ ... وثنى فقومها بآخر منهمُ
    يقول إذا أعوجت قناته في مطعون طعن بها آخر فثقفها بذلك
    والوجه أزهر والفؤاد مشيع ... والرمح أسمر والحسام مصممُ
    المشيع الجري والمصمم الذي لا ينبو عن الضريبة
    أفعال من تلد الكرام كريمةٌ ... وفعال من تلدُ الأعاجم أعجمُ
    يعني أن الفعل يشابه النسب فمن كرمت مناسبه كرمت أفعاله وعلى الضد من هذا من كان لئيم النسب كان لئيم الفعل والأعاجم عند العرب لئام وهم يسمون من لم يتكلم بلغتهم اعجم من أي جيلٍ كان قال الراجز، سلوم لو أصبحت وسط الأعجم، بالروم أو بالترك أو بالديلم، إذا لزرناك ولم نسلم، وقول حميد، فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها، ولا عربياً شاقه صوت أعجما، فإنه عني بالأعجم حمامةً سمع صوتها.
    وورد عليه الخبر بأن أبن كيغلغ يهدده فقال
    أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغِ ... يجوب حزوناً بيننا وسهولا
    أي يأتيني وعيده من مسافة بعيدة
    ولو لم يكن بين ابن صفراء حائلٌ ... وبيني سوى رمحي لكان طويلا
    قال ابن جنى صفراء اسم أمه وقال ابن فورجة صفراء كناية عن الإست والعرب تسب بنسبة الرجل إلى الإست كما قال، بأن بنى إستها نذروا دمي، والقول ما قال ابن جنى ومعنى البيت أنه على بعد يوعدني ولو لم يحل بيني وبينه إلا رمحي لكان ما بيني وبينه طويلا بعيدا لأنه لا يصل إلى لجبنه ولا يقدر على الإقدام عليّ
    وإسحاق مأمون على من أهانه ... ولكن تسلى بالبكاء قليلا
    أي يأمنه مهينه ولا يأوى في الجزاء إلى غير البكاء فتسلى عن إهانة من أهانه بالبكاء
    وليس جميلا عرضه فيصونه ... وليس جميلا أن يكون جميلا
    يقول إنما يصان الجميل وعرضه لا يجمل أن يجمل
    ويكذب ما أذللته بهجائه ... لقد كان من قبل الهجاء ذليلا
    وورد الخبر بأن غلمان ابن كيغلغ قتلوه فقال
    قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم ... هذا الدواء الذي يشفى من الحمق
    إن مات ماتَ بلا فقدٍ ولا أسفٍ ... أو عاش عاش بلا خلقٍ ولا خلقِ
    يقول إن مات مات فلا أسف على موته ولا يتبين بموته خلل فيكون مفقودا كما قال، فإذا مت مت غير فقيدٍ، أو عاش عاش وليس له خلق حسن ولا خلق جميل.
    منه تعلم عبد شق هامته ... خون الصديق ودس الغدر في الملق
    حلق ألف يمينٍ غير صادقةٍ ... مطرودة ككعوب الرمح في نسقِ
    ما زلت أعرفه قردا بلا ذنبٍ ... صفراً من البأس مملوا من النزق
    كريشةٍ بمهب الريح ساقطةٍ ... لا تستقر على حالٍ من القلقِ
    يعني كريشة بمهب الريح ساقطة من القلق لا تستقر على حال أي هو من القلق كهذه الريشة
    تستغرق الكف فوديه ومنكبه ... وتكتسي منه ريح الجورب العرقِ
    يريد أنه يصفع فتستغرق أكف الصافعين هذه المواضع من بدنه وهو خبيث الريح فتنتن أكفهم
    فسائلوا قاتليه كيف مات لهم ... موتا من الضرب أو موتا من الفرق
    وأين موقع حد السيف من شبح ... بغير جسمٍ ولا رأسٍ ولا عنقِ
    لولا اللئام وشيء من مشابهه ... لكان ألأم طفلٍ لف في خرقِ
    يعني باللئام آباءه يقول لولا ما بينه وبينهم من المشابهة لكان الأم طفل وفي هذا تسويةٌ بينهم وبينه في اللوم
    كلام أكثر من تلقى ومنظره ... مما يشق على الآذان والحدق
    يجوز أن يريد بالمنظر الوجه ويجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول يريد النظر إليه أي أكثر من تلقى من الناس يشق على الآذان استماع كلامه لأنه لا يقول سديدا وعلى الاحداق النظر إليه لما ينطوي عليه من الغل والخيانة وأبطان غير الجميل.
    ونزل على عليّ ابن عسكر ببعلبك فخلع عليه فقال يستأذنه
    روينا يا ابن عسكرٍ الهماما ... ولم يترك نداك بنا هياما
    وصار أحب ما تهدي إلينا ... لغير قلي وداعك والسلاما
    يقول قد استغنينا عن الهدايا وردنا الارتحال فأحب ما تهديه إلينا أن نودعك ونسلم عليك
    ولم نملل تفقدك الموالي ... ولم نذمم أياديك الجساما
    يقول لسنا نرتحل عنك لملال أو لأنا ذممنا أنعامك علينا
    ولكن الغيوث إذا توالت ... بأرض مسافرٍ كرهَ الغماما
    هذا يحتمل معنيين احدهما أن المسافر إذا كثر عليه المطر مل مقامه واحتباسه لأجل المطر كذلك نحن عطاياك تأتينا وأنت قيدتنا بإحسانك وإنا مسافر أريد الأرتحال ولولا إني على سفرٍ لم أملل نعمتك والمطر يسأله كل أحد إلا المسافر والآخر إن المسافر إذا كثرت الأمطار بالأرض التي فيها وطنه اشتاق إلى وطنه وكره المقام بأرض السفر كذلك نحن قد أحسنت إلينا كل الإحسان فنحن نشتاق أن نأتي الوطن ونسرع الأرتحال والأول أظهر وهذا الوجه الثاني ذكره ابن دوست وليس بظاهر.
    وقال في قصيدة قالها وهو صبي
    سيف الصدود على أعلى مقلده
    ولم يحفظ المصراع الثاني وتكلف الناس له زيادة مصراع فقال بعضهم، بكف أهيف ذي مطلٍ بموعده، وقال الآخر، يفري طلى وأمقيه في تجرده، وقال الآخر، ومجلس العز منه فوق مقعده، والمعنى أنه يقتل بصدوده فكأنه قد تقلد بسيف من الصدود والمقلد العنق لأنه موضع القلادة.
    ما أهتز منه على عضو ليبتره ... إلا اتقاه بترسٍ من تجلدهِ
    أي لم يهتز هذا السيف على عضو من أعضاء العاشق ليقطعه إلا استقبله بتجلده وتصبره والمعنى أنه كلما قصده بالصدود عارضه بالصبر.
    ذم الزمان إليه من أحبته ... ما ذم من بدره في حمد أحمده
    تهوس ابن جنى في هذا البيت وأتى بكلام كثير لافائدة فيه فيه ومعنى البيت إن الزمان ذم إلى المتنبي من أحبة المتنبي لأنهم يحيفونه ما ذم الزمان من بدره القمر في حمد أحمده يعني الممدوح والمعنى أن البدر مذموم بالإضافة إلى هذا الممدوح أي إن البدر على بهائه وحسنه دون أحمد هذا.
    شمس إذا الشمس لاقته على فرسٍ ... تردد النور فيها من تردده
    أي إذا رأته الشمس وهو يجول في ميدانه على الفرس مترددا تردد نوره في جسم الشمس لأنه أضوء منها فالشمس تستفيد منهالنور وهذا كقوله أيضا، تكسب الشمس منك النور طالعةً، البيت.
    إن يقبح الحسن إلا عند طلعته ... فالعبد يقبح إلا عند سيده
    أي هو مولى الحسن والحسن في كل أحد قبيح إلا في طلعته كالعبد لا يحسن عند كل أحد حسنه عند مولاه
    قالت عن الرفد طب نفسا فقلت لها ... لا يصدر الحر إلا بعد مورده
    قالت العاذلة لا تطلب العطاء فإنه غير مبذول فقلت لها إن الحر إذا قصد أمرا لم ينصرف عنه إلا بعد الوصول إليه أي لا بد لي من بلوغ إلى ما اطلبه ومعنى طب نفسا أي دعه ولا تطلبه
    لم أعرف الخير إلا مذ عرفت فتى ... لم يولد الجود إلا عند مولده
    نفس تصغر نفس الدهر من كبرٍ ... لها نهى كهله في سن أمرده
    يقول نفسه في عظمها وكبرها تصغر نفس الدهر التي هي مجمع والشر والضمير في الكهل والأمرد يعود إلى الدهر.
    وقال يمدح أبا العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان
    أتراها لكثرة العشاقِ ... تحسب الدمع خلقةً في المآقي
    يقول لصاحبه اتظنها لكثرة ما ترى الدمع في مآقي عشاقها تتوهم أنه خلقة فيها فلا ترثي لمن يبكي وهو قوله
    كيف ترثي التي ترى كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقى

    يقول كيف ترحم المرأة التي ترى كل جفن من أجفان الناس غير راقٍ للبكاء من هجرها غير جفنها وغير الأولى منصوبة على الاستثناء والثانية على الحال ومعنى راقٍ منقطع الدمع من قولهم رقا الدم والدمع يرقأ رقؤا إذا انقطع
    عبدالله عمر


  15. #35
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    أنت منا فتنت نفسك لكن ... ك عوفيت من ضني واشتياق
    يقول أنت أيضا من معشر عشاقك أي أنت عاشقة لنفسك حين منعتها منا إلا أنك عوفيت مما نحن فيه من الضني والاشتياق لأنك واصلت محبوبك وهو نفسك ومعنى قتنت نفسك أي بالحب فأنت مفتونة بعشق نفسك بقال فتنته وأفتنته وأبي الأصمعي افتتنه
    حلت دون المزار فاليوم لو زر ... ت لحال النحول دون العناقِ
    يقال حال دونه حائل كما يقال عاق دونه عائق والمزار الزيارة ههنا يقول منعتني عن زيارتك حتى حلت شوقا إليك فلو زرتني اليوم لم تقدري على معانقتي لشدة النحول ودقة الجسم.
    إن لحظا أدمته وأدمنا ... كان عمداً لنا وحتف اتفاقِ
    أي أن ظرا منك إلينا ومنا إليك أكثرناه كان عن تعمد منا فاتفق لنا فيه الحتف من غير قصدٍ منا له.
    لو عدا عنك غير هجرك بعد ... لأرار الرسيم مخ المناقي
    عدا عنك صرف عنك ومنع من لقائك ومنه قول عنترة، إني عداني أن أزورك فاعلمي البيت وازار بمعنى أذاب يقال مخ رير رار ورير أي ذائب والرسيم ضرب من سير الإبل يقال بعير راسم وابل رواسم والمناقي جمع المنقية وهي الناقة التي لها نقي أي مخ وذلك من السمن يقول لو كان المانع من الوصلك فراقا وبعدا غير الهجران لحملنا الإبل على السير حتى يذوب نقيها للهزال أي لأتعبناها في طلب البعد بيننا كما قال أيضا، نأي المليحة البخل، في البعد ما لا تكلف الإبل، وأراد بعد غير هجرك فلما قدم وصف النكرة نصبه على حال
    ولسرنا ولو وصلنا عليها ... مثل أنفاسنا على الأمارق
    قال ابن جنى أي لو وصلنا إليك وهي تحملنا على استكراه ومشقة كما نحمل ارماقنا أنفاسنا وهذا الذي قاله محال كيف يحمل الرمق النفس وكيف تكون الأنفاس على الأرماق بالمعنى الذي ذكره وإنما يعني إنا نحاف مهازيل لم يبق منها إلا القليل كما قال الآخر، أنضاء شوق على أنضاء أسفارٍ، وكما قال هو أيضا، برتني السرى بريَ المدى فرددنني، أخف على المركوب من نفسي جرمي، والمعنى أبلنا كالأرماق ونحن كالأنفاس والهاء في عليها للمناقي
    ما بنا من هوى العيون اللواتي ... لون أشفارهن لون الحداق
    هذا استفهام معناه التعجب يقول أي شيء أصابنا من هوى العيون السود الأشفار والاحداق والاشفار منابت الأهداب يصفها بالكحل
    قصرت مدة الليالي المواضي ... فأطالت بها الليالي البواقي
    يقول قصرتها بالوصال وطولتها بالهجر وأيام الوصال توصف بالقصر وأيام الفراق توصف بالطول وعني بالمواضي ليالي الوصل وبالبواقي ليالي الفراق وإنما طالت بالليالي المواضي أي يذكرها ويتحسر عليها
    كاثرث نائل الأمير من الما ... لِ بما نولت من الإبراق
    الإيراق مصدر قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئا وأورق الغازي إذا لم يغنم والناس يحملونه في هذا البيت على الأفعال من الأرق وكان الخوارزمي يقول في تفسير هذا البيت هي تطلب باسهادها الغاية طلب الأمير بأنالته النهاية فكأنها تكاثره نوالا لكن نوالها الأرق ونواله الورق فإن كان أبو الطيب أراد بالإيراق هذا فقد أخطأ لأنه لا يبني الأفعال من الأرق إنما يقال أرق يأرق أرقا وأرقه تأريقا والأولى أن يحمل الأيراق على منع الوصل والتجنيب منه يقول هي في منعها وصلها في النهاية كما ان الأمير في بذله نائله قد بلغ الغابة فكأنها تكاثر عطاه بمنعها.
    ليس إلا أبا العشائر خلق ... ساد هذا الأنام باستحقاق
    طاعن الطعنة التي تطعن الفي ... لق بالذعر والدم المهراق
    يقول طعنته لسعتها وبعد غورها تطعن الجيش كلهم لأنهم يرون ما يخرج منها من الدم فيخافون لذلك خوفا شديدا فكان تلك الطعنة طعنتهم وكأنه طعنهم جميعا بهذه الطعنة الواحدة
    ذات فرعٍ كأنها في حشى المخ ... بر عنها من شدة الإطراق
    الفرع مخرج الماء من بين العراقي ويقال أطرق راسه إذا خفضه يقول لها فرغ يخرج منه الدم كفرع الدلو ومن سمع بها أطرق من خوفها حتى كأنها في جوفه استعظاما لها وذات مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف على تقدير طعنته ذات فرع ومن نصب فهي حال من الطعنة بمعنى واسعة كأنه قال تطعن الفيلق طعنة واسعة.
    ضارب الهام في الغبا روما ير ... هب أن يشرب الذي هو ساقي
    يعني أنه يسقي الأقران كؤوس الموت ولا يبالي بها لو شرب ذلك هو
    فوق شقاء للأشق مجال ... بين أرساغها وبين الصفاق
    يقال فرس أشق إذا كان رحب الفروج طويل القوائم يقول فوق أنثى طويلةٍ يجول بين قوائمها الذكر الطويل من الخيل والصفاق جلة البطن
    ما رآها مكذب الرسل إلا ... صدق القول في صفات البراقِ
    يقول من نظر إليها في سرعتها صدق ما يروى في الأخبار من صفات البراق فإنه سار ليلةً من الأرض إلى السماء
    همه في ذوي الأسنة لا في ... ها وأطرافها لها كالنطاق
    أي إذا أحاطت به الأسنة حتى صارت كالنطاق حوله فحينئذ همته في الأبطال لا في اسنتهم ليتحرز منها يشير إلى قلة فكره في الأسنة المحيطة به وإنها لا تثنيه عنهم
    ثاقب العقل ثابت الحلم لا يق ... در مرء له على إقلاقِ
    لا يقلقه امرؤ لثبات حلمه
    يا بني الحارث بن لقمان لا تع ... دمكم في الوغى متون العتاق
    دعا لهم بأن لا يفارقوا ظهور الخيل ولا تعدمهم الخيل فرسانا في الحرب وقوله في الوغى حشو لكن فيه نكتة وهي أنهم ملوك إنما يركبون الخيل لحرب أو للدفع ملم لذلك خص حالة الحرب
    بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
    يقول هيجوا الخوف في قلوب الأعداء فكأنهم قاتلوهم قبل أن لقوهم لشدة خوفهم قبل اللقاء
    وتكاد الظبي لما عودوها ... تنتضي نفسها إلى الأعناق
    أي أنها عودت أن تغمد في الأعناق فتكاد تخرج من أغمادها إلى الأعناق قبل الاستلال
    وإذا أشفق الفوارس من وق ... ع القنا أشفقوا من الإشفاق
    الإشفاق الخوف والحذر يقول إذا خاف الفرسان من وقع الرماح خافوهم من الخوف ومن أن ينسبوا إلى الجبن والجزع فتجلدوا وصبروا
    كل ذمرٍ يزيد في الموتِ حسنا ... كبدورٍ تمامها في المحاقِ
    الذمر الرجل الشجاع وجمعه أذمار قال ابن جنى أي هو من قوم أحسن احوالهم عندهم إن يقتلوا في طلب المجد والشرف فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعا وتصرفا وقال ابن فورجة أراد أن البدور يفضي أمرها إلى المحاق فهو غايتها التي تجري إليها ومصيرها الذي تصير إليه هؤلاء القوم أيضا تمام أمورهم القتل وليس التمام في هذا البيت الذي يعني به استكمال الضوء والدليل على ذلك أنه قال كبدور والبدور لا تكون بدورا إلا بعد استكمال ضوءها ولو أراد استكمال الضوء لقال كأهلة هذا كلامه وعلى ما ذكره لا مدح في هذا البيت فإن كل حي على ما ذكره يفضي أمره إلى الموت وآخره الهلاك وإنما شبههم ببدور تمامها في المحاق بزيادتهم حسنا بالموت لا بانتهاء آخر أمرهم إلى الموت والمعنى أنهم إذا قتلوا في طلب المجد والذكر أزاداد شرفهم فزاد حسن ذكرهم بموتهم كالبدور فإنها تستفيد الكمال بالمحاق وما لم يصر إلى المحاق لم يتم لأنه من المحاق يرتفع إلى درجة الكمال فمحاقها سبب كمالها كذلك هؤلاء بأن يقتلوا يتكسبون ذكرا وشرفا والذي ذكره أبو الفتح وجه آخر وهو أنه شبههم ببدور تمامها في محاقها إن وجد ذلك وجاز وجوده والذي ذكرنا هو الوجه
    جاعلٍ درعه منيته إن ... لم يكن دونها من العار واقي
    قال ابن جنى أي ينغمس في منيته كما ينغمس في درعه مخافة العار وهذا تفسير غير كافٍ ولا مقنع وليس للإنغماس ههنا معنى إنما يريد أنه يتقي العار ولو بموته فإن لم يجد واقيا من العار غير منيته جعلها درعا له فاتقى بها العار وإنما جعل منيته درعه لأنه اتقى بها العار كما يتقي الموت والهلاك بالدروع.
    كرم خشن الجوانب منهم ... فهو كالماء في الشفار الرقاقِ
    أي له كرم خشن جوانبه للاعداء لأنه لا ينفاد لهم بل يأتي عليهم بما فيه من الكرم ثم شبه ذلك الكرم بالماء وهو لين عذب وإذا صار في شفار السيف شحذها ونفذها وجعلها قاطعة ذات غربٍ وحدة كذلك كرمه فيه ليس لأوليائه وخشونة على أعدائه وهو كما قال ابن جنى أي أنه رقيق الطبع في المنظر فإذا سيم خسفا خشن جانبه واشتد إباؤه
    ومعالٍ إذا ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق
    يا ابن من كلما بدوت بدا لي ... غائب الشخص حاضر الأخلاق
    أي أنت شديد الشبه بأبيك فإذا ظهرت لي شاهدت فيك أخلاقه وإن غاب شخصه
    لو تنكرت في المكر لقومٍ ... حلفوا أنك انبه بالطلاق
    التنكر إن يغير الزي حتى لا يعرف يقول لو غيرت زيك في الحرب حتى لا يعرفك أهلها لعرفوك بشبه أبيك حتى يحلفوا بالطلاق أنك ابنه
    كيف يقوى بكفك الزند والآف ... اق فيها كالكف في الآفاق
    يقول كيف يطيق زندك حكمل كفك وقد اشتملت على نواحي الأرض أي اقتدرت على الدنيا كلها فصغرت في قبضتك حتى صارت بمنزلة كف الإنسان في سعة الآفاق
    قل نفع الحديد فيك فما يل ... قاك إلا من سيفه من نفاق
    يقول اعداؤك لا يقدرون عليك بالحديد لامتناعك عن اسلحتهم ببأسك وشجاعتك وشدة شوكتك فلا يلقاك إلا من يخدعك بنفاقه فيجعل النفاق سيفا له والمعنى إن اعداءك يحيدون عن مجاهرتك بالحرب إلى موارتك بالنفاق
    إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق
    يقول الأنفس ألفت الهواء فظنت أن الموت كريه الذوق لإلفها الهواء الرقيق الطيب وذلك أوقع في أنفسهم أن الموت مر الطعم وفي هذا بيان عذر أعدائه حين جنبوا عنه ولم يجاهروه بالحرب لأن حب الحياة زين لهم الجبن وأراهم طعم الحمام مرا وهو نفس منقطع وربما كان راحة المريض والمغموم ويجوز أن يكون هذا ابتداء كلامس لا يتصل بما قبله
    والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق
    قال أبو الفضل العروضي يقول لا يجب أن ياسى الإنسان للموت بعد يقينه بوقوعه فإنه قبل الوقوع لا ينفع الحذر وينغص العيش فإذا وقع فلا أسى عليك ولا علم لك به وقد نسب في هذا إلى الإلحاد وقال ابن فورجة يقول إن خوف الموت من اكاذيب النفس ومن إلفنا هذا الهواء وإلا فقد علم أن الحزن على فراق الروح قبل فراقه من العجز وعلم ايضا أن الحزن على المفارقة لا يكون بعد الموت فلما ذا يجبن الإنسان هذا كلامه وهذا البيت والذي قبله حث على الشجاعة وتحذير عن الجبن وتهوين للموت لئلا يخافه الإنسان فيترك الإقدام هذا مراد أبي الطيب ولم يقصد الالحاد وإنما قال هذا من حيث الظاهر
    كم ثراء فرجت بالرمح عنه ... كان من بخل أهله في وثاق
    يقول كم مالٍ كان البخل قد أوثقه ومنعه عن طلابه قتلت أربابه فاطلقت عنه الوثاق وأبحته لطلابه

    عبدالله عمر

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق
    يقول يقبح المال في يد اللئيم لأنه يبخل به عن حقوقه كما يقبح الكريم في الإملاق والعسرة وأراد أن يقول كما يقبح الفقر في يد الكريم فقلب للضرورة والقافية ومثل المصراع الأول قول أبي تمام، كم نعمة لله كانت عنده، فكأنها في غربة وإسار، وقول العطوى، نعمة الله لا تعاب ولكن، ربما استقبحت على أقوام، لا يليق الغنى بوجه أبي يعلى ولا نور بهجة الإسلام، وسخ الثوب والقلانس والبرذون والوجه والقفا والغلام،
    ليس قولي في شمس فعلك كالشم ... س ولكن في الشمس كالإشراق
    استعار لفعله شمسا لشهرته يقول لا يبلغ قولي محل فعلك ولكنه يدل عليه ويحسنه كالإشراق في الشمس
    شاعر المجد خدنه شاعر اللف ... ظ كلانا رب المعاني الدقاق
    أي أنت شاعر المجد أي العالم به وبدقائقه وأنا شاعر اللفظ وكل واحد منا صاحب المعاني الدقيقة ومثله للطاءي، غربت خلائقه وأغرب شاعر، فيه فأبدع مغرب في مغرب، وعني بالخدن نفسه جعل نفسه خدنا للممدوح تكبرا وفخرا
    لم تزل تسمع المديح ولك ... ن صهيل الجياد غير النهاقِ
    يقول لم تزل تمدح وتسمع الأشعار في مديحك ولكن شعري يفضل ما سمعته كما يفضل صهيل الجياد نهيق الحمير
    ليت لي مثل جد ذا الدهر ... في الأدهر أو رزقه من الأرزاق
    يقول دهرك مجدود مرزوق بك فليت لي مثل ما له من الجد والرزق ثم بين ذلك فقال
    أنت فيه وكان كل زمان ... يشتهي بعض ذا على الخلاق
    مثله قول مسلم، فالدهر يغبط أولاه أواخره، إذ لم يكن هو في أعصاره الأول.
    ودخل عليه يوما وهو على الشراب وبيده بطيخة من ندّ معنبر في غشاء من خيزران على رأسها عنبر قد أدير حولها قلادة من در فحياه بها وقال بماذا تشبه هذه فقال
    وبنيةٍ من خيزرانٍ ضمنت ... بطيخة نبتت بنارٍ في يد
    البنية المبنية يعني ما اتخذ من الخيرزان وعاء لهذه البطيخة ولما قال بطيخة قال نبتت لأنها من النوابت إلا أنه جعل نباتها بنارٍ في يد صانعها وذلك أنها أديرت باليد على النار حتى تمت واستوت
    نظم الأمير لها قلادة لؤلؤ ... كفعاله وكلامه في المشهد
    شبه القلادة المنظومة في حسنها بفعله وكلامه الذي يتكلم به في مشهد من الناس
    كالكاس باشرها بالمزاج فأبرزت ... زبداً يدور على شرابٍ أسود
    جعل الشراب أسود لسواد الكاس ثم جعله ممزوجا ليعلوه الزبد فيشبه القلادة التي عليها.
    وقال فيها أيضا
    وسوداء منظوم عليها لآلىء ... لها صورة البطيخ وهي من الند
    كأن بقايا عنبرٍ فوق رأسها ... طلوع رواعى الشيب في الشعر الجعد
    قد ذكرنا تفسير رواعي الشيب عند قوله راعتك راعية البياض ويمكن أن تكون الرواعي جمع راعية التي قلبت من رائعة على ما ذكرنا وروة الخوارزمي دواعي الشيب بالدال يعني أوائله التي تدعو سائر الشعر إلى البياض وقال ابن جنى قال الجعد لأن السواد أبدا مع الجعودة قال ابن فورجة ليس كذلك لأن الزنج يشيبون ولا تزول جعودة شعرهم وإنما أتى بالجعد للقافية فقط.
    وقال أ]ضا فيها
    ما أنا والخمر وبطيخة ... سوداء في قشرٍ من الخيزران
    من رفع الخمر عطفها على أنا ومن نصب جعل الواو بمعنى مع وجعل غلافها قشرا لها
    يشغلني عنها وعن غيرها ... توطئتي النفس ليوم الطعان
    وكل نجلاء لها صائك ... يخضب ما بين يدي والسنانِ
    يعني طعنة واسعة لها دم لاصق يلصق بالمطعون ويخضب الرمح.
    وقال أيضا يمدح أبا العشائر الحسين بن عليّ بن حمدان
    مبيتي من دمشقَ على فراش ... حشاه لي بحرِّ حشاي حاشى
    يقول أبيت على فراش حار حشى بحرارة قلبي من الهوى يعني حرارة الهوى وإن فراشه صار حارا
    لقي ليلٍ كعين الظبي لونا ... وهمٍّ كالحميا في المشاش
    اللقى الشيء الملقى يعني أن الليل القاه على فراشه والحميا الخمر والمشاش رؤس العظام الرخوة والمصراع الأول من قول الطاءي، إليك تجرعنا دجى كحداقنا، والثاني من قول الأبيرد، عساكر تغشى النفس حتى كأنني، أخو سكرةٍ دارت بها مني الخمر، والمعنى إن الحزن ملأ حشاه وتمشي فيه تمشي الخمر في العظام.
    وشوقٍ كالتوقد في فؤادٍ ... كجمرٍ في جوانح كالمحاش
    المحاش والمحاش لغتان فيما احرقته النار يقال محشته النار أي احرقته وسودته شبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت واحد شبه شوقه بتوقد النار وقلبه بجمر نار وجوانحه وهي اضلاعه بشوى احرقته النار.
    سقى الدم كل نصلٍ غير نابٍ ... وروى كل رمحٍ غير راشِ
    دعا بالسقيا لكل نصل لا ينبو عن الضريبة وكل رمح غير ضعيف يقال رمح راش أي خوار ضعيف وجمل راش الظهر ضعيفه ورجل راش وهو مثل قولهم كبش صاف ورجل مال أي ذو مالٍ
    فإن الفارس المنعوت خفت ... لمنصله الفوارس كالرياش
    المنعوت الموصوف الذي سارت صفته بالشجاعة فيما بين الناس فعرفوه بنعته كذا رواه الخوارزمي وروى ابن جنى المبغوت وهو الذي بغته الشيء أي فاجأه يعني ما كان عرض لأبي العشائر من الجيش الذي كبسه بانطاطية وكان أبلى ذلك اليوم بلاء حسنا ومعنى خفت لمنصله تطايرت عن سيفه تطاير الريش
    فقد أضحى أبا الغمرات يكنى ... كأن أبا العشائر غير فاش
    يقول صار يكنى أبا الغمرات وهي الشدائد لالتباسه بها ودخوله فيها فكأن كنيته المعروفة غير فاشية وذكر الكنية لأنه ذهب إلى الأسم والكنية أسم على الحقيقة أو ذهب إلى الأب وكان المراد به الكنية
    وقد نسي الحسين بما يسمى ... ردي الأبطال أو غيث العطاش
    أي نسي اسمه العلم بما سموه به من ردى الأبطال أي هلاك الشجعان أو غيث العطاش يعني أ، هذين غلبا على اسمه المشهور حتى ترك ذلك فلا يسمى إلا بأحد هذين.
    لقوه حاسراً في درع ضربٍ ... دقيق النسج ملتهب الحواشي
    الحاسر الذي لا درع عليه وأراد أنه من ضربه الأعداء في درع لأن ضربه بالسيف يحميه ولما جعل ذلك درعا له جعله دقيق النسج وإن لم يكن هناك نسج أو شبه الآثار الدقيقة على سيفه بالنسج الدقيق ولهذا قال ملتهب الحواشي لأنه أراد به السيف الذي كأنه نار تلتهب وذكر الدرع على اللفظ
    كأن على الجماجم منه نار ... وأيدي القوم أجنحةُ الفراش
    أي كأنه يحرق الجماجم لشدة ضربه إياها ولن سيفه يلمع كالنار عليها وكأن أيدي القوم أجنحة الفراش لأنها تطير بضربه إياها فشبه أيدي القوم المقطعة حوله بالفراش حول النار
    كأن جواري المهجات ماء ... يعاودها المهند من عطاش
    المهجة دم القلب والعطاش شدة العطش وهي من الفعال الذي للأدواء كالصداع والزكام يعاود الماء يقول سيفه لا يزال يعاود دماء أعدائه بماء وجعل سيفه يعاوده مرة بعد مرة كالعطشان يعاود الماء يقول سيفه لا يزال يعاود دماء أعدائه فكأنه عطشان يعاود شرب الماء
    فولوا بين ذي روحٍ مفاتٍ ... وذي رمقٍ وذي عقلٍ مطاش
    أي إنهزموا عنه وهم من بين مقتول قد أفات عليه روحه فروحه مفات وآخر به رمق وآخر قد طاش عقله وتحير يقال طاش عقله أي ذهب واطاشه الله
    ومنعفر لنصل السيف فيه ... توارى الضب خاف من احتراش
    المنعفر المتلطخ بالتراب والاحتراش صيد الضب يقول قد غاب السيف في هذا المنعفر كما يغيب الضب في جحره إذا خاف احتراشا.
    يدمى بعض أيدي الخيل بعضاً ... وما بعجايةٍ أثر ارتهاشِ
    العجاية عصبة في اليد فوق الحافر والارتهاش اصطكاك اليدين حتى تنعفر الرواهش وهي عصب الذراع يقول ازدحمت الخيل عادية بين يديه في سوق انطاكية فدمت أيدي بعضها أيدي بعض ولم يكن ثم ارتهاش ويجوز أن تكون التدمية من دماء القتلى
    ورائعها وحيد لم يرعه ... تباعد جيشه والمستجاش
    يعني بالرائع الممدوح الذي راعهم أي افزعنم أي لم يفزعه انفراده من جيش وبعده من سيف الولة وهو المستجاش يعني المطلوب منه الجيش
    كأن تلوى النشاب فيه ... تلوى الخوص في سعفٍ العشاش
    الخوص ورق النخل والسعف اغصانها والعشاش جمع عشة وهي الدقيقة من النخل وكان قد رمى بسهم فتلوت فيه كتلوى الخوص في أغصان النخل
    ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
    النهب الغارة وأهل النهب الجيش والقماش متاع البيت يقول الاغارة على نفوس أهل الغارة أحق بالأشراف من الإغارة على الأقمشة وهو من قول أبي تمام، أن الأسود أسود الغاب، البيت
    تشارك في الندام إذا نزلنا ... بطان لا تشارك في الجحاش
    الندام المنادمة والبطان جمع بطين وهو الكبير البطن الرغيب والجحاش المجاحشة وهي المدافعة في القتال يقول يشاركنا في شرب الخمر إذا نزلنا عن الخيل رجال يكثرون الأكل ولا يشاركون في القتال
    ومن قبل النطاح وقبل يأنى ... يبين لك النعاج من الكباش
    النطاح مناطحة ذوات القرون ثم يستعمل في الحرب وقبل رواه الخوارزمي نصبا على الظرف ورواه غيره خفضا بالعطف على ما قبله ويأنى يحين من قولهمأني الشيء يأنى أنى يقول قبل المناطحة وقبل أوانها يتبين من يناطح ممن لا يناطح ومن يقاتل ممن لا يقاتل وذلك إن الكباش تتلاعب بقرونها وإن لم ترد الطعن بها وكذلك يتلاعب الناس بالأسلحة في غير الحرب فيعرف من يحسن استعمالها ممن لا يحسن.
    فيا بحر البحور ولا أورى ... ويا بدر البدور ولا أحاشي
    أكثر الرواية ويا ملك الملوك والتورية الاخفاء والستر يقول لا استر قولي بل أجهر به ولا أحاشي أي لا أدع أحدا ولا استثنى انسانا كما قال النابغة، وما أحاشي من الأقوام من أحد،
    كانك ناظر في كل قلب ... ولا يخفى عليك محل غاش
    يقول لفطنتك وذكاء قلبك كأنك ناظر في قلوب الناس ترى ما فيها فليس يخفى عليك محل قاصد يأتيك ويزورك وغاش يغشاك وغاشية الرجل الذين يأتونه ويزورونه ومنه قول ذي الرمة يصف سفوادا، وذي شعب شتى كسوت فروجه، لغاشية يوما مقطعة حمرا، وقال حسان، يغشون حتى ما تهر كلابهم، لا يسألون عن السواد المقبل، ومثل هذا في المعنى قوله، ويمتحن الناس الأمير برائه، ويقضي على علمٍ بكل ممخرق،
    أأصبر عنك لم تبخل بشيء ... ولم تقبل عليّ كلام واشِ
    وكيف وأنت في الرؤساء عندي ... عتيق الطير ما بين الخشاش
    وكيف أصبر عنك وأنت في جملة الرؤساء كالكريم من الطير بين صغارها
    فما خاشيك للتكذيب راجٍ ... ولا راجيك للتخييب خاشى
    قال ابن جنى أي ليس يرجو من يخشاك أن يلقي من يكذبه ويخطئه في خوفك لأن الناس مجمعون على خوفك وخشيتك ومعنى راج خائف وقال ابن فورجة أي أن خاشيك حال به بأسك وواقع به سخطك وانتقامك فما يرجو تكذيبا لما خافه لشدة خوفه ولا راجيك يخشى أن تخيبه لفيض عرفك انتهى كلامه والصحيح في هذا البيت رواية من روى فما خاشيك للتثريب راج أي من خشيك لم يخف أن يثرب ويعثر بخشيتك وراج خائف ومن روى للتكذيب لم يكن فيه مدح لأن المدح في العفو لا في تحقيق الخشية وإنما يمدح بتحقيق الأمل وتكذيب الخوف كما قال السري، إذا وعد السراء أنجز وعده، وإن وعد الضراء فالعفو مانعه،
    تطاعن كل خيل سرت فيها ... ولو كانوا النبيط على الجحاش
    أي إذا كنت في قوم شجعوا بمكانك وإن كانوا أنباطا على حمر
    أرى الناس الظلام وأنت نور ... وإني فيهم لإليك عاش
    يقول عشوت إلى النار أعشو عشوا فإنا عاش إذا اتيتها ليلا يقول أنت فيما بين الناس كالنور في الظلام وأني قاصد إليك اطلب من عندك الخير كما تؤتى النار في ظلمة الليل
    بليت بهم بلاء الورد يلقى ... أنوفا هن أولى بالخشاش
    أي تأذيت بلقاء غيرك ولم يليقوا بي كما لا يليق الورد بأنوف الإبل قاله ابن جنى ويجوز أن يريد بقوله أنوفا هن أولى بالخشاش أنوف اللئام من الناس الذين أنوفهم أولى بالخشاش من أن تشم الورد
    عليك إذا هزلت مع الليالي ... وحولك حين تسمن في هراش
    أي هم عليك مع الدهر أعوانا له إذا كنت مهزولا أي إذا افترقت فصرت كالمهزول الذي لا لحم عليه وإذا كثر مالك فصرت كالرجل السمين كانوا حولك يتهارشون والمعنى أ،هم عيال في الحرب وإذا رجعت من القتال بالغنيمة خيموا لديك وتهارشوا حولك
    أتى خبر الأمير فقيل كروا ... فقلت نعم ولو لحقوا بشاش
    يقول ورد خبر الأمير وإنه مع جيشه كروا على العدو فقلت لهم نعم تصديقا لهذا الخبر يكر ولو لحق عدوه بالشاش فهو قول البحتري، يضحى مطلا على الأعداء لو وقعوا، بالصين في بعدها ما استبعد الصينا، ويجوز أن يكون المعنى لما أتى خبره بالإنصراف بالظفر قال هؤلاء الذين حوله حين يسمن كروا أي قال بعضهم لبعض كروا إليه ومن يروى بفتح الكاف أي قيل أنهم قد كروا فقلت نعم وإن بعدوا عنه يكرون ويرجعون إليه وقال ابن جنى كان أبو العشائر استطرد للخيل وولى بين أيديها هاربا ثم جاء خبره أنه كر عليهم راجعا فلو لحق بشاش لوثقت بعودته هذا كلامه وعلى هذا إنما قال كروا ولحقوا والمذكور في أول البيت الأمير لأنه أراده ومن معه من أصحابه وقال ابن فورجة الرواية بضم الكاف والمعنى أي خبر الأمير بظفره بالعدو فقيل لنا معشر المستميحين كروا فقلت نعم يكرون ولو لحقوا بشاب أي ولو كان على البعد منهم قال ولم يرو يفتح الكاف إلا ابن جنى
    يقودهم إلى الهيجا لجوج ... يسن قتاله والكر ناش
    عنى باللجوج أنه لا ينثني عن أعدائه ولا يزال يغزوهم ومعنى قوله يسن قتاله يطول وقت قتاله حتى يصير كالمسن الذي طال عمره وكره ناش شاب في آخر القتال كما كان في أوله
    وأسرجت الكميت فناقلت بي ... على إعقاقها وعلى غشاشي
    يقال للذكر والأثنى كميت كما قال، كميت غير محلفة ولكن، كلون الصرف علَّ به الأديم، والمناقلة أن تحسن نقل يديها ورجليها بين الحجارة ومنه قول جرير، مناقل الأجرال يقال أعقت الدابة إذا انفتق بطنها للحمل وهي عقوق والغشاش العجلة أي أنها اسرعت بي على ثقلها وعلى عجلتي
    من المتمردات تذب عنها ... برمحي كل طائرةٍ الرشاشِ
    التمرد تفعل من المارد والمريد وهو الذي قد أعيى خبثا والمتمردة الممتنعة يصف فرسه بالخبث وترك الإنقياد لمن لا يحسن ركوبها والمعنى أني أصونها برمحي عن كل طعنة يترشش دمها.
    ولو عقرت لبلغني إليه ... حديث عنه يحمل كل ماشي
    يقول لو عقرت فرسي فلم تحملني إليه لبلغني إليه حديث عنه أي عن الممدوح يحمل كل ماش إليه حتى لا يحتاج إلى الدابة أي يشوقه إلى قصده ما يسمع من الثناء عليه ويجوز أن يكون معنى حمل حديثه الماشي إليه أنه إذا ذكرت اخباره وما يحدث عنه لم يجد مس النصب والإعياء لاستطابته ذلك الحديث فكأن الحديث حمله ويقول المصطحبان في السفر أحدهما للآخر احملني أي حدثني حتى اشتغل به فيقطع الطريق بالحديث هذا على رواية من روى كل بالنصب ومن روى بالرفع رد الضمير في عنه إلى الحديث يعني أن كل ماش في الأرض يحمل عن حديثه لشيوع اخباره
    إذا ذكرت مواقفه لحافٍ ... وشيك فما ينكس لانتقاش
    شيك أي دخلت الشوكة رجله والانتقاش أخراج الشوكة من الرجل قال ابن جنى إذا ذكرت مواقف أبي العشائر في السخاء والعطاء لأنسان حاف ودخل الشوكة في رجله لم ينكس رأسه ليستخرج الشوكة من رجله بل يمضي مسرعا إليه قال ابن فورجة المواقف قل ما يستعمل إلا في الحرب وإنما يريد أن الشجاع إذا وصفت له مواقفه تاق إليه ورغب في صحبته فاسرع إليه والذي يدل على صحة قول ابن فورجة رواية من روى وقائعه وهي لا تستعمل إلا في الحرب

    عبدالله عمر

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    يزيل مخافة المصبور عنه ... ويلهي ذا الفياش عن الفياش
    المصبور المحبوس على القتل يقال قتل فلان صبرا والفياش المفايشة المفاخرة يقول أنه يستنقذه من القتل فيزيل خوفه ويشغل المفاخر عن المفاخرة لأنه يتواضع له ويقر بفضله ومن روى تزيل وتلهى بالتاء فقد خاطب
    وما وجد اشتياق كاشتياقي ... ولا عرف انكماشٌ كانكماشي
    أي لم يشتق أحد اشتياقي إليك ولم يعجل أحد إليك عجلتي والإنكماش الجد في الأمر
    فسرت إليك في طلب المعالي ... وسار سواي في طلب المعاش
    هذا من قول أبي تمام، ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم، فإني لم أخدمك إلا لأخدما، ومثله كثر وأرسل بازيا إلى حجلة فأخذها فقال أبو الطيب
    وطائرة تتبعها المنايا ... على آثارها زجل الجناح
    يعني بالطائرة الحجلة ويقال تبعه واتبعه وتتبعه بمعنى والزجل الصوت والنعت منه زجل واراد بالزجل الجناح البازي لانه يصوت بجناحه إذا طار يقول المنايا تتبع هذه القبجة وعلى آثارها باز زجل الجناح ويجوز أن ينتصب الزجل على الحال إذا أردت بالمنايا البازي لأنه سبب منايا الطير فتريد يتبعها البازي زجل الجناح
    كأن الريش منه في سهام ... على جسد تجسم من رياح
    منه أي من هذا الزجل جعل قصب ريشه سهاما إما لصحتها واستوائها وإما لسرعة مرورها وإما لأنها سبب قتل الطائر وجعل جسده جسما من رياح لسرعة انكداره على الصيد
    كأن رؤس أقلام غلاظ ... مسحن بريش جؤجؤه الصحاح
    الجؤجؤ الصدر شبه سواد صدره بآثار مسح رؤس أقلام غلاظ وروى ابن جنى غلاظا نصبا على النعت للرؤس وذلك اجود لأن القلم قد يغلظ ورأسه دقيق وقد يدق ورأسه غليظ والصحاح جمع الصحيح وهو نعت للريش اريد به جمع ريشة يريد استوآءها وبعدها عن التشعب والانتشار ويروى الصحاح وهو بمعنى الصحيح صفة للريش على لفظة أو للجؤجؤ
    فأقعصها بحجن تحت صفر ... لها فعل الأسنة والرماح
    أقعصها قتلها قتلا وحيا والحجن مخالبه المعوجة والصفر أصابعه
    فقلت لكل حي يوم موت ... وإن حرص النفوس على الفلاح
    وقال له أبو العشائر في هذه السرعة قلت هذا فقال
    أتنكر ما نطقت به يديها ... وليس بمنكر سبق الجواد
    أراكض معوصات القول قسراً ... فأقتلها وغيري في الطراد
    المعوصات الصعاب يقال أعوص الأمر إذا اشتد والمراكضة المطاردة ومعنى قسرا كرها يقال قسره على الأمر إذا اكرهه عليه يقول أكره عويص الشعر حتى يلين لي فأذلله وغيري من الشعراء بعد في المطاردة ولم يتمكنوا من أخذ الصيد يصف قوة فكره وسرعة خاطره وجعل الشعر كالصيد النافر يصاد كرها فاستعمل ألفاظ الطرد ودخل عليه وعنده إنسان ينشده شعرا وصف بركة له ولم يذكره في ذلك الشعر فقال أبو الطيب

    لئن كان أحسن في وصفها ... لقد ترك الحسن في الوصف لك
    يقول إن أحسن في وصف البركة فقد ترك الحسن في وصفه إياك لأنه لم يصفك ولم يمدحك ثم ذكر أنه إنما عابه بترك الحسن في وصفه لقوله
    لأنك بحر وإن البحار ... لتأنف من حال هذي البرك
    يقول كان وصفه لك أولى من وصف البركة لأنك بحر والبحار تأنف من البرك لاستصغارها إياها والذي سنعته في معنى البيتين إن ذلك الشاعر كان شبه البركة بأبي العشائر فقال أبو الطيب أنه قد ترك الحسن في وصفك حيث شبهها بك وأنت بحر والبحر فوق البركة بكثير وهذا هو القول والأول ذكره ابن دوست
    كأنك سيفك لا ما ملك ... ت يبقى لديك ولا ما ملكت
    يقول أنت كسيفك لأنك تفني ما تملكه فلا يبقى لديك وسيفك أيضا يفني ما يظفر به فلا يدع أحدا حيا وجعل السيف مالكا مجازا ويقال ملكتهم السيوف إذا لم يمتنعوا منها
    فأكثر من جريها ما وهبت ... وأكثر من مائها ما سفك
    من جريها أي من جري ماء البركة يقول ما جرى من هباتك أكثر مما جرى من ماء البركة وما سفك سيفك من الدماء أكثر من ماء البركة
    أسأت وأحسنت عن قدرة ... ودرت على الناس دور الفلك
    يقول أسأت على أعدائك وأحسنت إلى أوليائك عن قدرة عليهما وعممت الناس بالخير والشر عموم الفلك إياهم بالسعد والنحس وقال أيضا يمدح أبو العشائر الحسين بن علي الحمدان
    لا تحسبوا ربعكم ولا طلله ... أول حي فراقكم قتله
    جعل كون الاحبة في الربع حياة له وإرتحالهم عنه قتلا له وذلك إن الأمكنة إنما تحيى بالعمارة والسكان ولهذا يسمى البائر المهمل مواتا ويقال في ضد ذلك أحيا أرضا إذا عمرها فلما كان هذا مستعملا في الأمكنة جعل المتنبي خراب الربع وخلاءه عن السكان قتلا ولم يجعله أول مقتول بفراقهم لما ذكر بعده من قوله
    قد تلفت قبله النفوس بكم ... وأكثرت في هواكم العذله
    يقول قد تلفت نفوس العشاق قبل الربع بسببكم أو بهواكم أو بفراقكم وأكثر العاذلون عذلهم في هواكم لما رأوا من تهالكهم فيكم
    خلا وفيه أهل وأوحشنا ... وفيه صرم مروح إبله
    الصرم الجماعة من البيوت بمن فيها وجمعه اصرام والمروح الذي يروح إبله من المرعى يعنى أنه موحش خال وإن كان فيه ناس ونعم لارتحال أحبابنا عنه يقول هو وأنه كان قد حله أهل بعدهم كالخالي في حقي وموحش لي وإن كان فيه صرم من الناس فكأنه قفر لا أحد فيه ثم ذكر أنه لا بدل عن الحبيب الذي سار عنه فقال
    لو سار ذاك الحبيب عن فلكٍ ... ما رضى الشمس برجه بدله
    أحبه والهوى وأدؤره ... وكل حب صبابة ووله
    يجوز أن يكون والهوى عطفا على الضمير المنصوب في قوله احبه فيكون كقوله أيضا، وإني لأعشق من عشقكم، نحولي وكل فتى ناحلِ، ويجوز أن يكون في موضع خفض بالقسم كقول البحتري، أما وهواك حلقة ذي اجتهادٍ، ثم ذكر ماهية الحب فقال صبابة وهي رقة الشوق وله وهو ذهاب العقل
    ينصرها الغيث وهي ظامئة ... إلى سواه وسحبها هطله
    أي يسقيها السحاب وعطشها إلى غير المطر وهو الحبيب الذي كان ينزلها
    وا حربا منك يا جدايتها ... مقيمةً فاعلمي ومرتحله
    الحرب الهلاك يقول الواقع في الهلكة وا حربا والمعنى أنها تهجره عند الإقامة وتفارقه عند النأي
    لو خلط المسك والعبير بها ... ولست فيها لخلتها تفله
    العبير أخلاط تجمع من طيب والتفلة المنتنة الريح والضمير في بها للادؤر يقول إنما كانت تطيب لي رياها بك فإذا خلت عنك كانت عندي تفلة كقوله وكيف التذاذي بالأصائل والضحى، إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبا،
    أنا ابن من بعضه يفوق ابا ال ... باحث والنجل بعض من نجله
    يقول أنا فوق أب الذي يبحث عن نسبي ثم بين في المصراع الثاني أنه أراد ببعضه الولد والنجل الولد
    وإنما يذكر الجدود لهم ... من نفروه وأنفدوا حيله
    يقال نافرت فلانا فنفرته أي فاخرته ففخرته يقول إنما يذكر الأجداد للقوم الباحثين والمفاخرين من فضلوه وغلبوه بالفخر ولم يجد حيلة فافتخر بالآباء والمعنى إنما يحتاج إلى الفخر بجدوده من لا فضيلة له في نفسه
    فخرا لعضب أروح مشتمله ... وسمهري أروح معتقله
    أي إنهما يفتخران بي لا أنا بهما والاشتمال أن يتقلد السيف فتكون حمائله على منكبه كالثوب الذي يشتمل به وكان حقه أن يقول مشتملا به ولكنه حذف الجار نحو امرتك الخير
    وليفخر الفخر إذ غدوت به ... مرتديا خيره ومنتعله
    يقول لبست الفخر فصار رداء على منكبي ونعلا تحت قدمي فينبغي له أن يفخر بي ويروي حبره أي زينته
    أنا الذي بين الإله به الأقد ... ار والمرء حيثما جعله
    يقول بي بين الله مقادير الناس في الفضل فأنا أصف كل أحد بما فيه ويجوز ان يكون المعنى في بيان الأقدار به أن من أحسن إليه وأكرمه دل ذلك على مروته وميله إلى ذوي الفضل ومن استخفه ولم يبال به دل ذلك على خسة قدره ولوم خلقه كما قال البحتري، وإن مقامي حيث خيمت محنة، تدل على فهم الكرام الأجاود، ويدل على صحة هذا المعنى ما بعد هذا البيت وقوله والمرء حيث ما جعله أي حيثما جعل نفسه فمن صان نفسه ورفع قدرها رفع الناس أيضا قدره ومن تعرض للهوان أهين كما قال، إذا ما أهان امرء نفسه، فلا أكرم الله من يكرمه، ويجوز أن يكون المعنى والمرء حيثما جعله الله أي لا يقدر أحد أن يتقدم منزلته التي وضعه الله بها
    جوهرة تفرح الشراف بها ... وغضة لا تسيغها السفله
    إن الكذاب الذي أكاد به ... أهون عندي من الذي نقله
    الكذاب الكذب يعرض بقومٍ وشوا به إلى أبي العشائر ومعنى أكاد به أقصد به على وجه الكيد بي يقول ذلك الكذب أهون عندي من راويه وناقله أي لا أبالي به ولا بمن رواه
    فلا مبالٍ ولا مداجٍ ولا ... وإن ولا عاجز ولا تكله
    نفى عن نفسه هذه الصفات يقول لست مباليا بالكاذب وكذبه ولست مساترا عدواته ولست وانيا مقصرا في أمري وفيما يجب عليّ حفظه ولا عاجزا عن مكافاة المسيء ولا تكلةً وهو بمعنى الوكلة هو الذي يكل أمره إلى غيره ومثله التخمة والتؤدة
    ودارع سفته فخر لقا ... في الملتقى والعجاج والعجله
    سفته ضربته بالسيف يقال ساف يسيفه فهو سائف والعجلة يجوز أن يريد بها الاستعجال الذي يكون من الضارب والطاعن في الضرب والطعن ويجوز أن يكون بمعنى الثكل من قولهم ناقة عجول إذا فقدت ولدها ومنه قول الشاعر، إذا ما دعي الداعي عليا وجدتني، أراع كما راع العجول مهيب، ويجوز أن يكون بمعنى الطين قاله قطرب وثعلب من قوله عز وجل وخلق الإنسان عجولا من عجلٍ
    وسامعٍ رعته بقافية ... يحار فيها المنقح القوله
    المنقح الذي يهذب القول ويختاره والقولة الجيد القول الكثير وإنما أراد أنه يأتي بالقافية الجيدة بديها يرتاع لها السامع ويتحير فيها الشاعر المجيد
    وربما أشهد الطعام معي ... من لا يساوي الخبز الذي أكله
    أراد ومعي وهي واو الحال وقد تحذف كما تقول مررت به على يده باز وهذه رواية ابن جنى والخوارزمي وروى غيرهما يشهد وأشهد وهذا اليق بما يروى في القصة أنه كان قد وصل رجلا يعرف بالمسعودي باصحاب أبي العشائر ورقاه منادمته ثم تناوله المسعودي عند أبي العشائر
    ويظهر الجهل بي وأعرفه ... والدر در برغم من جهله
    مستحييا من أبي العشائر أن ... أسحب في غير أرضه حلله
    أي أفعل ما ذكرت مستحييا يريد أنه إنما أقام هناك لأنه يستحي من أبي العشائر أن يلبس حلله في غير بلده
    أسحبها عنده لدى ملكٍ ... ثيابه من جليسه وجله
    أي ثيابه لا تحب أن تفارقه لتشرفها به فهي تخاف أن يخلعها على جليسه
    وبيض غلمانه كنائله ... أول محمول سيبه الحمله
    يقول غلمانه البيض كنائله في أنه وهبهم ألا تراه يقول أول محمول سيبه الحملة أي أول ما حمله إليك من العطاء اولائك الذين يحملون ذلك العطاء
    ما لي لا أمدح الحسين ولا ... أبذل مثل الود الذي بذله
    هذا كالمعاتبة مع نفسه والأقرار بالتقصير في مدحه ومعارضته بمثل الود الذي يبذله
    أأخفت العين عنده خبراً ... أم بلغ الكيذبان ما أمله
    يقول أكذبتني عيني فيما أدت إليّ من محاسنه أم وجد الكاذب فرصة فغير ما بيننا ويجوز أن يريد بالعين الرقيب وأنث جريا على اللفظ يقول هل أخفى الرقيب عنده خبرا من اخباري في حبي إياه وميلي إليه وهذا استفهام انكار أي ليس الأمر على هذا يدل عليه قوله
    أم ليس ضراب كل جمجمةٍ ... منخوةٍ ساعة الوغى زعله
    منخوة متكبرة يقال نخى الرجل فهو منخو والرأي يوصف بالكبر يقال في رأسه نخوة والزعلة النشيطة
    وصاحب الجود ما يفارقه ... لو كان للجود منطق عذله
    أي عذله على اسرافه وكثرة عطاياه
    وراكب الهول لا يفتره ... لو كان للهول محزم هزله
    أي لا يفتره الهول وإن كثر ركوبه
    وفارس الأحمر المكلل في ... طيىء المشرع القنا قبله
    يريد بالأحمر فرسه الذي ركبه يوم وقعته بانطاكية والمكلل الحاد الماضي في الأمر يقال حمل فكلل أي مضى قدما ومن روى بفتح اللام أراد المتوج ويجوز في المشرع النصب على نعت الفارس والخفض على نعت الأحمر يعني الذي أشرع الاعداء نحوه رماحهم
    لما رأت وجهه خيولهم ... أقسم بالله لا رأت كفله
    فأكبروا فعله وأصغره ... أكبر من فعله الذي فعله
    يقال أكبرت الشيء إذا استكبرته قال الله تعالى فلما رأينه أكبرنه قال ابن جنى أي استكبروا فعله واستصغره هو وتم الكلام هاهنا ثم استأنف فقال اكبر من فعله الإنسان الذي فعله أي هو أكبر من فعله قال العروضي فيما أملاه عليّ هذا التفسير لا يكون مدحا لأن من المعلوم أن كل فاعل أكبر من فعله وأن الخالق تعالى ذكره فوق المخلوقين وقالوا أن خيرا من الخير فاعله وإن شرا من الشر فاعله ومعنى البيت أن البيت أن الناس استكبروا فعله واستصغره هو فكان استصغار لما فعل أحسن من فعله كما يقال أعطاني فلان كذا وكذا واستقله فكان استقلاله ذلك أحسن من عطائه ثم العجب أنه غلط في صناعةٍ هو إمامها المقدم فيها وذلك أن الذي يصلح أن يكون بمعنى من وبمعنى ما كما تقول رأيت الذي دخل ورأيت الذي فعلت وكان يجب أن يذهب في هذا إلى ما فذهب إلى من ففسد المعنى وروى الخوارزمي وأصغره بضم الراء أي وأصغر فعله أكبر مما استعظموه
    القاتل الواصل الكميل فلا ... بعض جميل عن بعضه شغله
    الكميل بمعنى الكامل يقال كمل يكمل وهو كامل وكمل يكمل وهو كميل وأنشد سيبويه، على أنني بعد ما قد مضى، ثلاثون للهجر حولا كميلا، وقد فسر البيت فيما بعد فقال
    فواهب والرماح تشجره ... وطاعن والهبات متصله
    تشجره تنفذ فيه وتخالفه ومنه قول سريجٍ بن أبي وفى، يذكرني حاميم والرمح شاجر، فلاه تلا حاميم قبل التقدم، يقول لا يمنعه الحرب عن الجود ولا الجود عن الشجاعة والمطاعنة
    وكلما آمن البلاد سرى ... وكلما خيف منزل نزله
    وكلما جاهر العدو ضحى ... أمكن حتى كأنه ختله
    يقول كلما حارب أعداءه جهارا تمكن منهم وظفر بهم حتى كأنه خادعهم وأتاهم بغتة
    يحتقر البيض واللدان إذا ... سن عليه الدلاص أو نثله
    اللدان الرماح اللينى جمع لدن ويقال سن عليه درعه وشن إذا صب الدرع على نفسه بأن لبسها ومثله نثل أيضا ولو قال نشله وهو بمعنى نزعه كان امدح ويكون المعنى أ،ه يحتقر السيوف والرماح دارعا كان أو حاسرا
    قد هذبت فهمه الفقهة لي ... وهذبت شعري الفصاحة له
    يقول فقاهة الممدوح فهمه في فهو يفهم شعري وفصاحتي هذبت شعري له فأنا آتيه به فصيحا
    فصرت كالسيف حامداً يده ... لا يحمد السيف كل من حمله
    أي أنا أحمده حمد السيف إياه والسيف لا يحمد كل حامل.
    وكان معه ليلا على الشراب فكلما أراد النهوض وهب له شيئا حتى وهب له ثيابا وجارية ومهرا فقال
    أعن إذني تهب الريح رهوا ... ويسري كلما شئت الغمامُ
    هذا استفهام معناهالإنكار يقول الريح لا تهب ساكنة سهلة بأذني وكذا الغمام لا يمشي على مشيتي ويريد بالريح والمغمام الممدوح في سرعته في العطاء وجوده يعني أن الذي يفعله ليس يفعله بإذني ومشيتي إنما يفعله طبعا طبع عليه وهو قوله
    ولكن الغمام له طباع ... والدهر لفظ وأنت معناه
    يقول الناس سواء أمثال وأشباه بعضهم لبعضٍ فإذا رأوك اختلفوا بك لأنك لا نظير لك فيهم وهذا كقوله، بعض البرية فوق بعضٍ خاليا، فإذا حضرت فكل فوقٍ دون، وأنت معنى الدهر لأنه بك يحسن ويسيء.
    والجود عين وفيك ناظرها ... والناس باع وفيك يمناه
    أنت من الجود بمنزلة الناظر من العين ومن الناس بمنزلة اليمين من الباع وهو من قول عليّ بن جبلة، ولو جزأ الله العلي فتجزأت، لكان لك العينان والأذنان،
    أفدي الذي كل مازقٍ حرجٍ ... أغبر فرسانه تحاماه
    المازق المضيق في الحرب والحرج الضيق وأغبر صفة مازق وهو الكثير الغبار وفرسانه ابتداء والخبر تحاماه أي تتحاماه والمضير يعود إلى الذي.
    أعلى قناة الحسين أوسطها ... فيه وأعلى الكمي رجلاه
    فيه في ذلك المازق يعني أنه يحمله برمحه فيناطر الرمح للينه حتى يصير أوسطه أعلاه ويكون الفارس الكمي منكسا كما قال امرء القيس، أرجلهم كالخشب الشائل،
    تنشد اثوابنا مدائحه ... بالسن ما لهن أفواه
    قال ابن جنى أي تتقعقع لجدتها وقال العروضي هذا كلام من لم ينظر في معاني الشعر ولم يرو الكثير منه وكنت أربا بابي الفتح عن مثل هذا القول ألم يسمع قول نصيب، فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله، ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب، ولم يكن للحقائب قعقعة إنما أراد أنهم يرونها ممتلئة كذلك أبو الطيب أراد أنا نلبس خلعه وأثوابه فيراها الناس علينا فيعلمون أنها من هداياه فكأنها فكأنها قد أثنت عليه وأنشدت مدائحه بألسنٍ لا تتحرك في أفواهٍ لأنها لا تنطق في الحقيقة إنما يستدل بها على جوده فكأنها أخبرت ونطقت
    إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه
    هذا تأكيد للبيت الذي قبله وذلك أن الأصم وغيره سواء من نطق الثوب فإن الأصم يراه كما يرى غيره فإذا راى استغنى عن أن يسمع أنه أعطى كالسامع
    سبحان من خار للكواكب بال ... بعد ولو نلن كن جدواه
    خار الله له بكذا إذا اختار له ذلك يقول سبحان الله الذي اختار للكواكب البعد ولو نيلت ووجدت لوهبها فدخلت في عطاياه ونلن وزنه فعلن مثل بعن يستوي فيه فعلن وفعلن ويقال نلن بين الضم والكسر مثل قيل لئلا يلتبس فعلن بفعلن
    لو كان ضوء الشموس في يده ... لضاعه جوده وأفناه
    ضاعه فرقه يقال ضعته فانضاع أي فرقته فتفرق وجمع الشمس على تقدير أن لكل يوم شمسا
    يا راحلا كل من يودعه ... مودع دينه ودنياه
    يريد أنه لا دين إلا به لانه يحفظه على الناس ولا دنيا إلا معه لأنه ملك فمن ودعه فقد ودعهما
    إن كان فيما نراه من كرم ... فيك مزيد فزادك الله
    وقيل لأبي العشائر لا تعرف إلا بكنيتك وما كناك أبو الطيب
    قالوا ألم تكنه فقلت لهم ... ذلك عيٌّ إذا وصفناه
    الإستفهام إذا دخل على النفي رده إلى التقدير كقوله تعالى أليس في جهنم مثوىً للكافرين أي فيها مثوى لهم كقول جرير، ألستم خير من ركب المطايا، أي أنتم كذلك فعلى هذا قوله ألم تكنه معناه كنيته والقوم لم يريدوا هذا وإنما أرادوا نفي الكنية فكان من حقه أن يقول قالوا ولم تكنه ولا يأتي بحرف الاستفهام وابن فورجة يقول في هذا أنه استفهام صريح ليس فيه تقرير كأن واحدا من القوم سأل أبا الطيب فقال ألم تكنه أي هل كنيته هذا قوله والاستفهام الصريح لا يكون بالنفي لأنك إذا استفهمت أحدا هل فعل شيئا قلت هل فعلت كذا ولم تقل ألم تفعله وقوله ذلك عيّ أي أنه يعرف بصفاته لا بكنيته فإذا ذكرنا كنيته مع الاستغناء عنها بخصائص صفاته كان ذلك عيا
    لا يتوفى أبو العشائر من ... ليس معاني الورى كمعناه
    يقول لا يستوفي هذه الكنية وهذا اللفظ رجلا يزيد معناه على معاني جميع الورى كلهم لأن فيه من معاني الكرم والمدح ما ليس فيهم والعشائر الجماعات وهو بمعنى جميع الورى وزيادة عليهم وأقرأنا العروضي، لا يتوقى أبو العشائر من، ليس معاني الورى بمعناه، يقول لا يحذر أن يلتبس صفاته ومعاني مدحه بصفات غيره ومعانيه لأنه منفرد من الناس بخصائص لا يشاركه فيها فإذا لا يحتاج في مدحه إلى ذكر كنيته
    أفرس من تسبح الجياد به ... وليس إلا الحديد أمواه
    افرس من الفروسية ولما ذكر سبح الجياد جعل الحديد أمواها والمعنى أنها تسير في بحر من حديد لكثرة الأسلحة والسيوف وكل شيء كثير مجاوز الحد يشبه بالبحر وإن اضمرت خبر ليس ونصبت الحديد على أنه استثناء مقدم على تقدير وليس في الأرض أمواه إلا الحديد كان جائزا وإن لم تضمر ونصبت الحديد على أنه خبر ليس جعلت أسم ليس نكرةً وخبره معرفة وذلك جائز في الضرورة وأخرج إليه أبو العشائر جوشنا حسناً فقال ارتجالا
    به وبمثله شق الصفوف ... وزلت عن مباشرها الحتوف
    يريد أن لابسه يشق صفوف الأعداء يوم القتال آمنا على نفسه لحصانته ولا تعمل الحتوف فيمن لبسه
    فدعه لقى فإنك من كرام ... جواشنها الأسنة والسيوف
    يقول ألقه ولا تلبسه فإنك تدفع عن نفسك بالرماح والسيوف ولا تحتاج إلى الجواشن.
    وضرب لأبي العشائر مضرب بميافارقين على الطريق وكثر سائله وغاشيه فقال ارتجالا فيه
    لام أناس أبا العشائر في ... جود يديه بالعين والورق
    وإنما قيل لم خلقت كذا ... وخالق الخلق خالق الخلق
    يقول الذي يلومه في جوده كأنه يقول له لمَ خلقت جوادا أي أنه طبع على الجود ولا ينفع اللوم فيما طبع عليه الإنسان لأن المطبوع على الشيء لا يقدر أن يتركه ويتغير عنه إلى غيره كما لا يقدر أن يغير خلقه.
    قالوا ألم تكفه سماحته ... حتى بنى بيته على الطرقِ
    كان أبو العشائر بميافارقين فضرب بيتا على الطريق لينتابه الناس فلا يرون دونه حجاجا فكذر أبو الطيب ذلك وقد قال الناس أما كفته سماحته في البلد حتى أبرز بيته إلى الطريق.
    فقلت إن الفتى شجاعته ... تريه في الشح صورة الفرق
    يريد أن الشجاع لا يكون بخيلا بل يتجنب البخل كما يتجنب الخوف وذلك أن الشخ خوف الفقر والشجاع لا يفرق كما قال البخل والجبن غريزتان يجمعهما سوء الظن بالله
    الشمس قد حلت السماء وما ... يحجبها بعدها عن الحدقِ
    بضرب هام الكماة تم له ... كسب الذي يكسبون بالملقِ
    يريد أن كل أحد يحبه لشجاعته كما يحب من يتملق إلى الناس ويلين لهم ويتودد إليهم فتم له بضرب الهام ما يكسبه المتملق كما قال، ومن شرف الإقدام أنك فيهم، على القتل موموق كأنك شاكد، وجعل الذي جمعا أما على حذف النون وإما على لغة من جعل الذي جمع لذ.
    كن لجة أيها السماح فقد ... آمنه سيفه من الغرق
    يقول هو لا يغرق في بحر السماح وإن كان بحرا لأن سيفه آمنه من كل محذور حتى من الغرق يعني أنهن وإن كان سمحا فهو شجاع لا يخاق مهلكا حتى لو صار السماح مهلكا ما خافه لشجاعته.
    قال وقد انتسب إلى أبي العشائر بعض من هم بقتله ليلا على باب سيف الدولة وذكر أنه عن أمره رماه
    ومنتسب عندي إلى من أحبه ... وللنبل حولي من يديه حفيف
    فهيج من شوقي وما من مذله ... حننت ولكن الكريم ألوف
    أي حرك شوقي لما ذكره ولم أحن في تلك الحال مهانةً ولكن لكرم الطبع
    فكل وداجٍ لا يدوم على الأذى ... دوام ودادي للحسين ضعيف
    أنتصب دوام على المصدر أي الود الذي لا يدوم على مقاساة الأذى كما دام ودادي للحسين فهو ود ضعيف
    فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سررن ألوف
    يريد أن إحسانه أكثر من اساءته والقليل لا يعفى الكثير ولا يغلبه والمعنى أن ساءني بفعل واحد فقد سرني بأفعال كثيرة
    ونفسي له نفسي الفداء لنفسه ... ولكن بعض المالكين عنيف
    أي أنا مملوك له فله نفسي ثم قال أفديه بنفسي لكنه مالك عنيف لا يرفق بي بعد أن ملكني كما قال، أريد حياته ويريد قتلي.
    وقال يمدح سيف الدولة أبا الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان عند نزوله انطاكية ومنصرفه من الظفر بحصن برزويه في جمادي الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلثمائة.
    وفاءكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
    أشجاه أشده شجوا من قولك شجاني هذا الأمر أي أحزنني والطاسم الطامس والدارس يخاطب خليليه اللذين عاهداه بأن يسعداه على البكاء عند ربع الأحبة يقول لهما وفاءكما بإسعادي مشبه بالربع ثم فسر وبين وجه الشبه فقال أشجى الربع طاسمه يعني أنه كلما تقادم عهده كان أشجى لزائره وأشد لحزنه لأنه لا يتسلى به المحب وأشفى الدمع للحزن أيضا ساجمة وهو الهاطل الجاري والمعنى أبكيا بدمعٍ ساجمٍ فإنه أشفى للغليل كما أن الربع أشجى لملحب إذا درس ووفاءهما بالاسعاد وهو الاعانة على البكاء والموافقة فيه هو البكاء فلذلك قال والجمع أشفاه ساجمه والمعنى أبكيا بدمع في غاية السجوم فهو أشفى للوجد فإن الربع في غاية الطسوم وهو أشجى للمحب وأراد بالوفاء ههنا البكاء لأنهما عاهداه على الإسعاد ووفاؤهما بذلك العهد أن يبكيا معه ومما يذكر في هذا البيت أنه شبه الوفاء بالربع وتم الكلام لأن قوله وفاؤكما كالربع مبتدأ وخبر وخبر المبتدأ يؤذن بتمام الكلام ولا يجوز أن يتعلق بالمبتدأ بعد الإخبار عنه شيء وقد قال بأن تسعدا ولا يجوز أن يتعلق بالوفاء ولكنه يتعلق بقولٍ يدل عليه قوله وفاؤكما فكأنه قال وفيتما بأن تسعدا وقال ابن جنى في معنى هذا البيت كنت أبكى الربع وحده فصرت أبكى وفاءكما معه ولذلك قال وفاءكما أي كلما ازددت بالربع ووفائكما وجدا ازددت بكاء هذا كلامه وعلى ما ذكر شبه وفاءهما بالربع لأنه يحتاج إلى البكاء على وفائهما وعلى الربع بدمع ساجم وذلك قوله والدمع اشفاه ساجمه والذي ذكرنا أولا أقرب من هذا الذي ذكره أبو الفتح وهو جائز يحتمله البيت ويروي والدمع بالكسر عطفا على الربع وعلى هذا التشبيه وقع بهما في حالتين يقول وفاؤكما كالربع الدارس في الأدواء إذا لم نجريا عليه الدمع الساجم وفي الشفاء إذا أجريتما عليه.
    وما أنا إلا عاشق كل عاشقٍ ... أعق خليليه الصفيين لائمه
    أخبر عن نفسه بالعشق بلفظ مؤكد لهذا الوصف ولو قال أنا عاشق جاز ولكن هذا أبلغ وأتم ثم ابتدأ فقال كل عاشق له خليلان صفيان فاعقهما في الخلة من لامه في هواه وفي هذا تعريض بالنهي عن اللوم يعني أن من لامني منكما على البكاء والجزع اعتقدت فيه العقوق فكان لائمكما اعقكما ومعنى الاعق ههنا العاق كقول الفرزدق، أن الذي سمك السماء بنى لنا، بيتاً دعائمه أعز وأطول، وكما قال جبان بن قرط، خالي بنو أوسٍ وخال سراتهم، أوس فأيهما أدق وألأم، أي فأيهما الدقيق واللئيم وليس يريد أن الدقة واللوم اشتملا عليهما معا ثم زاد أحدهما على صاحبه وقد يطلق هذا اللفظ وليس يراد به الاشتراك كقوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ولا خير في مستقر أهل النار ولا حسن كذلك جاز أن يقول أعق خليليه وإن لم يكن للممسك عن اللوم صفة عقوقٍ والرفع في كل عاشق رواية ابن جنى وقال ابن فورجة كل نصب على أنه المفعول من عاشق يريد أني أعشق كل عاشقٍ مصفٍ يعد خليله العاق من لامه في هواه
    وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
    التزيي تكلف الزي وهو اللباس والهيئة وفي هذا البيت تعريض بصاحبيه أنهما ليسا من أهل الهوى وان تكلفاه واتسما به يقول قد يتكلف الإنسان الهوى وليس من أهله وتعريض أيضا فيه باتهما ليسا من أهل الصحبة حيث قال قد يسأل الإنسان الصحبة من لا يكون موافقا له في احواله وهذا يدل على أن صاحبيه لم يفيا بما عاهدا من الإسعاد.


    عبدالله عمر


  18. #38
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    يدعو على نفسه بأن يبلى كما بلى الأطلال أن لم يطل وقوفه بها طول وقوف البخيل الذي ضاع خاتمه في التراب وأورد ابن جنى على هذا سؤالا فقال ليس في وقوف الشحيح على طلب الخاتم مبالغة يضرب بها المثل واجاب عن هذا بأن قال العرب كما تبالغ في وصف الشيء وتجوز الحد فقد تقتصر أيضا وتستعمل المقاربة قال وهذا بعينه قد جاء في الشعر الفصيح فضربت العرب المثل به في الحيرة وهو قول الراجز، فهن حيرى كمضلات الخدم، هذا كلامه وقال أبو الفضل العروضي لم يلتزم هذا السؤال بل نقول لم يرد أبو الطيب قدر وقوف الشحيح بل أراد صورة وقوفه فشبه هيئة وقوف نفسه بهيئة وقوف الشحيح وذلك أن الشحيح إذا طلب الخاتم احتاج إلى الأنحناء ليقع بصره على الخاتم ولو كان بدل الخاتم شيئا أعظم منه كالخلخال والسوار لكان يطلبه عن قيامٍ فلا يحتاج إلى الإنحناء ولو كان صغيرا كالشذرة والدرة لكان يطلبه قاعدا فهو يقول أن لم أقف بها منحنيا لوضع اليد على الكبد والإنطواء عليها كوقوف الشحيح الطالب الخاتم ويشهد بصحة هذا المعنى قول ابن هرمة يذم بخيلا، نكس لما أتيت سائله، وأعتل تنكيس ناظم الخرز، فشبه حالته وهيئته بهيئة من ينظم الخرز في الاطراق وتنكيس الرأس على أنا نقول أن التزمنا هذا السؤال قد يبلغ من قيمى الخاتم ما يحق للشحيح أن يطول وقوفه على طلبه فقد يكون حلقا يحبس به ويطلق ويقتل وربما كان خاتما لخزائن الأموال كثير معان سوى هذا انتهى كلامه ونقول أيضا في جواب هذا السؤال أن وقوف الشحيح وان كان لايطول كل الطول فقد يكون أطول من وقوف غيره فجاز ضرب المثل به كقول الشاعر، رب ليل أمد من نفس العاشق طولا قطعته بانتحاب، وقد علمنا أن اقصر ليل اطول من نفس العاشق ولكن لما كان نفس العاشق أمد من نفس غيره جاز ضرب المثل به وأن لم يبلغ النهاية في الطول وكذلك قول الآخر، وليل كظل الرمح قصر طوله، دم الزق عنا واصطفاق المزاهر، لما كان ظل الرمح أطول من ظل غيره جعله الغاية في الطول وذكر ابن فورجة ان بعضهم روى وقوف شجيج صاع في الترب خاتمه قال والشجيج الوتد الذي شج رأسه وصاع بمعنى تفرق أي صارت له عروق في الثرى وعلق وقد تورق الأوتاد وعمد الخيام وخاتمه بمعنى ثابته ومقيمه وهذا تكلف ولا يكون صاع بمعنى تفرق.
    كئيباً توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه
    الكئيب الحزين وهو حال من قوله أقف بها وتوقاني معناه تباعدني وتجتنبني والريض الصعب الذي لم يرض والحازم الذي يشده بالحزام يقول العواذل اللاتي يعذلنني في الهوى يحذرن جانبي وابائي عليهن كما يحذر حازم الريض من الخيل جماحه أن يصيبه بعض أو رمح
    قفى تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانيةٍ والمتلف الشيء غارمه
    يقول للحبيبة قفي ساعةً تغرم اللحظة الأولى مهجتي باللحظة الثانية والمعنى أني نظرت إليك نظرة أتلفتني فقفي لتغرم تلك النظرة مهجتي التي أتلفتها بنظرة ثانية تحييني وترد مهجتي يعني أنه أن نظر إليها ثانيا عاش وعادت حياته ثم قال ومن أتلف شيئا لزمه الغرم وتغرم في موضع الجزم جوابا للأمر بالوقوف والأولى في موضع الرفع لأنها هي الفاعلة وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال، يا مسقما جسمي بأول نظرةٍ، في النظرة الأخرى إليك شفاءي، وروى الخوارزمي تغرمي بالياء وأصله تغرمين على مخاطبة الحبيبة والمهجة كناية عن الحبيبة يقول قفي يا مهجتي تغرمي النظرة الأولى التي حرمتنيها بنظرةٍ ثانيةٍ إليك فالأولى على هذه الرواية في موضع النصب بتغرمي ثم قال ومن أتلف شيئا غرمه أي أنت أتلفت عليّ النظرة التي رمتها منك أولا فاغرميها بنظر ثان والقول هو الأول
    سقاك وحيانا بك الله إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه
    جعل هؤلاء النسوة نورا في حسنهن وصفاء لونهن وطيب رائحتهن وجعل الخدور لهن بمنزلة الكمائم للنور ولما جعلهن نورا بنى على هذا اللفظ السقى والتحية فإن النور نضرته بالماء وجرت العادة بان يحيى بعض الناس بعضا بالأنوار والرياحين فيناوله شيئا منها ومعنى حيانا بك الله كفانا بكل الله تعالى وحيانا بك وقد كشف السريّ الموصلي عن هذا المعنى بقوله، حيى به الله عاشقيه فقد، أصبح ريحانةً لمن عشقا،
    وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمرٍ ما واجد لك عادمه
    يقول أي حاجة لهؤلاء النسوة اللاتي معك في السفر إلى القمر بالليل فإن من وجدك لم يعدم القمر والمعنى أنها في الدجى تقوم مقام القمر وهو من قول البحتري، أضرت بضوء البدر والبدر طالع، وقامت مقام البدر لما تغيبا، وقول الآخر، إن بيتاً أنت ساكنه، غير محتاجٍ إلى السرج،
    إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيى المطي ورازمه
    الرازم والرازح الذي قد قام من الإعياء فلا يبرح والمعنى أن الإبل الرازحة التي كلت وعجزت عن المشي إذا نظرت إليك عاشت أنفسها وعادت قوتها فكيف بنا وهذا تأكيد للمعنى الأول في قوله تغرم الأولى البيت ويقال أثاب فلان إذا ثاب إليه جسمه وصلح بدنه ومعنى قوله العيون كل عين يقول إذا ظهرت للناظرين صلحت حال المطايا وهي لا تعقل بالنظر إليك فما الظن بنا وحياتنا برؤيتك وهذا كله معنى قول ابن جنى أن الإبل الرازحة إذا نظرت إليك عاشت أنفسها فكيف بنا وقال ابن فورجة إنما يعني بالمطي أصحابها والإبل لا فائدة لها في النظرإلى هذه المحبوبة وإن فاقت حسنا وجمالا وإنما ركابها يرون بذلك والقول ما قاله أبو الفتح لأن الإبل التي لا عقل لها يتاثر فيها النظر على مقتضى المبالغة والتعمق في المعنى لا على الحقيقة كعادة الشعراء في المبالغة وذكر المطي على اللفظ كتذكير النخل والسحاب وما اشبههما من الجمع
    حبيب كأن الحسن كان يحبهُ ... فآثره أو جار في الحسن قاسمه
    يقول هذا الحبيب منفرد بالحسن لا حظ لغيره فيه فكان الحسن أحبه فاستخلصه لنفسه دون غيره أو من قسم الحسن بين الناس جار فأعطاه جميع الحسن وحرمه غيره من الناس
    تحول رماح الخط دون سبائه ... وتسبي له من كل حيٍّ كرائمه
    ذكر أنه منيع عزيز يحفظ بالرماح فلا يقع عليه سباء لأن رماح قومه تمنع دون ذاك كما قال، بصم القنا يحفظن لا بالتمائم، وكرائم كل حيٍّ تسبى له وتجبى إليه ليخدمنه ويروى تجول بالجيم والحاء أشبه بالمعنى.
    ويضحى غبار الخيل أدنى ستوره ... وآخرها نشر الكباء الملازمه
    الكباء العود الذي يتبخر به ونشره رائحته يقو لأدنى ستر إليك أيها الطالب الوصول إليه غبار الخيل وأبعد ستر عنك نشر الكباء الذي يلزمه يريد أن دخان العود الذي يتبخر به كثر عنده حتى قد صار كالحجاب بينه وبين من يطلبه ويروي أولها نشر الكباء يعني أول ستر دونها مما يليها ويمكن أن يقلب هذا فيقال أدنى سترٍ إليها من الستور دونها غبار الخيل وأبعد سترٍ عنها نشر الكباء يعني أن غبار الخيل كثر حتى وصل إليها فصار أدنى ستر منها دونها وكذلك أرتفع دخان العود حتى تباعد منها الدخان فصار آخر ستر دونها وهذا اشبه بطريقة المتنبي في أيثاره المبالغة.
    وما استغربت عيني فراقاً رأيته ... ولا علمتني غير ما القلب عالمه
    يذكر كثرة ما لقي من صروف الدهر وما مني به من فراق الأحبة حتى لا يستغرب فراقا رآه ولا تريه عينه شيئا لم يعلمه قلبه والمصراع الأول من قول طفيل، وما أنا بالمستنكر البين إنني، بذي لطف الجيران قدما مفجع، والثاني من قول عديّ بن الرقاع، وعرفت حتى لست أسأل عالما، عن حرف واحدةٍ لكي أزدادها، ومثله لأبي الطيب، عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا، فلما دهتني لم تزدني بها علما، ومثله للأعور الشني، لقد أصبحت ما أحتاج فيما، بلوت من الأمور إلى السؤال،
    فلا يتهمني الكاشحون فإنني ... رعيت الردى حتى حلت لي علاقمه
    يقول لا يتهمني الأعداء بالخوف من الردى والجزع من الفراق فإني قد ذقت المرارات حتى أعتدت ذوقها فلا استمرها والعلقم أشد الأشياء مرارةً وهو لا يحلو لأحد ولكن من اعتاد ذوقه لم يصعب عليه مرارته فكأنه قد حلا له ومعنى رعيت الردى رعيت أسباب الردى من المخاوف والمهالك وكنى بالعلاقم عن المرارات ولهذا قال رعيت لأن العلقم مما يرعى والمعنى أني لا أجزع من الفراق وأن عظم أمره واشتدت مرارته لاعتيادي ذلك كقول الآخر، وفارقت حتى ما أبالي من النوى، وإن بان جيران عليّ كرامُ، وقول المؤرخ، روعت بالبين حتى لا أراع له، وبالمصائب في أهلي وجيران، وهذا المعنى ظاهر في قول الخريمي، لقد وقرتني الحادثات فما أرى لنازلةٍ من ريبها أتوجع،
    مشب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه
    يقول الذي يجزع على فقد الشباب إنما أشابه من اشبه والشيب حصل من عند من حصل منه الشباب فلا سبيل إلى التوقي من المشيب لأن امره بيد غيره
    وتكلمة العيش الصبي وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه
    يقول تمام العيش هو الصبي اولا ثم ما يتعقبه من بلوغ الأشد حتى يكون يافعا ومترعرعا إلى أن يختلف إلى عارضيه لونا بياضٍ وسوادٍ وغائب لون العارضين هو البياض والقادم هو السواد السابق إلى العارض ويجوز أن يريد بالقادم الشيب من قدم يقدم إذا ورد وبالغائب السواد ال1ي غاب بقدوم البياض ويجوز أ، يكون غائب لون العارضين لون البشرة حين يغيب عنها سواد الشعر وبياضه والقادم هو لون الشعر من سوادٍ الشعر النابت وهذا هو الأولى لأنه يجعل تمام العيش أن يكون الإنسان صبيا ثم مترعرعا ثم يافعا ثم نبت شعره فيكون شابا ولم يجعل الشيب من تكملة العيش لأن، من شاب في الناس مات حيا، يمشي على الأرض مشى هالك، لو كان عمر الفتى حسابا، لكان في شيبه فذلك، وبيت المتنبي من قول ابن الرومي، سلبت سواد العارضين وقبله، بياضهما المحمود إذا أنا أمرد،
    وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
    يقول البياض في الشعر حسن ولم يخضب البياض لأنه مستقبح ولكن السواد أحسن منه فالخاضب إنما يطلب الأحسن من لوني الشعر.
    وأحسن من ماء الشبيبة كله ... حيا بارقٍ في فازة أنا شائمه
    أراد بماء الشبيبة نضارتها وحسنها والبارق السحاب ذو البرق والفازة شراع ديباج نصب لسيف الدولة والشائم الناظر إلى البرق يرجو المطر يقول أحسن من الشباب مطر سحاب بارق أنا أنظر إليه يعني سيف الدولة جعله مطر سحاب لجوده وعموم نفعه وكنى بالشيم عن تعليق رجائه به بنتظار جوده وجمع له في هذا البيت بين ضروب من المدح الحسن والجود واستحقاق التأميل.
    عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغن حمائمة
    وفوق حواشي كل ثوبٍ موجهٍ ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه
    يصف تلك الفازة بأنها مصورة بصورة رياضٍ وأشجارٍ غير أنها ليست مما انبتته السحاب وحاكته وأغصان تلك الأشجار لا تتغنى حمائمها لأنها صور غير ذات روح
    وفوق حواشي كل ثوبٍ موجهٍ ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه
    الموجه من كل شيء ذو الوجهين وأراد بسمط الدر الدوائر البيض على حاشية تلك الأثواب التي اتخذت منها الفازة شبهها بالدر لبياضها غير أن من نظمه لم يثقبه لأنه ليس بدرٍ حقيقي
    ترى حيوان البر مصطلحا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه
    هذه الفازة كانت مصورة باجناس الحيوان يقول تراها مصطلحة بهذه الفازة وعادتها التفارس والتهارش وهي مصالحة لأنها نقوش وأراد بالمحاربة أنها نقشت في صورة المحارب ومعنى المسالمة أنها جماد لا روح فيها فتقاتل.
    إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتدأى ضراغمهْ
    المذاكي المسنة من الخيل وتدأى معناه تختل يقال دأوت له ودأيت أدأى أي ختلته وروى بالذال ومعناه تطرده يقال ذأي الإبل ذأوا إذا طردها يقول إذا طربت الريح هذا الثوب تحرك كأنه يموج وكأن الخيل التي صورت عليه جائلة وكأن أسوده تختل الظباء لتصيدها وتطردها لتدركها
    تقبل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمه وبراجمه
    يقول الملوك يخدمونه بتقبيل بساطه ولا يبلغون أن يقبلوا كمه أو يده لأنه اعظم شأنا من ذلك.
    قياما لمن يشفى من الداء كيه ... ومن بين أذني كل قرمٍ مواسمه
    قياما مصدر لم يذكر فعله كأنه قال قاموا قياما يريد أنهم قاموا بين يديه وكنى بالكي عن ضربه وطعنه ولذعة حربه وبالداء عن غوائل الاعداء ومعنى البيت أنه يرد بالطعن والضرب من عصاه إلا طاعته كما يرد من به داء إلى الصحة بالكي والمواسم جمع الميسم وهو ما يوسم به ويقال أيضا المباسم بالباء على لفظ المبسم وهذا مثل يضرب به يريد أن كل ملك عظيم قد ذلك له وبان عليه أثر قهره إياه
    قبائعها تحت المرافق هيبة ... وأنفذ مما في الجفون عزائمه
    القبائع جمع القبيعة وهي حديدة فوق مقبض السيف ولم يجر لها ذكر يقول قاموا عنده متكئين على قبائع سيوفهم هيبةً له وتعظيما ثم قال عزائمه أنفذ من نصال السيوف وهي ما في الجفون.
    له عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... بها عسكرا لم يبق إلا جماجمه
    يقول له عسكران خيله والطير التي تطير معها للوقوع على القتلى فإذا رمى عسكرا بعسكره لم يبق إلا عظام الجماجم لأن عسكر الخيل يقتلهم وعسكر الطير يأكلهم والطير في بها يعود إلى الخيل والطير جميعا
    أجلتها من كل طاغٍ ثيابه ... وموطئها من كل باغٍ ملاغمه
    الملاغم ما حول الفم وهي موضع اللغام يقول أجلة خيلة ثياب كل طاغٍ من ملوك الروم ومواطىء حوافرها وجه كل باغ منهم.
    فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ... ومل سوادُ الليلِ مما تزاحمهْ
    أراد ما تغير فيه فحذف الجار ووصل الهاء كقول الراجز، في ساعةٍ تحبها الطعاما، أي تحب فيها الطعام وكانوا يغيرون وقت الصبح ليتغفلوا القوم ولذلك كانوا يقولون عند الغارة وا صباحاه يقول لكثرة غاراتك في وقت الصبح قد مل الصبح منها ومل الليل من مزاحمتك أياه وهو أن يبلغ كل موضع يبلغه الليل هذا هو المعنى المعروف لهذا البيت والتاء في تغيره وتزاحمه يجوز أن تكون للخطاب ويجوز أن تكون للخيل وقيل في معنى هذا البيت تغيره تحمله على الغيرة مما يزيد على بياضه بريق اسلحتك وتزاحم الليل فتذهب ظلمته بضوء أسلحتك.
    ومل القنا مما تدق صدوره ... ومل حديد الهند ما تلاطمه
    يقول ملت رماح الأعداء من دقك أعاليها وملت سيوفهم من ملاطمتك إياها وأراد بالملاطمة مقابلتها بالترسة والمجان فذلك ملاطمة بينهما ويجوز أن يريد رماح خيله وسيوفها على ان ترفع الصدور يقول ملت رماحك من كثرة ما تدق صدورها اعداءك وملت سيوفك من الشيء الذي تلاطمه لكثرة وقعها عليه.
    سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
    جعل العقبان التي تطير فوق خيله سحابا وجعل خيله أيضا سحابا لما فيها من بريق الأسلحة وصب الدماء وصوت الأبطال وجعل الأسفل يسقي الأعلى أغرابا في الصنعة وهذا المعنى وهو صحبة الطير للجيش كثير في الشعر قال الأفوه الأودى، وترى الطير على آثارنا، رأى عين ثقة أن ستمار، معناه تعطى الميرة بما تجد من لحوم القتلى ومثله قول النابغة، إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم، عصائب طير تهتدى بعصائب، وقال أبو نواس، تتأيّا الطير غدوته، ثقة بالشبع من جزره، وبيت المتنبي من قول أبي تمام، وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى، بعقبان طير في الدماء نواهل، أقامت من الريات حتى كأنها، من الجيش إلا أنها لم تقاتل،
    سلكت صروف الدهر حتى لقيته ... على ظهر عزم مؤيدات قوائمه
    أي خضت حوادث الدهر حتى لقيت سيف الدولة يصف كثرة ما عانى من الحوادث حتى بلغه وجعل عزمه مركوبه لأنه بعزمه يسافر واستعار له ظهرا لما كان محمول عزمه ولما استعار له الظهر استعار له القوائم وجعلها مؤيدات مقويات من آيده إذا قواه
    مهالك لم تصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه
    نصب مهالك كأنه أبدلها من الصروف وليس إنتصابها على البدل لأنها لا تكون من صروف الدهر في شيء ولكنها منتصبة بفعل دل عليه معنى الكلام كأنه قال قطعت مهالك لو سلكها الذئب لم تصحبه روحه لأنه يموت فيها جرعا وكذلك الغراب لا يقطعها وخص هذين لأنهما يألفان القفار والمواضع البعيدة من الناس ولهذا يقال لهما الأصرمان وإذا لم يقطعاها فغيرهما أعجز
    فأبصرت بدرا لا يرى البدر مثله ... وخاطبت بحراً لا يرى العبر عائمه
    يقول أبصرت من سيف الدولة بدرا في الصباحة والطلاقة لا يرى بدر السماء مثله مع اطلاعه على الدنيا كلها وخاطبت منه بحرا لا يرى السابح فيه ساحله
    غضبت له لما رأيت صفاته ... بلا واصف والشعر تهذي طماطمه
    الطماطم جمع الطمطم وهو الذي لا يفصح يقول لما رأيت صفاته لا واصف لها مع كثرة طماطم الشعر يعني الشعراء الذين يمدحونه فغضبت لأجله وسبب غضبه قصور شعرائه عن بلوغ وصفه
    وكنت إذا يممت أرضا بعيدة ... سريت فكنت السر والليل كاتمه
    يقول كنت إذا قصدت أرضا بعيدة سريت بالليل مشتملا بالظلام كأني سر والليل يكتم ذلك السر وهذا منقول من قول البحتري، وطيك سر لو تكلف طيه، دجى الليل عنا لم تسعه ضمائره، وأخذ الصاحب هذا المعنى فقال، تجشمته والليل وحف جناحه، كأني سر والظلام ضمير،
    لقد سل سيف الدولة المجد معلما ... فلا المجد مخفيه ولا الضرب ثالمه

    يقول هو سيف سله المجد يعني أن الشرف ومعالي الأمور تستعمله وتحمله على قتال الأعداء فلا يغمده المجد بعد أن سله ولا يثلمه الضرب لأنه ليس سيفا من حديد يتثلم بالضرب
    عبدالله عمر

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    على عاتق الملك الأعز نجاده ... وفي يد جبار السموات قائمه
    عنى بالملك الأعز الخليفة يقول هو سيف يتقلده الخليفة ويمضيه الله تعالى في أعداء دينه فهو زين الخليفة ناصر لدين الله تعالى ومثله لأبي تمام، لقد حان من يهدي سويداء قلبه، لحدّ سنان في يد الله عامله، ومثله لأبي الطيب، فأنت حسام الملك والله ضارب، وأنت لواء الدين والله عاقد،
    تحاربه الأعداء وهي عبيده ... وتدخر الأموال وهي غنائمه
    يقول أعداءه يحاربونه وهم عبيده لأنه يسبيهم فيسترقهم ويملك رقابهم وما يدخرونه من الأموال غنائمه لأنه يحتويها بالإغارة عليها
    ويستكبرون الدهر والدهر دونه ... ويستعظمون الموت والموت خادمه
    يقول هم يعدون الدهر كبير الأمر عظيم الشأن لاتيانه بحوادث الخير والشر والدهر دونه لأنه طوع له ويستعظمون الموت لأنه أعظم حادث والموت خادمه لأنه يطيعه في أعدائه
    وإن الذي سمى عليا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفا لظالمه
    يقول أن الذي سماه عليا فقد سماه بما يستحقه من الوصف بالعلو وقد أنصفه والذي سماه سيفا فقد ظلمه لأن السيف وإن عظم أثره فهو جماد ولأن السيف لا يقطع ما يقطعه
    وما كل سيف يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه
    ذكر فضله في هذا البيت على السيف يقول قد ينبو حد السيف عن قطع الهام ومكارم الممدوح تذهب شدائد الزمان وتقطعها عن البرية فمن أين يشبه فعله فعل السيف حتى يطلق عليه اسمه قال يمدح سيف الدولة وقد عزم على الرحيل عن انطاكية
    أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربى وأنت الغمام
    الازماع العزم على الأمر يقول أين أزمعت أن تسير أيها الملك ونحن الذين لا عيش لنا إلا بك وإذا فارقتنا لم نعش كنبات الربى لا يبقى إلا بالغمام لأنه لا شرب له إلا من مائه وغير نبات الربى يمكن أن يجري إليه الماء وهذا من قول الآخر، نحن زهر الربى وجودك غيث، هل بغير الغيوث يورق زهر،
    نحن من ضايق الزمان له في ... ك وخانته قربك الأيام
    يقول نحن الذين تضايقهم الأيام في قربك فتبخل عليهم بك فتحرمهم لقاءك وتاعد بينهم وبينك وتخونهم في القرب منك والإشارة في هذا إلى أن الزمان يحبه ويعشقه فيغار على قربه ويريد أن ينفرد به دون الناس وهذا معنى معروف قد ذكرته الشعراء كما قال محمد بن وهيب، وحاربني فيه ريب الزمان، كأن الزمان له عاشق، وقوله ضايق الزمان له فيك قال أبن جنى اللام في له زائدة للتأكيد كقوله تعالى ردف لكم وللرؤيا تعبرون قال ابن فورجة يريد نحن من ضايقه الزمان فحذف الراجع إلى الموصول والهاء في قوله له راجعة إلى الزمان يقول نحن الذين ضايقهم الزمان لنفسه ولأجله فيك أي لتكون له دونهم كما تقول هم الذين رضيهم عمر له أي لنفسه وإلحاق اللام بالمفعول قبيح جدا وذلك من لفظ البغداديين
    في سبي العلى قتالك والسل ... م وهذا المقام والإجذام
    الاجذام الإسراع ومنه قول طرقه، أحلت عليها بالقطيع فأجذمت، يقول أفعالك كلها مقصورة على العلى قاتلت أو سالمت أقمت أم سرت فقصدك في جميع ذلك طلب العلى
    ليت أنا إذا ارتحلت لك الخي ... ل وأنا إذا نزلت الخيام
    أي ليتنا معك نتحمل عنك المشقة في مسيرك ونزولك في سفرك هذا معنى البيت ولكنه أساء حيث تمنى أن يكون بهيمة أو جمادا ولا يحسن بالشاعر أن يمدح غيره بما هو وضع منه فلا يحسن أن تقول ليتني امرأتك فاخدمك
    كل يوم لك ارتحال جديد ... ومسير للمجد فيه مقام
    يقول يحث لك في كل يوم سفر جديد وذلك دليل على بعد الهمة كما قال تأبط شراً، كثير الهوى شتى النوى والمسالك، وكل يوم لك سير يقيم المجد عندك في ذلك السير لأن ذلك السير لطلب المجد أو لأن المجد مقيم معك حيثما كنت كما قال الطائي، كلما زرته وجدت لديه، نشبا ظاعنا ومجدا مقيما، وكما قال الأزدي، المجد صاحبك الذي حالفته، أبدا فروضته المريع مرتعك، فإذا رحلت سريت تحت ظلاله، وإذا ربعت ففي ذراه مربعك،
    وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
    أي إذا عظمت الهمة وكبرت النفس تعب الجسم في تحصيل مرادها وذلك أن الهمة العالية تعني الجسم في طلب معالي الأمور ولا ترضى بالمنزلة الدنية فتطلب الرتبة الشريفة كما قال، وإن عليات الأمور مشوبة، بمستودعات في بطون الأساود، وأخذ هذا المعنى أبو القاسم بن الحريش في قوله، فيا من يكد النفس في طلب العلى، إذا كبرت نفس الفتى طال شغله،
    وكذا تطلع البدور علينا ... وكذا تقلق البحور العظام
    يقول هكذا عادة البدر يغرب تارة ويطلع تارة وكذا البحر يموج ويضطرب ويتحرك وكذلك أنت تقلق في الأسفار وتتحرك فيها والمعنى أنك بدر وبحر فعادتك عادتها
    ولنا عادة الجميل من الصب ... ر لو أنا سوى نواك نسام
    يقول لو كلفنا غير فراقك لصبرنا صبرا جميلا كعادتنا منه غير إنا لا صبر لنا في بعدك ولا طاقة لنا بإحتمال نواك قال أبو تمام، والصبر يحسن في المواطن كلها، إلا عليك فإنه مذموم،
    كل عيش ما لم تطبه حمام ... كل شمس ما لم تكنها ظلام
    أي كل عيش لم تطبه بقربك فهو موت وكل شمس ظلمة إذا لم تكن تلك الشمس والمراد بهذا تنغص عيشه بعده وإظلام ايامه بفراقه
    أزل الوحشة التي عندنا يا ... من به يأنس الخميس اللهام
    يقول أقم عندنا لتزيل الوحشة عنا يا من يأنس الجيش العظيم لقوتهم بمكانه فهم وإن كثروا يأنسون بك ثقة بشجاعتك واللهام الجيش سموا به لالتهامهم كل شيء
    والذي يشهد الوغى ساكن القل ... ب كأن القتال فيها ذمام
    أي أنت تحضر الحرب رابط القلب غير مضطرب الجأش كأن القتال عاهده على أن لا يقتل فهو يسكن إلى القتال سكونه إلى الذمام وهذا من قول الطائي، متسرعين إلى الحتوف كأنما، بين الحتوف وبينهم أرحام،
    والذي يضرب الكتائب حتى ... تتلاقى الفهاق والأقدام
    الفهاق جمع الفهقة وهي مركب الراس في العنق يقول الذي يضرب الجيوش بسيفه ويقطع أعناقهم حتى تتلاقى مع الأقدام
    وإذا حل ساعة بمكان ... فأذاه على الزمان حرام
    أي وإذا نزل ساعة بمكان صار ذلك المكان في ذمته فلا تنزل به الحوادث ولا يصيبه الزمان بأذى من جدب وقحط
    والذي تنبت البلاد سرور ... والذي يمطر السحاب مدام
    أي الذي تنبته بلاد ذلك المكان الذي حللت به سرور أي يقيم السرور والطرب بذلك المكان إذا حللت به
    كلما قيل قد تناهى أرانا ... كرما ما اهتدت إليه الكرام
    أي كلما قال الناس قد بلغ النهاية في الكرم ابدع كرما لم يهتد إليه من قبله من الكرام كما قال البحتري، طلوب لأقصى غاية بعد غاية، إذا قيل يوما قد تناهى تزيدا،
    وكفاحا تكع عنه الأعادي ... وارتياحا تحار فيه الأنام
    أي وأرانا قتالا يجبن عنه العداء واهتزازا للجود يتحير في الخلق
    إنما هيبته المؤل سيف ال ... دولة الملك في القلوب حسام
    يقول هيبته في القلوب تقوم مقام السيف فلا يحتاج إلى استعمال السيف لأنه مهيب تهابه الأعداء فلا يقدمون عليه فيحتاج إلى دفعهم عن نفسه بالسيف
    فكثير من الشجاع التوقي ... وكثير من البليغ السلام
    أي إن توقاه الشجاع وحفظ نفسه منه فذلك منه كثير والبليغ إن أمكنه أن يسلم عليه فذلك غاية بلاغته وقال عند مسير سيف الدولة من انطاكية وقد كثر المطر
    رويدك ايها الملك الجليل ... تأن وعده مما تنيل
    تأن تمكث ويروى تأني ومعناه تحبس يقول أمهل سيرك وأخره وأجعل ذلك من جملة ما تعطيه يعني أنا نعده عطاء منك لو أقمت ساعة وهو قوله بعده
    وجودك بالمقام ولو قليلا ... فما فيما تجود به قليل
    يقول جد جودك بالمقام أي بالإقامة ولو فعلته قليلا ويجوز ولو جودا قليلا فيكون نعت مصدر محذوف فليس فيما تعطيه قليل يعني أن ما كان من جهتك فهو كثير وإن قل كما قال ابن الطثرية، أليس قليلا نظرة إن نظرتها، إليك وكلا ليس منك قليل، وكما قال اسحاق الموصلي،أن ما قل منك يكثر عندي، وكثير ممن تحب القليل، وكقول أشجع السلمى، وقوفا بالمطى ولو قليلا، وهل فيما تجود به قليل، عسى يطفي الوداع عليك شوقي، وهل مع الشوق الغليل،
    لأكبت حاسدا وأرى عدوا ... كأنهما وداعك والرحيل
    يقول جد بالمقام لا كبت من يحسدني قربك وأوجع رئة عدوي ثم شبه الحاسد والعدو بوداعه وارتحاله لأنهما ينكيان في قلبه ويوجعانه
    ويهدأ ذا السحاب فقد شككنا ... أتغلب أم حياه لكم قبيل
    أي يسكن ذا السحاب من المطر فقد شككنا أتغلب قبيلتكم أم حيا هذا السحاب أي لكثرة قبيلتكم قد تشابها وهو لم يشك وإنما أتى بهذا مبالغة في وصف تغلب والمطر بالكثرة
    وكنت أعيب عذلا في سماح ... فها أنا في السماح له عذول
    يقول كنت فيما مضى أعيب الملامة في الجود وقد صرت الآن عذولا له لافراطه في السماح والمعنى من قول الطائي،عطاء لو اسطاع الذي يستميحه، لأصبح من بين الورى وهو عاذل، وشبيه به قول البحتري، إلى مسرف في الجود لو أن حاتما، لديه لأضحى حاتم وهو عاذله،
    وما أخشى نبوك عن طريق ... وسيف الدولة الماضي الصقيل
    يقول لا أخشى أن تعجز عن قطع طريق لأنك سيف دولة الإسلام وسيف الدولة لا يكون إلا ماضيا صقيلا ويجوز أن يكون قد رجع من الخطاب إلى الخبر كأنه قال وأنت الماضي الصقيل
    وكل شواه غطريف تمنى ... لسيرك أن مفرقها السبيل
    يقول كل جلدة رأس سيد شريف تمنى أنها سبيل لسيرك يعني لشرفك لا يستنكف السيد من وطئك رأسه بل تمنى ذلك تشرفا بك
    ومثل العمق مملوؤا دماء ... مشت بك في مجاريه الخيول
    العمق موضع عميق يقول رب مكان مثل المكان العميق قد امتلأ دما مشت بك الخيل في مجاري ذلك المكان يعني مجاري الدم إليه يريد المعركة وحيث تكثر القتلى حتى يجتمع الدم ويمتلئ به المكان
    إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمر به الوحول
    يقول إذ تعود الإنسان خوض المهالك التي هي أسباب المنايا لم يبال بالوحول وفي هذا إشارة إلى أن الوحل لا يمنعه عن السفر لأنه يخوض ما هو أشد من الوحل
    ومن أمر الحصون فما عصته ... أطاعته الحزونة والسهول
    يقول من كان حصون الأعداء تنفتح له مطيعة لم يعصه مكان من الحزن والسهل أي لم يمتنع عليه ولم يصعب عليه سلوكه
    أتخفر كل من رمت الليالي ... وتنشر كل من دفن الخمول
    هذا إستفهام تعجب يقول كل من نكبته الليالي وأصابته بالمحن تخفره وتجيره منها فتضمه إلى إحسانك ومن ستره الخمول نشرته من رمس الخمول فشهرته بإحسانك وإنعامك عليه
    وندعوك الحسام وهل حسام ... يعيش به من الموت القتيل
    يقول تسميك الحسام وعادة الحسام قطع الآجال وأنت حسام يعيش به القتيل يعني من قتله الفقر وأذله الزمان حتى أماته موت الفقر أعشته بجودك فعاش بك وقد فسر هذا فيما بعده فقال
    وما للسيف إلا القطع فعل ... وأنت القاطع البر الوصول
    يقول فعل السيف القطع فقط وقد اجتمع فيك الوصل والقطع لأنك تقطع الأعداء وتصل الأولياء
    وأنت الفارس القوال صبراً ... وقد فنى التكلم والصهيل
    يقول أنت الذي يصبر الجيش فتقول لهم اصبروا صبرا على عض الحرب وقد عظم الخطب واشتد القتال فلا يقدر الرجل على الكلام ولا الفرس على الصهيل
    يحيد الرمح عنك وفيه قصد ... ويقصر أن ينال وفيه طول
    يقول بلغت من مهابتك وشرفك أن الجماد يعرفك فالرمح يميل عنك مع أن فيه قصدا إذا طعن به غيرك ويقصر أن ينالك مع طوله هيبة منك وهذا كقوله، طوال قنا تطاعنها قصار،
    ولو قدر السنان على لسان ... لقال لك السنان كما أقول
    قد صرح في هذا البيت أن السنان لو قدر على الكلام لقال أنا أقصر عنك وأميل عنك لهيبتك وشرفك
    ولو جاز الخلود خلدت فردا ... ولكن ليس للدنيا خليل
    يقول لو جاز أن يخلد انسان لخلدت وحدك ولكن الدنيا لا تخلد أحدا وعادتها جرت بإفناء خلانها وفي هذا ذم للدنيا وأنها لا تبقي على أحد أي فلو علقت الدنيا لخلدتك وقال يرثي والدة سيف الدولة ويعزيه عنها في سنة سبع وثلثين وثلثمائة
    نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
    المنون الدهر يذكر ويؤنث ويكون واحدا وجمعا يقول نعد السيوف والرماح ولا غناء لها مع الدهر لأنه يقتل من يقتله من غير قتال فإذن لا حاجة إليها
    ونرتبط البسوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
    المقربات الخيل المدناة من البيوت إما لفرط الحاجة إليها وإما للضن بها لا ترسل إلى الرعي يقول نرتبط الخيل ثم لا تنجينا من سعي الليالي فإنها تقتلنا وتدركنا
    ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولا كن لا سبيل إلى الوصال
    يقول من الذي لم يعشق الدنيا فيما قدم من الزمان أي كل من الناس يهواها ولكن لا سبيل إلى دوام وصالها وهذا من باب حذف المضاف وكثير من عشاقها وأصلها وواصلته ولكنها لا تدوم على الوصال ورواه الخوارزمي إلى وصال
    نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
    يقول الحبيب الذي تراه في اليقظة وتستمتع به كأنك تراه في الحلم لأن ذلك الوصال ينقطع عن قريب بالموت كما ينقطع الاستمتاع بخيال الحبيبة عند الانتباه جعل العمر كالمنام والموت كالانتباه من المنام كما قال الطائي، ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام،
    رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
    يقول كثرت مصيبات الدهر علي واصابته قلبي بسهامه حتى صار في غلاف من السهام لتواليها عليه
    فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
    أي وقد صرت الآن إذا رماني الدهر بسهامه لم تصل إلى قلبي لأنها لا تجد لها موضعا للإصابة بل تتكسر نصالها على النصال التي قبلها لأنها تصك بعضها بعضا وهذا تمثيل معناه أن الأرزاء توالت علي حتى هانت عندي والشيء إذا كثر اعتاده الإنسان وقد صرح بهذا فقال
    وهان فماابالي بالرزايا ... لأني ما انتفعت بأن أبالي
    يقول هان الدهر علي فلا احفل بمصائبه علما بأنه لا ينفع الحذر ولا المبالاة كما قال الخريمي، صبرت فكان الصبر خير مغبة، وهل جزع أجدى علي فأجزع، ويروي وها أنا ما أبالي
    وهذا أول الناعين طرا ... لأول ميتة في ذا الجلال
    يقول هذا الناعي أول الناعين جميعا لأول امرأة كانت في هذا الجلال يعني لم تمت امرأة قبلها أجل منها وروى ابن جنى لأول ميتة بفتح الميم يريد ميتة فخففت قال ابن فورجة الميتة كثر استعمالها بمعنى الجيفة كقوله تعالى حُرمت عليكم الميتة ولا يخاطب أبو الطيب سيف الدولة بمثل هذا في أمه والرواية بكسر الميم يعني الحال التي ماتت عليها وهذا الذي ذكره ابن فورجة غير ظاهر لأنه أراد أول الأموات ولم يرد أول الأحوال
    كأن الموت لم يفجع بنفس ... ولم يخطر لمخلوق ببال
    يستعظم موت هذه المرأة حتى كأن الناس لم يروا موتا ولم يخطر على قلب أحد وموت الكبراء يعظم عند الناس مع فشوّ الموت وعمومه
    صلوة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
    صلوة الله مغفرته ورحمته يدعو لها بأن تكون رحمة الله لها بمنزلة الحنوط للميت وجعل وجهها مكفنا بالجمال كأن الجمال كفن لوجهها وكأنه رحم الله وجهها الجميل
    على المدفون قبل الترب صونا ... وقبل اللحد في كرم الخلال
    أي على الشخص الذي كان مدفونا لصيانته قبل أن دفن في التراب وقبل أن غيب في اللحد كان مدفونا في كرم الخلال وهي الخصال الكريمة يريد أنها كانت مستورة قبل أن سترت بالتراب وكان كرم خلالها يعفها ويمنعها مما يقبح ذكره قبل أن حملت إلى اللحد
    فإن له ببطن الأرض شخصا ... جديدا ذكرناه وهو بالي
    بطن الأرض داخلها يقول شخصه في القبر بال وذكرنا له جديد يريد أنه يبلى في الأرض ولا يبلى ذكره
    وما أحد يخلد في البرايا ... بل الدنيا تؤول إلى زوال
    أطاب النفس أنك مت ... موتا تمنته البواقي والخوالي
    أي مت في العز والعفاف فموتك كان موتا يتمنى مثله من بقي من النساء ومن مضت منهن كانت تتمنى مثله فهذا يسلينا عنك لأنك فزت بخير الدنيا والآخرة
    وزلت ولم ترى يوما كريها ... تسر الروح فيه بالزوال
    أي فارقتنا من غير لقاء كراهة تحبب الموت إليك وتنغص عيشك حتى تسر الروح بفراق البدن في مثل تلك الكراهة
    رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال
    يقول كنت في عز طويل وكمال ملك من ملك ابنك قال الصاحب ذكره الاسبطرار في مرثية النساء من الخذلان المبين قال ابن فورجة ولا خذلان فيما صح واستعمل كثيرا يريد أن الاسبطرار بمعنى الامتداد يستعمل كثيرا قال عمر ابن معدي كرب، جداول زرع خليت واسبطرت، سمعت أبا الفضل العروضي يقول سمعت أبا بكر الشعراني خادم المتنبي ورد علينا فقرأنا عليه شعره فانكر هذه اللفظة وقال قرأنا على أبي الطيب، رواق العز فوقك مستظل، قال العروضي وإنما غيره عليه الصاحب ثم عابه به وعلى هذا فقد سقط ثقل اللفظ وكراهة المعنى

    سقى مثواك غادٍ في الغوادي ... نظير نوال كفك في النوالِ
    مثواها حفرتها التي أقامت بها والغادي السحاب يغدو بالمطر سأل لها سقيا يشبه عطاءها من سحابٍ يشبه كفها.
    لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي
    الساحي القاشر يقشر الأرض بشدة انصبابه والأجداث القبور قال أبو زيد يقال حفشت السماء تحفش حفشا إذا جادت بالمطر وقال ابن الأعرابي حفشت الأودية إذا سالت كلها وقد بالغ في وصف المطر حيث جعله في الحاحه على الأرض بالقشر كأيدي الخيل إذ رأت مخالي الشعير فإنها تنشط وتحفر الأرض بقوائمها وليس هذا من مختار الكلام ولا من المستحسن أني سأل السقيا لقبر بمطرٍ يحفره حفر أيدي الخيل قال ابن جنى الغرض في الدعاء للقبور بالغيث الانبات وما يدعو الناس إلى الحلول والإقامة به وهو مذهب العرب ألا ترى إلى قول النابغة، ولا زال قبر بين بصرى وجاسمٍ، عليه من الوسمي سح ووابل، فينبت حوذابا وعوفا منورا، سأتبعه من خير ما قال قائل، وكلما اشتد المطر كان أجم لنباته ومراع له.
    عبدالله عمر

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,608

    افتراضي

    أسائل عنك بعدك كل مجد ... وما عهدي بمجد عنك خالي
    يقول لم أر مجدا خاليا منك أيام حياتك فأنا بعد وفاتك أسأل عنك كل مجد لأنك كنت صاحبته الملازمة له فأنا أطلبك منه كما يطلب الإنسان ممن طالت صحبته معه.
    يمر بقبرك العافي فيبكي ... ويشغله البكاء عن السؤال
    يقول إذا مر بقبرك السائل بكى وشغله البكاء عن المسألة وهذا منقول من قول البحتري، فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا، ولا نحن من فرط البكا كيف نسأل،
    وما أهداك للجدوى عليه ... لو أنك تقدرين على فعالِ
    يعني أن الموت حال بينها وبين العطاء ولولا ذلك لكانت تعطى وإن لم يسأل العافي
    بعيشك هل سلوت فإن قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سالي
    يقسم عليها بحياتها فيقول لها هل سلوت عن حب النوال فإن قلبي وإن بعدت عنك غير سالٍ من نواك.
    نزلت على الكراهة في مكانٍ ... بعدت على النعامي والشمالِ
    النعامي أسم للجنوب سميت بذلك للينها ونعمتها في الهبوب يقول نزلت على كراهتنا لنزولك في مكان لا يصيبك فيه نسيم الرياح.
    تحجب عنك رائحة الخزامى ... وتمنع منك أنداء الطلال
    الخزامى نبت طيب والطلال جمع الطل وهو المطر يقول روائح الأزهار محجوبة عنك لا تصيبك وكذلك ندى الأمطار لأن المقبور ممنوع من هذه الأشياء التي ذكرها
    بدارٍ كل ساكنها غريب ... طويل الهجر منبت الحبال
    يعني بالدار القبر والمقبرة ومن سكنها فقد بعد عن أهله وعشيرته وطال هجره أياهم وانقطع وصاله عنهم.
    حصان مثل ماء المزن فيه ... كتوم السر صادقة المقالِ
    يقول في ذلك المكان امرأة عفيفة مثل ماء المزن في النقاء والطهارة كاتمة السر صادقة في القول.
    يعللها نطاسي الشكايا ... وواحدها نطاسي المعالي
    النطاسي الطبيب الحاذق في الأمور ويريد بواحدها ابنها الذي هو واحد الناس يقول يمرضها ويزيل علتها طبيب الأمراض يعني قبل موتها وابنها طبيب المعالي أي العالم بأدواء المعالي فيزيلها عنها حتى تصح معاليه فلا يكون فيها نقصان ولا عيب.
    إذا وصفوا له داء بثغرٍ ... سقاه أسنة الأسل الطوال
    جعل انتقاض الثغر عليه بمنزلة الداء ولما استعار لذلك اسم الداء استعار لنفي ذلك الداء عنه بالرماح السقي لتجانس الكلام يقول إذا ذكروا له انتقاض ثغر من ثغور المسلمين لغلبة الكفار نفاهم عنه برماحه الطويلة وهذا مأخوذ من قول ليلى الأخيلية، إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً، تتبع أقصى دائها فشفاها، شفاها من الداء العضال الذي بها، غلام إذا هز القناة سقاها، وقد قال أبو تمام، وقد نكس الثغر فأبعث له، صدور القنا في ابتغاء الشفاء،
    وليست كالإناث ولا اللواتي ... تعد لها القبور من الحجال
    يقول لم تكن هذه المرأة يعد لها القبر سترا عنها أي كانت متسترة قبل أن سترت بالقبر
    ولا من في جنازتها تجارٌ ... يكون وداعها نفض النعال
    أي ولم تكن من نساء السوقة يتبع جنازتها تجار وباعةٌ ينفضون النعال من التراب إذا انصرفوا عن القبر أي كانت ملكة
    مشى الأمراء حوليها حفاةً ... كأن المرو من زف الرئال
    الزف ريش النعام والرئال جمع رأل وهو ولد النعام يقول شيعها الأمراء فمشوا حواليها حافين يطؤون الحجارة كأنهم يستلينونها
    وأبرزت الخدور مخبآتٍ ... يضعن النقس أمكنة الغوالي
    يقول خرجت لموتها جوارٍ كن مخبآتٍ في الخدور يسودن وجوههن بالنقس مكان الغالية أي كن يستعملن الغالية والطيب فصرن يسودن وجوههن حزنا للمصيبة بموتها.
    أتتهن المصيبة غافلاتٍ ... فدمع الحزن في دمع الدلال
    يقول فجعن بفقدها وهن غافلات بينا هن يبكين دلالا إذ بكين حزنا فاختلط الدمعان
    ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال
    يقول لو كانت نساء العالم في الكمال كهذه لفضلن على الرجال يعني أن هذه كانت افضل من الرجال فلو اشبهها غيرها من النساء لكانت مثلها في الفضل.
    وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فجر للهلال
    يقول لم تزر بها الأنوثة كما لا يزري بالشمس تأنيث اسمها والذكورة لا تعد فضيلةً في كل أحد كما لا يحصل للقمر فخر بتذكير اسمه.
    وأفجع من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال
    أي أفجع المفقودين من كان مفقود المثل في حال الحياة فإن من وجد له نظير يتسلى عنه بوجود نظيره وبمن يتسلى عمن لا نظير له.
    يدفن بعضنا بعضاً ويمشي ... أواخرنا على هامِ الأوالي
    يريد الأوائل فقلب وهو كثير في كلامهم أنشد سيبويه، تكاد أواليها تفرى جلودها، ويكتحل التالي بمورٍ وحاصب، يقول ندفن امواتنا ونمشي على رؤسهم بعد الموت يعني لا ننفك من فقد وفن ثم لا نعتبر بمن ندفن بل نمشي عليهم غير معتبرين بهم.
    وكم عينٍ مقبلةِ النواحي ... كحيلٍ بالجنادلِ والرمالِ
    يقول كم عين كانت تقبل نواحيها إعزازا وإكراما صارت تحت الأرض مكحولةً بالرمل والحجارة
    ومغضٍ كان لا يغضى لخطبٍ ... وبالٍ كان يفكر في الهزالِ
    أي وكم من إنسانٍ اغضى للموت كان لا يغضى لنزول خطبٍ به وكم من بال لو رأى في نفسه هزالا كان يشتغل قلبه به ويتفكر فيه وهذا من قول البحتري في مرثية غلام له، وأصفح للبلى عن ضوء وجهٍ، غنيت يروعني فيه الشحوبُ،
    أسيف الدولة استنجد بصبرٍ ... وكيف بمثلِ صبرك للجبال
    يقول استعن فيما فجعت به بصبرٍ لا يوجد مثل ذلك الصبر في الجبال في ركانتها.
    وأنت تعلم الناس التعزي ... وخوض الموت في الحرب السجالِ
    الحرب السجال أن تكون مرةً على هؤلاء ومرة على هؤلاء يقول لا تحتاج إلى أن تصبر فإنك تعلم الناس التصبر وخوض المهالك في الحرب يريد قد مرت عليك من شدائد الدهر ما مرنتك وعودتك الصبر.
    وحالات الزمان عليك شتى ... وحالك واحد في كل حالِ
    يقول يتلون الزمان وتختلف حالاته عليك ولا يتحول حالك من الصبر والكرم والحلم والرزانة يعني لا يختلف حالك وإن اختلفت أحوال الزمان كما قال، لا أمسك المال إلا ريث أتلفه، ولا يغيرني حال إلى حالِ،
    فلا غيضت بحارك يا جموماً ... على عللِ الغرائب والدخال
    يقول على طريق الدعاء لا نقصت بحارك يا بحرا كثير الماء وإن وردت عليه الإبل الغريبة وعلت منه والدخال أن يدخل بغيرٌ قد شرب بين بعيرين لم يشربا ليزداد شربا وهذا مثل يريد لا ينقص عطاؤك وإن كثر العفاة والسائلون كما لا ينقص الحبر الكثير الماء وإن كثر وراده والجموم الذي يزداد ماءه وقتا بعد وقتٍ وروى الأستاذ أبو بكر علي علل الفرائت والدجال قال الفرائت جمع فرات يريد أنهار الفرات المنشعبة منه والدجال جمع دجلة ويريد بعللهما ما يصيبهما من النقصان وهذا تصحيف والرواية الصحيحة ما قدمنا ذكرها.
    رأيتك في الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محالِ
    يقول أنت بين الملوك كالمستقيم في المحال أي تفضلهم فضل المستقيم على المعوجَ
    فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دمِ الغزالِ
    يقول إن فضلت الناس وأنت من جملتهم فقد يفضل بعض الشيء جملته كالمسك وهو بعض دم الغزال وقد فضله فضلا كثيرا قال أبو الحسن محمد ابن أحمد المعروف المغربي كان سيف الدولة يسر بمن يحفظ شعر المتنبي وانشدته يوما، رأيتك في الذين أرى ملوكا، وكان أبو الطيب حاضرا فقلت هذا البيت والذي يتلوه لم يسبق إليه فقال سيف الدولة كذا حدثني ثقةٌ أن أبا الفضل محمد ابن الحسين قال كما قلت فأعجب المتنبي واهتز فاردت أن أحركه فقلت إلا أن ي أحدهما عيبا في الصنعة فالتفت المتنبي التفات حنق فقال ما هو فقلت قولك مستقيم في محالٍ والمحال ليس ضدا للاستقامة وإنما ضدها الأعوجاج فقال الأمير هب القصيدة جيميةً فكيف تعمل في تغيير قافية البيت الثاني فقلت عجلا كرده الطرف، فإن تفقِ الأنام وأنت منهم، فإن البيض بعض دم الدجاج، فضحك وضرب بيده وقال حسن مع هذه السرعة إلا أنه يصلح أن يباع في سوق الطير لا أنه مما لا يمدح به امثالنا يا أبا الحسن.
    وقال يمدحه ويذكر استنقاذه أبا وائل تغلب بن داود لما اسره الخارجي في كلب وقتل الخارجي في شعبان سنة سبع وثلثين وثلثمائة.
    إلى م طماعيةُ العاذلِ ... ولا رأى في الحب للعاقلِ
    يقول إلى متى يطمع العاذل في استماع كلامه والحب يقع اضطرارا لا اختيارا والعاقل لا يقع في شركة الحرب برأيه واختياره فلا معنى للوم فيه وإلى م مثل قولهم فيم ومم وعم وعلى م وحتى م والطماعية مصدر مثل الكراهية.
    يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقلِ
    يقول العاذل يريد من قلبي أن ينساكم ويسلو عنكم وأنا مطبوع على حبكم فكيف انتقل عن شيء طبعت عليه والطبع لا يقبل النقل وإن نقل إلى شيء آخر لم يصبر عليه وهذا كقول العباس ابن الأحنف، لا تحسبني عنكم مقصرا، إني على حبكم مطبوع،
    وإني لأعشق من عشقكم ... نحولي وكل فتى ناحلِ
    يقول بلغ من عشقكم وحبي إياكم أني أحب نحولي فيكم لأن سببه حبكم وأحب أيضا كل ناحل في الحب.
    ولو زلتم ثم لم أبككم ... بكيت على حبي الزائلِ
    يقول لو فارقتموني ولم أبك على فراقكم سلوا عنكم بكيت على ما زال من حبي إياكم كأنه يقول أحبكم وأحب حبكم حتى لو ذهب عني الحب لبكيت على فراقه.
    أينك خدي دموعي وقد ... جرت منه في مسلكٍ سابلِ
    يقول كيف ينكر خدي ما يجري عليه من الدمع وهو مسلك له ودموعي تجري من خدي في طريق مذللٍ قد جرت يه كثيرا على الفراق الأحبة.
    وهبت السلو لمن لامني ... وبت من الشوق في شاغلِ
    يقول تركت السلو للائم وهو حظه لا حظي ولي من الشوق شغل شاعلٌ عن السلو يشغلني عنه ومن استماع اللوم.
    كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكلِ
    قال تباعد ما بين أجفاني للسهر فليست تلتقي لنوم فكأنها ثياب ثاكلٍ شقت كأنه يقول فقدتهم وفقدت النوم بعدهم وكان جفوني شقت على فقدهم كما شق الثاكل ثوبه وهذا كقوله، قد علم البيت منا البيت أجفانا، وأخذ أبو محمد المهلبي الوزير هذا المعنى فقال، تصارمت الأجفان لما صرمنني، فما تلتقي إلا على عبرةٍ تجري،
    ولو كنت في أسرِ غير الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائلِ
    يقول لو أسرني شيء غير الحب لخرجت من أسره بحيلة وضمانٍ كما ضمن أبو وائل مالا لآسره حتى انفك من الأسار ثم ذكر تلك القصة فقال:
    فدى نفسه بضمان النضارِ ... وأعطى صدور القنا الذابلِ
    أي ضمن لهم الذهب ثم أعطى بدل الذهب صدور الرماح وذلك أن سيف الدولة استنقذه من أيديهم بغير فداء
    ومناهم الخيل مجنوبةً ... فجئن بكل فتى باسلِ
    أي اعطاهم مناهم فوعدهم أن تقاد إليهم الخيل في فدائ فجاءت الخيل بالرجال الشجعان يعني أن أصحاب سيف الدولة أتوا لمحاربة الخارجي.
    كأن خلاص أبي وائلٍ ... معاودة القمر الآفلِ
    يقول كنا بعد إساره في ظلمة حزنا عليه فلما تخلص وعاد إلينا كان عودة كعودة القمر بعد الأفول.
    دعا فسمعت وكم ساكتٍ ... على البعد عندك كالقائلِ
    يقول دعاك لاستنقاذه فأجبته ولو سكت لم تقعد عنه ولم تغفل فكم ساكت وهو بعيد عنك لست بغافل عنه حتى كأنه قائل يسألك حاجته.
    فلبيته بك في جحفلٍ ... له ضامنٍ وبه كافلِ
    يقول جعلت أجابته أن أتيته بنفسك في جيش عظيم ضمنوا له استنقاذه وكفلوا برده إلى مكانه
    خرجن من النقع في عارضٍ ... ومن عرق الركض في وابلِ
    يقول هذا الجيش كانوا في سحابٍ من الغبار وفي مطر من العرق.
    ولما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحلِ
    لما نشفت الخيل لقيت السياط من أعجازها بمثل الصفا لا نداوة بها فإنها لم تسترح ولم تضعف لما لحقها من التعب أي لما ضربن بالسياط وقعت من مفاصلها على مثل صفا البلد الماحل والصفا الصخر والماحل الذي لا مطر فيه.
    شفن بخمسٍ إلى من طلب ... ن قبل الشفون إلى نازلٍ
    الشفون النظر في اعتراض يقول نظرن إلى أبي وائل قبل النظر إلى نازل عن ظهورهن يريد أنهم لم ينزلوا عن ظهورها خمس ليال حتى بلغوا أبا وائل في ركضة واحدة.
    فدانت مرافقهن البرى ... على ثقةٍ بالدم الغاسلِ
    دانت فاعلت من الدنو يقول ساخت قوائمها في التراب إلى مرافقها ثقةً بأن الدم الذي يجريه ركابها سيغسلها ويزيل عنها ذلك التراب.
    وما بين كاذتي المستغيرِ ... كما بين كاذتي البائل
    الكذاة لحم الفخذ والمستغير الذي يطلب الغارة يعني الذي كان يطلب الغارة على هؤلاء الخوارج يشتد عدوه فيتفحج لشدة عدوه كما يتفحج البائل لئلا يصيبه البول ويجوز أنه يريد أنه يعرق في عدوه حتى يسيل العرق بين رجليه كالبول وذكر في معنى البيت أنه أراد أن المنهزم يبول فرقا وهذا لا يصح لأن المستغير لا يكون منهزما.
    فلقين كل ردينيةٍ ... ومصبوحةٍ لبن الشائل
    يقول لقيت خيله الرماح وخيلا سقيت لبن النوق والمصبوحة التي سقيت اللبن صبوحا والشائلة النوق التي قل لبنها وخف ومرؤ ونجع في شاربه ولا يسقى ذلك اللبن إلا كرائم خيلهم وحذف الهاء من الشائلة وهو يريدها.
    وجيش إمامٍ على ناقةٍ ... صحيح الإمامة في الباطلِ
    يعني بالإمام الخارجي قال ابن جنى يقول قد صح أن امامته باطلة لا شك فيه وقال غيره معناه امامته صحيحة في الباطل يعني أن أصحابه سلموا له الإمامة فهو إمام المبطلين وهذا هو القول لا ما قاله ابن جنى.
    فأقبلن ينحزن قدامه ... نوافر كالنحل والعاسلِ
    الإنحياز كالإنهزام وهو الإنضمام إلى جانبٍ يقول أقبلت خيل الخارجي تنفر وتهرب من جيش سيف الدولة نفور النحل عن العاسلِ
    فلما بدوت لأصحابه ... رأت أسدها آكل الآكلِ
    أي لما رآك أصحابه رأى شجعانهم منك ما يأكلهم وينفيهم يعني كنت أشجع منهم وإن كانوا شجعانا.
    بضربٍ يعمهم جائرٍ ... له فيهم قسمة العادلِ
    أي كنت تأكلهم وتفنيهم بضربٍ يأتي عليهم جميعا قال ابن جنى أي هذا الضرب وإن كان لإفراطه جورا فهو في الحقيقة عدل لأن قتل مثلهم عدل وقربةٌ من الله عز وجل وقال أبو الفضل العروضي عندي أنه يقول إن جار في الضرب وقد عم بالقتل ولم يحاب فعدله إنه لم ينفلت منه أحد إلا أصابه من ذلك الرب قلت واظهر من هذين أنه يقال هذا الضرب وإن أفرط فيه حتى تصور جائرا فله فيهم قسمة العادل في القسم لأنه قطع ما أصاب فجعله نصفين فصار الضرب كأنه يقسم بالسوية والإنصاف.
    وطعن يجمع شذانهم ... كما اجتمعت درة الحافلِ
    الشذان المتفرقون يقول هذا الضرب لا يتخلص منه شاذ ولا نافر بل يجتمعون فيه اجتماع اللبن في الضرع والحافل الذي حفل ضرعها أي امتلأ لبنا
    إذا ما نظرت إلى فارسٍ ... تحير عن مذهب الراجلِ
    يقول إذا نظرت إلى فارس من الأعداء لم يقدر أن يهرب عنك بل يضعف خوفا منك وهيبةً حتى لا يقدر أن يذهب ذهاب الراجل يشير إلى تأثير نظره
    فظل يخضب منها اللحى ... فتًى لا يعيد على الناصلِ
    أي فظل سيف الدولة يخضب من الأعداء لحاهم بدمائهم غير أنه لا يعيد الخضاب على من نصل خضابه فذهب.
    ولا يستغيث إلى ناصرٍ ... ولا يتضعضع من خاذلِ
    أي يستغني بقوته عن من ينصره فلا يستنصره مستغيثا إليه ولا يجزع من خذلانِ من يخذله ولا يستكين لأحد وإن خذله أصحابه.
    ولا يزع الطرف عن مقدمٍ ... ولا يرجع الطرف عن هائلِ
    أي لا يكبح فرسه عن اقدامه أو عن مقدم عليه أي لا يخاف شيئا ولا أحدا فيرتد ويرجع ولا يهوله شيء فيرد طرفه عنه.
    إذا طلب التبل لم يشأه ... وإن كان دينا على ماطلِ
    أي إذا طلب ترةً لم تفته وإن مطل به من يطلب عنده تلك الترة يعني يدرك ثاره وأن طال العهد.
    خذوا ما أتاكم به واعذرواد ... فإن الغنيمة في العاجلِ
    يستهزيء بهم يقول اعذروه فيما أتاكم به من ضمان أبي وائل وخذوه فإن الغنم فيما عجل لكم وما تاجل وتأخر لعله لا يصل إليكم.
    وإن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى حمص في قابلِ
    فإن الحسام الخضيب الذي ... قتلتم به في يد القاتلِ
    أي فإن السيف الذي خضب بدمائكم في يد من قتلكم به
    يجود بمثل الذي رمتم ... ولم تدركوه على السائلِ
    أي هو يجود على سائله بمثل الذي طلبتموه من الملك والولاية فلم تدركوه لأنكم طلبتموه لا من طريق السؤال.
    أمام الكتيبة تزهى بهِ ... مكان السنانِ من العاملِ
    يقول هو من جيشه يفتخرون به بمكان السنان من عامل الرمح يعني أنه يتقدمهم كما يتقدم السنان الرمح.
    وإني لأعجب من آملٍ ... قتالاً بكم على بازلِ
    كان الخارجي قد ركب ناقةً وهو يشير بكمه يحث اصحابه على القتال فقال أني لأعجب ممن يرجو قتالا بكم على ناقة يعني أن القتال لا يتأتى بتحريك الكم وركوب الناقة.
    أقال له الله لا تلقهم ... بماضٍ على فرسٍ حائلِ
    يقول هل أوحى الله عز وجل إليه إن لا تلق جيش سيف الدولة بالسيف على الفرس وإنما قال هذا لأن الخارجي كان يدعي النبوة يقول لا آتي إلا ما أمرني الله به يقول فهل أمره الله تعالى بهذا.
    إذا ما ضربت به هامةً ... براها وغناك في الكاهلِ
    هذا من صفة قوله بماض يقول هل قال الله له لا تلقهم بسيف إذا ضربت به رأسا قطعة وصل إلى عظم الكاهل حتى يسمع صوته من قطعه وجعل ذلك الصوت كالغناء منه كما قال أبو نواس، إذا قام غنته على الساقِ حليةٌ، لها خطوةٌ وسط الغناء قصيرُ، يعني بالحلية القيد فنقل وصف القيد إلى السيف وقد نظر أيضا إلى قول مزرد، من الملس عنديٌّ متى يعلُ حدهُ، ذرى البيض لم تسلم عليه الكواهلُ،
    وليس بأول ذي همةٍ ... دعته لما ليس بالنائلِ
    يقول ليس الخارجي بأول من دعته همته إلى ما لا يناله يريد أنه طمع في الإمارة والولاية
    يشمر للج عن ساقه ... ويغمره الموج في الساحلِ
    قال ابن جنى في قوله يشمر للج عن ساقه يريد تمويهه على الأعراب واستغواءه إياهم وأدعاءه فيهم النبوة قال ويعني بالموج عكسر سيف الدولة قال ابن فورجة أي تمويه في أن يشمر هذا الرجل عن ساقه لخوض اللجة والذي أراد المتنبي أنه يدبر في ملاقاة معظم العسكر والتوغل فيه حتى يصل إلى سيف الدولة ويأخذ الأهبة لذلك فهو كالمشمر عن ساقه لخوض ماء وقد غمره الموج في ساحله أي قد غرق في اطراف عسكره وغلب باوائله فذهب تدبيره باطلا وهذا كقوله، لولا الجهالة ما دلفت إلى، قومٍ غرقت وإنما تفلوا، هذا كلامه ولقول ابن جنى وجه حسن لم يقف عليه ابن فورجة يقول أن الخارجي كان قد طمع في بيضة الإسلام حيث ادعى النبوة فجعل اللج مثل لها وجعل سيف الدولة وهو قطعة من عساكرها وواحد من أمرائها كالساحل وقد غرق هو في الساحل فكيف كان يصل إلى اللجة.
    أما للخلافة من مشفقٍ ... على سيف دولتها الفاصلِ
    يقول أما أحد يشفق على سيف الدولة الخلافة ويبقى عليه ويمنعه من كثرة الحروب والقتال شفقة عليه من أن تصيبه آفة فتبقى الخلافة ولا سيف لها والفاصل هو القاطع وهو من نعت سيف دولتها ثم ذكر ما يوجب الإشفاق عليه وهو قوله:
    يقد عداها بلا ضاربٍ ... ويسري إليهم بلا حاملِ
    يقول هو سيف يقطع الأعداء من غير أن يضرب به ويسري إليهم غير محمولٍ
    تركت جماجمهم في النقا ... وما يتحصلن للناخلِ
    يقول دست رؤسهم بحوافر الخيل حتى لو نخل الرمل الذي قتلتهم به لم يحصل من رؤسهم شيء
    وأنبت منهم ربيع السباع ... فأثنت بأحسانك الشاملِ
    يقول تركتهم جزرا للسباع فأخصبت بكثرة القتلى فكأنك فكأنك أنبت لها ربيعا بما وسعت عليها من لحومهم فاثنت السباع عليك بما شملتها من احسانك والمعنى أنها لو قدرت لأثنت.
    وعدت إلى حلبٍ ظافرا ... كعودِ الحلي إلى العاطلِ
    أي انصرفت إلى دار ملكك مع الظفر بأعدائك كما يعود الحليُّ إلى من لا حليَّ لها يعني أن زينة حلبٍ بك.

    ومثل الذي دسته حافيا ... يؤثر في قدم الناعلِ
    يقول ما فعلته وأنت غير متأهب له يعجز عنه المتأهب فجعل الحافي مثلا لمن لم يتأهب والناعل مثلا للمتأهب.
    وكم لك من خبرٍ شائعٍ ... له شية الأبلق الجائلِ
    يقول كم خبر لك من فتوحك شائع في الناس مشتهرا اشتهارً الأبلق الذي يجول في الخيل فلا يخفى مكانه لشهرته.
    ويوم شهاب بنية الردى ... بغيض الحضور إلى الواغل
    أي وكم يوم لك اجتمع الناس فيه على القتال ودارت بينهم كأس المنية والواغل الذي يدخل على الشرب من غير أن دعي يبغض حضور ذلك الشراب
    تفك العناة وتغنى العفاة ... وتغفر للمذنب الجاهلِ
    يقول عملك هذه الأشياء من فك الأساري من اسارهم واغناء السائلين والعفو عن المذنبين
    فهنأك النصر معطيكه ... وأرضاه سعيك في الاجلِ
    يقول على طريق الدعاء الله الذي أعطاك النصر على الأعداء جعله هنئا لك ورضي عنك في الآخرة بسعيك.
    فذي الدار أخون من مومسٍ ... وأخدع من كفة الحابلِ
    أي فهذه الدنيا خوانة لأصحابه كالفاجرة تكون كل يوم عند آخر وهي أخدع من حبالة الصياد
    عبدالله عمر

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •