شرح المشكل من شعر المتنبى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي شرح المشكل من شعر المتنبى

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تحية مباركة طيبة لكم جميعا

    هذا كتاب شرح المشكل من شعر المتنبي
    المؤلف : ابن سيده

    انقله لكم وفق الخطة الموضوعة لطرح كتب الادب والشعر بين يدى العضوء القارىء حافظا على وقته وتوفيره له سهلا ميسرا .

    نص الكتاب
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على سيدنا محمد وسلم
    قال ابو الحسن علي بن إسماعيل النحوي المعروف بابن سيده: قال ابو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي رحمه الله تعالى:
    )أبْلَى الْهَوَى أَسفًا يومَ الْنَّوى بَدَنىِ ... وَفَرَّف الْهجْرُ بَيْنَ الْجَفْنِ والوَسن(
    يذهب الناس إلى أن أسف البعد هي الذي أبلاه على عادة البِلَى وإنما قصد المبالغة، أرد أن البِلَ يعمل في الجسام فحالا على الأيام. وقد عمل فيه ليوم واحد، وهو يوم النَّوى، عمله لسنين.
    وقال:
    )ظَلْت بهاَ تَنطَوِي عَلَى كَبدٍ ... نَضِيجةٍ فَوق خِلْبِها يَدُها(
    ظلت: أقمت، والخِلبُ: غشاوة الكبد والبيت مضمَّن بالأول وهو أبعد بان عنك خرَّدُها.
    فالعامل في أَبْعدَ، ظلت كأنه قال: ظلت بها بَعْدَ ما بان خُرَّدُها، والمعنى: بعدما بان خردها، ظلت منطويا على كبد قد أنضجها التوجع وأذابها التفجيع، و)عليها يدها(: إنما توضع اليد على الكبد خشية من ضعفها.
    يريد بذلك، وكذلك يُفْعَل بالفؤاد، كقول الآخر:
    وضعتُ كفِّى عَلَى فُؤادي مِنْ ... نار الهوى وانْطَويت فَوق يَدِي
    وأكثر الناس على أن )نَضِيجَة(، صفة للكبد في اللفظ والمعنى، لا حظَّ لليد في النُّضج، وإنما يريد أن اليد موضوعة على خِلب الكبد فقط، ويُقَويه البيت الذي أنشدناه، وهو )وضعت كفى على فؤادي من......ناؤ الهوى.....(.
    وقد يجوز أن يكون )نضيجة( صفة للكبد في اللفظ، ولليد في المعنى، أي على كبد قد نضجت يدها على خلبها من حرارتها، وهذا أبلغ لأنه إذا أنضجت اليد وهي موضوعة على الخلب من حر الكبد، فما الظن بالكبد؟ فإذا كان المعنى على هذا، جاز في )نضيجة( الجر والرفع. فالجر على الصفة للكبد في اللفظ، والرفع على أن يكون خبر مبتدأ، وذلك المبتدأ هو اليد، كأنه قال: يدها نضيجة فوق خلبها. وهذا كما تقول: مررت بامراة ظريفة أمتها، فالظرف في اللفظ للمرأة، وفي الحقيفة للأمة. وإن شئت قلت: ظريفةٌ أمُّها، أي أمُّها ظريفةٌ.
    وأما إذا كانت النضيجة صفة للكبد في اللفظ والمعنى، فإنه لا يكون فيها الا الجرُّ. وكن )نضيجة( صفة لليد، أبلغ في المعنى، لأنها حينئذ نضيجة بما ليس في ذاتها. وإذا كانت نعتاً للكبد، فهي نضيجة بما في ذاتها. واحتراق الشيء بما ليس في ذاته، أبلغ من احتراقه بما في ذاته وإنما يريد أنه إذا وضع يده على كبده متألِّماً نضجيت اليد بحر الكبد، كقوله:
    هل الوجد إلا أن قلبي لودنا ... من الجمر قِيد الرمْحِ لاحترق الجمرُ
    وهذا عندي أبلغ من قول المتنبي، لأن اليد إذا كانت على خلب الكبد، فهي اقرب إلى الحرّ من الفؤاد من الجمر، إذا كان بينه وبين الجمر قِيدُ رُمح، مع أنه جعل الجمر الناريّ محترقاً من حر فؤاده. فحر الفؤاد إذن أشد من حر الجمر.
    )شابَ من الهجر فرْقُ لِمَّتِهِ ... فصار مثل الدِّمَقْسِ أسْودُها(
    وفي هذا البيت ثَرْمَلَة صنعة، قال: )فَرقْ لمِته( فخص جزءاً من اللمة ثم قال: أسودُها، فعَمَّ، لكن قد يجوز أن يعود الضمير إلى الفرق، وإن كان الفرق مذكرأ، لأن المذكر إذا كان جزءاً من ذات المؤنث جاز تأنيثه.
    أنشد سيبويه:
    وَتَشْرَقٌ بالقول الذي قَدْ أذعْتَهُ ... كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدَّمِ
    وقد يجوز أن يريد بياض اللمة كلها، وخص الفَرْقَ، لأنه معظم الرأس، تم أعاد الضمير إلى اللِّمة. وإنما وجهُ استواء الصنعة لو اتزن له، وحسُن في القافية أن يقول:
    شابتْ من الهَجْر لِمَّتُهُ ... فصارمثل الدمَقْسِ أسودُها
    أو يقول: )أسودُه( بعد قوله )لِمتَّه( وأسودُها هنا: ليست مفاضلة، إذ لو كان ذلك، لكان أشد سواداً.
    وقد يجوز أن يكون أراد المفاضلة، فقد جاء ذلك شاذاً، فقوله أسودها بريد به مُسوَدها كما يقول: هو أسود القوم أي الأسود فيهم.
    )كيف يحيك المَلامُ في هِمَمٍ ... أقربُها منك عَنْكَ أَبعْدُها
    كيف يكون أقرُ شيء أبعدَ شيء! هذا خُلْفٌ إذا حُمل على ظاهره لكن لو قال: أقربها منك بعيد عنك، كان حسناً، ولكن الذي أراده: أقربها عندك مثل أبعدُها. فالجملة في موضع الصفة لهمم. أي أقربها منك عندك أبعدُها منك على الحقيقة.

    )أَحْيَيْتُهَا واّلدُّموعُ تُنْجِدُنى ... شُئُونُها والظَّلامُ يُنْجِدُها(
    أحييتها: يعني الليالي. تنجدنى: تعيننن. والشؤن: مجارى الدموع، واحدها شأن. أي أحييت الليالي بالسهر والبكاء.
    ومعنى ال بيت: إن شأن الدمع أن يخفف الحزن، كقول البحتري:
    إن الدموع هي الصبابة فاطرحح ... بعض الصبابة واسترح بهمومها
    وهذا مثير في أشعار العرب. وهو عندنا موجود بالمشلهدة، فكأن الدمع يعينه على طول الليل، وإعانة الدمع للمحزون على الحزن ليلاً، أحدى من إانته عليه إياه نهاراً، لأن المحزون يتسلى نهاراً بما يتأمله، وينظر إليه، والظلام يقصر الطرف عما يتشاغل به المحزون نهاراً، فيفرغ الحزين عند ذلك إلى الدمع، لا يجد مُعيناً غيره. قال: )والظلام ينجدها( أي أن الظلام إذا قَصَر الطرف عما يتشاغل به المحزون، زاد الليل بذلك طولاً. فكأن الظلام أنجد الليل عليه بقَصْره طرفه عن النظر إلى ما يتشاغل به. ولذلك قال الشاعر:
    بلى إن للعينين في الصبح راحة ... لطرحيمها طَرْفيهما كل مَطرَحٍ
    وقوله: )والدموع تنجدنى( جملة في موضع الحال من التاء في أحييت.
    وقوله: )والظلام ينجدها( جملة في موضع الحجال من الهاء التي في أحييتها، أي أحييت الليالي وأنا تنجدنى دموعي بالتسلية، وهي ينجدها الظلام بالتطويل لها.
    )لا نَاقَتي تَقبلُ الرَّديفَ ولا ... بالسَّوْط يَومَ الرِّهان أُجهِدُها(
    حاجى بهذا البيت، إنما عنى نَعْلَه، فكنى عنها بهذا النوع من الحيوان لأن الماشي يعلو نعله كمل يعلوا الراكب ناقته، ونفى عنها مالا يكون لاحقاً لغير الحيوان المراكب، يخرجها بذلك من نوعه. ثم بين هذه الأُحجيَّة فقال:
    )شِراكُها كُورُها ومِشْفَرُها ... زِمَاَمُها والشُسُوعُ مِقْوَدُها(
    أي كل واحد من طوائف هذه النّعل يحل محل الأرداف من الناقة، فجعل شراكها كالكور على وسط الناقة. والزمام أمامها، كما أن مِشْفَر الناقة أمامها، والشُّسُوع مِقْودها، وذلك أنه يَفْضل عن ذات النعل، كما أن المِقْوَد يفضل عن المقود.
    وكان ينبغي أن يقول: وشِسْعها مقودها فيفرد، كما قال: شراكها وزمامها، لكنه جمع عَلَى أن كل ظائفة من الشِّسْع شِسْعٌ، وكذك كان ينبغي أن يقول لو اتزن له: )وزمامُها: مِشْفرها(، كما قال: )شراكُها: كورُها، وشسوعها: مِقودها(، فبدأ بطوائف النعل قبل أداة الإبل، لكن حَسَّن عندي ابتداءه بالمِشْفر ذاتي، والكور والمقود من الأداة، لا من الذات.
    )ياَ لَيتَ بي ضَربةً أُتيحَ لَها ... كما أُتِيحتْ له مُحمَّدُها(
    معنى إتاحة الضربة له: حُلُوها به، ومعنى إتاحة محمد لها: نبوُّها عنه، واحتماله لها، وتأثيره فيها برغمه، وكذلك كل حال وذى حال كل واحد منهما مُتاح لصاحبه، وأراد أتيح محمدها كما أتيحت هي له. وأُتيح قٌدِّر.
    ويجوز أن يكون أراد أن الضربة ندمت حيت وقعت به، لأنها لم تكن بحق، فكان ذلك الندم تأثيراً فيها، وكذلك السيف ضربَ غيرَ مُسْتَحق. وكل ذلك مجاز واتساع. أي قدر محمد للضربة كما قُدرت له فكان هو المؤثر فيها، ألا ترى بعده:
    )أَثر فيها وفي الحديدِ وَمَا ... أَثَّر في وجهه مُهنّدُها(
    أثر في الشيء: غادر فيه أثراً، ولا يكون إلا في الجواهر، كقولك: أثر المطر في الحائط والْخَسْف في الارض، وأثر المرض في الجسم ولا يكون ذلك في العَرَض، وقد اقتسم قوله: )اثر فيها وفي الحديد( جوهراً وعرضاً، أما الجوهر فالحديد والتأثير فيه شائع، وأما الهاء في قوله: )فيها( فَعَرَضٌ، لأنها كناية الضربة التي في قوله:
    يا ليت بي ضربه أتيح لها
    وإنما لم يصح التاثير في العَرَض لأن التاثير أيضاً الأثرُ. والأثر عَيْنٌ، والعين لا يكون إلا في عين مثله، أعنى بالعين: الجوهر، إذ لا يحمل الجوهر إلا جوهر. وأما العَرَض فليس بعين، فيكون حاملا لعين آخر. فإذن قولهُ: )أثر فيها( استعارة ومجاز غريب. كأنه توهم الضربة عَيْناً، بل هو عندي أبلغ، لأنه إذا أمكنه التأثير في العَرَض كان له في الجوهر أمكن، لكنه مع ذلك قول شعري. أعنى أنه ليس بحقيقة. وقوله:
    وما أثر في جهه مهنَّدُها
    المهند: السيف. وهو عندي من قولهم: )هَنَّدَتْهُ النساء(: أي تَّمته والميتم . . . نحيل، فكذلك السيف، ولم ينف تأثير المهند في وجهه نفياً كلياً. وكيف ذلك وقد أثبت الضربة، وهي التاثير. وإنما أراد أن المهند لم يُؤثر في وجهه أثراً قبيحاً، لأن وقوع الضربة على الوجه تَزين ولا تَشِين، لدلالتها على الشجاعة والإقدام، كما أن التاثير في الظهر دليل على الجيبن والفرار، كقوله:
    فلسْنا على الأعقاب تَدْمَى كُلُومنا ... ولكن عَلَى أعقابنا تقطُر الدَّما
    ويُروى )تقطر الدِّما(. جعل )الدِّما( اسماً مقصوراً كغِنَى.
    أنشد الفارسي:
    كمَهاة فقدت بَرْغزها ... أعقبها الغُبْسُ منه ندما
    غفلت ثم أَتت تطلبه ... فاذا هي بعظام ودِمَا
    فهذا شيءُ عَرَض، ثم نعاود الغرض.
    فكان المهند لما وقع على وجهه، فكان ذلك إشعار بلإقدام، ثم لم يؤثر فيه البتة، فلذلك نفى التاثير نفياً عاماً. ونحوه ما حكاه سيبويه من قوله: )تكلم ولم يتكلم( أي أنك إذا لم تُجد ولا أصَبْتَ، كنت بمنزلة من لم يتكلم وإن كنت قد تكلمت.
    )تَنْقدِحُ النَّارُ مِنْ مَضَارِبها ... وصَبُّ ماءٍ الرِّقابِ يُخْمِدُها(
    قدحه فانقدح: أوقد فاتقد، أي أن السيوف تقطع ما تحتها وتهوى في التراب، فلا يردها إلا حَجَر يقدح النار بملاقاته جرْم السيف، كقوله:
    تَقُدُّ السَّلُوقىَّ المضاعَف نسجُهُ ... وتوقد بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ
    )وصبٌّ ماء الرقاب يُخمدُها( أي أن الدم الذي يطفئ تلك النار يجرى على السيف والجمر، وسَمَّى الدم ماء استعارة ومجازاً، وإنما ذلك لأن ماهَتَه سيلانه، وعلى هذا قالوا ماء العناقد. وسَمُّوا الدمع ماء، كل ذلك اتساع وتجوز، لا حقيقة.
    )إذ أَضلَّ الهُمامُ مُهجَتَهُ ... يَوماَ فأَطرافهنَّ تَنْشُدُها(
    نَشَدْت الضالَّة: طلبتُها، وأنشدتها: عَرَّفتهان ونَشَدْتها في التعريف لغة أيضاً. وقوله: ويصيخُ أحيانا كما استمع المضلُّ لصوت ناشد قيل: يعنى بالناشد هنا المعرِّف وهو الصحيح، لأن المضِلَّ يضغى إلى كلام المعرف ليدُّلّه على ضالته. هذا قول الأصمعي.
    وقيل: الناشد هنا:الطالب، لأن المُضشل يحب أن بجد مُضِلاًّ مثله ليتعزى به. وهذا القول الآخر مستقل عن تغالي الأول. ويصحح القول الأول:
    يُصيخ للّنبأةِ أسماعَهُ ... إصاخة المُنْشِدِ للناشِدِ
    أي إصاخة الطالب للمعرِّف. أي أن الهُمام إذا فقد مهجته فإنه يسأل عنها أطراف هذه السيوف، لأنها عارفة بمسالك الأرواح، بها تُقْبض وعليها تَرِد، لا مظنةَّ لها إلا هي. فأطرافهن على هذا مفعول ثان أي تَنْشُدُها أطرافهن.
    )أَقَرَّ جِلْدِى بها علىَّ فَلاَ ... أقْدِرُ حنى المماتِ أجْحدُها(
    أي نضرة العيش بادية على بَشَرتي، كقول العرب: بَشَرٌ ما أخاك مشفر. فإذا جحدتُ نعمتك، شهد بها جلدى فلم يمكنه إنكارها، إذا أثرها عليه بادٍ جحدتها وأقرَّ جلدى بها افتضحت. ونظيره قوله تعالى: )تَعرِفُ في وُجُوههم نَضْرَةَ النعيم( قوله: )فلا أقدِر حتى الممات أجحدُها( أراد: على أن أحجدَها فحذف على وأن، ورفع الفعل لعدم العامل الذي كان ينصبه وهو )أن(. ونظيرة قوله تعالى: )قُلْ أفغيرَ اللهِ تأْمُرُونِّى أعبُدُ( أي تأمروني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل. ولو كانت القطعة مفتوحة الروى لقال: )أجحدها( فأعمل أن مضمرة إعمالها مظهرة. وقد رُوى هذا البيت بالوجهين جميعاً.
    وقال المتنبي:
    )أحْيا وأيْسَرُ ما قاسَيْتُ ماقَتَلاَ ... والبيْن جاَرَ عَلَى ضَعْفِي وما عَدَلا(
    يجوز أن يكون أراد: أحْيَا وأيسرُ ما قتلني، أوما من شأنه أن يقتل، وإذا كان أيسر ما قاسيته قاتلا، فما بأكثره وأشدّه. وهذا على وجهين: إما أن يكون تعجب من ذلك فقال: أنا في حال حياة، وأقل مالاقيته قاتلٌ، وإما أن يكون طمع بالحياة فأنكر ذلك، فقال: كيف أحيا مع هذه )الحال(. فهذان وَجْها إرادةِ الاستفهام. وقد يكون أحيا خبراً، أي أنا أحيا. وهذه حالي، أي تجلدى. يتعجب من صبره. وقد يكون )أحيا( اسماً يدل على المفاضلة، أي: أثبتُ ما قاسيته لحياتي ما قتل، وهذا غُلوٌّ ولإفراط، لأنه إذا كان ما قلته أثبت شيء لحياته، لم يبق له ما يوجب الموت.

    )وَضَاقَتِ الأَرضُ حتى كان هارِبُهم ... إذا رأى غيرَ شيء ظَنَّه رَجُلا(
    أما الرؤية فلا تقع على غير شيء، لأن غير شيء ليس بمحسوس إحساس الجوهر، ولا إحساس العَرَض، لأن غير شيء خارج عن الجور والعَرَض، لأن كل واحد من الجوهر والعرض شيء، وإنما أراد هذا الشاعر: إذا رأى غير شيء يُحفَل به في قوة قولك: إذا رأى شيئاً لا يحفل به ظنّه رجلا كقول العرب: إنك ولا شيءَ سواءٌ، ومحال أن يسوى بين الموجود والمعدوم، لأنهما في طريق التضاد، ولكنهم يريدون إنك ولا شيءُ يُعْبأ به سواءٌ ولكنهم قالوا: إنك ولا شيء، واكتفَوا به من قولهم وشيئاً لايعبأَ به، لأن مالا يعبأ به كالمعدوم، ولذلك ألْزَمَناَ سيبويه الْنصب في قوله: إنما سرت حتى أدخلها، إذا كنت مُحتقراً للسَّير، قال الْفارسي: إنما ذلك لأنه لا شيء أقرب إلى طبيعة النفي من الاحتقار، والنفي عدم فجعل الاحتقار كالعدم.
    )فَبَعْدَهُ وإلى ذّا اليومِ لَوْ رَكَضتْ ... بالخَيلِ في لَهَوات الطِّفْل ما سَعَلاَ(
    أي أن هذه القبيلة قَلَّتْ وذَلًّت، حتى لو ركضوا الخيل، على قوة الركض، في لَهَوات الطفل، على ضعفه، ما شعر بهم فيسعُل، بالغ بذلك كقوله:
    ولَوْ قَلَمٌ ألْقِتُ في شِقِّ رأسِه ... من السُّقم ما غيرتُ من خط كاتب
    فأما قول رؤبة في صفة الصائد:
    فباَت والنفسُ من الحِرْص الفَشَثْ ... في الغاب لو يمضغ شَرْياً ما بَصَق
    فإنما أراد أن هذا القانص من النَّهَم على صيد الوحش، وخشية أن يسمع له حِسَّا فينفر، لو مَضَغَ الحنظل، لم يبصُق خشية أن يُنَفِّرها بَصْقهُ، وقال الأصمعي: إن تهمّه عَلَى التَّصُّيد قد شغله حتى لو مضغ الحنظل لم يشعر بمرارته فيبصُق.
    وخص المتنبي لهوات الطفل لأنها مظنة السُّعال.
    وقوله: ركضت بالخيل، إنما وجهه: لو رَكَضتْ الخيل، يقال: ركضت الدابةَ، ولا يقال ركضتُ بها. هذا هو المعروف في اللغة، لكن قد يجوز أن يكون ركض بالدابة لغة، فيكون من باب طَوَّحْته وطوَّحْتُ به. وقد يجوز أن تكون الباء زائدة كقوله )سُودُ المحَجرِ لا يَقْرأْنَ بالسُّوَرِ(
    )كَمْ مَهْمَهٍ قَذَف قَلْبُ الدليل ... قَلبُ المحبِّ قَضَانني بعدَ ما مَطَلا(
    قال )المحِبّ( فجاء به على لفظ الفاعل، ولم يقل الحبيب وهو يريده، لأنه عَنَى شدة إشفاقه في المَهْمَه، وذلك أن المعشوق إذا أحب عاشقه، فإنما يهجرهُ لخوف واش أو رقيب، فاذا رآه خَفَق قلبُه لإشفاقه. ولو كان المحِب غير مُحِبّ لم يتجشم الزيارة على شدتها. وهذا كقول علي بن جَبَلة:
    يأبى من زارني مُكْتتمِاً ... حَذِرَا من كل حِسٍّ فَزِعاَ
    فقضاني بعد ما مَطَلا على هذا القول، جملة في موضع الحال. ويجوز وضع الفعل الماضي موضع الحال، لأنه قد يوضع موضع المستقبل في قوله: إن فَعَل فَعَلْت. وفيما حكاه سيبويه من قولهم: والله لافعلتُ، يريدون لا أفعل.
    وقد ذهب بعضهم في قوله تعالى: )أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ( إلى أن )حَصِرت( في موضع الحال، وقد فيه منوَّه. ويشهد عندي أن حصِرت في موضع الحال قراْة من قرأ: )أو جاَءُوكم حَصِرَةً صُدُورُهم(.
    وأما قوله: )قلب الدليل به قلب المحب( الذي هذه صفته فمعناه: أن فؤاد الدليل وَجِل كقلب المحب الزائر المتوقع للفضيحة.
    وقد يجوز أن يكون )قضاني بعد مامطلا( خبراً عن المَهْمَه، أي: كم من مَهْمه قد قضاني بعد مامطلا، قلب الدليل به قلبُ المحب.
    وأما )قضاني بعد ما ماطلا( وهو يعنى المهمه، فمعناه: أن المهمه طال عليه، فمطله بالنجاة منه، ثم قضاه بعد حين، وكلاهما مستعار.
    وأما قوله: )قلبُ الدليل به قلبُ المُحِبّ( فمعناه: أن قلب المحب يرجو ويخاف. وكذلك قلب الدليل يرجو الهداية ويخشى الضلالة.
    )مُحِبِّي قِيامِي مَا لِذَلِكُم النَّصْلِ ... سليماً من الْجرحى بريئا من القتلِ(

    أي: يامحبي ثورتي وقيامي بدْولتي، وتركي للأسفار، كيف أفعل ذلك ولم أكسر سيفي، ولا ثَلَمْته بضربي أعدائي به، فكَىَ عن الكسر بالقتل، وعن الثَّلم باُلجرح،إذ الجرح والقتل إنما يلحقان الحيوان، والسيف جماد لا حياة به. وأراد سليماً من الجرح، فوضع الجَرْحى موضع الجُرْح. وإن شئت قلت كأنه على حذف المضاف، أي سليماً من ألم الجَرْحى، أو من هيئة جُرح الجْرحى، وبريئاً وسليماً منصوبان على الحال من قوله: )ما لِذَلِكُم(: أي استفهم عنه وهو في هاتين الحالين، كقوله تعالى: )فَما لَهم عن التّذْكِرَة مُعْرِضين(.
    )أَمِطْ عنك تَشْيِيهى بما وكأننَّه ... فما أحدٌ فوقي وَلاَ أحدٌ مِثْلي(
    اما )كأن( فلفظة تشبيه، فالكلام بها هنا على وجهه، كانه يقول: لاتقل في: الأسدُ ولا كأنه السيف، ولا كأنه الموتُ أو السيلُ، فكل ذلك إنما هو دوني،ولا ينبغي أن تشبه الشيء بدونه، إنما المعتادُعكس ذلك.
    وأما )ما( فليست بلفظة تشبيه بمنزلة كأن، إنما استجازها في التشبيه، لأنه وضع الأمر على أن قائلاً قال: ما يُشبه؟ فقال له المسئول: كأنهَّ الأسدُ، كانه السيف. فكأن هذه التي للمسئول، إنما سببها )ما( التي للسائل. فجاء هو السبب والمسبب جميعاً؛ وذلك لاصطحابهما. ومثل هذا كثيرا.
    وقد يجوز أن تكون )ما( هنا بمعنى الجحد، فجعلها اسما، وأدخل الحرف عليها، كأنه سمع قائلاً يقول: ماهو )إلا( الأسد. وفي هذا معنى التشبيه أي مثل الأسد، فأبى هو ذلك. ثم رجع إلى النوع الأشرف فقال )فما أحدٌ فوي ولا أحدُمثلي( مفضلاً نفسه عليهم.
    وله أيضاً:
    )هَديَّةٌ ما رأيتُ مُهْدِيَها ... إلاَّ رأيتُ العِبادَ في رَجُلِ(
    أي هذه هدية، ويجوز هدية على البدل من قوله: )بما بعثت به(. وقوله: ما رايتُ مهديَها إلا رايت الأنام في رجل: أي أن فضائل الأنام مجموعة في شخص واحد منه، فلا مُعْتَبر بالعدد، اذاحاز معانيم أجمعين وحده، كقوله أيضا:
    غدا الناس مِثْلَيْهم له لا عَدِمْتُهُ ... وأصبح دهرى في ذَراهُ دُهور
    ونحو قول بعض الحكماء وقد رَضِىَ تلميذاً له من بعض تلاميذه، يقال إن ذلك التلميذ )رسْطَا لِيس( فقال: واحد كألف، وليس ألف كواحد، وليس ألف كواحد وقال ابو نوأس:
    ليس عَلَى الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالمَ في واحد
    وله:
    )ولا وَقَفْتُ بجسمٍ مُسْىَ ثالثةٍ ... ذِى أرْسُمٍ دُرُسٍ في الأرْسمِ الدُرُسِ(
    المسُىْ، والمِسَا، والمَسَاءُ، كالصُبح، والصِّبح، الصَّباح. أي لولا هه الظبية الإنسانية، لم أقف على رسوم هه الدار ثلاثا بين يوم وليلة أسألها. ولم يُرد أنهّ وقف عليها بعد ثلاث من إقفارها، لأن الدار لا تدرس بعد ثلاث.
    وإنما عنى أنه وقف عليها ثلاثا، وصفته الجسِم بأنه ذو أرسم دُرُس، ذهب فيها إلى وامحِّائه. واستعار له أرْسماً حين شبهه بهذا الربع الدارس والأرسم، كقوله في صفة الدار:
    ما زَالَ كلُّ هَزيم الوَدْقِ يُنْحِلها ... والشوقُ يُنحلنى حتى حَكَت جَسدي
    وهذا البيت أبلغ في نحول جسمه، لأنه جعل الدار يحكى جسمه في النحول، فإذا جسمة أنحل منها.
    وفي هذا البيت أعنى )ولا وقفت بجسم . . .( لم يجعل لجسمه فضلاً على الدار في النحول.
    ودُرس: يجوز أن يكون جمع دَريس وأن يكون جمع دَرُوس، كصبور وصُبُر، وان يكون جمع دارس كَبَازل وبُزُل.
    )ما ضَاقَ قَبْلَك خَلْخالٌ عَلَى رَشَأٍ ... ولا سَمِعت بِديباجِ عَلَى كُنُسِ(
    يقول أنت كالرشأ في الحسن، وساقُ الرشأ دقيقة، فكيف خالقت أنت الشرأ، بأن ضاق خلخالك عن ساقك. ولو ألبست ساق الرشأ خلخالاً، جال عليها ولم يثبت.
    )ولا سمعتُ بديباج على كُنس(: أي على هودَجك سُتُور ديباج. ولم نسمع قبلُ بديباج على كِن اس. إنما الكِناس غُصون أو أسؤق شجر أو مَحَافِر أرض. وأنت قد خَرَقت المعتاد. بكون الديباج على كناسك. ومن رواه على كَنِس، أراد على ذى كناس. وهذا عَلَى النسب، إذ لا فعل له. ونظيره ما حكاه سيبويه: جَرِحٌ، وَسَتِهٌ، وطَعِمٌ وَنَهِرٌ، وأنشد: )لستُ بليليِّ ولكني نَهِره( أي: ذو نهار.
    فأما قراءة من قرأ )في أيام نَحِسَاتٍ(، فذهب الفارسي إلى أنه من باب فَرق ونرِق، توهموه على الفعل وإن لم يكن له فعل، لم يقولوا نَحِس النهار.

    وها الي قاله الفارسي غيرُ قوى عندى، أحسن منه أن يُحمل على النسب، لأن نظيره كثير، كما قد حكينا عن سيبويه، وتوهم الفعل في مثل نَحِس قليل في كلامهم.
    وله أيضاً:
    )فَجَعلْت ما تُهدِى إِلىَ هدَّيةً ... مِنىِّ إليكَ وظَرفَها التأْميلا(
    يحتمل وجهين. أحدهما: أنه أراد: لما جلَّ قدرك عما تناله يدي ولم تبلغه إلا هبة يدك التي هي كفاؤه، جعلتُ ما تهديه إلى، هدية منى إليك، فما بعدل جلالة قدرك إلا جلالة جودك، وجعلتُ ظرفها تأميلي أن تقبلها منى.
    والآخر: أن يكون استحقه فقال: ما علمت أن )ما( تتحفنى به أو تزَوِّدُنِتهِ لرحلتي، سيبلُك أن تمسكه عنى ولا تُطْلِقه، وأن تَعُدَّه هدية مني إليك، وبإمساكك عن إهدائكه إلي.
    وله أيضا:
    )أمْطِرْ علىَّ سَحَابَ جُودِكَ ثَرَّةً ... وانظر إلىَّ برحمةِ لا أغْرَقُ(
    أي إن عطاءك جاوز المقدار، فكاد يقتل المُعطَى فرحاً، فَتَلاف عُفَاتك منه، لئلا يبلغ بهم الْحَسَد المهلك، فيكون كالماء المُغْرق، كقول أبى تمام:
    تَستثيرُ الْقلبَ لولا اتصالُها ... بحسنِ دِفاع الله وسوسَ سائلهُ
    وقد يجوز أن يكون قوله: )انظر إلى بِرَحمة( أي لا تكلفني من الشكر قدر الواجب فيهلكني ذلك، فكنى عن ضعفه عن الواجب عليه من الشكر بالغَرَق. وقال ثَرَّة وهو يعنى السحاب لأن السحاب جمع سحابة، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، فلك وتذكيره، وجمعه وإفراده.
    وله أيضاً:
    )وقَلبُكَ في الدُّنياَ وَلَو دَخَلتْ بِناَ ... وبالْجِنِّ فيه مادَرَتْ كَيف تَرْجِعُ(
    يتعجب من ذلك. أي قلبك في الدنيا، وهو من السعة بحيث لو دخلت الدنيا فيه بنا وبالجن، أعجزنا الرجوع، وتُهْنا في سعته، فكيف وسِعَتِ الدنيا قلبك؟ وهلاًَّ ضاقت عن حمله، اصغرها عن عِظمه. يبيِّنُه ما قبله، وهو قوله:
    ألَيْسَ عَجيباً أنَّ وَصفَك مُعجزى ... وَأَنَّ ظُنُوني في معاليك تَظلَعُ
    وَأَنَّك في ثوبٍ وصدُرك فِيكُماَ ... عَلَى أنه من ساحة الأرض أَوسعُ
    وله أيضاً:
    )طويل النجادِ طويل العمادِ ... طويل الْقَناة طويل الْسِّنانِ(
    النجاد: حِمالةُ السيف، فطوله كناية عن طول القامة، وذلك مما يُمْدَح به كقوله هو:
    قُلُوبُهُمْ في مضاء ما امْتَشَقُوا ... أبدانُهم في تمام ما اعْتَقَلُوا
    وكقوله:
    وَغَالَ فضُولُ الدِّرع من جَنَباَتِها ... عَلَى بَدَنٍ قَدُّ الْقناةِ لِه قَدُّ
    وطولُ العماد: كنيةٌ عن السُّؤْدُد، وأصل العماد: ما عُمد به البيت، أي أقيم. ويقال: عَمَدت البيت وعَمَّدْته، وعماد سيد الحلة: مَرْمُوقٌ يُقْصَد، فكأن عماده، وإن سارى عُمُدَ أهل الحِلّة، أطول بكثير الشائمين له، والقاصدين نحوه. وطول القناة والسِّنان: كناية عن الحِذْف بالطعان. ولهذا وصفت العرب أرماحَها بالطول، يريدون جودة العمل بها، والقوة على تصريفها، لا أنها طوال في ذاتها، لأن طولها مُبْعدٌ عن القِرن، ولا يَحْمدُ ذلك إلا الجبان. ولو كان طول القناة في ذاتها محموداً، لكان السيف لكونه أقصر منها . . . مذموماً. وإنما صفة القناة بالطول، كصفة السيف بالطول. لا يؤريدون في كل ذلك إلا الحِذْقَ بالضِّراب والطِّعان.
    ومما يدلك على أن طول القناة غير محمود، أن طول القناة قد يُوْؤثها الخَطل قال الأصمعي: طول القناة: أربع عشرة وأقصرًها سبع والممدوح بينهما، وهو ما كان طوله إحدى عشرة كقول الشاعر:
    وأسَمْرَ خَطِّياٍّ كأن كُعُوبَه ... ثوى الْقَسْب قد أَربَى ذِراعا عَلَى الْعشْر
    وكذلك قال البحتري:
    كالرمحِ أذرعُه عَشْر وواحدة ... فما استبدَّ به طولٌ ولا قِصَرُ
    )يَرَى حدُّهُ غامضاتِ الْقُلُوبِ ... إذا كنتُ في هَبْوةٍ لا أراني(

    أي أنه ماضٍ يقطع كل عضو يلقاه، حتى ينتهي إلى القلب، فكانه إنما قطع مادون القلب من الأعضاء حين رأى القلب، فَهَتَكَ اليه الحُجُب التي دونه، إذ لم يمكنه الوصول اليه إلا باختراقها الهَبْوة، وأراني هنا: من رُؤيْة العين، لأنها غير متعدية، فكان يجب أن يقول: لا أرى نفسي، لأن فعلَ الفاعل إذا كان حِسِّيًّ، لم يتعد إلى ذاته بكناية المتكلم. لايجوز ضربتُنى، وإنما يتعدى فعل الفاعل إذا كان حِسيَّا إلى ذاته بلفظ النفس. ويقولون: ضربت نفسي وفي التنزيل )رَبناَّ ظَلَمنا أنفسنا( إلا أنه جاؤ عنهم فَقَدْتُني وعَدْمتُني، وهذا نادرا غي معمول به.
    لكن لما كانت ارى التي هي للعين مطابقة اللفظ لآرى التي هي للقلب، تتعدى على هذه الصورة، لأنها غير حِسَّية، كقولهم: أراني ذاهباً. اسجاز أن يُجرِىَ )أرى( التي للعين مجراها.
    وعلى هذا أوَجّه أنا ما خكاه سيبويه من قول العرب: أما تَرىَ أي برق هاهنا؟ فعُلقِّت فيه أرى. ورؤية العين لاتُعلَّث وإنما تعلق رؤية القلب، ورؤية القلب بَصَرية لا نفسانية. لكنها لما طابقت في اللفظ )ترى( التي هي للقلب، وكانت هذه تعلق استجازوا تعليق التي للعين. على أن الفارسي قد ذهب في هذا الذي حكاه سيبويه إلى أنها رؤية قَلْب.
    وله أيضاً:
    )رَمَاني خِسَاسُ النَّاس مِنْ صَائِب اسْتِهِ ... وآخر قطنٌ من يديه الْجَنَادِلُ(
    يذهب إلى أن عدوه ضدٌ له. هُوجَمُّ الفضائل، وعدوه جَمُّ النقائص والرذائل، ولذلك وقع بينهما التنافر، لأن الذِّد مُحارب لضده، والشكل مُسالُم لِشَكله فهو يقول: لايعاديني إلا ناقصٌ لجرى العادة بمعاداة ذى النقص لذى الفضل. فإذا عاَبنَى - والإجماعُ قد وقع على فَضلى - فهو لا محالة ناقص وقد صرح عن ذلك بقوله في الأخرى:
    وغاذ أتتكَ مَذَمَّتى من ناقٍ ... فهي الشهادةُ لي بأنى كَملُ
    أي أنه لو كان فاضلا مِثلي، ما ذَمنَّي لِتَشَا كلُنا في الفضل، ولأنه لو كان فاضلاً لنَقَص وفَضَلت. فأوجب ذلك تَضَاداً وتعادياً كقول أبى تمام:
    لقد آسفَ الأعداءَ مجدُ ابن يوسُفٍ ... وذُو النقص في الدنيا بذى الفضل مُولعُ
    وقوله: )مِن صائب استِهِ، وآخر قُطن( ك أراد من بين صائب يرميه وآخر هذه صفته، أي أنه ضعيف يُعدِى ضعفُه الجَنْدل فيضعف، حتى لايُؤثِّر كما لا يؤثر القطن إذا رُمِىَ به.
    وصائب استه: أي مُصيبها. يقال: صاب الشيء وأصابه.
    وخص ذكر استه من بين سائر الأعضاء لوجهين: أحدهما: قصدُ الاستخفاف به في ذكر ذلك منه، والآخر أن هذا الناقص المتنقِّص لي مغلوب مهزوم. والمهزوم لا يقع سلاحه إلا على مايلي ظهره، فخص هذا العضو للأمرين جميعاً.
    والأجودُ عندى أنه إنما قصد الاستخفاف، والشّتْم، والسَّب بلك كثير. ولذلك سميت الاست السَّبَّو والسَّبَ.
    وأصل الناس: الأناس، حذفوا الهمزة لكثرة استعمالهم إياه، وذلك مع اللام، وقد جاء محذوفاً ولا لام فيها، كما جاءت الهمزة فيه مع اللام فيما أنشده أبو عثمان من قول الشاعر: إنَّ المنَايا يَطَّلِعْن على الأناس الآمنينا ولما ذكر سيبويه اسم الله تعالى، وكون الألف واللام فيه خَلفاً من الهمزة قال: ومثل ذلك. أناس: فإذا أدخلت الألف واللام قلت الناس. إلا أن الناس قد تفارقهُ: الألف واللام ويكون نكرة. والله تعالى لا يكون فيه ذلك، وهو فصل معروف في باب ما ينتصب على المدح والنعظيم والشيم في باب النداء.
    وقوله: )وآخَرَ قُطن( الجدي في قُطن الرفعُ، لأنه جوهرٌ والجواهر لا يوصف به. إلا أن الجر في مثل هذا قد يَسُوغ، وذلك على توهُّم الصفة، يُقدر الجوهر صفة بقدر ما يحتمله وضعه، نحو ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: مَررتُ بسرجٍ خَزٍّ صُفّتُه، لأن الخز وإن كان جوهراً فهو في معنى لَيِّن، صفة قال: الفارسي: كأنهم يقولون: )مررت بقاع عَرْفَج كله(. فيجعلونه كأنه وصف. قال الفارسيّ: كأنهم يقولون: مررت بقاع خشنٍ كله. وإنما قَدَّره بخَشِن، لأن العَرفج شاك، والشوكُ خَشِنُ المس. فاذا جَرَّ فقال: )وآخر قُطنٍ من يديه الجنادل( فكأنه قال: وآخر لين أو ضعيف من يديه الجنادل.
    )ومن جاَهِلٍ بِى وَهْوَ يَجْهلُ جَهْلَه ... وَيَجْهلُ عِلْمي أَنَّهُ بِىَ جَاهِلُ(

    )وَيَجْهَلُ أبى مالك الأرْضِ مُعْسِرٌ ... وَأنِّى على ظهر السِّماكين رَاجلُ(
    ومن جاهل: معطوف على )صائب استه(. أي أنه قد اشتمل بالجهل وَلاَ يَعَلمُ أنه جاهل، بالغ في استجهاله، فلم يُبق له أثراً من العلم، إذ لم علم أنه جاهلٌ لكاَن له جزٌ من العلم.
    وكذلك أيضا بالغ في استجهاله بقوله:
    ويَجلهُ على أنه بى جاهلُ
    عبدالله عمر

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي


    يقول: لا علم له البتة، وكذلك يجهل قدري عند نفسي، فلا يعلم أني إذا ملكت الرض، كنتُ مُعِدمِاً عند نفسي، لقصر ذلك عن قدري، وأني إذا علوتُ السماكين، كنت عند نفسي راجلاً، لأنَّ ذاتي أعظم قدراً وأكرم خظراً. و )مالكَ الأرض(: حال، والنية فيه الانفصال، أي مالكاً للأرض. والظرف في قوله: )على ظهر السِّماكين( متعلق بمحذوف أي مستقراً على ظهر السماكين، وهو حال، فالمجرور في موضوع الحال، وأراد على )ظهور السماكين(، أو )ظَهْرَى السِّماكين( فوضع الواحد موضع ذلك. ومثله كثير، وحسَّن ذلك أن السِّماكين يذكران كثيراً معاً، فصار كالواحد.
    )فما وَرَدَتْ رُوحَ امرىءِ رُوحُه لَهُ ... ولا صَدَرتْ عن بَاخِلٍ وَهُوَ باخِلُ(
    أي لم تَرِدْ سُيوفُنا روحَ امرىء إلا صار لغيره، إما بكونه إلى العنصر فَقَدر أن يبخل عليها بهما، أو بواحدة منهما.
    )يُخَيَّلُ لي أنَّ الْبِلاد مَسَامِعِي ... وَأَنِّيَ فيها ما تَقُول الْعَواذِلُ(
    خُيِّل له السيء وخيل إليه: أي شُبِّه حتى حسبه كائِناً، ويقول: قولُ العواذل لاَ يْثبُتُ في سَمْعي، كما لا أثْبُت أنا في بلدٍ. أراد: وأني فيها ما يقول لي العواذال، من النهى لي عن التغَّرب وضُروب التَّصرُّف، كقوله:
    أواناً في بيوتِ البدْوِ رَحْلِى ... وآوِنةً عَلَى قَتد البعير
    ومثلُ هذا كثير في شعره.
    وله أيضاً:
    )ابْعَدْ بَعِدْتَ بياضاً لا بياضَ لَهُ ... لأنت أَسْودُ في عَينِي من اّلْظُّلَمِ(
    ابعْدَ: أي اهلك. بَعِدَ الشيءُ بعداً: هَلَك، وبعُدَ بُعداً: ضد قَرُب. ودعاؤه عليه بالبَعَد: أبلغ من دعائه عليه بالبُعد، لنه إذا هَلَك فقد صار إلى العَدَم، وإذا )بَعُد( كان في الوجود وإن لم يُقْرب. والبعَد أمْحى له من البُعد. وقوله )بَياضاً لا بياضَ لَه(: أي لا بياض له في الحقيقة، ولا يحدث عنه بشر ولا فَرَح.
    والعربُ تَصِفُ الحُزنَ بالسَّواد، والسرورَ بالبياض. وهو معنى وله تعالى: )يَوْمَ تَبْيضُّ وجوهٌ وَتَسْودُّ وجوهٌ(. قال: )وإذا بُشِّرَ أحدُهم بالأنْثى ظلَّ وجهُهُ نُسْوداً( وأراد: )ابْعَد بَعِدت ذَا بياضٍ(، لأنه إنما يخاطب الشَّعْر الأبيض، ولا العَرَض الذي هو البياض. )لأنت أسود في عيني من الظلم أيها الشيب.
    فأما قوله: )أسْوَدُ في عيني من الظلم الُّظلمَ(، فخطأه فيه قوم. قالوا: إن )فِعْل( )أَفْعَلِ( هذا على أكثر من ثلاثة أحرف، وهو )اسْوَدَّ( فلا تقع المفاضله فيه إلا بأشَدّ وأبْيَنَ وغيرهما من الأفعال الثلاثية، التي تصاغ نُيوَصَلَ بها إلى التعجب من الأفعال التي على أكثر من ثلاثة.
    وهذا منهم غلط. ليست )أفعْل( هنا للمفاضلة، ولا )مِن( متعلِّق بأسود، على حد تعلّق )مِنْ( بأفضل في قولك: زيد أفضل من عمرو. وإنما هو كقولك لأنت أسود، ومعدود من الظَلمِ في عيني. )فَمِن( غير متعلقة بأسْود، كتعلُّق )مِن( بأفعل التي للمفاضلة، وإنما هي في موضع رفع، حالَّةً محل الظرف، بمنزلتها في قول الأعشى:
    فلست بالأكثر منهم حَصىً ... وإنما العزَّةُ لِلْكاثِرِ
    فلا يجوزُ أن تكون )مِنْ( متعلقةً بالأكثر، لأن اللام تُعاقِبُ مِنْ وإنما هي هنا بمنزلة الظَّرف. وذلك جعل الفارسيّ )مِنْ( هنا بمنزلة ساعة في قول أوس بن حجر:
    فإنا رأينا الْعرضَ أحْوَج ساعةً ... إلى الْصَّوْنِ من ريطٍ يمانٍ مُسَهَّم
    )بحُبِّ قاَتِلَتى والشيبُ تَغْذِيَتَى ... هَواى طِفْلاً وشَيبى باَلُغَ اْلُحُبم(
    أي عَذَبتُ نفسي بحب هذه التي قتلني حبها بالشيب. فأما تغذيتي نفسي بالحب ففي حال طفولتي، وأما في الشيب، ففي حال بلوغي الحُلُم، أي هَويت وأنا طفل، وشِبْت من ذلك الحب وأنا مُتِلمٌ، فجَعلَ الحُبَّ والشيب لنفسه غذاءين وهما مُهلكان لا مُتَمّنيان. والياء في تغذيتي تكون في موضع الفاعل، فيكون المفعول حينذ محذوفاً، أي تغذيتي نفسي، كما تقول: عجبت من ضرب زيدٍ عمراً. ويجوز أن تكون في موضع المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه، أي غُذِّيت. وهَواى: يجوز أن يكون مبتدا وخبره الحال الذي هو طفلٌ كقولك: أكْثَر شُربي السَّويق ملتُويا، والقول في يبي وبالغَ الحلم، كالقول في هَوَاىَ طِفلا. وكأنه قال: بالغاً الحُلُم.
    ويجوز أن يكون هَوَاى في موضع جر البَدَل من حُبيِّ، وشَيْبي حينئذ في موضع جرِّ معطوفٍ على هَواى. والأول أقوى.
    )شَيخٌ يرى الُصلوتِ الخمسَ نافِلةً ... ويَستَحِلُّ دَمَ الحُجّاج فب الحَرمِ(
    يعني بالشيخ هنا: المجَرب إذ لا تكون التجربة لغير ذوى السِّن والحنْكَة، كقول الرياحيّ:
    أخو خمسين مُجْتَمِعٌ أشُدِّى ... ونَجَّذَنِى مُداوَرَةُ اُلْشُّئُونِ
    وفي كلامهم: ابن خمسين: ليث عِفرِّين، وقد قال هو في موضع آخر:
    )سأطلب حَقىِّ بالْفتاَ وَمَشاريخ ... كأنهمُ من طول ما الْتَثَمُوا مُردُ(
    مشايخ: جمعَ مشيخة ومَشْيُوخاء على حذف الزائد. )يرى الصلوات الخمس نافلة(: أي أنه لا يعني بمفروضات الدين، ولا تمنهُه مما يشاء إذا أمكنه ما طلبه. ويستحيل دم الحُجاج في الحرام: أي أنه مبالغ في المضاء والنفاذ، حتى لا يردهّ التحرُّج الذي يوجبه الدين فضلاً عما سواه. ويرى هاهنا: من رؤية القلب، لأن الصلاة فعل عَرضي ليس بجوهر محسوس، فتكون حاسّة البصر واقعة عليه. وفي الحَرَم تتميم بديع.
    )وَرَبَّ مال فقيراً من مُروَّته ... لم يُثْرِ منها كما أثْرى من الْعَدمِ(
    أي أن اللئيم الغنىَّ يمنع نفسه خظَّها، والفقير السَّمْح إذا وجد أعطاها حظَّها، فالفقر مع السماحة أجدى على صاحبه من الغنى مع اللؤم، كقول حسان بن حنظلة:
    إنا لَعَمْر أبيك يَحْمد ضيفُنا ... وَيَسودُ مُغْتَرِباً عَلَى الإقلال
    وتقدير البيت: ليم يثر هذا اللئيمُ الغنىُّ من غناه، كما أثرى هذا الفقير السَّمْح من العَدم.
    وقد يجوز أن يَعْنَىِ أن ثرثرة هذا اللئيم الغنىِّ من الفقر، وأكثر من ثروته من الغنى، أي أن حالة المُعدِم أظهر من حالة الغَنِىِّ.
    فأما قوله:
    )يَجْنِى الْغِنَى لِلِّئَام لو عَقَلوا ... ما ليس يَجْنى عليهمُ العَدَمُ(
    فمعناه المبالغة. أي أنهم يمنعون أنفسهم حظَّها في حال الغنى، فلا يُقَدَّرُون بل يُذمُّون بظهور حال الفقر عليهم، وإن كانوا أغنياء. وأما إذا ظهرت عليهم حال العُدْم وهو مُعدمون، فلا ذُمَّ عليهم، بل عذرهم في ذلك بَيِّن.
    وله أيضاً:
    )حَاشَى الرَّقيبَ فخانْته ضمائرُهُ ... وغَيَّض الدَّمعَ فانهلَّت بَوادِرُهُ(
    يُريد: استَثْنىَ الرقيبَ، وأخرجه مما كان يعرف سَّه، لأنه كان في أول أمره يبوح بسره إلى بعض إخوانه، ويخفى ذلك عن الرقيب. فلما تمادى ذلك به أفرط عليه، إلى أن بخل وبكى، وذل وشكا، فعلم الرقيب ذلك منه.
    )غاَب الامير فغابَ اّلخيرُ عن بَلدٍ ... كادَتْ لفَقْدِ أسمِه تبكى مَنابُره(
    كان الأمير المجهول مخطوباً له بحمص أيام ولايته إياها، فأزيل عنها فانقطع الاختطاب باسمه على منابر هذه المدينة، فحنت المنابر وبكت لذلك.
    )قد اشْتَكَتْ وَحْشَةَ الأَحْياء أَربُعُةُ ... وخَبَّرتْ عن أَسىَ الْمَوتَى مَقاَبِرُهُ(
    الهاء في مقابره: للبلد ذاك، كما كانت في المنابر له. أي تَوحَّش إليه الأحياء، وهذا ممكن، والأموات، وهذا غير ممكن، لكنه بالغ بالموتى، وأفرط بقوله: إنَّ المقابر مُخْبرة عن أسىَ الموتى، فالنصف الثاني أغلى من الأول، لأن الأحياء يتوحَّشون، وإن كان فيه غثلُوٌّ أيضاً لإسناده الشكوى إلى الأربُع فيه. وكأن الأربُع إنما اشتكت رقَّةً لما تراه من توحُّش أهلها، وبُعداً بذلك.
    وإن شئت قلت: خُلِّيت الأربع بعد المير من سكانها، فتشكت توحُّشها إلى الأحياء )وهذا( أولى. لتطابق إسناد الأسى إلى الموتى.
    )تَحْمَى الْسُّيوفُ عَلَى أَعْدَائِه مَعَهُ ... كأَنَّهنَّ بَنُوه أَو عَشائِرُهُ(
    أي إن السيوف تحَمَى على أعدائه معه، تعصباً له وحباً، حتى كأنَّ السيوف من مظاهرتها ونصرها له، وتبليغها إياه ما شاء من عدوه، بَنُون له أو عشائر قال أبو الفتح: وهذا أبلغ من قول أبى تمام:
    كأنما هي في الأوداج والغةٌ ... وَفي الْكُلَى تجدُ الْغيظ الذي تجدُ
    لأن أبا الطيب قد جعل السيوف بنين له وعشائر. وإذا كانت المناسبة استحكمت العصيبة، وازدادت الأنفس حمية، وأبو تمام لم ينُطْ بيتَه بشيء من معنى المناسبة.
    )إذا انْتَضاَهاَ لِحَرْبٍ لم تَدْع جَسَداً ... إلاَّ وباطِنُه للعين ظاهِرُهُ(
    انتضاها: جرَّدها. أي إن الدن الذي هو باطن الجسد يَفيض فيصير ظاهراً. وقيل تَقْطع الأشلاء وتَقُدّ الجلد، فيظهر من الجسم ما كان باطنا.
    وله أيضاً:
    )وَمِن جَسَدى لم يَتْرك الْسُّقمُ شَعْرةً ... فَما فَوقها إلاَّ وفيها له فِعْلُ(
    أي أن السُّم نال طائفة من طوائف جَسَدي: اللَّحم والعَصب والعَظم، فأنحاَه وبراه، حتى الشَّعْر الذي هو أرقٌّ الطوائف جسمي، فإنه أثر فيه بالشيب. والشيبُ سُقْمٌ، لأنه مُشْعِر بفناء، كما أن السُّقْم كذلك ولذلك قال بعض الشعراء في صفة الشيب:
    هو الْسُّقم إلاَّ أنه غيرُ مؤلم ... ولَمْ أَر مثل الشيب سُقما بلا ألَمْ
    وقد يجوز أن يَعْنِى أنه قَذَف في اصغر طوائف جمسي، هو الشَّعرُ، بهذه النازلة العظيمة الشنيعة، وهو الشيب فقس على سائر الجسم بمثل هذا القياس، كما يُستدل بالأصغر على الأعظم، وبالأقل على الأكثر، أدى إذا كان فعله في الشعر هذا، فما ظنك باللحم، وما يحمله من العصب والعظم؟
    )هُمامٌ إذا ما فَارَق الْغمدَ سَيْفهُ ... وعايَنْتَه لم تَدْرِ أيهُّما النَّصْلُ(
    أي أن مضاءه كمضاء السيف، وبشره وبشاشته كفر نده وصقالته، فأنت تشكُّ فيهما حتى لا تميز أحدهما من صاحبه. وهذا كقول ابى تمام:
    مُنْصَلِتاً كالسيف عند سَلِّهِ
    وقال رؤبة:
    كأنني سيف بها إصْلِيتُ
    ونحوه عندي قوله هو أيضا:
    كَفرنْدِى فِرنْدُ سيفي الُجْرَازِ
    أي كبسرى عند القتال وبشاشيتي وفرحي بتاثيري في اقراني، فرند سيفي هذا الجُرازُ: القاَطِع، وذهب قوم إلى أنه عنى بفرنده نفسهَ: سُهُومه وتغيره من السفر والجد والتعب. فكنى عن ذلك السُّهام بالفرند، لدلالته على شرف الهمة ورفعة النفس، وإنما الصحيح الول كقوله في موضع آخر: أَرى من فِرنْدِى قطعةً من فرنْدِه وَجُودَةُ ضَرْبِ الْهام في جُودةِ الصَّقْلِ
    إذا قيل حلماً قال للحلمِ موضع ... وحَلْم الفتى في غير موضِعه جْهلُ
    أي طلبُ الرفق في موصع النزال خديعة لا يخلد إليها أريب، كقوله:
    يناشدني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
    وإنما يروم بذلك قرنهُ منه التماس نهزةٍ أو حذباً إلى كشف شدة عن نفسه.
    )ولولا تَولِّى نَفْسه حَمْلَ حِلْمه ... عن الأرض لا نهدَّت وَنَاءَ بها الْحِملُ(
    الحمَلُ: المصدر، والجملُ: الاسم. وناء بها: أثقلها، وفي التنزيل )ما إنَّ مَفَاتحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ(. ولا يقال )ناء( إلا في حد الإتباع لساء، يقال: )له عندي ما ساء وناء(، وقد يكون مع الإتباع صيغ لا توجد في حد الإفراد، كقولهم هَنأءُ ومرأه، فإذا أفردوه قالوا أمرأه. وقالوا: إني لآتيه بالغدايا، والعشايا، والغداة لاتجمع على غدايا، لأن )فَلة( لا تُكسر على فعايل. لكنهم تجوزوه لما قرنوه بالعشايا، ولا عليك أتبع الثاني الأول، أم صيغ الأول على حكم الثاني، لأن مذهب العرب في ذلك، أن تصوغ الكلام من جه واحد طلباً للمشاكلة.
    ومعنى البيت: أن حلمه رَزِين فلو لم يتولَّ حَمْله نفسه بنفسه، ووكل الارض بحمله، أثقلها فانهدت. وإنما يوصف الحلم بالزراعة لما يتبعه من الوقار، كقول الآخر:
    أحلامُنا تزن الجبالَ رزانةً ... وتزيد جاهلنا على الجهال
    وقد قال هو أيضا:
    وبقيات حلمه عافت النا ... س فصارت ركانةُ فب الجبال
    )وَحالتْ عَطاياَ كفِّه دُون وَعدِه ... فليسَ له إنجازُ وعد ولا مَطلُ(
    أي أن عطايا بلا عدة. والإنجاز والمطل: عرضان أو خاصتان للوعد. فوجودهما بوجوده، فإذا ارتفع الوعد ارتفعت خاصتاه اللتان هما الإنجاز والمطل، وكذلك كل خاص ومخوص، إذا انتفى الخاصة، كالضحك وقبول العلم والأدب اللذين هما خاصتا نو الانسان. فاذا انتفى الانسان انتفت هاتان الخاصتان.
    وإنما مثلتً الوعد بالانسان، وان كان الوعد عرضا، والانسان جوهرا تقريباً وتثبيتاً. فلا تظن بنا غير ذلك، ولو وثقنابفهم بنى الزمان، لغنينا عن إطالة البيان.
    )كفى ثُعلاً فخْراً بأنك منهمُ ... ودَهْرٌ لأن أمْسَيْتَ من أهله أهْلُ(
    أي ودهرٌ بكونك من أهله. أي دهر مستحق لذلك. وَرَفَعَه بفعل مُضمر أي وليفخر دَهْرٌ، وحسن هذا الإضمار، لأن قوله: )كفى فخراً بأنك منهمُ( في قوة قوله: لتفتخر ثُعلٌ، فحمل الثاني على المعنى، فكأنه قال: لتفخر ثُعل وليفخر دهر، والحمل على المعنى كثير، فأهل: صفة لدهر، وأراد كفى الفخرُ ثُعلاً فخراً بكونك منهم.
    وله أيضاً:
    )أبرحْتَ يامَرَضَ الجُفُون بِمُمْرضٍ ... مَرضَ الطبيبُ له وعيدَ العُوَّدُ(
    أبْرحْتَ: بالغت في تعذيبه، وتجاوزت النهاية، ومنه قولهم: أبرحْتَ فارسا: أي بلغت الغاية، وتجاوزت النهاية. ومرض الجفون: فتورها. والممرض: يعنى نفسه لأن مرض الجفن أمرضه، فيقول: بالغت يامرض الجفن بإمراض مريض، مَرِض الطبيب له: إما عجزا عن شفائه. ومرض العُوَّدُ لشدة ما رأوا به فِعيدوا.
    ولابن جنى في هذا البيت كلام أجله عن أن أغزوه إليه.
    وقوله: )مرض الطبيب له(، فله: في موضع الصفة للمُمرض، ومعنى له: أي )من( أجله. وقد يكون في موضع المفعول كقولك: أنا عليم بك ووكيل عليك.
    )فله بنُو عبد العزيز بنِ الرِّضا ... ولكلِّ رَكبٍ عِيْسُهم والفَدْفَدُ(
    يريد أنه قصد بنى عبد العزيز ليشفوه مما به، ولم يأخذ سيرة الذين يأخذون بقولة امرئ القيس:
    وإنك لم تقطع لُبانة عاشق
    لأنهم يرون البعُد من المحبوب مما يُريح، فترك هو هذا، ونحا إلى بني عبد العزيز، يذهب إلى أن شُغل بني عبد العزيز هؤلاء أن يُريحوا من هذا المُمرض، وشُغْل كل ركب أن يركبوا العيِيْس، ويمشوا في القفار.
    وبعض الناس يقول: إن العِيْس لبني عبد العزيز، والأحسن ما بدأْنا به.
    )نِقَمٌ عَلَى نِقَمِ الزَّمانِ يَصُبُّها ... نَعِم عَلَى النِّعَمِ التي لا تُجحَدُ(
    أي نعمه البوادي العود: تدفع نقم الزمان، فتغنى من فقر، وتفُك من أسرأ والأسر من نقم الزمان، فهو يصب هذه النعم فينتقم بها من نِقم الزمان، لن جوده وغياثه إذا أزالا الفقر والأسر ونحوهما من النقم، فقد انتقما منها، فهن إذن نقم على الزمانية، ونعم على الأسير والفقير ونحوهما ممن أصابه الدهر ينقمه.
    )مَن في الأنامِ من الكرام ولا تقُل ... من فيكَ شَأمُ سوى شُجاعِ يُقصدُ(
    الشأم، مذكر، وتقدير البيت: من في الأنام من الكرام سوى شجاع يُقصد يادنيا، ولا تقل )من فيك ياشأمُ(، فخص بذلك الشأم وحده، فإنه أوحدُ الدنيا جميعاً. لا أوحد الشأم وحده.
    )أرضٌ لها شرفٌ سواهَا مِثْلُها ... لو كان غيُرك في سواها يُوجدُ(
    أي منبجُ هذه ارض شريفةٌ، وغيرها مثلها، لولا كونك بها، فإنما شرفت على البلاد بك لابذاتها.
    )بَقِيتْ جُموعُهُم كأنك كُلها ... وبقيتَ بَينَهُم كأنك مُفْرَدُ(
    أي أغنيت غناء الكُل، فكأنك كلهم كقوله: )إلا رأيتُ العباد في رجل(.
    وبقيت بينهم كأنك مُفرد، أي لم يكن فيهم من يجوز أن يُعد ثانياً لك، وإن كان حولك منهم جماعة.
    )ما شَارَكَتْه مَنِيةٌ في مُهجةٍ ... إلا لِشفْرَته عَلَى يدها يَدُ(
    العرب تقول: لك على فلان اليدُ البيضاء؛ أي المزية الظاهرة.
    فمعنى البيت: إن لشفرته الأثر الأظهر، فإما أن يكون؛ لأن تأثير السيف أظهر من تأثير المنية، لن تاثير السيف جُسماني عليه يقع الحسر، وتأثير المنية نفساني، لا يقع عليه حس.
    وقديجوز أن تكون للشفرة اليد على المنية، من جهة أن المنية معلولة للسيف، والسيف علة لها. والعلة أشرف من المعلول، فوجبت المزية للسيف بذلك.
    وقد يتوجه البيت على أن كل شريكين، فمن المعتاد الأغلب أن يكون أحدهما أقوم بالأمور، فتعلو يدهُ يد صاحبه، فاذا شاركت المنية سيفه فحكمه أمضى، والأول عندي أقوى.
    )قَطَّعتهُم حسداً أراهُم ما بِهمَ ... فَتَقَطعوا حسداً لمن لا يَحْسُدُ(
    أراهم مابهم: أي كشف لهم عن تقصريهم عنك، ولو أن اتزن له أراهم ما هو به كان أدخل في الصناعة المنطقية، فتقطعوا حسداً لمن لا يحسُدُ: أي هم يحسدونك لنقصهم عنك، وأنت لا تحسد احداً، لن الفضائل كلها متجمعةٌ لك، فلم يبق لك ما تحسد عليه غيرك.
    وقوله: أراهم مابهم، جملة في موضع الصفة.
    )أنى يكونُ أبا البَريةِ آدمٌ ... وأبُوكَ والثِّقلانِ أَنت مُحمَّدُ(
    هذا محال من القول وسفه، أي انك انت الإنس والجن، وأبوك محمد، هذا يعني أبا الممدوح، لفما لهذه البرة وادعائها آدم أباها، وهذا من قبيح الضعف، وطريق السخف، وقد دخل به العقابُ في أنه لم يُحسن تأليف البيت ولم يُوفق لإقامة إعرابه. ألا تراه فصل بين المبتدأ والخبر بجملة أجنبية في قوله: )وأبوك والثقلان أنت محمد(. وموضع الكلام: أبوك محمد، والثقلان أنت. وهذا لا يكاد يُسيغه لنفسه الذي يقول: ضحِك الناس وقالُوا شِعْر وَضّاح الْيَمانِ إنما شعرى قيد عُقِدْ بخُلَّجانِ وقال ايضا:
    )طلبتُ جسِيمَ ما طَلَبِى وإنَّا ... نُخاطرُ فيه بالمُهَجِ العِظامِ(
    اراد جسيم طلبي، و )ما(: زائدة. والعظام هانا: كناية عن العز والشرف.
    أي يقول: أنت إنما نُخاطر في طلب بالمهج العزيزة التي لا خلف منها إذا فقدت.
    )وَلو بَرَز الزمانُ إلى شخصاً ... لأدْمَى رأس مفْرقِهِ حُسامِي(
    أي لو شخص الدهرُ لأثرت فيه بسيفي، والدهر ليس بشخص لن وجود النور وعدمه، لاختلاف حركة الفلك، فتمناه هو شخصا ليوقع به، غُلُوا منه غلُواً، وعليه دائرة السوء.
    )إذا امتلأتْ عُيونُ الُخيلِ منِّي ... فَويلُ للتَّيقُّظِ والمناَم(
    أي أروعهم ببأسي متقيظين، ويحملون بي، وذلك بما بقى في نفوسهم من الروع، كقوله هو:
    يرى في النومِ رُمحك في كُلاُه ... وَيخْشَى أن يراهُ في السُّهادُ(
    ومادة كل ذلك قول الشاعر:
    وعَلَى عُدوًَّك بابن عمِّ محمد ... رَصَدان ضوء الشمي والإظلامُ
    فإذا تنبَّه رُعتهُ وإذَا هدا ... سَلّت عليه سيوفَك الأحلامُ
    وأراد المتنبي: إذا امتلآت عيونُ فرسان الخيل، فخذف المضاف، واراد فويلٌ لها في التيقظ والمنام، فأسند الويل إليهما مجازاً لا حقيقة، لن التيقظ والمنام عرضان لا يلحقهما ويل.
    وقد يجوز أن بعض المصدر موضع الاسم، كأنه قال: فويل للمُتيقظ والنائم، كقولهم: ماء غَوْرٌ: أي غأر؛ ومثله كثير.
    وله ايضا:
    )أذا الغُصنُ أم ذَا الدِّعصُ أَم أَنت فتنةٌ ... وذَيَّا الذي قَبَّلتُه البرقُ أم ثَغْرُ(
    أي: اقدكُ غصنٌ؟ أم ردفُك دعصٌ؟ و )ذيا(، تصغير )ذا(. وإنما صغره، لنه اشار إلى الثغر؛ والثغر يوصف بالصغر، ألا ترى إلى قول النظام يصف عجبه من امراة طرحت خاتمها في فيها فقال:
    مِنْ رَمْيها الْخاتمَ في الْخَاتَم
    شبه فاها بالخاتم لصغره و )أم أنت فتنةٌ(: يكون فيه )أم( العديلة لألف الاستفهام، وتكون منقطعة كَهَلْ، وقد اعترض السؤال عن الجملة، أعنى قوله: )أم أنت فتنتة( بين اثناء الكلام عن الأجزاء، لأن القَدَّ، والرَّدف، والثغر، كلها طوائف، وأنت جملة. وإنما كان ينبغي، لو استقام له، أن يقرع بالسؤوال عن الطوائف، ثم يجُما، أو يجُمل مبتدئا فيقول: أنت فتنة، ثم يأتي بالطوائف.
    واما هذا الفصل عندي بين النظائر بالغريب، فقلق غير متمكن، وهذا إنما )يحكيه( أهل المنطقية. وكذلك قوله: )وذيا الذي قبلته البقُ أم ثغرُ( كان أصنع أن يقول: )بَرْقٌ(، لمكان )ثَغْر(، لأنهما نكرتان.
    )فَتى كلَّ يوم يحتوي نَفْسَ مالهِ ... رماحُ المعالي لا الرُّدَيْنِيةُ السُّمرُ(
    تُغير على ماله رماحُ المعالي، يعنى المدائح. أي رماح المدائح التي تُبنى بها المعالي، تُغير، كقول أبى تمام:
    وآمله غادٍ عليه فسالُبه
    وقال: رماحُ المعالي، ولم يقل سيوف المعالي، توطئة للردينية السُّمر.
    وقوله: )نَفْس ماله(، ليس للمال نفس في الحقيقة، إنما تجوز بذلك، كما تجوز بأن جعل للمعالي رماحا، وليس هناك رمح ولا نفس، وعلى هذا أوجه أنا قوله:
    ألستُ من القوم الألى مِنْ رماحِهم ... نداهُم ومن قتلاهُمُ مُهجةُ الْبُخلِ
    لما استعار ما ذهب إليه أكثر مفسري هذا الشعر، من أنه عنى بقوله: )من رماحهم نداهم(: أنهم يجودون، وإنما يجودون بما تُفئ عليهم رماحهم من النهب. وما أدرى ما أعماهم عن هذا على وضوحه.
    وله ايضا:
    )ولا الدِّيارُ التي كان الجبيبُ بها ... تشكوُ إلي ولا أشكُو إلى أحدٍ(
    شكوى الديار إنما هي باعتبار النظار من سوء آثار الزمان عليها. كقول علي رضي الله عنه مخاطباً القبور: لم تُجبك جهاراً، أجابتك اعتبارا.
    يقول الشاعر:
    وَعظتكَ أجداثٌ صُمُتْ ... وَنَعَتك ألسنةٌ خُفُتْ
    وَتكلمتْ عن أوْجُهٍ ... تَبْلَى وَعن صُوَرٍ سُبُتْ
    فيقول: إن دمعي حال دون تأملي آثار البلاد في الديار، فيقوم مقام شكواها إلي: لولا مَنعُ الدمع إياي من التأمل، لرأيت سُوء صُنع الدهر بها، لكن الدمع كَفَاني وحماني النظر، كقول الآخر:
    فعيناي طوراً تغرقان من الُبكا ... فأعشى وطوراً تحسران فأبصرُ
    ولهذا العلة سقول الشاعر منهم لرفيقه: تبصر وانظُر، كقوا امرئ القيس:
    تَبصِّر خَلِيلي هل ترى من ظَعائنٍ ... سَوالكَ نَقْباً بين حَزْمَيْ شَعَيْعبِ
    وقال آخر:
    بل تَبصَّر، فأنتَ أبصرُ مِنِّي
    أي أن الدمع قد حال بيني أنا وبين التأمل، بإغراقه ناظري؛ وقد بكيت حتى اكل الدمعُ بصرى. )ولا أشكو إلى أحد(، أي أنها قفر لا أحد فيها فأشكو إليه، أي ليس بها احد يُشكى اليه، فأنا أدع الشكوى لذلك، ونفيه العام هنا كقول النابغة:
    )عَيتْ جوابا وما بالربْع من أحدِ(
    وقد يتوجه البيت على أنه لم يبق في الدار فضل للشكوى بما هدمها وأبادها من البلى، ولا في أنا للشكوى. أي قد ضعفت عن ذلك، والأول أوجه.
    )أيُّ الأ كف تُبارى الغَيْثَ ما اتَّفقا ... حتى إذا افترقاَ عادتْ وَلم يعُدِ(
    الأ كف: جمع كف، قال سيبويه: ولا يكسر على غير ذلك أي كفٍّ سوى كف هذا الممدوح تعارض الغيث؛ أو تباريه؟ حتى إذا أقلع الغيث عادت الكف للندى. وهي تلك الكف بعينها، ولم يعُد الغيث، لأن ذلك الغيث بعينه لا يعود أبدا. وفي قوله: )عادت(، إشعار بأنها أقلعت وإنما قاله توطئة لقوله: )ولم يَعُد(، ومثل هذا كثير في كلامهم، كقوله تعالى: )فمن اعْتَدَى عليكم فاعْتَدُوا عَلْيه(، وانتصار المؤمنين من الكفار، ليس باعتداء ولا ظُلم، ولكنه ذكر الاعتداء هنا لتقدم )فمن اعتدى(. ومثله قول الشاعر:
    ألا لا بَجْهلَنْ احدٌ علينا ... فنجهل فوقَ جَهْلِ الجاهِليناَ
    وقوله:
    أي الأكف تُباري الغيث ما اتفقا ... حتى إذا افترقا عادت ولم يعدُ
    يسمى ترجيحا، فقد وقعت المساواة بين الكف والغيث بلا فضل لأحدهما على صاحبه. فإذا أقلع الغيثُ ودامت الكف تجود، فقد فَضَلت الغيث الكفُ ورجعت عليه.
    وله ايضا:
    )وفشت سرَ اثرنا إليكَ وَشَفَّنا ... تَعْريضُنا فبدا لَكَ التَّصْرِيحُ(
    أي لما جهدنا التعريض، استروحنا إلى التصريح، فانتهك الستر. وإن شئت: لما عرضنا؛ ظهرت دلائل الحُب علينا كفيض الدمع، وتغير اللون، فعاد التعويض تصريحاً، بهذه الأدلة التي أعربت عن الحب، وصرحت به، وإن كنا نحن لم نُرد التصريح فتقديره. فبدا لك التصريحُ من تعريضنا. ومعنى شفنا على هذا القول: نقص تصبُّرنا، وغير تجلدنا، وقد يكون وشفنا: أي شف قوتنا على التكتم فبكينا، فحصل العريض تصريحا.
    )شِمناَ وما حَجبََ السَّماءُ بروقَه ... وَحرى يجُود وما مرَتْهُ الريحُ(
    نشيم بروق المزن أين مصابُهُ ... ولا شيء منك يابنة عفزرا
    وقال ابن مقبل في النار:
    ولو تُتري منه لباع ثيابه ... بنبحة كلب أو بنارٍ تشِيمُها
    أي شمنا الببروق، ولم يُحجب السماء. أي لا غيم هنالك، فيُحجب أديم السماء، وإنما عنى مخايل يديه، وإن شئت قلت: إن الجو يبسِم بالبرق بعد تعبُّسه بالغيم، وهو يبقى أبداً، فبرقه في صحو، ولا يلحقه عبوس، فيكون ذلك العبوس كالغيم. فجوده هنئ، وليس الغيث كذلك، لأنه وإن حلى الأفق بالبرق، فإنه يحجب حسن السماء، وجمال سِمتها، ويحجبها بالغيم وهذا قريب من قوله هو:
    فَترى الفضلة لا تَرُدُّ فضيلةً ... الشمس تُشرق والسحاب كنهورا
    عنى بالسحاب الكنهور: نداه، وبالشمس: بشره، وحسن وجهه الوضئ، وسنشبع شرح ذلك في القصيدة التي هو فيها إن شاء الله تعالى.
    )وحرى يجودُ وما مرته الريح(. أي حرى نان يجود من غير أن تَمْرِ به الريح.
    يذهب إلى تخليص جود هذا المدوح من الكدر، وتفضيله على المطر، لأن ماء المطر وإن كان طهوراً نافعاً، فإن هناك ما يُكدره، وهو الغيم الذي يطمس نور الشمس، فيولد الكُرْبة في النفس والريح التي يتوقع منها الآفات وأنواع الجوائح. وإن شئت قلت: إن الريح هنا مستعارة، وإنما كنى بها عن السؤال، لأن السؤال يستخرج النوال، كما أن الريح تمرى الماء. فيقول: جُوده متبرع يُغنى عن السؤال: كقوله هو:
    وإذا عنُوا بعطائه عن هَزِّه ... وإلى فأغنى أن يقولوا وَالهِ
    لذلك قال هو أيضا:
    والجراحاتُ عنده نَغَماتٌ ... سَبَقَتْ قَبلَ نَيْلهِ بسؤال
    وسيأتي شرحه في موضعه: ونظيره قوله:
    وَحرَّى يجود وما مرته اليحُ
    وعلى هذا القول الأخير قول البحتري:
    مواهبا ما تجشمنا السؤال لها ... إن الغمام قليبٌ ليس يحتفرُ
    ويجوز )وحرى يجود( بإضمار )أن(، أي وحرى أن يجود. )ما مرته الريح(. جملة في موضع الحال.
    وله ايضا:
    )لمَ يَلق قبلكَ من إذا اشْتجر القَنا ... جَعَل الطَّعان مِن الطِّعان مَلاذَا(
    إن شئت قٌلت معناه:أنك تلقي فسك للطعان محتقراً لها، لتهابك الأقران. وإن شئت قلت معناه: إنك تلوذ من الطعن بطعنك لعدوك، علما أنك إن تهيبته ولم تطعنه طعنك فإما تدفعه باإقدام، لا بالإحجام، )لأنه( تمكين للعدو.
    ولهذا قالت العرب: إن الحديد بالحديد يُلف: أي إن الشر إنما يدفع بمثله. كقول قطري:
    تأخرتُ أستبقى الحياة لم أجِد ... لنِفْسي حياة مثل أن أتَقدَّما
    وقال المتنبي في نحوه أيضا:
    فإن تكُن الدولاتُ قسماَ فإنها ... لمنَ ورد الموتَ الزؤام تدُولُ
    لمنْ هوَّن الدنيا على النفس ساعةٌ ... وللِبيض في هامِ الكماة صليل
    )لمَّا رَأوك رَأوا أباك مُحمداً ... في جوشنٍ وأخاَ أبيكَ مُعَاذَا(
    أي )ذكروا( برؤيتهم إباك عمل وأباك. يذهب إلى قوة شبهه بهما كقولهم ابو يرسف ابو حنيفة، أي مثله، وقد قال المتنبي في هذا المعنى:
    لو تنكَّرت في المكَرِّ بقومٍ ... حَلَفُوا أنك ابنُهُ بالطِّلاقِ
    وله ايضا:
    )وكأنما عيسَى بن مريمَ ذكرُه ... وكأنَّ عزر شخصُه المقبورُ(
    عازرُ هذا: أخياء عيسى، وإقامه من قبره، فكذلك ذكر هذا البيت يحييه، كما أحيا المسيُ عازر. وترك صرف عازر لأنه أعجمي.
    وله ايضا:
    )تُشَقَّق منهُنَّ الجُيوب إذا بَدَتْ ... وتُخْضَبُ منهُنَّ اللَّحَى والمفارِقُ(
    )تشقق منهن الجيوب(. أي إن البعولة والبنين يقتلون بها، إذا جُردت من أغمادها، فيشقق الثكإلى جيوبهن. و)وتُخضَب منهن اللحى والمفارق( أي يُخضبن بالدم، حتى يُشكل الشابُ والكهل والشيخ، فلا تعرف الثكلى بعلها من ابنها.
    )يحُاجى به: مَا ناطقٌ وهو ساكتٌ؟ ... يُرى ساكتاً والسيفُ عَن فيه ناطقُ(
    الصمت والنطف: ضدان، والضدان لا يجتمعان في محل واحد، في وقت واحد، لكن هذا الملك ينطق السيفُ عنه وفمه ساكت، فالأحجية من البيت في الشطر الأول وتحليلها في الثاني، ونُطق السيف عنه؛ عمله في عًصاته وعُداته، إذ السيف جمادُ، والجماد لا نطف له. وإنما هو كقوله:
    وقالت الأنساعُ للبطن الحقِ
    ولو تقصيت هذا لطال الكلام، لن في مثله يطولُ المثال.
    وله ايضا:
    )وتُنكرُ مَوْتَهُم وأنا سُهيلٌ ... طَلعتُ بموت أولادِ الزِّناء(
    أكثر الموت الواقع في البهائم، إنما هو عند الرعاء بطلُوع سُهيل، فعد أضداده من جهلهم. بهائم يمُيتهم سُهيل. قال:وكان أضر فيهمْ من سُهيلٍ ... إذا أوفى وأشأم من قُدارِ
    وقال المنجمون: طُلوع سُهيل طلوع ضُرٍّ وويل. فيقول هو: طلوعي ضرر على أولاد الزنا. ولم يعن بذلك أنهم لزنية في أنسابهم، إنما أراد أنهم يعتزون إلى الفضل وليسوا منه، كما ينتسب بنُو الزنا إلى غير آبائهم. وسُهيل: اسم جاء على بناء التصغير وله ايضا:
    )مَلامُ النَّوى في ظُلمِها غايةُ الظُّلم ... لَعلَّ بها مِثلَ الذي بي مِنْ سُقْم(
    أي أن ملامى للنوى في ظلمها لي، واسئثارها بمحبوتي غاية الظلم، لأن في الإمكان، وطبيعة تأثير الزمام أن تكون النوى عاشقةُ لهذا المحبوب كعشقى، فيورثها ذلك سُقما كَسُقمى، فالحكم ألا ألومها، لأن من لم يُؤثر عليك إلا نفسه فليس بمؤثر عليك أحدا.
    وبالغ بقوله: غاية الظلم، مُدرا أن بالنوى من الوجد مثل ما به. وذكر السُّقم ولم يذكر العشق استغناء بذكر المسُبب عن السبب. واراد ملامى للنوى، فأضاف المصدر إلى المفعول، كقوله تعالىلايَسْأمُ الإْنسانُ من دُعاءِ الَخْيْر(.
    )طِوال الرُّدَينَّيات يَقْصفُها دَمِى ... وبِيضُ الْسُّريْجِيّات يقطُعها لحْمِى(
    إن شئت قلت: إن دمه يقصف الرمح بحدته وقوته، أي أنه أقوى من الرمح. )وبيض السُّريجيات يقطعها لحمى(: أي أنه احدُّ من السيف، فهويؤثر في السيف تأثير السيوف في غيره.
    وقد يكون أن الرماح والسيوف تنبو عنه، ولا تؤثر فيه البته. فكأن دمه كَسر الرمح، وكان لحمه قطع السيف. وقد يجوز أن يهنى أنه من نفسه وعشريته في منعة. فإذا أصابه طعن أو ضرب، أكثر الطعن في طلب ثأره، حتى تتقصف الرماح، وتتقطع السيوف.
    )مُذلُّ الاعِزَّاء المُعزُّ وإن يئن ... به يُتمُهم فالمُوتمُ الجابر اليتم(
    أي مذل مخالفيه المعادين له، معز محالفيه المعاضدين له. وإن يئن: أي يقرب به يُتمهُم، أي يُتم أبنائهم بقتله أباءهم، فإنه يجبر يتمهم بعوده عليهم؛ واكتفاله إياهم بعد الآباء.
    وقد يجوز أن يوتم قوما ويجبر يتم آخرين، لم يكن هو الذي أيتمهم.
    )إذا بَيَّت الأعداء كان اسْتماعُهم ... صرير العوالي قَبل قَعقعةِ اللجم(
    أي يطوى سره؛ ويخفى حسه، حتى يكاد يُخرس اللجام فلا يخرس. وهذه مبالغة في طي الخبر.
    )وقد الحزم حتى لو تعمد تركه ... لألحقهُ تضييعه الحزم بالحزْم(
    أي أن حرمه طبيعي؛ فلو تعمد تركه لا نعكس تضييعه الحزم حزماً، إذ ليس قوته غير ذلك.
    )وفي الحرب حتى لو اراد تأخرا ... لأخره الطبعُ الكريمُ إلى القُدْم(
    أي أن طبعه إتيان الفضائل، وتنكب الذائل، فلو رام التأخر ممتحناً لطبيعته تلك، لتأبى عليه الطبع، فرده إلى التقدم.
    وقد اطرد هذا المعنى في غير هذا الموضع من هذا الشعر، كقوله:
    )لَهُ رحمةٌ تحيى العظام وغضْبةٌ ... بها فضلَةٌ للجُرم عن صاحِبِ الْجُرمِ(
    يُحيى العظام: مبالغة في قوتها على الإحياء. وغضبةٌ: أي إذا إغضبه المجرم الجاني تجاوز له غضبه قدر جُرمه، فاما تجاوز به قدر جرمه فإهلكه، وإما تهاون به فتركه.
    )دُعيتُ بِتقريظيك في كل مجلسٍ ... فظَن الذي يدعُو ثَنَائي عليكَ اسْمِي(
    أي أن لزمتُ مدحك، وخصصت حمدك، حتى عُرفت بذلك، وغلب على اسمي العلم وكُنيتي ونسبي، وظن الذي يدعو ثنائي عليك اسمي: أي قيل لي: با مادح ابن إسحاق، ذهاباً إلى أن ذلك اسمي لا اسم لي غيره، وأراد يدعوني، فحذ المفعول. ثنائي واسمي: مفعولا ظن. وإنما أراد الصفة المشتقة من ثنائي عليك، كقوله: يا حامد، ويا مادح. ولم يرد المدح ولا الحمد، لأنهما عرضان، والمسمىجوهر، فلا يُدعي الجوهر بالعَرَضِ.
    )وَثقناَ بأن تُعطى فلو لم تَجُدْ لَنا ... لَخِلْنَاك قد أعطيتَ من قوَّةِ الوهمِ(
    يذهب إلى أنه لو عدم فضيلة في وقت، لُظن فيه أنها موجودة أو تُيقنت وذلك لما يُعتاد من وجود الفضائل فيه، وهذا كالصادق يَكْذب فيُتوهم كِذْبه صدقاً، لما جرت به العادة من صدقه.
    وقد عظم إعياء أبى الطيب في هذه القصيدة جداُ.
    فمن ذلك أنه عكس المر بين الفاعل في بيته الذي هو )طوال الرُدينيات . . .(.
    ومنه: أنه جعل الضِّد ينقلبُ إلى ضده كقوله: )لألحقَه تضييعه الحزم بالحزم(. وليس من شأن تضييع الحزم أن ينتج الحزم.
    وكذلك قوله

    وفي الحرب حتى لو أراد تأخراً ... لأخره الطبعُ الكريم إلى الْقُدو
    فجعل التأخير ينعكس إلى التقدم.
    ومنه: أنه جعل العدم يُظن به الوجود، كقوله:
    ). . . فلو لم تجد لنا ... لخلناك قد أعطيتَ . . .(
    )فكم قائل لو كان ذا الشخُ نفسهُ ... لكانَقراهُ مكمنْ العسكر الدهمِ(
    النفس روحانية: فاما تعظم عظما روحانيا كعظم العالم العلوي. والجسم جوهرٌ متكائف، فلو تجسمت هذه النفوس لعظم جرمُها، وكانت ذات طوائف جسمانية عظيمة. فكأن ظهر هذا الجسم يستُروراءه عسكراً عظيماً فيحجبه، وإن شئت قلت: لو كان شخصهُ على قدر نفسه في العظم، لكان ظهره مكمن عسكر كبير. وخص الظهر، لأنه لا غُصون فيه، فالكمون فيه أصعب.
    )عظُمت فَلَماَّ لم تُكَلَّمْ مهابةً ... تواضعت وهو العُظْم عُظماً عن العُظْمِ(
    فأرحت ما بالناس من تهيُّبهم لك، تواضعت عظما عن التعظيم، وهو العُظم في الحقيقة، لأن العظمة والكبرياء إنما يليقان بالأعظم وهو البارئ سبحانه.
    و )عَن( في قوله: )عن العُظم(، متعل بقوله عُظماً: بمعنى تعاظم وهو نصب على الحال أو المصدر. وتقدير تالبي: تواضعت عُظماً عن العُظم وهو العُظم أي ذلك التواضع هو العُظم الحقيقي.
    وله ايضا:
    )أحادٌ أم سداسٌ في أحَادِ ... لُيَيْلَتُنا المُنوضَةُ بالتَّنادي(
    أي أواحدة لُييلتنا هذه أم ستٌ في واحدة. لُييلتنا: صغرها تصغير التعظيم، كقول أوس:
    فُويق جُبيلٍ شاهِق الرأسِ لم يكن ... ليبلُغهُ حتى يَكَلَّ ويعملا
    فقال جُبيل. والجبلُ الذي هذه حاله ليس بجبيل، إنما هو جَبَل.

    عبدالله عمر

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    وأنما وجه تصغير التعظيم، أن الشيء قد يعظم، في نفوسهم، حتى ينتهي إلى الغاية، فاذا انتهى إليها، عكس إلى ضده، لعدم الزيادة في تلك الغاية، وها مشهور من رأى القدماء الفلاسفة الحكماء: أن الشيء إذا انتهى انعكس إلى ضده، ولذلك جعل سيبويه الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي نهاية التعدي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول. قال: لأنه لما انتهى فلم يتعد صار بمنزلة ما لا يتعدى. وهذا منه ظريف جداً.
    والتنادي: القيامة، لما جعل الليلة ستا استطالها بعد ذلك، فجعلها هو أكثر مدة، فقال: إنها منوطة بالبعث.
    وأحاد: خبر مبتدأ مقدم، ولا يكون مبتدأ لنه نكرة، ولُييلتنا معرفة، فهو أولى بالابتداء، وصغر الليلة على القياس.
    )مَتى لَحظتُ بياض الشَّيبِ عَيْنيِ ... فقد لَحَظتْه مِنْها في السوادِ(
    أي حزنى على بياض شيبي كحزنى عليه لو رأته عيني في سواد ناظرها. كقول أبى دلف:
    في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنما طلعت في ناظر البصر
    )مَتى ما ازْددتُ من بعد التَّناهي ... فقد وَقَع انتْقِاصِي في ازْديادي(
    أي إذا ازددتُ عمراً بعد تناهي الأشُد، فتلك الزيادة في سني نقصان مني، لنه قد بلغ غاية النماء ببلوغ الأشُد، فهو آخذ بعد ذلك في التحلل إلى بسيط العنصر، كقوله هو وقد مدح بعض الأمراء بشعر عدد أبياته أربعون:
    فبعثنا بأربعين مهاراً ... مُهرٍ ميدانه إنشادُه
    عَدَدٌ عشته يرى الجسمُ فيه ... أرباً لا يراه فيما يُزادُه
    أي عدد عشته أيها الممدوح، لأن سن الممدوح حينئذ، كانت اربعين فسوى عدة الأبيات بعدة سنيه، وقال: )يرى الجسمُ فيه أرباً لا يراه فيما بُزاده( يعنى بالأرب: النماء، ولا يكون إلا إلى الأربعين. فاذا زيد عليها عمرا لم ير الجسم في ذاته تماءً، إنما هو راجٌ عن التركب إلى التحلُّل.
    )وأبعَدُ بُعْدنا بعد التدانى ... وأقربُ قُرْبنا قُرب البعادِِ(
    يقول: كنت منه بعيداً، فكان البُعد مني حينئذ قريباً، والقربُ بعيداً.
    فلما جئتهُ وقربت منه، انعكست الحال، فعاد البعد بعيداً وكان قريباُ وعاد القرب قريباً وكان بعيداً.
    ونسب الإبعاد والتقريب إلى هذا الممدوح، لأن انعكاس الحال، إنما كان بسببه. فلولا هو لم يَبْعُد البعُد الذي كان قريباً، ولا قرب القرب الذي كان بعيداً. وإخراجه مصدر أبعد وقرب على بُعد وقُرب، أنما مصدراهما إبعاد وتقريب. على قوله تعالى: )واللهُ أنْبتكُمْ مِن الأرْضِ نباتاً( أي: نبتُّم نباتا. وكذلك ابعد وقرب، مطاوعهما بَعُد وقرُب، فأخرج المصدر عليهما، مثله كثير.
    )وأنك لا تَجودُ على جوادٍ ... هباتُك أن يُلقب بالجوادِ(
    أي لم تترك هباتُك أحدا غيرك يستحق أن يٌلقب بالجواد إذا قيس بك وتلخص ذلك: أي لا تجود هباتك على أحدٍ بهذا الاسم، وإن كانت لاتمكنع غيره من ضروب العطايا، )فأن( على هذا القول نصب بإسقاط الحرف أي بأن يُلقب. وهباتُك فاعل بتجود. ولا تكون التاء في تجود للمخاطبة ويكون )هباتك( بدلاً من الضمير الذي في تجود، ولا يجوز ذلك البتة، لأن المخاطب لا يُبدل من البته. ومن هنا منع سيبويه البدل في قولك: بكَ المسكين مررت، إنما تنصبه على الترحم، أو على نية إسقاط الألف واللام في قول يونس، فيكون منصوباً على الحال. وقد كره هو أيضا قول يونس وقال: ولو جاز هذا لقلت: مررت بعبد الله الظيف تريد ظريفاً.
    وله ايضا:
    )إذا ماَسَتْ رأيت لها ارْتجاجاً ... لَهُ لولا سواعدُها تَزُوعا(
    أي إنها مُنعمة تهتز في مشيتها: فلولا سواعدها لبزها اهتزازها ثوبها.
    )تُرَفِّعُ ثَوبها الأردفُ عَنْها ... فَيبقى من وشاحيْها شَسُوعا(
    أي يرفع ردفُها ثوبها عن جسمها. والوشاح عن الخصر، فيُبعد بينهما وبين الثوب، كقوله:
    أبت الروادفُ والثديُّ لقُمصها ... مس البطون وأن تمس ظهوراً
    )ذرَاعاَهاَ عَدُوا دُمُلجيها ... يخُال ضجيعُها الزّند الضَّجيعاً(
    إن شئت قلت: إن الدُّم ُحين يلزمان الذراعين لأنهما عبلتان كقوله:
    تجول خلاخيلُ النساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجول ولا قلبا
    إن شئت قلت: إن الذراعين عدوا دُملجيهما، لأنهما يُصيلن الدملجين، ويشيحانهما، حتى يكادا يكسرانهما. وهو عندي كقول جرير:
    لها قصب ريان قد شجيت به ... خلاخيلًُ سلمى الصمتاتُ وسُورُها
    سُور: جمع سوار. وكقول القُطامي في صفة امرأة:
    إذا يميلُ على خلخاها انفصماَ
    ويروى: )انقصنا( وبقويه: )ذراعاها عدُوا دُمْلُجَيْها( ولو اراد الألو لقال:سوارها عدُوا ساعديها.
    على انى لا أحجر ذلك، لأن العدو من باب المضاف في غالب الأمر إعنى أنك إذا كنت عدوا لشيء كان لك عدوا. فقوله: ذراعاها عدوا دُمْلُجيها كقوله: دملجاها عدوا ذراعيها.
    )يخال ضجيعها الزند الضجيعا(: أي زندها عبل يظنه الضخيع من عبالته جسما.
    )أحبُّك أو يقُولوا جَرَّ نملٌ ... ثَبِيراً وابنُ إبراهيم ريعْا(
    معنى هذا البيت الأبدية؛ أي أنى أحبك حتى يجر النمل ثبيراً. وهذا لا يكون عند أحد أبداً. وحتى يقال: ربع ابن إبراهيم، وابن إبراهيم على هذا المنزع لا يُراع عنده.
    وقد احسن هذا الستطراد وإن كان قرنه إمكانيا، أعنى بقوله: )وابنُ ابراهيم( فتناهى وهو قوله: )أو يقولوا جر نمل ثبيرا(، لكن الثاني عنده في الامتناع كالأول، وإن كان في تحصيل الحقيقة ليس مثله، وكذلك حبُّه إياها إلى أن يجر النمل ثبيراً شعر كذب.
    )وليس مُؤدباً إلا بنصلٍ ... كفى الصَّمْصامةُ التَّعَبَ القَطيعا(
    أي أرهب سيفه الناس، حتى ليس تفعل في أيامه ما تستحق عليه السوط فضلا عن غير ذلك فقد كفى سيفُه السوط التعب. وإن شئت قلت: إنه لاُينزل عقوبة بجبان إلا القتل، لا يضربه بسوط، فقد استغنى بالسيف عن السوط. وكفى التعب لذلك.
    )فلا عزلٌ وأنت بلا سلاحٍ ... لحاظُكَ ما تكُون به مَنِيعا(
    العزلُ: عدم السلام عامة. واللحاظ: جمع لحظة، وقد يكون مصدر )لاحظ(، أي ملكت هيبتُك القلوب، فنظرتك تثغنى عن السلاح، فان هيبتك إذا نظرت قاتلة، لإقدامك وإن كنت بلا سلاح.
    فقوله: )بلا سلاح( جملة في موضع الحال، أي فلا عزل بك، وإن كنت غير متسلح. وقوله: )لحاظك( ما تكون به منيعا( يجوز أن تكون فيه )ما( بمعنى الذي، فيكون على هذا ما بعدها صلة لها. ويجوز أن تكون نكرة بمنزلة شيء، فما بعدها في موضع الصفة، لأنها إذا كانت نكرة لزمتها الصفة، كما أنها إذا كانت معرفة لزمتها الصلة. ونظيره في الوجهين قوله تعالى: )هذا ما لَدىّ عَتِيدٌ(.
    ويجوز أن تكون )ما( زائدة كأنه قال: لحاظُك تكون به منيعا. ومنيع. يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، أي ممنوعاً محمياّ، وأن يكون فاعل ككريم. يقال: منُع مناعة فهو مَنِع كرفُع رفاعةً فهو رفيع.
    )وجاودَنيِ بأن يُعطى وأحوى ... فأغْرق نَيلهُ أخذى سريعا(
    أي نازعنى الجود: بان يعطى هو، وآخذ أنا، ولم يكون للمتنبي هنالك جُود، لكن الآخذ لما كان: يجودُ هذا الجود، صار كأنه جُود. وهو أحسن عندي ممن قال: إن جود المتنبي إنما كان بالأخذ.
    ونظير هذا القول الذي أنا اليه قول تعالى: )فَمن اعتْدَى عَليكُم فاعتدوا عليه( وليس قتل هؤلاء المأمورين للمعتدين عليهم اعتداء. ولكنها مكافأة اعتداء، فسُمي باسم السبب الذي هو الاعتداء. وكقول عمرو بن كلثوم:
    ألا لا يَجْهَلْنَ أحدٌ عليناَ ... فَنجهل فوقَ جهلِ الجاهليناَ
    )فأغرق تيله أخذى سريعا(: أي مللتُ الأخذ ولو يمل هو العطاء.
    وله ايضا:
    )أحَقُ عافٍ بِدَمْعك الهممُ ... أحدث شيء عهداً بها القِدمُ(
    العافي: الدارس. والهمم: جمع هِمّة وقد قيل هَمة بالفتح. ولا يمتنع أن يكون هِمم جمع همة أيضا، فقد جاءت فعله مكسورة على )فِعَل( كَبدْرة وبِدَر وهضْبة وهضَب. ومن المعتل، ضَيْعَة وضِيعَ، وخَيْمة وخِيمَ.
    ومعنى البيت؛ أنه يسفه الناس في بكائهم الديار والأطلال إذا عفت، ويقول لهم: أولى عافٍ بدموعكم هممُ الرؤساء في هذا الزمان، فقد عفت حتى صار أحدث عهد بها قديما، فما تفضل هممهم عن ملاذ بطونهم وفروجهم، فاياها فابكوا لا الديار، فهن أولى بالبكاء عليها منها، لأن الهمة المعدومة أعزفقداً من الدار. واذا كان أحدث عهد بها قديماً، فما ظنك بغير الحداث.
    )مِلْتُ إلى من يكادُ بينكما ... إنْ كُنتما السائلين يَنْقَسِمُ(
    يخاطب صاحبه؛ أي آثرت بقصدي وتأمبلي من لو سألمتاه ولا شيء لديه إلا شخصه لا نقسم بينكما شقين، اعتيادا للنوال وألا يردُ ذوى السؤال.
    )يُريكَ من خَلْقه غرائبه ... في مَجْدِه كيفُ يخْلَقُ الَّنسَمُ(
    إن شئت قلت: إن الله لطف خلقه للنسم كما شاء، حتى دق على الوهم تصور كيفيته، ولهذا الممدوح غرائبُ من خلقه تُوصله إلى اقتناء المكارم، تغرُب وتلطُف؛ فمن تأملها، فكأنه قد تأمل خلق الله للنسم. وذلك تعظيم لقدر ما يأتيه، لشبهه بخلق الله، تعالى عن ذلك! وإن شئت قلت: إنه بحسن أفعاله ويُمنها تحيا النفوسُ، فكأنه بذلك يُحيها وينشئها وليس الخلق عنده في قوله )يريك في خلقه غرائبه( الخلق الذي هو إيجاد المعدوم، وإخراجه إلى التكون، لأن ذلك لا يستطيع عليه إلا بارئنا جل وعز، وإنما الخلق ها هنا: كناية عن الصُّنع، وكنى عنه بلفظ الخلق ذهاباً إلى ابتداع هذه الغرائب، وهذا من شديد المبالغة. وربما كنى بالخلق عن الصنع. وبين الخالق والصانع فرقٌ، لا يليق إيضاحه بهذا الكتاب. والنسم: جمع نشمة، اشتقت من النسيم، كما اشتق الروح من الريح، والنفس من النَّفس.
    )تُشرقُ أعراضُهم وأوجُهُهُم ... كأنها في نُفوسهم شِيمُ(
    لا شيء أصغى ولا أبسط من النور، فلذلك توصف الجواهر الصافية به. وأولى شيء بذلك الأمور النفسانية، لأنها أذهب في البقاء وعدم السراب من الجسمانية. والشِّيمة نفسانية، والوجه جسماني. والعِرض: يجزو أن يكون بالجسم، فلم يخلُص إلى النفسانية كخلوض الشيمة، فشبه ابو الطيب الأعراض والأوجه بالشيم في الشروق والصفاء، وتناهى البقاء. وإن شئت قلت: موضع هذا الكلام على أنه قد علم أنه شِيمة مُشرقة علماً عاماً، وقدم ذلك لمزية الشيمة، وهي الطبيعة، على الوجه والعرض، فحمل الوجه والعرض بعد ذلك عليها، تشبهاً لهما بها. والأوجْه ما قدمناه من أن الشيمة نفسانية، فهي أملك بالصفاء، والوجه والعرض جسمانيان، فحملهما عليها.
    )كأنها في نهارها قمرٌ ... حف بها من جنانها ظُلمُ(
    شبه البحيرة في استدارتها بالقمر كقول ابن الرومي يصف رغيفاً:
    ما بين رؤيتها في كفهِ كُرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
    وشبه الجنان علىى حافاتها، وبالظُّلم من شدة خضرتها، وذلك لأن النبات إذا اشتدت خضرته ادهام، كقوله سبحانه وتعالى في وصف الجنتين )مُدْهامَّتان( وقال الراجز يصف سائمة عدت على كلأ ناجم مُخضر:
    فصَبَّحتْ أرْعَلَ كالَنَبال ... ومظلما ليس على الدغال
    وقال: )في نهارها( لستغرب وجود الظُّلم نهارا، واختار ذلك لمكان القمر، اذ القمر في غالب أمره، لا يكون إلا مع الليل، وهذه البحيرة بالشام وليست البحيرة تصغير بحر، لأن البحر مذكر، فلا تثبت الهاء في تصغيره، إنما هي تصغير )بحرة(! وهو القاع العظيم يُنبت السدر، كقول النمر بن تولب في صفة روضة:
    وكأنها دَقَرَى تَخيَّل نبتُها ... أنفٌ يغم الضال نبتُ بحارِها
    )ناعمةُ الجسم لا عظام لها ... لها بَنَاتٌ ومالها رحيمُ(
    وصف جسمها بالنعمة لأنه ماء، والنعمة إنما تكون في النامي، وهما الحيوان والنبات، وأما الماء؛ فلا يقبل نماء. وإنما كثرته بعد القلة كمية لا كيفية. لكن لما كان الناعمُ صافي البشرة، وكان الماء صافياً، استعار له النعمة، كما يقال في البرود ذوات الدُّور والفرائد: ناعمة. وأنما هو على الاستعارة.
    )لها بنات وما لها رحبمُ(: أغرب بذلك؛ لأن البنات مولودة، ولا تلد إلا الرحم، فهذه ذات بنات بغير رحم ولدتهن. وعنى بالبنات: سَمكها؛ كأنه لما ربين فيها وغتذين، صرن لها بنات.
    وإن شئت قلت: إن الماء للسمك كاللبن للمولود. فلما غذتها هذه البحيرة بما فيها، صارت كالوادة الكرضعة. وقد ألم التنبي في هذا بقول ابن الرومي يستهدي سمكا:
    وبناتُ دجِلة في قبائِكُمُ ... مأسورةُ في كل مُعتركِ
    إلا أن المتنبي زاد عليه بقوله: )وما لها رحمُ(، فأغرب.
    )يُبْقرُ عَنْهن بطنُها ابداً ... وما تشكى وما يسيلُ دمُ(
    يُحاجي بذلك، لأن شق البطون الحيوانية يُشكى ويدُمى. وهذه البحيرة يُشق بطنها عن سمكها، فلا تشتكي ولا تدمى بعدمها الحيوانية.
    )وقد توإلى العِهَادُ منه لكُمْ ... وجَادَتِ المَطَرةُ التي تَسِمُ(
    الوسى: أول المطر، لأنه يسم الارض بالنبات. والعهدة: المَطْرة تاتي بعد الوسمى، تعهد الارض بالنبات.
    واعتيادُ الشعراء الاعتداء على الملوك بتكرر مدحهم فيهم، وتمهيدهم بذلك الحقوق عندهم، كقول أبى تمام:
    لها أخوات غيرُها قد سمعتها ... وإن تَرُغْ بي مُدًة فستمع
    فيقول: هذه القصيدة الثانية من جملة العهاد التي تتعهد الارض، وأما القصيدة الأولى التي كانت كالوسمى فقد جادتْ.
    وله ايضا:
    دارُ الملم لها طيفٌ يُهدِّدُنى ... ليلاً فما صدَقت عيني ولا كَذَباَ
    أي تهددني الطيفُ بالهجر؛ كما كانت رؤويته في اليقظة، والحلم جار على عاداته في اليقظة، فما كذب الطيفُ فيما تهددني به، لأن الهجر واقع. وما صدقت عيني في رؤية الخيال، لأنه زور لا حقيقة. والألف واللام في )الملم( للمراة، والفعل للطيف ولها. والام فيها للاستحقاق لا للملك لأن الطيف غير مملوك، وإنما هي مستحقة له من حيث كان إياها في المعنى.
    )عُمْر العدُوِّ إذا لاَقَاه في رَهَجٍ ... أقلُّ من عُمْرِ ما يَحوي إذا وَهَباَ(
    ليس الموهب بمحوى فيصح قوله: أقل من عمر ما يحوي إذا وهبا، لأن ما فارقه بالهبة، فليس في ملكه، وإنما عنى: إذا أراد أن يهب. فاكتفى بالمعلول الذي هو الهبةُ عن العلة التي هي الإدارة.
    )وَتغبِطُ الارض منها حيث حلَّ به ... ونحَسُدُ الخيلُ منها أيَّها رَكِباَ(
    غبطت الرجل: إذا تمنت مثل ماله من النعمة، ولم تُرد زوالها عنه. وحسدته: إذا تمنيت ماله بزواله عنه. فجعل الارض تغبطُ، لأنها جرم واحد متصل. والذات الواحدة لا يريد بعضها ببعض كراهة، وجعل الخيل تُحسد لأنها جمع غير متصل الأجزاء، ولا مُتداخلها، وإنما هي اشخاص مفترقة، وان ضمها نوع فهي متغايرةٌ بالشخص، ومشتركة بالنوع، والاشخاص متشاكلة ومتعادية. فمن المألوف أن يُحب بعضها بعض.
    و )أيها(: منصوب بركب، ولا يكون بتحسد، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلا أن يكون حرف جرٍّ.
    )بكُل أشْعَث يلقى الموت مُبتسماً ... حتى كأن له في قتله أرَبا(
    أي أنه يستبشر بالنية إذا كانت في سبيل المعالاة، لأن ذلك يُعقبه ذكراُ رفيعاً، ومثله كثير، كقول الشاعر:
    إذا قتلوا أقرائَهم لم يَروهُمُ ... وإن قُتلُوا لم يقشعرُّوا من القتلِ
    إلا أن أبا الطيب أغرب بقوله: )مبتسما(، فهو أبلغ في قلة المبالاة بالمنية من قوله: )لم يقشعروا(. وقال أبو تمام:
    يَسْتعذبُون مناياها كأنهمَ ... لابَيْأسون من الدنيا إذا قُتلُوا
    إلا أن الابتسام أبلغ من الاستعذاب، لأن الابتسام مُشعر بلذةٌ نفسانية.
    وله ايضا:
    )بأبى الشَّموسُ الجانحاتُ غواربا ... الَّلابِسَاتُ من الحرير جلاببا(
    الشموس هنا: النساء والجانحات: الموائلُ للغروب. فإن شئت قلت: إنه شبههن بالشموس في هذه الحال، لأنه لقيهُن، فأظهرن الخَفَر، أو خَفَرْن فَسَتَرْن بعض محاسنهن، وأبقين بعضا: إما للمُباهاة، وإما لأنهن لم يمكنهن إلا ذلك، فجعلهن كالشموس التي أخذت في الغروب، فخفى بعضها، وبقي بعضها، كقول قيس بن الخطيم:
    تَراءتْ لنا كالشَّمس تحت ... غمامة بَداَ حاجبٌ منها وضَنَّتْ بحاجبِ
    وإن شئت قلت: إن هؤلاء النساء غبن في الخدور والهوادج، فكأنهن شموس غوراب. هذا قول ابى الفتح، وليس عندي بقوىّ، لأنهن إذا غبن في الخُدور والهوادج، فهن غير محسوسات، والشمس إذا جنحت للغروب فبعضها محسوس، وبعضها غير محسوس. ولم يقل الشاعر: بأبى الشموسُ غواربا فُيتأول أنه عنى النساء اللواتي أخفتهن الخدور، وإنما قال: الجانحاتُ، والجنوح لا يقتضي كُلية الغروب.
    فإن قلت: فقد قال: )غوارباً(، فأشعر ذلك بغروب كُلي، قلنا: قد أثبت الجنوح قبل ذلك. وإنما قال: غوارباً، وهو يذهب إلى أنه آخذه في الغروب ولما تغرب بعدُ. كقولهم في العليل إذا يئس منه: هو ميتٌ؛ وإن لم يُمت بعدُ. وقد يجوز أن يوقع غواربا على الكُل حين غرب الجزء تجوزاً لا حقيقة.
    وله ايضا:
    )سلامٌ فلولا الخوفُ والبخلُ عنده ... لقلتُ أبو حفصٍ علينا المُسلم(
    أي إنى ارتحت بسلام هذا الطيف عليَّ، كارتياحي بسلام هذا الممدوح، فكأن سلامه علىّ تسليم إبى حفص علىّ. لكن الفرق بين الخيال وتسليم أبى حفص أن تسليم الخيال يتخلله بتمام الوصل وتحقيقه، والخوف من فراقه، وألم معاتبته على بطعم الغُمض بعده. فتسليمه كَدِرٌ بهذه الآفات وتسليم أبى حفص لا يلحقه بخل ولا خوفٌ، بل هو الشرف السابغ الهنىء.
    )وأغربُ مِن عَنقاءَ في الطيرِ شَكْله ... وأغْوزُ من مُستَرْفدٍ منه يُحرَمُ(
    ليس الشكل هنا: الصورة لأن صورته موجودة، وعنقاء مُغرب معدوم البتة. فلا يقال في موجود إنه أغربُ من معدوم. والشكل هنا: المثل، أي أن شكله اسم واقع على غير مُسمى، أي لا شكال له، كما أن العنقاء اسم لغير مسمى. وإنما يوجد الشكل ملفوظا به في نفي الشكل عنه، أعنى في قولك: ماله شكلٌ، فتفمهه، فإنه معنى منطقي.
    )وأعوزُ من مُستَرْفدً منه يُحرم(: أي أن نظيره عدم، كما أن مسترفداً منه محروما عدم.
    وقال: )أعوز( وإنما هو أشد إعوازاً، لأنه جاء به على حذف الزائد. هذا قول أبى الفتح. وليس على حذف الرائد كما قال، لأنه يقال: عازه الأمر وأعوزه. فأعوز في بيت المتنبي على )عاز(، لا على )أعْوز(.
    وإنما يتوهم حذف الزائد إذا لم يوجد عنه مندوحة، كقولهم: ما أعطاه للدرهم وآتاهُ للجميل وأولاهُ للمعروف، فإن هذه كلها على حذف الزائد. والمسترفدِ: طالب الرفد، لأن باب استفعل في غالب الأمر، إنما هو للطلب والمحاولة، كاستخرج واستسمن واستجاد.
    قال سيبويه: وقالوا مرَّ مستعجلا، أي مرّ طالباً ذلك من نفسه، متكلفا إياه.
    وله ايضا:
    )أركائِبَ الأحْباب إنَّ الأدْمُعَا ... تَطِسُ الخُدود كما تَطِسْنَ اليَرْمُعا(
    أي أن الدمع يؤثر في الخدود تأثير كُن في اليرمع، وهو الكذان.
    وتطس: تكسر، وليس هناك كسر، إنما بالغ في التأثير، فكنى عنه بالكسر، للتكثير.
    )نظِمَت مواهبهُ عليه تَمَائِماً ... فاعتَادَها فإذا سَقَطْن تَفَزَّعَا(
    أي اعتقاده في مواهبه أنها تقيه المذام كاعتقاده في التمائم انها تقيه السوء، فاذا خلا منهن تفزع، كفَزعَ ذى التمائم إذا سقطت عنه. وإنما ضرب ذلك مثلا. ولو قال:فلو سَقَطن تَفزعا: لكان سقوطها إنما يكون لعدم مالٍ أو انقطاع سؤال، فهذا توجيه قوله: )فإذا سقطن(، و )تمائماً( منصوبة على الحال، وإن كانت اسما، لأن فيها معنى حَوَارِس، وقد يكون الاسم الجامد حالاً، على توهم الصفة، كقوله تعالى: )هَذِهِ نَاَقةُ الله لَكُمْ آيةً(. قال سيبويه: )وسمعنا من العرب من يقول: العجبُ من بُرً مررْنا به قبلُ، قفيزاً بدرهم قفيزا بدرهم( فقيزا بدرهم حال، وهذا واسع كثير.
    )يَهتزُّ للجَدْوى اهتزازَ مُهنَّدٍ ... يَوم الرَّجاء هَزَزتَه يوم الوعَىَ(
    أي اهتزازُه للعطايا والجدوى، اهتزازُ السيف عند الوعى، والوعى: صوت الحرب. والغبن أعلى في الحرب. وإنما الوعى والوغى: الصوت، فسميت الحرب بهما لمكان الصوت.
    وله ايضا:
    )وربيعاً يُضاحكُ الغَيثُ فيه ... زَهَرَ الشُّكرِ من رِياضِ المعَاليِ(
    أي أنه مظنة للنعم، وأهل لوافر القسم، كما أن الربيع مظنة للخصب وزمن الإمراع، مع مافيه من الاعتدال، وتساوي الأحوال. فلذلك سمى هذا الربيع على ضروب النواوير، وأنواع الأزاهير. وقوله: )يضاحك الغيث فيه(: عنى بالغيث النعمة. وجعل الشكر زهرا، لأن النعمة هي التي أنبتت الشكر، كما ينبت الغيثُ الزهر، فهذا الممدوح كلما أنعم عليه شكر. وإذا كان غيث وزهر، فلابد من روضة، وهي الأرض. التي تنبت الزهر، وكل ذلك مستعار.
    )والجِرَاحَاتُ عِندَه نَغَماتٌ ... سَبَقَتْ قبل نَيْله بسؤال(
    من طبيعة الكريم، أن يبادر بالنوال من غير أن يُحوج إلى السؤال، لأن في ذلة السؤال مالا يفي به فضلُ المسئول. فإذا كان ندى من غير مسألة فهي اليد البيضاء التي لم يشنها تكدير، ولا خالطها تنغيص. فإذا سبقت المسألة نوال المسئول الكريم، سُر بذلك سروراً مشوباً بالكراهية، إذ )طبيعته( إيثارهُ الجود قبل السؤال، فنغمات السائل عنده، كالجراحات التي تُصيب الشجاع فتسره من جهة الثبات، سروراً يخالطه الكراهية، لما يلحقه من الألم. وإن شئت: لم تمثل ذلك بجراحات الشجاع، وقلت: إن نغمات سائله جراحات عنده تؤلمه، إذا لم يكن نيله له من غير سؤال.
    )وَبقايا وَقارِه عافَتِ النَّاسَ ... فصارت ركانةً في الجِبالِ(
    كانه استبد بالوقار اجمع، إلا أنه بقيت منه بقية، فتلك البقية عافت نوع الانسان، لما رأته به من قلة الاحتمال لها، والعجز عن الاستقلال بها، لضعف منته، ووهيقوته. فعدلت إلى اجسم الجواهر الارضية، وهي الجبال اذ لم تجد جوهرا يستقل بها إلا إياها.
    وإن شئت قلت: إن لوقاره )هيُولى( خلق منها فما فضل من تلك الهيولى يكون ركانة في الجبال. وهو قريب من القول الأول.
    )واستعارَ الحديدَ لوناَ وألقى ... لَونَه في ذَوائبِ الأطفالِ(
    الحديد هنا: كناية عن السيوف والاسنة والنصال، ولونهن الغريزى: البياض لكن استعارت لونا غيره، وهو احمرارُها بالدم، ولذلك جعله مستعاراً، لأنه لون غريب. إنما هو لمكان الدم الذي صبغها به، فيقول: لما صبغ سيوفه ورماحه بالدم، أشاب بأهوالها لاطفال فكأنهن لما استعارت غير لونها، أعارت لونها ذوائب الاطفال. وكان لونها قبل ذلك السواد. كما كان لون السيوف البياض قبل ذلك.
    وله ايضا:
    )أسَفِي على أسفِي الذي دَلَّهْتنِيِ ... عن علمه فبه على حفاءُ(
    ليس يأسف في الحقيقة على الأسف، إنما يأسف على تمييزه الذي يعقل به أسفه. فحقيقة الكلام، أسفي على عقلي الذي كنت أحصل به أسفي.
    )فبه على حفاء(: أي أنك دلهتني حتى ما أشعر بأسفي.
    وقد كان ينبغي له ايضاً أن يذهب عليه، لو كان مُدلها، أسفه على هذا الأسف، إلى ما لانهاية له، لكن هذا مقطع شعري فلا تَتَقَصَّيَنَّ بالمنطِق، فيفسد. وما أحسن هذا المثل العمي، الذي هو قولهم: الاستقصاء فُرْقَةٌ، ولا تستخفن بذكر هذا المثل؛ فقد ذكره ابو نصر الفارابي في باب من البُرهان.
    )وشكِيتي فَقْدُ السَّقَام لأنه ... قَد كان لمَّا كانَ لي أعضاءُ(
    وهذا البيت أيضا يشبه الأول: لما يشكُ فقد السقام لأنه مكروه والمكروه لا يستوحش احدٌ من فقده، ولكن شكا فقد أعضائه، لأن السقام عَرَض والعَرَض لا يكون إلا في الجواهر؛ فإذا عدم أعضاءه فقد عدم السقام وإنما شكا في كُل الأكبر، واستسهل الاصغر.
    )فنبيتُ تُسئدُ مُسْئداً في نيها ... إسآدَهَا في المَهْمَه الإنضاء(
    الإسآد: سرعة السير، وقيل: سير الليل. والنى: الشحم. وتقدير البيت: فتبيت تسْئد الإنضاء في نيها إسآدها في المهمه. والإنضاء: الهزال. أي أن الإنضاء الحادث عليها من التعب، يُسئد في نيها أي يسرى فيه مُسرعا، فيأخذ منه، كما تُسئد هي في هذاال المهمه الذي تقطعه. يقول: يأخذ السيرُ من جسمها كأخذها هي من المهمه، فقد أفناها السيرُ كما أفنت هي المهمه، فلم يبق من جسمها شيء كما لم يبق من المهمه، فمسئدأ في اللفظ حال من الضمير الذي في تسئد، وهو في الحقيقة للانضاء والإنضاء: فاعل بقوله: مُسئداً.
    وتحقيق الحال في ذلك، أن تقول: فتبيتُ تسئد، والإنضاء: مُسئدٌ في نيها، والعائد إلى الضمير الذي قد تُسئدُ من هذه الحال اللفظية، وما في نيها وإسآدها من الضمير.
    وتقدير لفظ البيت، على ما صورته لك يُؤديك إلى حقيقة إعرابه، لكنى ذهبت إلى التبين.
    )وَكَذَا الكريمُ إذا أقَامَ بِبَلَدةٍ ... سَالَ النُّضَارُ بها وَقَامَ الماء(
    أي أنه يبُثُّ الذهب ويصرفه في كل وجه، فكأنه بكثرته يسيل ويمُاعُ، حتى يخجل الماء من كثرته، فيقف حائراُ. يقال: قام الماء: إذا جمد فلم يسل. ومنه قوله تعالى )إلاَّ ما دُمْتَ عَليه قاَئِماً( أي ثابتا غير منصرف، ألا ترى قوله بعد هذا )جَمَد القِطَارُ . . .( وإن شئت قلت:يَخْجل القطر من سيلان الذهب، فيعود سيلانه - بإضافته إلى سَيَلان الذهب - جُمودا، إلا أنه يجمد عن السَّيَلان.
    )مَنْ يَهتَدِى في الفِعل مالا يَهْتَدى ... في القَول حتى يَفْعَل الشُّعراءُ(
    أي هو من يهتدي في الفعل إلى مالا يهتدي إليه الشعراء في القول حتى يفعل. يقول: ذهنُه في الفعل أنفذ من أذهان الشعلااء في القول، فإذا أغربوا في مدحه لم يك ذلك اإغراب من غوص أذهائهم على المعاني. وإنما نظروا إلى فعله الذي عليه هو بذهنه. فاهتدوا إلى القول بما رأوه من فعله.
    ولولا ذلك لم يهتدوا، فاذا فعل تعلموا وصفه من فعله.
    )منْ نَفعُه في أن يُهاجَ وضُرُهُ ... في تَركِه لَو تَقْطن الأعداءُ(
    إنما جعل نفعه في أن يُهاج، لأنه إذا هيج أوقع بالأعداء، فأغار وغنم، وأثرى، واتسعت كفُّه للجود. وتلك بغيته من الثروة. وضره في تركه أي إذا سُولم ياَلم، وهو في ذلك بجود بما عنده حتى ينفد، فلا يجد ما يجود به. فهذا وجه ضُره في تركه.
    وإت شئت قلت: البأس وحبُّ الحرب في طبيعته، فإذا هيج مُكن بما في طبعه، والإنسان ينفعه تحريكه إلى مافي سجيته، لأن في ذلك كل بلوغ أمنيته، وضرُّه في تركه: أي أنه مُشته للقتال بطبيعته، فاذا سُولم اشتاق إلى مشاهدة مافي طبعه، فضرُّه شوقه إلى ذلك إذا لم يمكنه مشاهدته، كقوله هو:
    )فالسِّلمُ يَكسِرُ من جَنَاحَىْ مَالهِ ... بِنَوالِه ما تَجْبُر الهَيْجاءُ(
    أي أنه يجود بماله فيُثْلم، ثم يُغير فتجبرُ الهيجاءُ ما انثلم، ثم يسالم فيعود إلى طبعه الأول من الجود، فكلما هاضت السلم ماله جبرتها الحربُ، وبالعكس، أي كلما جبرته الحربُ هاضته السِّلم.
    )يا أيُّها المُحْيَا عَليه رُوحُه ... إذ لَيْس يَأتيه لَهَا اسْتِجداءُ(
    )أحياء عليه روحه(: بأنه لم يستوهبه ولو استوهبه لأعطاه فعدمُ، فإن لم يستجده روحه أحياله. وعدى )المُحْيَا( بعلى، لأنه في معنى المحبوس عليه روحه.
    )احْمَدْ عُفَاتَكَ لا فُجِعْتَ بفقْدِهم ... فَلَتَرْكُ مالم يَأْخذوا إعْطاءُ(
    يقول: احمدهم على أن لم يستجدُوك رُوحك، اذ لم استجدوك إياه، لحقك طبع الكرم والسخاء على هبته لهم، فقد استوجبوا أن تحمدهم على ترك هذه الروح لك، لأنه عطاء منهم لك، كما ينبغي لهم أن يحمدوك على ما أعطيتهم من مالك فهم يقتضونك الشُكر على عطائهم، كما تقتضيهم أنت إياه على عطائك لأن المعطى بطبيعته يجب أن يشكر. فأعطِ من نفسك أيها الممدوح، كما تطلب من غيرك. بل أنت أولى بشكرهم، لأن الذي تركوا لك وهو الروح، أنفسُ من الذي أعطيتهم، وهو المال.
    وقوله: لافُجِعت بفقدهم: إنما حد الصنيعة أن تُشكر لأنها إذا شُكرت حييت واذا كُفرت ماتت، لن كفرها له سترٌ.
    فيقول: لا مانت صنائعك عند عُفاتك بكفرها قلة شكرها. دعا بذلك له وإن شئت قلت: لا فُجعت بحمدهم: أي لا فارقتك المروءة، فيفضى بك فرارها، إلى ذد حمدِ عُفاتك لك.

    )لا تَكثرُ الأمواتُ كَثْرةَ قلةٍ ... إلا إذا شَقِيتْ بك الأحياءُ(
    أي أن الأموات أفلاء، حتى تعود فيهم، فيكثرون حيئنذ.
    وقوله: )إلا إذا شقيت بك الأحياء(: جَمْجَمةٌ عن قوله: إلا إذا مِت، أي فاذا مت وشقيت الأحياء بفقدك، قلت الأحياء، وكثرت الأموات. وقال: كثرة قلةٍ: لأن الأموات وإن كثرت أعدادُهم، فهم قليل لَعَدمهم للفنى، وأخذهم في الفنا.
    وإن شئت قلت: كثرة قلةٍ: أي كثروا بك وأنت واحد، والواحد قليل، فتكُّرهم بك تكثُّر قلة.
    وقد يتجه هذا البيت على معنى آخر، وهو أن الأحياء إنما ينالون الحياة بنداه، فإذا عُدم بالموت، مات الأحياء الذين كانوا يتعيشون بذلك، فكثرت الأموات بموت هؤلاء الأحياء بعده.
    وقد يجوز أن يعنى بالأحياء هاهنا أعداءه. يقول: لاتكثر الاموات إلا إذا ضاربتك أعداؤك، فَغَلبْتَهم وقتلتهم، فحينئذ تكثر الموتى بهم. وشقاءُ الأعداء به قَتْلُهُ إياهم، وقال: كثرة قلة: لأن ما يدخل تحت الفناء قلةٌ في الحقيقة ودل ذلك على أن أعداءه كثير. والقولان الأولان عندى أوجه.
    أخبرني بعض أهل بغداد، أن الممدوح بهذه القصيدة أدركته الوفاة بعد إنشاد المتنبي إياه هذا الشعر بأيام قليلة، فكان يتقلب على فراشه ويردد هذا البيت الذي فسرناه.
    )أبدأْتَ شَيئاً مِنكَ يُعرف بَدؤُهُ ... وأعَدْتَ حتى أنكرَ الإبداء(
    أي أعدت أعظم مما بدأت به، حتى لا يسمى المبدأ به بالإضافة إلى المُعاد.
    )لم تُسم ياهارونُ إلا بعد ما اقْ ... ترعتْ ونازعتِ اسْمَكَ الأسماءُ(
    أي تنافست فيك الاسماء، رغبة في الشرف بذاتك، وتقديره لم تسم هارون ياهارون فاكتفى من ذكر المفعول الثاني بقوله: ياهارون، لأن نداءه إياه به دليل على أنه اسمه. وهذا من أحسن الحَذفِ وأجزه.
    )فَغَدَوت واسُمك فيكَ غيرُ مشاركٍ ... والناسُ فِيمَا في يدْيكَ سَواءُ(
    أي لم تُسم بغير هذا الاسم من الأسماء التي نازعته فيك، والناس فيما لديك سواء: أي أنه وإن لم تشترك فيك الأسماء فالناس مشتركون في مالك شركَ تساوٍ.
    )ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمُنتهى ومن السرور بُكاءُ(
    إن شئت قلت: بلغ جُودُك الغاية. ومعروف أن الشيء إذا انتهى انعكس ضدا فكذلك جودُك، لما انتهى فلم يك مزيداً، كاد أن يستحيل بخلا. وقوله:ومن السرور بكاءُ: )أي( أعلمت أن الشيء إذا انتهى عاد إلى ضده كالسرور إذا أفرط كان بكاء. وقال: )كدت تبخل(، ولم يقل: حتى بَخِلتْ، استقباحاً منه أن يٌوجب عليه البخل.
    وإن شئت قلت: تَنَاهَيْتَ في الجود، فبخلت أن يُشارك أحدُ في اسمه، فحال الجودُ بخلا، كما يحول السرورُ بكاء.
    والقول الأول عندي أوجه، اذ لو كان على القول الأخير، لم يكن يِكدت معنى لأنه نُقصان من مدحه، اذ بُخْلُه بأن يُشارك في اسمه الجود غيرُ مذموم. وأما في القول الأول فالبخل المطلق مذموم. فتفهمه، فإنه جيد لطيف.
    وقوله: للمتنبي: أي من أجل الانتهاء.
    )لَمْ تَحْكِ نائلك السحابُ وإنما ... حُمَّتْ به فَصَبِيبُها الرُّحَضَاءُ(
    الرُّحضاء: عَرَق الحُمَّى يُرحَضُ: أي يعُسل. أي لم يُحاكك السحاب بمطره، ولا ناوأك، لأنه معترف أنك أندى منه. وإنما تأمل بذلك وأيقن بالعجز عنه، فحسدك فحُمَّ حمى حُساده، فمطرُها إنما هو عَرَقُ حُماها.
    )لَو لَمْ تكُن مِنْ ذَا الوَرَى اَّلذْ منك هُوْ ... عَقِمَتْ بمولدِ نَسْلِها حَوَّاءُ(
    جعل الورى جُزءاً منه، بعد أن جعله جُزءاً من الورى، فالاول حقيقة، والثاني مجاز، لا يكون الكلُّ جزءاً لجزء. هذا خُلفٌ، لكن جعلهم منه، إشعاراً أنه جمال هذا النوع، به عُرف، وإليه نسب، فكأنه إنما يكون منه كقوله:
    أنى يكونُ أبا البرايا آدمُ ... وأبوك والثقلان أنت مُحمدُ
    وهذا قبيح داخل في الشَّنَع.
    وقوله: عَقَمتْ بمولد نسلها حواءُ: أي لو لم تكن من ولدها كان نسلُها كلا نسْل، حتى كأنها عقيم، لم تلد قَطُّ.
    وقوله: بمولد نسلها: أي عُدَّتْ عَقِيماً على أنها قد ولدت.
    وله ايضا:
    )يَحولُ بين الكلْبِ والتأمُلِ(
    إن شئت قلت إن الظبي يُجهد الكلب فيشغله عن التأمل. وإن شئت قلت: إنه يمنع الكلب أن يتأمله بسرعته، كقول البحتري يصف فرساً:جَارِي الجيادَ فَطارَ عن أوْهَامها ... سَبْقاً وكادَ بطيرُ عن أوهامه
    وهذا أبلغ من قول أبى الطيب، لأن سبق الوهمِ أدلُ على السرعة من سبق الطرف مع لفظ الطيران، والطيران أبلغ في السرعة، ولذلك شبهت العرب خيلها بالطير كقول لبيد: وَكأني مُلْجَمُ سُوذَا نِقا وكقول الآخر:
    كأنَّ غُلامي إذا علا حالَ مَتْنِه ... على ظهر بازٍ في السماء نُحلقِ
    )لَهُ إذَا أدبَرَ لَحْظُ المُقْبِلِ(
    أي أنه تَيقُّظِه يُراعى جهاتهِ، فكأنه يرى ما وراءه كرؤيته ما أمامه.
    )شَبِيهُ وَسْمِىِّ الحِضَار بالوَلِىْ(
    الوسمىُّ والوليُّ هنا: مستعار، وأصلهما في المطر، الوسمْىُّ الأول والولىُّ الثاني. يقول: ثاني جريه الأول، وذلك لشدته وصلابته، حثى إن إعياءه كجمامه.
    وهذا كقوله في موضع آخر يصف فرسا:
    وأقْتُلُ أي الوحشِ قَفّيُته به ... وأنزِلُ عنه مِثلَه حين أركبُ
    أي أنه من المنعة ولالنشاط في آخر عدوه، مثله في أوله، وحسن استعاراته الوسمى والولى لأو لاجرى وآخره، لانهم يستعملون لفظ الغيث في هذ النحو كقولهم: فَرَسٌ سَكْب، وفَيْض وغَمْر، وبحْر . . . كل ذلك جواد، وهُن من صفات الغيث والماء. وقالوا: شآبيبُ الجرى، كقولهم شآبيبُ المطر، وهي الدُّفَع منه.
    )وَعْقْلَةُ الظبي وَحَتَفُ التَّتفلِ(
    عبدالله عمر

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    أي إذا رأى الكلبُ الظبي والتَّتْفُل وهو ولد الثعلب، كان عُقلة للظبي يأخذه ويمنعه من الهرب، ويهلك التتفل. وهذا كقول امرئ القيس: بِمُنجردٍ قَيدِ الأوابدِ هَيكلِ أي إنه هذا الفرس قيد للوحش، فكذلك هذا الكلب، عٌقلة للظبي، وحتف للتتفل. وقد قال المتنبي أيضا مثله في هذا الموضع:
    يَتَقَبَّلْون ظِلالَ كُل مُطَّهم ... أجل الظليمِ وَرِبْقَةِ السِّرحان
    فقول: ربقة السرحان كقول امرئ القيس: قَيْد الأوابد، وزاد عليه اجل الظليم. فبيته هذا الأخير مكافئ لبيته الأول، لأن الحتف كالأجل والربقة كالعقلة. وصح له الشرف على امرئ القيس.
    )لو كَان يُبلىِ السوط تحريكٌ بَلىِ(
    أي أن هذا الكلب بجدول مضمر كالسوط، فكما أن السوط لا يُبليه التحريك، كذلك هذا الكلب لايبليه شدة عدوه ولا ينقصه، ولو كان السوط الذي شبيه له في الجدل الضُّمر والاستعمال له يُبلى لبلى الكلب.
    )فَحَال ما للْقفزِ للتَجدُّلِ(
    أي صُرع فصارت قوائمه التي كانت للقفز إلى التجدل. أي الُّزوق بالجدالة وهي الارض.
    )وَصَار ما في مسكه في المِرْجَلِ(
    المرجل: قدر النحاس حاصة، مذكر من بين أسماء القدر، يقول: سُلخ عنه جلده، وأدخل في القدر، فعاد ما كان من لحمه في الجلد رهين المرجل، واراد: ما كان في مسكه، ففي مسكه من صلة الذي ولا يكون خبراً لكان هذه المرادة، لأن تلك لا تضمرُ، وتَعمل، لأنها فعل كوني غير مؤثر ولذلك منع سيبويه إضمارها وإعمالها، فقال: )واعلم أنه، لايجوز لك أن تقول: عبد الله المقتول، وأنت تريد: كُن عبد الله المقتول(. ولذلك حمل الفارسي قوله تعالى: )فوجد فيها رجلان يقتلان هذا من شيمته وهذا من عدوه( على الحكاية، لا على إضمار )كان( استدلالا بما قدمت من كلام سيبويه.
    وله ايضا:
    )رأينا ببدر وآبائه ... لِبَدرٍ وَلُوداً وبَدراً وَليدَا(
    معنى هذا البيت: التعجبُ من خرق العدة، وهو من ظريف المحاباة. فبدرٌ الاول: اسم الممدوح. والآخران: عنى بهما البدر المعروف.
    يقول: ليس من طبيعة البدر الفلكي أن يَلِدَ ولا أن يولد. فلما رأينا بدراً هذا الممدوح وأباه وجدنا بوجودنا إياه بدراً مولوداً، ووجدنا بوجود آبائه وَلُودَ البدر. فقد خرق علينا المعتاد، فوجب التعجب.
    وحاصل البيت: وجدنا ببدر هذا الممدوح بدراً وليدا. ولا كبير فائدة في وجود الآباء، لأن المولود والوالد من باب المضاف والمضاف إليه. فاذا وجَد بدراً مولودا، فلا محالة أن له والِدَين. فإذن ذكرُه الآباء هنا حشوٌ، إلا أن يُفيدنا بذلك أن أباءه بدور وليس بكبير فائدة أيضا، لأن النوع لا يلدُ غير نوعه، فتفهمْه.
    )طَلَبْنا رِضَاهُ بتركِ الذي ... رَضينَا له فَتَركْنا السُّجودا(
    أي رضينا أن نسج له إذا رأيناه إكبارا له وإيثاراً، لا أنه لا يريد ذلك منا لن هذا إنما ينبغي لله غزل وجل، فطلبنا نحن حينئذ رضاه، بترك السجود الذي رضينا له. فقد مدح بدراً هنا بشيئين: أحدهما: جلالة القدر، حتى رُئى أهلا للسجود له. والآخر: تورُّع بدر عن هذا الذي رضيه له، قبحاً لكلامه، ونهراً في هذا الموضع وأشباهه لنظامه.
    وقوله: فتركنا: معطوف على طلبنا، ولا يكون معطوفا على رضينا لفساد المعنى، وأن )الذي( لا يعود عليه من المعطوف على صلته شيء.
    )فأنت وحيدُ بني آدم ... وَلست لفقد نظير وحيدا(
    أي: واحدهم في الفضائل، وكرم الشمائل، ولم يحترم الزمان نُظراءك بل لك نظراء في حب المجد، والسعي إلى ابتناء الحمد، ولكنهم لم يُؤتوا من ذلك ما أوتيته ولا حُبوا بما حُبيته، وليس أوانك خلواً من السادة، فتكون أنت إنما سُدت لُخلُو الوقت من ذوي السيادة، لأن تلك السيادة لا تتبين لها مزية. وإنما الفخر أنك ذو نظراء، وأنك مُوفٍ عليهم، بخلاف قول الشاعر:
    خَلتِ الديارُ فَسُدت غير مُسَوَّدٍ ... ومِن الشَّقاء تَفَرُّدى بالسُّوْدَدِ
    وله ايضا:
    )حَدَقٌ يُذِمُّ من القواتل غيرها ... بدرُ بنُ عماَّر بْن إسماعيلا(
    أي إنه يُذم كل مظلوم فيُقيده من واتره وينصفه. إلا من قتلته هذه الحَدَق، فإن هذا الأمر على جلالته، لا يقوى مظلومها ولا يُقيدُ قتيلها وهذا نحو قوله في سيف الدولة: وقوله: )بمخبرتي مجتزئٌ(: كقوله:
    ذَرَاني والفَلاةَ بلا دليلٍ ... وَوَجْهي والهجير بلا لثامِ
    ورفع ذلك كله بإضمار مبتدأ، أي أنا مرُتدٍ بمخبرتي مشتمل . . . الخ.
    )أصْبَح مالاً كمالهِ لِذوي الحا ... جَةِ لايُبتَدى ولا يُسَلُ(
    أي نصرفه على احتكامنا واقتراحنا، كما يصرف ماله، فلا هو يبتدئنا بالعطاء، ولا نستأذن بدراً في أخذ ماله. فقد استوى هو ومالهُ في أنهما لايُستأذنان، ولذلك قالت العربُ: ما هو إلا هشيمةُ كرم؛ أي يأخذه الواردُ كيف شائ، لا يعسر عليه منه شيء، كما أن الهشيمة، وهي العود اليابس لا تتعذر على مُحتطبها ولا تحوجه إلى تعب في تناولها.
    )إن أدْبرت قُلتُ: لا تليل لها ... أو أقبل قلت: مالها كَفَلُ(
    التليلُ: العُنق وما يليها من الصدر، أي صدرهل المقبل يَحْجُزُ عن كفلها، وكلفها المُدبر يحجز عن صدرها، فلأنت من حيث تأملتها رأيتها مُشرفة، والمستحب من الفرس أن تهتز مقبلة وتنصب مدبرة، فباهتزازها مقبلة يخفى الكفلُ، لإشراف التليل، مابا نصبابها يخفى التليل لإشراف الكفل.
    )أنت نَقِيضُ اسْمهِ إذا اختلفتْ ... قَواضبُ الهِندِ والقَنَا الذُّبُلُ(
    جعل اسمه وهو بدر، دالاً على صورته وطبيعته. وذلك أن البدر إنما يسمى به القمر إذا قابل الشمس فانتلأ نوراً، وهو مع ذلك سعدٌ لا نحس.
    يقول: فأنت خلافُ هذا الاسم، أي خلاف طبيعة المسمى بهذا الاسم في الحرب، لأنك في السلم طلق نير، وحظك السعادة، وتلك طبيعة البدر وفي الحرب عَبُوس مُهلك، وتلك طبيعة زُحل. فأنت في الحرب على غير ما انت به في السلم طبيعة. فقد وجب لاسمك في الحرب أن يكون غير اسمك في السلم. وقال: )أنت نقيض اسمه( لم يقل؛ ضد اسمه، لأن النقيض أشدُّ مباينة لنقيضه، من الضد لضده.
    )أنت لَعْمري البدرُ المنيرُ ولكَّن ... كَ في حَوْمةِ الوغَى زُحَلُ(
    أي أنك سعد في السلم، وشيمتك في الحرب ضد ذلك، وليس بالبدر ولا بُزحل في الحقيقة، وإنما عنى بالبدر إنه مُسعد، وبزُحل إنه مُنحس، والمنير هنا: مفيد لأن البدر قد يتلبسه الغيم فلا يُنير.
    )مَدَدْتَ في راحة الطبيب يداً ... وَما دَرَى كيف يُقْطعُ الأملُ(
    أي كُّفك مجتمع الآمال قد اتصلت بها، كأن عُروقها قد صارت آمالا، والطبيب لا معرفة له ببعض الآمال، ولا بمعاناتها، إنما يعانى الأبدان، فلا تلحقنه ملاما، لأنك كلفته مالا يُحسن، والانسان إنما بلام على تقصيره فيما يُعزى إليه علمه، فإن قصر فيما ليس من علمه فغير مَلوم.
    وقوله: )كيف يقطع الأمل( لم يُرد القطع المُفسد، وإنما اراد كيف يقطع الأمل للإصلاح.
    وله ايضا:
    )فَماَ حاولتُ في أرض مُقاَماً ... ولا أزمعتُ عن ارضٍ زَوَاَلا(
    أي أني ملازم لظهر بعيرى، فكأنى مقم، وأنا مع ذلك سائر. فإمكاني يتقسم ما بين الحالين. لأنى لا ظاعينٌ ولا قاطن.
    )إلى بد بنِ عمار الذي لَمْ ... يَكُن في غُرُةِ الشَّهرِ الهلالا(
    البدرُ يبدو هلالا ثم يتزايد، ولا يسمى بدراً حتى يكمل، وبدر بن عمار لم يك قط هلالا، بل لم يزل كاملا. وهذا مقطع شعري، لأنه لم يك قط هلالا ولا بدراً. وكأنه لم يزل بدراً، لأن لم يزل اسمه. وهذا البيت وإن كان المقصود به المدح ظاهراً فقد يجوز أن يقصد به الذم باطنا. لأنه لا بدر على الحقيقة إلا وقد كان في غرة الشهر هلالاً. وهذا لم يكُ هلالا، فليس إذن بدراً.
    فالحاصل له من ذلك، إنه بدرٌ بالتسمية، لا بالطبيعة، فيكون ذلك مقتضيا للُهزُؤ، فخرج مُشبها لقوله:
    وفارقتُ شَرَّ الارض أهلاً وتُربةً ... بها عَلَوىٌّ جَدُّه غيرُ هاشمِ
    )جَوابُ مُسائلي ألهُ نَظِيرٌ ... وَلا لك في سثؤالك لا، ألا، لا(
    تقديرُ البيت: جواب مُسائلي: )أله نظير(: ألا، لا، أي ليس نظير، فلا جحدٌ، وألا: استفتاح )ولا لك في سؤالك( نظير، لا، أيها السائل، فلا الثانية توكيد، وإنما حاجة الكلام: ولا لك أيها السائل نظير، إذا شككت في إنه لا نظير له، حتى أحوجك ذلك إلى السؤال. فقوله: )ولا لك( معطوف على قوله: )ألاَ،لاَ( فعكس، بأن قدم المعطوف على المعطوف عليه.
    )وَقَاَلوا:هل يُبَلِّغُك الثُرياَّ ... فقلتُ نعم إذا شئتُ استِفالاَ(
    اب أنا معه فوق الثُريا، فإذا أردت أن يبلغني إياها، فإنما أبلغها بأن يحظنى إليها، فإنا لا أريد منه بلوغ الثريا، إلا أن أشاء التسفٌّل لأن العالي لا يبلغ ما هو أخفض منه إلا بأن يُحط إليه.
    وهذا كقوله:
    فَوقَ السماءِ وفوقَ ما طَلَبُوا ... فإذا أرادوا غايةً نَزَلُوا
    أي أن عُلُوهم الآن فوق كل غاية، فإذا ارادوا غاية محدودة، نزلوا إليها، إلا أن هذا البيت الآخر أفخم معنى. وأصل ذلك قول البحتري لمجمد ابن علي:
    لمحمدِ بن عليٍّ الشرفُ الذي ... لا يَلْحَظ الجَوْزاء إلا مِنْ عَلِى
    أي إنه فوق الجوزاء، فاذا لحظها فانما يلحظها من فوقها.
    )فَقَد وَجِلتْ قُلوبٌ مِنكَ حَتَّى ... غَدَتْ أوجَالُها فيها وِجَالا(
    أي وجلت قلوبهم، حتى عددتْ أوجالهُم؛ فوجلت الأوجال، وهذه مبالغة كقولهم: جُنَّ جُنُونه. وقالوا: شر ٌ شاعر. مثله كثير حكاه سيبويه وسائر اهل اللغة. قال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك، فقال: ارادو المبالغة والإشادة. ورجال: جمع وَجل كوجِع ووِجاع ولو قال: وَجَإلى؛ يريد جمع وَجِل، لكان كَحنِجٍ وحَبَاجَى وحبطٍ وحَباطَى.
    )يُفارِقُ سَهَمُك الرَّجل المُلاقى ... فرَاق القَوسِ ما لاقى الرِّجالا(
    أي إن سهمك كلما لاقى رجلاً خرقه ونفذ منه على ما هو به من قوته الأولى عند فراق القوس، وذلك دأبُه ما لقى الرجال وإن كثروا. يصفه بجودة الرمى وقوة النزع. فما: منصوبة على الظرف، والقوس: في موضع نصب. أي فراقه القوس. فأضاف المصدر إلى المفعول، كقوله تعالى )لاَ يسْأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعَاء الخَيْر(.
    وله ايضا:
    )أفْدِى المُودِّعَةَ التي أتْبَعْتُها ... نَظَراً فُرادى بين زَفْرَاتٍ ثُنَا(
    أي حضر الرقيبُ فحذره، فقلت نظراته، وغلبت الحسرةُ، فكثرت رفراتهُ. حتى كانت الزفرات ضعف النظرات. فلذلك جعل النظرات فرادى. والزفرات ثُناء. واحتاج إلى قصر )ثُناء( وثناء معدُول عن )اثنين اثنين( المقتضية )ثِنتين ثِنتين(، ولا تكون معدولة عن )اثنين اثنين( لأن المعدول بعدد المعدول عنه. وقال. زفرات فأسكن الفاء للضرورة، كقول ذى الرُّمَّة:
    أبتْ ذِكراً عَوَّدْن أحشاء قلبِه ... خُفوقا وَرَقْصَات الهوى في المفاصلِ
    )وَتَوقَّدَتْ أنْفاسُنا حَتَّى لَقَدْ ... أشْفَقْتُ تَحَتَرِقُ العَواذِل بَيْنَنَا(
    أشفق من احتراق العَذُول مع شنآنه له، خشية أن يتم احتراقه بما هما عليه من توقد النفس. فقال: إن العواذل إنما احترقن بتوقد أنفاسهما عند التقائهما، وأراد )أن تحترق العواذل( أي )من أن( فحذفها، وأبطال عملها بحذقها. وإن شئت نصبت الفعل على مكان )أن( فكانت بمنزلة مُوثر غاب وبقي تأثير دالا عليه.
    )مَن لَيْس مِنْ قَتْلاَهُ من طُلَقَائِه ... مَنْ لَيس مِمَّنَّ دان مِمّن حُيِّنَا(
    يقول: عداه قتلاه وأسراه، ومن أفلت منهم فإنما هو طليقُه، بصفحه عنه.
    )ومن ليس ممن دان حُينا( دان الرجلُ: أطاع. أي من لم يكن من دائنيه فهو من مُحينيه. واراد: دَانَ له، فحذف للعلم بها. ومن هنا بمعنى الذي، كأنه قال: الي ليس من قتلاه معدود في طلقائه، والذي ليس من دائنيه مُحين. فقوله: )من طُلقائه( في موضع خبر المبتدأ، الذي هو )من( الاولى. وقوله: ممن حُينا خبر مبتدأ، الذي هو )من( الثانية.
    )وَقَطعتُ في الدُّنيا الفَلاَ وَرَكائبي ... فيها وَوَقْتى الضُّحى والمَوْهِنَا(
    أي أفنيت الأمكنة والأزمنة والركائب. وكان يجب أن يقول: ووقتى الضحى والمَوْهن لأن المْوِهن نحوٌ من الزمن الليلي، وفصف الليل. والضحى: أولُ الزمن النهارى. فقابل هو المَوْهِن الذي هو نصف الزمن. الليليّ، بالضحى الذي هو اول الزمن النهاري ولو قال قائلٌ: عنى بالضحى اليوم كله، وبالموهن الليل كله، وأقام الجزء مقام الكُل، كما أقيم الكُلُّ مقام الجزء في قوله تعالى: )وَإنَّكُمْ لَمَرُّوْن عَلَيهِمْ مَصَبِحِيْنَ وبالليل( من سورة الصافات لكان جائزا، فتفهمه فإنه لطيف.
    )أمْضى إرادتهَ فَسوفَ لهُ قدٌ ... واسْتَقْرب الأَقْصى فَثَم لهُ هُنَا(
    إن شئت قلت:متى قال غيره: سوف أفعل هو: قد فعلت فسبق. ومتى قال غيره: ثم الجم أو السماء مستبعدا، قال هو - )هُنا( مستقربا.
    وإن شئت قلت: إذا نوى أمراً سابق نيته بفعله، فصار المستقبل ماضياً، ومتى لخظ أمراً بعيداً أعمل عزمه، فقُرب عليه قتناوله.
    )نِيطَتْ حَمائِلُه بِعَاتق مِحُرَبٍ ... مَاكَرَّ قَطُّ وهَلْ يَكُرُّ وَمَا انثنَى(
    إنما يكون الكرُّ بعد النثناء فالا علةٌ له، فاذا لم يكن انثناء لم يكن كرُّ، لأنه إذا ارتفعت العلة ارتفع المعلول، فيقول: هذا المحرب ماكرَّ لأنه لم ينثن، فيُعقب الانثناء بالكرِّ.
    )تَتَقَاصَر الأّفْهَامُ عن إدراكِه ... مثل الذي الأفلاكُ فيه والدُّنَيا(
    غاية ما أدركت الأفهام، الفلك وما فيه، فأما ما هو فيه، فلم يُدركه وهم ولا فهم: فيقول: إدراكهُ مُعوز كإدراك ما فيه الدنيا والفلك. والدُّنا: جمع الدنيا، كالعُلا جمع العُليا، وهذا مُطرد.
    )لايستكن الرعب بين ضلوعه ... يوما ولا الإحسان ألا يُحسنا(
    أي لا يتصور الخوف بين ضلوعه، ولا يتصور أيضاً بينهما العلم بألا يحسن. بل هو محسن لأن يُحسن، وغيره محسن الا يحسن أي الإحسان غلبه. والإحسان هنا أن يكون المعرفة، كقول فلان مُحسن لعلم كذا، ويجوز أن يكون الإحسان الذي هو ضد الإساءة، فكانه قال في كل ذلك: ولا يحسن ترك الإحسان؛ إنما يُحسن الإحسان. وهذا كقول الآخر أنشدناه ابو الفتح:
    تُحْسِن أن تُحْسِن حتى إذا ... رُمْتَ سِوَى الإحسان لم تُحْسِن
    إلا انةهذا البيت بعيد، لأنه نسب إلى الممدوح مرام غير الاحسان.
    )سَلَكتْ تَماثيل القِبابِ الجنُّ منْ ... شَوق بها فأدَرْن فيك الأعْيُنا(
    أي سلكت الجن صور القباب، لتنظر إليك شوقاً، وإنما قال: )تماثيل القباب( ولم يقل )القباب(، لأنهم يزهمون أن الجن تألف التصاوير الموضوعة على أشكال الحيوان. وقد قيل: إنما كره اتخاذها في الثياب والمستور والبُسُط لهذا.
    )وَعَجَبتُ حتى ما عجبتُ من الظُّبا ... ورأيتُ حَتى ما رأيتُ من السَّنا(
    الظُّبا: السيوف. والسنا: الضوء. أي عجبت من السيوف حتى أنستُ بالعجب، وأخلدتُ اليه، فلم أعجب بعد، ورأيت لمعانهن حتى عُشى بصرى فلم أرى. فصدر البيت كقول ابى تمام:
    على أنها الأيام قد صِرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
    )فَطنَ الفؤادُ لما أتيتُ على النَّوى ... ولِما تَركْتُ مَخافةً أن يَفْظنا(
    أي لم تقتصر على العلم بما صنعتُ، حتى علمت ما تركته مخافة أن يفطن به. وقيل معناه: قد علمت ما كان من شكرى وثنائي عليك، وهو الذي فطن فؤادك له. وكذلك فطن أيضا لما تركته؛ خوفاً أن يفطن له، من تَنَقُّصك ايضا، فلو لم يكن تركي لذلك إلا مخافة أن يفطن فؤادك له، فكيف وطبيعتي فيك خلافُ ذلك. والبيت يقتضي أنه قد كان هنالك شيء من الإخلال بقدر بدر بن عمار. ويقويه قوله:
    )أضْحَى فراقُك لي علَيهِ عُقوبة ... ليس الذي قاسيتُ شَيئاً هَيِّناً(
    أي عُوقبت على تقصيري عن واجبك، بفراقك الشديد على الكُره إلي، فليس الذي لا قيته من ذلك بهين، أي بيسير. ولا يريد الهين الذي هو ضد العزيز.
    وله ايضا:
    )يَتَداوى من كثرة المال بالإقْ ... لالِ جُودا كأن مالاً سَقَامُ(
    أي يتشافى بالجود، حتى كأن المال مَرضُ يبغى إزالته، والإقلال بُرء يطلبه.
    وقوله )كأن مالاً سَقَامُ( اراد كان وجود مال، لأن المال لا يقال له سقام إذ هو جوهر والسقام عَرَض.
    )حَسَنٌ في عُيونِ أعدائه أقْ ... بَحُ من ضَيفهِ رَأتْهَ السوامُ(
    أي هو حسن الصورة غاية إلا في عيون أعدائه، لعلهم بإهلاكه إياهم أقبح من ضيفه في عيون السوام، لعلمها إذا رأت الضيف أنها منحورةٌ، كقول الشاعر:
    حبيبُ إلى كلب الكريم مناخُهُ ... بَغِيض إلى الكَوْمَاء والكلب أيصرُ
    ومثله كثير. فقوله: )في عيون أعدائه(: ظَرف لأقبح، ولا يتعلق بحن، لنه في عيون أعدائه. وتقدير البيت: حسن في عيوننا معشر أحبابه ومن لا يَشْقى به، لكنه بخلاف ذلك في أعين عداه. وقد بالغ بالقُبح ولم يبالغ بالُحسن، لأن قبْحه في عيون أعدائه، وأمدح له من الحسن في عيون أحبابه.
    )وَعَوارٍ لوامعٌ دَمُها الحِلُّ ... وَلكنَّ زِيها الإحْرَامُ(
    اللوامع: السيوف لبريقها. ووصفها بالعرى: لاعتيادها مفارقة أغمادها.
    وعوارٍ: جمع عار، لا جمع عُرْيان فُعلان لا يكسر على )فواعل( )دمُها الحال(: أي أنها مستحلة للدماء، على أن زيها الإحرام: أي أنها مجردة أبداً كالُحرم والمحرم لا يسفك الدماء. فقد اجتمع في هذه السيوف طبيعة الحل وزيُّ الإحرام.
    )وَمنَ الرُّشد لَم أزُرك على القُر ... بِ عَلَى البُعْدِ يُعرفُ الإلمَامُ(
    كأن قريباً منه فلم يزُره، ثم بعد فزاره، ليكون ذلك أدل على إجلاله وإعظامه له، فأوجبه. وأراد: من الرُشد أنى لم أزُرك. وقوله )على البعد(: متعلق بيعرف. وعلى القرب متعلق بأزرك.
    وله ايضا:
    )تَخْلُو الدِّيارُ من الظباءِ وَعنْدَه ... مِن كل تَابِعةٍ خَيالٌ خاذلُ(
    كنى بالظباء عن الحسن. أي تخلو الديار ممن كان بها. والخيالُ غير مفارق لي. وكنى بالتابعة عن صغارها، لأن الجداية وهي الصغيرة من الظباء تتبع إمها. ولما جعل المراة غزالة جعل الخيال خاذلاً، كما تخذُل الظبيةُ عن القطيع، أي تتأخر.
    وإن شئت قلت: جعل الخيال بمنزلة ولد والغزال، وربة الخيال بمنزلة الغزال. فتابعة بمعنى متبوعة على هذا القول. وجعلها الخيال بمنزلة الولد لها تعسُّف لأن الخيال رُوحاني، فهو ألطُ من رؤية الخيال كما أن الصغير الجسم ألطفُ من الكبير. وخاذلُ: أي خذلها وزارني. فمن - على هذا - تكون للتبعيض وللجنس، فَتَفَهَّمْه.
    )كَفأنَنَا عن شِبهِهِنَّ مِن المَهَا ... فَلَهُن في غَيرِ التُّراب حبائلُ(
    كافأننا: من الكُفُؤ، وهو المثل، والمها: بقر الوحش: يشبه النساء بهن في سواد الحدق. والحبائل: الشرك، واحدتها: حبالة، لي صدنا المها وهن أشباه النساء، بحبائل منصوبة لُهن في التراب، فكافأننا عن فعلنا بأشباههن بأن صدننا كما صدناهن، طلباً بثأرهن، إلا أن النساء صدننا بحبائل لم تُنصب لنا في التراب وهي الأعين والخدود وغيرها من المحاسن الظاهرة، كالمباسم والأعطاف والقدود، وكلهن حبائل إلا انها لا تثبت في التراب.
    )مِنْ طَاعنى ثُغر الرجالِ جآذرٌ ... وَمِنَ الرِّماحِ دَمَالجٌ وَخَلاَخِلُ(
    كنى بالجآذر هنا عن النساء، كما كنى عنهن في البيت الذي قبله بالظباء أي ينبغي أن تعدُ جآذر الإنس من طاعني ثُغر الرجال، لأنهن يفعلن من القًَتل مالا يفعل الطاعن. وينبغي أن يُعد الحلى من السلاح، لأنه سلاح النساء، كقول الأعشى:
    إذا هُن نَازلن أقر انَهُن ... وكان المصاعُ بما في الجؤَن
    يعنى بما تضمنت الجُؤَنُ من الطيب وسائر أنواع الزينة. ولو جعل السلاح محاسنهن لكان أليق بالشعر. ولكن لما كان السلاح في المعتاد ليس بجزء من المتسلح، جعل سلاحهن ماليس بجزء، منهن الدمالج والخلاخلُ وكان مصُوغُ الذهب والفضة، كمصوغ الحديد لرجال الحرب.
    وقد يجوز أن يكون اراد. من طاعنى ثُغر الرجال جآذرُ، ومن السلاح دُملجٌ وخلخالُ يذهب في ذلك إلى التعجب. وحذفت الألف التي لفظها الاستفهام، ومعناها هنا الإنكار. لأن اللفظ مُكتفٍ بذاته، لما فيه من معنى التعجب، كقول أبى تمام:
    أسربلُ هُجْرَ القول من لَوْ هَجَوْتهُ ... إذن لَهَجاني عنه معروفهُ عندي
    أي أأسربلُ، فحذف الألف. ومثله كثير إذا تضمن الكلامُ معنى الإنكار والعجب.
    وله ايضا:
    )صَغَّرت كل كَبيرةٍ وكَبُرت عَنْ ... لكأنهُ وَعَدَدت سن غُلام(
    أي فعلت الصنائع الحسان. فصغرت كل صنيعة جسيمة فعلها غيرُك، بالإضافة إليها. وجللت عن التشبيه بشيء من الأشياء التي لا نظير لها في العالم، كالشمس والبدر والبحر. وعددت سن غلام: أي نلت هذه النهاية، وبلغت تلك الغاية في حد صباك. فذاك أغرب وأشرف.
    فقوله )وعددت سن غلام( جملةٌ في موضع الحال. كأنه قال: بلغت كل ذلك غُلاماً، وكان ينبغي أن يقول: )صغرت كل عظيمة( مكان )كبيبرة( لأن الصغر عند الأوائل، إنما يقاله العظم. ولكنه حمله على طريق اللغة، لأن الكبير وإن كُنى به عن المُسن، فقد يكون لعظيم. إلا أن غير المشترك في التقابل، خير من المشترك فتفهمه.
    )مَهْلاً ألا لله ما صَنَع الْقَنا ... في عمرِو حَابِ وَضَبَّة الأغتامِ(
    اراد عمرو حابي، فرخم المضاف اضطرارا، كقوله أنشده سيبويه:
    أودى ابنُ جُلْهم عَبادٌ بصرمته ... أن ابن جُلْهُم أمْسى حية الوادي
    قال: اراد بن جُلهمه، والعرب يُسمون الرجل جلْهمة، والمرأة جُلْهم كل ذلك حكاه سيبويه.
    والأغتام: جمع أغتم. كسر أفعل على أفعال، وهو قليل. ونظيرة أعزل وأعزال، وهو الذي لا سلاح له، وأغزل وأغزال وهو الذي لم يُختن.
    )أحْجارُ ناسٍ فَوَقَ أرضٍ من دمٍ ... ونُجومُّ بِيضٍ في سماءِ قَتَامِ(
    لما استعار للدم أرضاً، استجاز تسنية جُثث القتلى أحجاراً وشبه البيض للمعانها في القتام بالنجوم النيرة في الظلام.
    )وذِرَاعُ كل أبى فُلان كُنيةٌ ... حالت فَصَاحبُها ابو الأيتام(
    أي وفي ذلك المعترك أذرع قطعت من قوم كانوا يُكنون أبا زيد، وأبا عمرو، وأبا عبد اللة، وغير ذلك من أنواع الكنى. فلما قُطعت منهم ماتوا فكنى كل واحد منهم أبو الأيتام.
    وله ايضا:
    )عَذِيري من عَذَارَى من أمُورِ ... سَكَن جَوانحي بَدَل الخُدُور(
    عذارى: أي خطوب أبكار لم تصب أحداً قبل. هذا معنى العذرة فيهن و )مِنْ(ها هنا للتبيين. أي ليست هؤلاء العذارى من النساء، إنما هي من أمور الدهر، أي أعذرى، أو من عاذرى؟ وقوله: )من أمور( خلص عذارى الخطوب هنا: من عذارى النساء، لا يسكن الجوانح إنما يسكن الخدور. فاقام جوانحه لعذارى الهموم مقام الخُدور لعذارى النساء بدل ظرف. أي مكان الخدور، كما حكاه سيبويه من قول العرب: إن بَدلك زيدا، أي إن مكانك. قال: ويُقال للرجل: اذهب معك بفلان، فيقول: معي بدل فلان، أي يغنى غناء، ويكون في مكانه.
    وله ايضا:
    )مَناَفِعُها مَاضَرَّ في نفع غيرِها ... تَغَذىَ وتَرْوَى أن تْجُوع وأن تَظما(ذ
    أي أن ضُرها لنفسها منفعة لها، إذا جر ذلك نفعا لغيرها تغوثاً بالمجد، واحتساب الأجر، كقوله تعالىويُؤثِرُون على أنْفُسِهم وَلَو كَانَ بِهمُ خَصَاصَةٌ(. أي طلباً للأجر. ثم فسر قوله: )منافُعها ما ضر في نفع غيرها(. بالنصف الثاني، فقال )تَغذَّى وتَرْوَى أن تجوع وأن تظما(. أي أنها تجوع لتخص غيرها بطعامها، فهي تَغَذى بذلك الجُوع ولا يُثر فيها، بل هو نماء لجسمها. وتعطش لتخُخص غيرها بشرابها، فذلك العطش رى لها، إذا هو في سبيل المجد.
    فتلخيص القضية. أنها تغذى بالجوع، وتروى بالعطش. وكان وجه الصنعة - لو استقام له الوزن - أن يقول. تَشْبع وتروي، ليُقابل الجُع بالشِّبع، كما قابل العطش بالري. ولكن لما كان في التغذي ما يُشعر بأنه ربما كان معه الشِّبع، تَسمَّحَ به، وأراد )أن تَطْمَأ( فأبدل الهمزة إبدالاً صحيحاً، حتى ألحقها بحروف العلة، وذلك لحاجته إلى الوصل، لأن الهمزة لا يُصل بها الروي، ولا يطرد هذا في كل شيء.
    وليس لك أن تقول: إنه خف الهمزة تخفيفاً قياسياً، لأن الهمزة إذا خففت تخفيفاً قياسياً، لم توصل به، لأنه في نية الهمزة. فمن حيث لا يوصل بالهمزرة مُخففة، لا يوصل بها مخففة تخفيفاً قياسياً، فتفهمه فإنه لطيف.
    )إذا فَلَّ عزمِي عن مَدى خَوفُ بُعْدِه ... فَأبْعَده شيء ممكنٌ لم يجِد عَزْمَا(
    أي أن الممكن من المطالب، إذا لم يعزم عليه طالبه، كان بمنزلة الممتنع. والفرق بين الممكن الذي لا بجد عزماً وبين الممتنع، أن الممكن إذا عُزم عليه نيل، والممتنع لا يُنال البتة ولو عزم. وقوله: )فأبْعَدُ شيء ممكنٌ(: يريد فأبعد الممكنات ممكن لا يعُزم عليه. وبجوز أن يكون شيء هاهنا يجمع الممكن والممتنع، لأن العقل لا يشك في أن الممتنع أبعد الأشياء.
    وتخليصه: إذا فل عزمي بعد مطلبي فأبعدُ منه مطلبٌ ممكن، لم يجد لدى عزما.
    وله ايضا:
    )سِرْبٌ مَحاسِنهُ حُرِمْتُ ذواتها ... دانى الصِّفات بَعِيد موصُوفاتها(
    السربُ: القطيع من الظباء والشاء والبقر. وعنى )بالسرب( هنا النساء، تشبيهاً لهُن بالظباء. والمحاسنُ: واحدها حُسن على غير قياس. وذواتها: صواحبُها. أي هَواىَ سِربٌ حُرمتُ ذوات محاسنه، وذوات المحاسن هن ذلك السرب. فكأنه قال: حُرمته، بأن حيل بيني وبينه. وقد يجوز أن يكون سرب مبتدأ، ومحاسنه مبتدأ آخر، أو بدلا من سرب. وحُرمت ذواتها: خبر عن المحاسن، والميتدأ الثاني وخبره؛ خبر عن سرب. فلا يحتج على هذا القول إلى إضمار )هَواى(. وأن يكون سربٌ خبر مبتدأ مضمر: أولى كما قدمنا، لقبح الابتداء بالنكرة. ثم قال: )دانى الصفاتِ بعيدُ موصوفاتها(: إنما دنت صفاته عليه، لأنه يقدر على وصفهن بما أوتيه من السن، والمنطق الحسن. وبعدت موصوفات السرب، لانهن مقصورات محجوبات، أو ممنعات، والضمير في )موصوفاتها(: راجعٌ إلى السرب وإن كان مذكراً. لكن جاز ذلك، لأنه في معنى الجماعة. ولا يجوز أن يكون راجعاً إلى الصفات، لأنه نوع من إضافة الشيء إلى نفسه.
    )وكأنَّها شَجَرٌ بَدا لكنَّها ... شَجرٌ جَنَيْتُ المُرَّ من ثَمَراتها(
    أي كأن العيس شجرٌ من عُلُوهن. والعرب تشبه الحمول كثيراً بالنخل، وذلك لما يضعون على الهوادج من الرقم والعُهون الملونة، فيشبهون ذلك بالزهور والبسر الملون. ولم يشبه المتنبي الهوادج وما عليها بذكر النخل، وإنما عنى عُلُو الإبل، فشبهها بالشجر عامة، ثم قال: )لكنها شجر جَنَيتُ المرُ من ثمراتها(، يعنى بذلك: إبعاد الإبل حَبَاِئَبه عنه، وقد بين ذلك بقوله:
    )لا سرتِ من إبلٍ لَوَ انىِّ فَوقَها ... لَمَحَتْ حَرارةُ مَدْمَعيَّ سِماَتهِا(
    دَعَا عليهن ألا يَسْرِن، إشفاقاً من بعد حبائبه عنه إذا سارت
    )وَترى المُروة والفُتَّوةَ والابُوَّ ... ةَ في كلُّ مليحة ضَرَّاتِها(
    يعنى أن الملائح يعشقنه، وهو يوثر عليهن المروة والأبوة والفتوة، وذلك أن هذه الثلاثة يَنْهَيْنَه عن عشق النساء ويأمُرن بُحبهن أنفسهن. فعلم الملائح أن هذه الخصال الثلاث يضرُرن بهن عنده، كما تضر المرأة عند يعلها ضراتُها، إذ لولاهن لواصلهن.
    )وَمَقانِبٍ بمقانِب غَادَرْتُها ... أقوات وحشٍ كُن من أقواتها(
    المقِنبُ: القطعة من الخيل. أي صرفتُ مفنب غيري بمقنبي. فهذا معنى قوله: )وَمَقانب بمقانب غادرتها( وقوله: )أقوات وَحشٍ كُن من أقواتها( أي صَرَعتُ هذه لمقانب، فتركتها أقواتا للوحوش، التي كانت من أقوى هذه لمقانب، فعاد الأمر بالعكس، وجعل الوحش الآكله لهم مما كانوا يقتاتون به، لأن العرب تأكلُ الذئب، والضُبع والهلياع والفهد ونحو ذلك من آكلة الإنسان. وقد شبه بعضهم هذا البيت بقول البحتري:
    كلانا بها ذِئبٌ يحدِّث نفسه ... بصاحبه والجِدُّ يتبعُه الجدّ
    وليس مثله، لأن البحتري لم يأملُ أكل الذئب كما أمل الذئب أكله وإنما قال:كلانا قاتل لصاحبه، الذئب يري أكلى، وأنا أريد قتله.
    )أقْبَلْتها غُرر الجِياد كَأنَّما ... أيْدِىَ بني عمران في جَبَهاتِهاَ(
    الكريم يوصف ببياض اليد، وهي الخيل التي أقبلتها هذه الوجوه. هُن غُرّ، فكان غُروها أيدي هؤلاء موضوعة في جبهاتها. يعني أقبلتها خيلاً سابقة، يُقبلون جباهها كما تقبل أيدي بني عمران. فهذا معنى التشبيه.
    )تكْبوُ وَرَاءكَ يا ابْنَ أحمد قُرَّحٌ ... لَيْسَتْ قَوائِمهُنَّ من آلاتها(
    القُرح هنا: كناية عن الرجال الكهول المُذكين. وأصله في الخيل، واحدها قارح، وهو الذي أتى عليه خمسُ سنين من نتاجه. فشبه الممدوح بفرسٍ جواد، وشبه مبارزيه بخيل قُرح، كقوله:
    فدى لأبى المِسْكِ الكرامُ فإنها ... سوابقُ خيلٍ يَهتَدينَ بأدْهَمِ
    أي بفرسٍ أدهم. وخصه بالدُّهمة، لأنه عنى به كافوراً وقوله: )ليست قوائمهن من آلاتها(: أي ليست قوائهما آلات لها لانها تعثر وتكبو وتضعف عن مجاراتها، فكأن هذه القوائم ليست من آلاتها اذ لو كانت آلا لها لنصرتها ولم تخنها ولا أظهرت فضلك أيها الممدوح على هذه القُرح. وإنما قوائمها من آلاتك أنت، لدلالتها على سبقك، إذا كبت هذه القرح وراءك، فهن آلاُتك المبينة لفضلك لا آلاتها، لأن من نصرك وخذل ماوئك، فإنما هو آلة لا لمناوئك، وإن كان أهلا له، وجزءاً منه، كقوله تعالى )ياَنُوُح إنهَّ لَيْسَ مِنْ أهْلِك( أي ليس من أنصارك ولا مُعاضديك، إنما هو من أعدائك. ولم ينف أنه اينه حقيقة، لأن نساء الأنبياء لم يَفْجُرْن.
    وذكر القوائم هنا، لذكره الخيل، ذهابا إلى الصنعة. وإنما القوائم هنا كناية عن الحصال والفضائل النفسانية. وقيل: إن الضمير في آلاتها ل )وراءك(، أي لا يتبعك إلا خيلٌ قوائمها أثبت من قوائم هذه القُرح. وأما قوائم هذه فمقصرة عن متابعتك، والصبر على مجاراتك.
    )سُقِيتْ مَنابِتُها التي سَقَتِ الورى ... بِنَدىَ أبى أيوب خَيِر نَبَاتِا(
    الصنعة سارية في هذا البيت، وذلك أنه جعل للنفوس منابت، وليست النفوس نباتية فتنبت، واذا لم تنبت فلا منبت لها، ومعناه: سقى الله اهل هذا الممدوح بنداه لأنهم أجدواد، فإذا أفاض عليهم جوده، أفاضوه على من سواهم وقله: )وخير نباتها( الهاء للمنابت. ودعا للمنابت بُسقيا النبات لها، وتغذيتهل إياها، قلبا للعادة. لأن المنبت يغذِّي النبات، والنبات لا يُغذي المنبت، اذ المنبت غير نامٍ، ولكنه أغرب بذلك، وجعل الممدوح خير نبات المنابت التي هو منها، لانه أشرفها وأوسطها، فالباء التي في قوله: )بندى أبى أيوب( على هذا التفسير متعلقة بُسقيت. وقد يجوز أن يكون متعلقة بَسَقت. ويكون سقي المنابت غير مُبَينّ. فكأنه قال: سُقيت منابتها، وأمسك ولم يذكر ما تُسقى به.
    )لَو مَرَّ يركُضُ في سُطور كِتاَبَةٍ ... أحْصى بحاِفرِ مُهرِهِ ميماتها(
    يصفه بالحذق في الفروسية. وخص المُهر لتكون أغرب، إذا فعل ذلك بالمهر وهو غير ماهر ولا مُرتاض، كان أقدر أن يفعل ذلك بالقادح، لا رتياضه وانقياده.
    )يَضَعُ السِّنَان بحيثُ شَاءَ مُجاولاً ... حَتَّى من الآذانِ في أخْرَاتِها(
    يصفه أنه حاذق بالطعن، حتى إنه يضع السنان في خرت الأذن. وقوله مُجاولا: حال مُفيدة. والمُجاول: المجُاري في ميدان الطعن، وذلك أنه إذا فعل وهو جائل في الحرب، كان أقدر عليه وهو في الميدان وادع.
    )لا خلق أسمع منك إلا عارفٌ ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها(
    أي المعروف عنك الجود بكل ما سُئلته، فلا أحد أسمح منك إلا الانسان عرف هذه الشيمة منك، فلم يسألك نفسك. وجعله أسمح منه، لانه ترك له أنفس الأشياء، فكأنه قد جاد عليه بما لم يجد بمثله على أحد، لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود وهذا كقوله هو:
    يأيُّها المُجدَي عَليه رُوحُهُ ... إذ ليس يَأتِيه لها استِجْدَاءُ
    وقد أنعم شرحهُ فيما تقدم. وراء: مقلوبة عن رأى، قال الشاعر:
    فَلَيْت سُويداً راء مَنْ فر منهُمُ ... ومَنْ جَر إذ يَحْدونَهُمْ بالركائبِ
    ويدلك على أن )راء( مقلوبة عن رأي، أنه لم يأت لها مصدر، إذ الافعال المقلوبة لا مصادر لها عند سيبويه، ولا أعرف أحداً خالفه. ولو كانت )راء( لغة في رأيته، لكان لها مصدر. وهذا أصل من أصُول التريف، فتفهمه.
    والخلق في هذا البيت: بمعنى المخلوق. ولذلك أبدل )عارف( منه. إذ لو كان الخلق مصدراً لم يجُز إبدال عارف منه، لأن الجواهر لا تبدل من الأعراض. وإنما كان يَنصِبُه على الاستثناء المنقطع، مع أن المصدر لامعنى له في هذا البيت. ولذا حذرنا منه إغراباً )بالإعراب(.
    غَلِت الذي حَسَبَ العُشور بآيةً ... ترْ تيلُك السُّورات من آياتِهاَ

    عبدالله عمر

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    غلت في الحساب، وغلط في القول. هذا فرق. وقيل: هما سواء. يمدح إمام أنظاكية، فيصفه بتجويد التلاوة، وحُسن التأدبة، حتى جعل حسُن لفظه وترتيله للقراءة في الإعجاز، منزلة الآية، فيقول: يجب أن تكون قراءتك هذه مضافة إلى الآيات، تعد بصورة في النفس آية، فقد غلط حُساب العُشور إذا لم يعدوا قراءتك منها. وكان يجب أن يقول: ترتيلُك للعشور من آياتها، أو الأعشار من أياتها، فكان أذهب في الصنعة.
    وهذا البيت كله )خلف( من وجهين. أحدهما: طريق الغُلُو الذي لا مساغ له في الذات اللقنة المتيقنة. والآخر: أن الترتيل عرضٌ في اللفظ وليس بذات لفظ، والآية لفظ. وإنما الترتيلُ في ذات اللفظ كالعرض في الجوهر، فلا ينبغي أن يُعد ما هو عرض في الجوهر جزءا من ذات الشيء، فتفهمه، فإنه لطيف المعنى.
    )لا نَعْذُل المرض الذي بك، شَائِقٌ ... أنت الرجال، وشَائِقٌ عِلاتِها(
    كان هذا الممدوح عليلا، فيقول: لا تلم المرض المعتمد لك، والحالُ بك، لأنك محبب إلى النفوس وإلى أحوال النفوس، فكما أنك تشُوق النفوس فتذهب نحوك، وتحل بك، كذلك الأحوال، والعلة نوع من الحال، فلا عتاب عليها في حبها لك.
    فتلخيص البيت: لا تعذل مرضك، لأنك تشوق الرجال، وتشوق عللها فشائق: خبرُ مبتدأ مقدم، وأنت مبتدأ. أي انت شائق الرجال وعللها ولا يجوز أن يكون شائق مبتدأ، وأنت فاعل بشائق، لأن اسم الفاعل إنما يعمل عمل الفعل إذا كان )معتمداً( على شيء قد عمل في الاسم قبله، أغنى كأنه يكون خبراً لمبتدأ، أو فاعلا لفعل، أو صفة لموصوف، أو حالا الذي حال، ونحو ذلك، فأما أن يكون يعمل عمل الفعل وهو مبتدأ، فلا يجوز فلو قلت: ضاربٌ زيداً تُريد: اضرب زيداً كان خطأ.
    )فإذا نَوتْ سفراً إليك سَبَقْتَها ... فَأضَفْتَ قبل مُضَافِها حَالاَتها(
    هذا البيت متعلق بهذا البيت الذي قبله: أي أن الرجال إذا نوت سفراً إليك سبقتها بإضافتك أحوالها، قبل إضافتك إياها. وإضافته لحالاتها قبوله لها بجسمه، لانه في ذكر المرض، عَرَض، والعرض يطلب محلاً ومحله الجسم. ويشبه ذلك قوله بعد هذا:
    )ومنازل الحُمى الجسُومُ فقثل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها(
    أي إذا كانت الأمراض أعراضاً، ولم يكن للعرض بد من جسم وأمكن العرض جسمُك الذي هو خير الجسوم، فكيف يعذر على تركه.
    )فاليومَ صِرتُ إلى الذي لو أنه ... مَلَكَ البرية لا سْتَقَل هباتها(
    هذه الهاء في موضع المفعول به، أي لاستقل أن يهبها لعالم آخر. فكان يجب على هذا أن يقول: لاستقل هبتها. لأن الهبة هنا المصدر، لا الموهوب ولكنه جمع المصدر، لانه عنى به الموهوبين، ولأنه مصدر متنوع، لانه كان يهبها فُرادى ومثنى، ومازاد على ذلك من الكم، فقد تنوع المصدر باختلاف الأعداد، فاستجاز الجمع لذلك.
    )مُسْتَرخَصُ نظر إليه به ... نَظَرَتْ وَعثَرةُ رِجلهِ بدياَتها(
    )مابه نظرت(: يعني أعين البريه. أي أن النظر إلية رخيص بأعينها يعني بفقدها الأعين. وكذلك عثرة رجله لو اشتُريت بديات البرية لكانت رخصية.
    وله ايضا:
    )وَتركُكَ في الدُّنيا دَويا كأنما ... تَداوَل سَمْعَ المرء أمْمُلهُ العشرُ(
    يعني لا يسمع شيئا، كقول النابغة: )وتلك التس تستك منا المسامعُ( والدوي:الصوت. وهذا البيت مضمن بما قبله. أي إنما المدُ السيوف، والفتكة البكر، وأيام حرب يُسمع لها من اجتماع الأصوات المختلطة الواصلة إلى الآذان، مثل صوت البحار الذي يسمعه الانسان إذا اطبق أذنيه بأنمله.
    والأنمل هنا: الاصايع، واحدتها أنملة، من باب تَمْرة وتمر، وليس بتكسير أنملة لأن هذين البناءين انمايكسران على )أفاعل(. وقوله )تداول سمع المرء(: يجوز أن بكون السمع اسما للأذن، فلا يحتاج في هذا القول إلى حذف. ويجوز أن يكون السمع هنا: الحس لا الجوهر الذي يُحسن به، فإذا كان ذلك، فلابد من حذف، كأنه قال: تداول موضع سمع المرء وإلى هذا ذهب أبو علي في قوله تعالى: )خَتَم اللهُ على فلوبِهم وعَلَى سَمْعِهم( وجهة على الوجهين جميعاً.
    )إذا الفَضلُ لم يرْفَعْك عن شُكر ناقصٍ ... عَلَى هبةٍ فالفضلُ فيَمنْ لَه الشُّكْرُ(
    أي إذا اضظرات إلى ناقص فتفضل عليك فشكرته فقد حصل الفضل لذلك الناقص فمن الحق أن تتحامى رجاء الناقص، لئلايتيح لك فضلا منه عليك، فيكون الفضل له. وقال: )الفضل فيمن له الشكر( أي: الفضل للشاكر لا للمشكور، لانه يُشرف هذا الناقص بشكره، أو بنفعه به.
    )وَغثٍ ظَنَنا تَحْتَهُ أن عامِراً ... عَلاَ لَم يُمت أو في السحابِ له قبرُ(
    عامر: جد هذا الممدوح. يصف سحابا بكثرة الماء، حتى كأن عامراً علا إلى الفلك فأمطر الناس جوده، أو دفن في السحاب، فهو يجود بالماء وإن كان فيها ميتاً.
    وقوله: )لم يمت( بدل من قوله: )عَلاَ(. وقد يجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في علا أي غير ميتٍ.
    )أو ابنَ ابنهِ الباقي على بن أحمدً ... يجودُ به لو لَمْ أجُز ويدي صِفْرُ(
    أي لولا أني جُزت به خالي اليد منه، لما شككت أن أحدهما هناك ويدي صفرُ: جملة في موضع حال.
    )إليك طَعَنا في مَدَى كل صَفْصَفٍ ... بكلِّ واة كُلُّ ما لَقِيتْ بحرُ(
    أي قطعنا غليك الأراضي البعيدة بكل ناقة خفيفة مُوثقة، تفعل في الارض البعيدة ما تقعل الطعنة في النحر. ومعناه أنها تتوغل الطعنة في الصدر، وتبلغ الغاية، كما تبلغ الطعنه إذا وصلت إلى القلب.
    )إذا وَرِمَت من لسعةٍ مَرِحَت لها ... كأن نوالا صر في جِلْدِها النِّبرُ(
    النبر: دُويبة تلسع الإبل، فتحبطُ مواضعُ لسعها وترم، يقول: إذا لسعها النبر لم تألمْه، لا عتيادها إياه، وطيب نفسها، وفرحت له، حتى كأن تلك اللسعة التي أورمت جلدها، صرت فيها نوالاً لها،فهي تفرح لذلك كما يفرح المُعطى بالعطية.
    وقوله: )كأن نوالا(: يجوز أن يكون نوالاً منصوباً بكأن، والجملة التي هي )صر في جلدها النبر(: خبر كأن. وفيه ضعف لأن اسم )إن( نكرة غير مؤيدة بالصفة. وخير منه عندي أن يكون في )كأن( الأمر أو الحديث، ونوالاً: مفعول لصر. فقوله: )نوالاً صر في جلدها النبر(: تفسير للمضمر الذي في )كأن(.
    )فَجِئناك دُون الشمسِ والبدرِ في النوى ... ودُوَنك في أحْوالِك الشمسُ والبدرُ(
    قوله: )دون الشمس والبدر في النوى( حال أي جئناك وأنت أقرب إلينا من الشمس والبدر، وهما دونك في المجد وشرف القدر.
    )لِساني وَعينِي والفُؤادُ وِهمتي ... أودُّ اللواتي ذا اسْمُها منك والشطرُ(
    الاود: الاحباء، واحدهم وَُد. فيقول: هذه الأعضاء مني تُحبُّ ما قابلها من أعضائك التي أسماؤها هذه.
    وقوله: )والشطر(: أي كأن هذه الاعضاء مني شقيقة سيمتها منك، حتى كأنهما اقتسمنا جزءاً من العنصر الذي منه كونها. وإذا كان هذا في الاعضاء، فكان لساني موافقاً للسانك، يقول ما تقول، وعيني مطابقة لعينك تستحسن ما تستحسن، وفؤادي ملائم لفؤادك، يهوى ما يهواه، وهذه عُمدة أعضاء الانسان فالجملتان شقيقتان. فنحن إذن شقيقان.
    وأما قوله: وهمي، فزيادة، لأن الفؤاد محل الهمة، فهو يغنى عنها.
    وله ايضا:
    )أقَلُّ فَعَإلى بَلهَ أكثرهُ مَجْدُ ... وذا الجدُّ فيه نلْتُ أم لم أنلْ جَدُّ(
    بله: يُنصبُ بها ويجر، النصب على أنه اسم للفعل كرُويد. والجر على أنه مصدر، وإن لم يكن له فعل، فقد وجدنا مصدراً دون فعل، كويل وأخواتها. أي أقل فعإلى شرفٌ. دع أكثره، كقول القائل فكيف أكثره. وهنا إفراط في القول، لانه ليس فوق الشرف منزلة، فيكون أكثر فعله أعلى من الشرف. إلا أن الشرف يتفاضل في ذاته. فإذا كان أقل فعاله شرفاً، فأكثره شرفٌ أعلى من ذلك.
    وقوله: )وذا الجِدُّ فيه نلتُ أم لم أنل جَدُّ(. الهاء عائدة إلى الجد، أي ود الجدُّ في طلبه جدٌّ.
    الجِدُّ: الاجتهاد والتشمير. والجَدُّ: البَخت. ويقول: جِدي في الامور بخت. وإن لم أنل به بختا، لأن الجِد معدود في السعاة، لكونه من الفضائل النفسانية، التي يبعث عليها الأنفه والشهامة، كما أن التواني يُعد في الشقاوة لكونه من الرذائل التي يبعث عليها العجز والسآمة، يقول: فأنا إن لم أنل بسعي حظاً نلت به عند نفسي وغيري عذراً أحصل به على راحة نفسي، لا يلحقني كلام من أحد: كقوله: )ومُبْلِغُ نَفْسٍ عُذرَهَا مثلُ مُنْجِحِ(؟
    )سأطلبُ حَقي القنا ومَشَايخٍ ... كأنهُم من طول ما التَثَمُوا مُردُ(
    مشايخ: جمع مشيخة، حكيناه عن أبى زيد، وقد يجوز أن يكون جمع مشيوخاء، الذي هو اسم لجمع شيخ فكان ينبغي على هذا )مشايخ( لكنه اضطر فحذف، كقوله: والبكرات الفُسج العطامسا فشبههم بالمرد، لأنهم التثموا حتى لم تظهر لحاهم، كما لم يظهر للمرد لحى. ولو اتزن له لكان أحسن أن يقول: كأنهم من شدة ما التثموا، لأن كيفية الالتثام حجبت لحاهم، بإحامهم إياها. والشدة كيفية، والطول كمية فالكيفية أولى بما ذهب إليه.
    وإن قلت انهم أطالوا الالتثام حتى حُسيُوا مُرْاً كان له وجه.
    )تَلَجُّ دُمُوعي بالجُفونِ كأنما ... جُفُونِيِ لِعَيْني كُلِّ باكيةٍ خذَُ(
    أي أن جفوني مساربُ للدمع لا يخلو منها، حتى كأنها خذٌ لكل باكية.
    فالدمع يلازمها كما يلازم خد الباكية.
    وإن شئت قلت: ذهب في ذلك إلى غزر الدمع. أي أن جفون دموعي مُجتمع الدموع، حتى كأنها خد لعيني كل باكية.
    )سَرَى السِّيفُ مما تَطبع الهندُ صَاحِبيِ ... السيفِ مشما يَطْبَعُ اللهُ لا الهِند(
    صاحبي: نعت للسيف. ولا يكون على حد قولك )ضاربي( المنقولة من قولك: زيد ضارب عمراً؛ لانه لا يقال: زيد صاحبٌ عمرا، وذلك أن هذه الصفة جُردت من معنى الفعل، فلم يعدوها من المصادر، وقولهم: )لله درُّك( فدرك: مصدر وقد أجمده حتى قال سيبويه: هو بمنزلة قولهم: )له بلادك( وقوله: )مما تطبع الهند(، يعني السيف الذي عنصر الحديد، وهو الذي يطبعُ الهند. والسيف الثاني: هو الممدوح، وهو الذي يطبعُه الله لا الهند، لأن الهند لا تخلُق وإنما الخالق الله وحده:
    )يَكادُ يُصيبُ الشيءَ من قَبْلِ رمْيه ... وَيُمكنُه في سَهْمِه المُرْسلِ الردُّ(
    يصفه بالقوة في الرماية، والعلم بها، فيقول: يصرف سهمه كيف شاء، حتى لو اراد رده بعد إرساله مثلاً، أمكنه ذلك. و)يمكنه(: يجوز أن يكونمعطوفا على )يصُيب(. فيكونان جميعا داخلين تحت )يكاد(ز ويجوز أن يكون من الفعل الذي هو خبر )يكاد( فيكون ذلك أبلغ. وكلتا القضيتين داخلة في الامتناع، لا يجوز أن يصيب شيئاً قبل رميه له. ولا أن يقارب ذلك وكذلك القول في القضية الثانية. والهاء في )رميه( يجوز أن تكون ضميراً لشيء فيكون مجروراً في موضع نصب. كأنه قال: من رميه هو. ويجوز أن يكون ضمير لفاعل، والمفعول على هذا محذوف، أي من قبل رميه إياه.
    وله ايضا:
    )حَوْلىِ بكُلِّ مَكِانٍ مِنهُمُ خِلقٌ ... تُخطى إذا جِئْتَ في اسْتِفْهامها بِمَنِ(
    أي انهم لا يعقلون و)مَنْ( إنما يستفهم بها عمن يعقل، فإذا استفهمت عن هؤلاء بمن فأنت مخطئ، اذ لاحظ لهم فيها وإنما حظُّهم )ما( التي هي لما لا يعقل، وأن شئت قلت: إنهم وإن كانت صُورهم صُور الناس، فهم بهائم، لجهلهم، وأنما تُعامل الأنواع بطبائعها لا بأشكالها، وذلك أخذت الحكماء في حدودها طبائعها دون صورها، حتى إن بعضهم قال استضعافا للحد المأخوذ من الصورة: )فإنه لا يُستنكر أن يكون إنسان على شكل سمكة، كما لا يستنكر أن تكون سمكة على شكل إنسان(. واراد )تُخطئ(، فأبدل إبدالا صحيحاً للضروة، كما أنشد سيبويه: )فارعى فزارةُ لا هناك المرتعُ( ولو خفف تخطى قياسيا بين بين، لانكَسَر البيت، لأن الهمزة المخففة بَيْن بين عند سيبويه بُرمتها مخففَّة.
    )ومُدْقعينَ بُسْبُروتٍ صَحِبْتُهمُ ... عارين من حُللٍ كَاسِينَ من دَرَن(
    أي ورب فقراء بأرض قفر صحبتهم وبُليت بهم )عارين من حلل(: أي هم اللصوص لا يتسربلون، )كاسين من دَرَن(: يصف شعثهم وقشفهم. وإنما يُعدد ما مُنى به وبلى، من مكاره الأيام، وصحبة من لم يكن أهلا للصحبة.
    )كم مخلصٍ وعلا في خوض مهلكةٍ ... وَقَتْلةٍ قُرنت بالذم في الجُبُن(
    أي: كم إنسان أقدم، فسلم وعلا مع إقدامه، ولم يضره اقتحامه الهلكه، وآخر جُبن، فقُتل مع جُبنه، ومات مع ذلك، مذموماً على نكوله ملوماً. قوله: )في الجُبُن( متعلق بقتلةٍ، كأنه قال: وقتلة في الجُبن قُرنت بالدم، كما أن قوله )في خوض مهلكة( مُتعلقة بمخلص وعُلا.
    )مدحتُ قوماً وإن عشنا نظمت لهمُ ... قصائدا من جياد الخيل والحُصنِ(
    عنى بالقصائد: الجيوش، وإنما كنى عنها بذلك، لقوله: )مدحت قوماً( واستعمل النظم مكان الحشد، لماكن القاصائد، وجعلها من جياد الخيل والحُصُن، لانه عنى بالقصائد العساكر، والعساكر إنما تأتلف من الخيل وفُرسانها، ولو قال: )من إناث الخيل والحصن( لكان أذهب في الصنعة، لأن الحُصُن: الفحول من الخيل، فكان يطابق الإناث لقوله تعالى: )وَبَثَّ منهما رِجَالاً كثِيراً ونِسَاءَ(. وأما )من جياد الخيل والحصن(، فقسمة غير سالمه، لأن الحصن قد تدخل في جياد الخيل، وكذلك جياد الخيل قد تدخل في الحصن، إذ بعض الجياد حصان، وبعض الحصن جواد. ومن عنى بالحصن الجياد، ما ذهب في باب القُبْح، لانه لا يوجب قسمها، إذ الجياد هي الحصن.
    )تَحتَ العَجَاجِ قَوافِيها مُضَمَّرةٌ ... إذا تُنُوشِدنَ لم يدخُلْنَ في أذُنِ(
    عنى بالقوافي الخيل، وخصها بالذكر لأنها أشرف ما في الشعر، لاشتمالها على اللوازم، كالروى والصِّلة والخرُوج والرِّدف والتأسيس، وغير ذلك من طوائف القافية، وإذا جادت القافي؛ سَرَت جودتُها في الشعر. واستجاز أن يجعل القوافي )مضمرة(، لكنايته بها عن الخيل.
    )إذا تُنُوشدن لم يدخلن في أذن(: فرق مليح صحيح، لأنهن لسن في الحقيقة قوافي، فتلج في المسامع، وإنما هن خَيْل، وليس هناك تناشد. إنما استجازه للفظ القصائد والقوافي.
    )غَضُّ الشبابِ بعيدٌ فَجُر لَيلتهِ ... مُجانبُ الجَفْنِ للفَحشاء والوَسَنِ(
    يستغرب العبادة مع الشباب. و)بعيد فجر ليلته(: أي لا ينام، فآخر ليلته بعيد من أولها. )مُجانب الطرف للفحشاء والوسن(: هذا اختصار مليح. وما أحسن مقابلته الشباب بالفحشاء، والسهر بالوسن. وكأنه قال: غض الشباب، مجانب الطرف للفحشاء، طويل الليل، مجانب الطرف للوسن.
    )ألقى الكرامُ الأى بادُوا مكارمهمُ ... على الخصيى عند الفَرْض والسُّنَنِ(
    )الإلى(: بمعنى الذين بادوا من صلة )ألى(. أي باد هؤلاء الكرام وألقوا مكارمهم على هذا الممدوح، كأنهم كفلُوه إياها، كما يكفل الوصي اليتيم.
    )فهن في الحجر منه كلما عرضت ... لَهُ اليَتَامَى بدا بالمجْدِ والمِنَنِ(
    فُهن: يعني هذه المكارم الملقاة عليه التي كُلها. يقول: هذه المكارم التي مات اهلها، وبقيت يتامى في حجر هذا القاضي الممدوج، فهو يفرق أمواله فيهم، ويبدأ منهم بالمجد والمنة. فهما من جملة الأيتام، يظهرهما ويؤثرهما. كما يفعل الرابُ المُشبل. وقوله: اراد )بدأ( فأبدل إبدالا صحيحاً للضرورة. كما تقدم في تخطي ونحوها.
    وله ايضا:
    )لَقدَ حَازَني وَجْدَ بمن حَازَهُ بُعْدُ ... فيا ليتني بُعدٌ وياَليُتَه وجدُ(
    أي الوجد خُلُقى فقد حازني، والبعد خُلُقه فقد حازه، يقول: فياليتني بُعد لأحوز كما حاز البعيد وياليته وجد فيحوزني كما حازني الوجد، فنجتمع ولا نتفرق.
    )سُهاد أتانا منك في العين عِندنَا ... رقادٌ وُقلاَمٌ رَعَى سَرْبُكم وردُ(
    استحين كل مكروه اتى من قبلهم؛ واستلطف كل جافٍ لهم، حتى جعل السهاد رُقاداٌ، والقلام - وهو ضرب من الحمض - ورداً. كل ذلك لحبه إياهم.
    من الحمض - ورداً. كل ذلك لحبه إياهم.
    )إذا غدرت حسناء وقت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهدُ(
    شيمة المرأة: الغدر. وهي التي عُهدت عليه فمتى غدرت فقد أوفت بعهدها
    )وسيفي لأنت السيفُ لا ماتسُله ... لِضربٍ ومما السيفُ منه لك الغمدُ(
    أقسم بسيفه، ثم تلقى القسم بقوله للممدوح، لأنت السيف، أي إنك أمضى من السيف بل أنت السيف في الحقيقة،إذا لولاك لم يكن للسيف عناء كقوله: إذا ضَرَبتْ يُمناهُ بالسيفِ في الوَغَى تَبيَّنْتَ أن السيف بالكف يضرِبُ )ومما السيف منه لك الغمد(: الشيء أنما يصُان بما هو دونه في القدر، ليكون له وقاء. يثول: فأنت أشرف من السيف، لأن السيف مطبوع من الحديد، وأنت تلبس الدروع والجواشن والترك، فهن لك كالغمد. وإذا كنت أنت مصونا بما السيف منه مصنوع. فلا محالة أنك أشرف من السيف، لأن السيف مساو للدرع في القدر؛ لأن جوهرهما سواء. والدرع لك لباس. والغمدُ في قوله )ومما السيف منه لك الغمد(:مرفوع بالابتداء. وخبره: )مما السيف منه(، فغمدك من الحديد الذي طُبع منه السيف:
    )كَاَنَّ عَطِياتِ الحُسَين عساكِرٌ ... فَفِيهاَ العِبِدي والمُطّهّمةُ الجُردُ(
    العسكر إنما يأتلف من الخيل والرجال. وهذا يهب الخيل والعبيد. فهذا وجه الكيفية في تشبيهه عطاياه بالعساكر. ثم يكثر هبة هذين النوعين، حتى يعود في كثرة العسكر. فهذا تشبيها بالعساكر من جهة الكمية. والعطية: المُعطى لا العطاء إذ لو كان ذلك لم يجز تشبيه العرض بالجوهر، فتفهمه.
    )حَبَانيِ بأَثَمْان السوابِقِ دُونها ... مَخَافَة سَيْرِى إنها للنَّوى جُندُ(
    )وَشَهوةَ عَوْدٍ إن جُودَ يميِنه ... ثُناَء ثُنَاءُ والجَوادُ بها فَرْدُ(
    أي أعطاني الدنانير دون الخيل، مخافة أن أبين عنه، لأن الخيل جُند للنوى وأعوان. و )شهوة عودٍ( أي اراد أن أقيم فيُوإلى لي عطاياه. وإن جود يمينه ثُناء ثُناء: أي أياديه مثنى؛ وهو في ذاته فردٌ. وإن شئت عنيت بالعود، أنه معدوم النظير في جوده، كما يقال: رجل واحد: لامثل له، قال ابو ذؤيب:
    يَحمى الصرِيمةَ أحدَانُ الرجال له ... صَيدٌ ومُجْتَرئٌ بالليلِ هَماس
    فكأنه قال: والجوادُ بها أوحدُ.
    )فَهُم في جُموع لايراها ابن داية ... وهُمْ في ضجيجٍ لا يُحس به الخُلدُ(
    ابن داية: الغُراب، سُمي بذلك لانه يقع على دأية البعير، وهي فقارته، فيعقرها. والعرب تصف الغراب بصحة البصر، حتى عنوا به فقالوا: أ[صر من غراب، والخلد: فأرة عمياء لا سمع بها، رعموا. يقول: فما يراهم الحديدُ البصر ولا يُحس بهم الذي مبالغة. وليس يذهب في ذلك إلى قلة جموعهم، وجفوت لُجُمهم، إنما يذهب إلى احتقارهم، وقلة غنائهم، ومثله في ذلك الاستضعاف قوله:
    فبَعْدهَ وإلى ذا اليوم لو رَكَضَتْ ... بالخيل في لَهَواَت الطفل ماسَعَلاَ
    وله ايضا:
    )أراكضُ مُعْوصات القَوْل قسراً ... فَأقْتُلها وغَيرِيَ في الطِّرَدِ(
    أي أنا ذو بديهة، فاذا عورضت في قول الشعر فرغتُ وغيري يعد في تلحينه وتسديته ومعاناته، وليس هناك قتل ولا طراد، وإنما استعارهما وأقتلها: بمعنى أصيها وأملكها كقولهم: قتلتُ الأمر علما. والمُعْوص: الأبى الممتنع.
    وله ايضا:
    )أنا لاثمى كُنتُ وقت اللوائم ... علمِتُ بما بي بَيْنَ تلك المَعَالمِ(
    قوله: )أنا لا ثمى إن( كقوله: أنا مثلك إن فعلت كذا. أي ضرني الله مثل لا ثمى في قلة اللب والجهل بالحب. وقيل اراد: أنا لاثم نفسي أي جعلني الله لاثماً لها، وهذا أضعف في العربية، إنما تستعمل العرب في مثل ذلك أنا لاثم نفسي هذا مذهب سيبويه. وقد أنشد بعض الكوفييم:
    )ندمتُ على ما كان مني عدمتُني(
    فعلى هذا يجوز )أنا لاثمى( أي لاثم نفسي.
    يقول: إن كنت علمت بحالتي وعقلت أمري بيت تلك المعالم، كقول الأشتر:
    بقَّيتُ وَفرِى وانحرفت عن العُلا ... ولقيتُ أضيافي بوجه عَبُوسِ
    إن لم أشُن على ابن حرب غارةً ... تعدو ببيض ي الكريهة شُوسٍ
    )وَلكِنني مِما شُدهتم متيم ... كسال وقلبي بائح مثل كارتم(
    أي ولكني متيم كسالٍ مما شُدهتُ وذهلت. أي قد أفرط ذهولي، حتى كأنى ذهلت عن الهوى، فُعدتُ كالسالي، ومعنى كل ذلك أنه يريد: لم يخلص لي حال ولا يثبت لي حقيقة، وإنما يقول إنه بقي فقيد العقل، ومن فقد عقله لم يثبت له تذكُّر ولا سُلُو، ونحو هذا قوله تعالى في صفة أهل النار: )لا يَموتُ فيها ولا يَحْيى(. وإن شئت قلت: ذهلت عن الشكوى، حتى كأنني سال وذهوله عن الشكوى إما أن يكون عدم حسه بتلاشي جسمه كقوله هو:
    وَشَكيتي فقدُ السقام لانهُ ... قد كان لما كان كان لي أعضاءُ
    وقلبي بائح مثل كاتم: أي أنه قد ظهر على الحب، فكأن قلبي بائح به وهو مثل كاتم، أي أنه لم يقصد إظهار ذلك. ومعنى كل ذلك نفي القصد لاطوله.
    )عن المُقْتَنىِ بَذْلَ التلادِ تلادهُ ... وَمُجْتَنبِ البُخل اجتِنَابَ المحارمِ(
    أي يقتني ذل التلاد مكان تلاده، فأعقبه ذلك ذكراً في البذل، فكأنه قال: عن المقتنى الذكر الجميل، ببذل التلاد مكان تلاده. الذي كان اقتناه، لما في تلاده من البقاء في الذكر الجميل المقتنى مكانه من البقاء.
    فتلاده عندي - منصوب بالظرف، كما أنك لو أظهرت المضاف المحذوف فقلت: مكام تلاده، كان منصوباً على الظرف، فلما حًذف المضاف عمل الفعل في المضاف اليه ذلك العمل نفسه، كقوله تعالى: )واسْألِ القرية التي كُنَّا فِيهَا(. ولو قال: )تلادُه(، فرفعه بالمُقتنى على السعة لجاز. أي كأن ماله يدعوه أن يبذله فَيقفُوه بذلك فخراً. فكأن المال هو المقتنى له ذلك ولا كلام في قوله: )ومُجتنب البخلِ اجتناب المحارم( لظهوره.
    )كأنك ما جَاوَدْتَ من بان جُودُه ... عليك، ولا قاومت من لم تُقاوِمِ(
    إن شئت قلت: إن حساد جاودُوك في الجود والبأس، حتى غلبتهم فيهما، فكأنك بعد غلبك إياهم ما جاودوك ولا قاتلوك. ثم جعل للقضية مثلاً مطلقاً، أي أيها الانسانُ من غلبك بعدما غلبته فكأنك ما غلبته، وإن شئت قلت: كل من جاودته فْقته، وكل من حاربته غلبيته، حتى كأنك إنما اخترت من المُجاوين والمحاربين من وثقت بظهورط عليه؛ ولم يكُ ذلك قصدك، اذ لو كان ذلك لم يك محموداً منك، لانك لم تَشْجُع إلا على من علمت أنه دونك ولا جاريت في الندى إلا من علمت أنك فوقه. هذا كله لا يُمدح به. ولكنك إنما كنت الظاهر على المجاودين المحاربين، بفضيلتك النفسانية، ومزيتك الطبيعية إلا أنك اخترت من هو دونك. وقوله: )من لم تقاوم( كقوله: ولا قاتلت من بانت شجاعته عليك، فهذا اللفظ المسلوب في المعنى لفظ آخر مُثبت وإنما ذكرت لك هذا لتثبت قدمك في تبينُّه.
    وله ايضا:
    )غَدَا الناسُ مِثْلَيهِم به لاعدمْتُهْ ... وأصبح دهرى في ذَاِرهُ دهُورا(
    أي فيه من الفضائل مافي كل الفضلاء. فقد صار الناس به ناسين. ولا يعني بالناس جميع نوع الإنسان، لأن في جماع النوع رفيعاً ووضيعلً، وإنما عنى بالناس الفضلاء من الناس، ولولا ذلك لم يقتض مدحاً، كقول أبى نواس:
    لَيْس على الله بُمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد
    لم يرد العالم كله، إنما عنى رُفعاءهم وخيارهم.
    )وأصبح دهرى في ذراه دهورا(
    يقول: جنيت من لذيذ تمر العيش في دهرى عنده، ماجناه أهلُ كل دهر من حُلو تمر دهرهم، فصار دهرى بذلك دهوراً.
    وله ايضا:
    )وَكَمْ من عَاثبٍ قولاً صحيحاً ... وآفَتُه من الفهمِ السقيم(
    قد يكون القول صحيحاً في ذاته، ولا تلوح صحته إلى الجاهل به، فيعيبُه، لانه يظنه على خلاف ما هو به. من كلام الحكماء: )من علم أنس، ومن جهل استوحش(. وقال تعالى: )بَلْ كَذَّبُوا بما لَمْ يحيطوا بِعِلْمِه وَلماَّ يَأتِهِمْ تَأوِيلُه(: أي لو فهموه لعلموه، فآمنوا به. ويشبه هذا البيت قوله هو:
    ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مرِيضٍ ... يَجِدْ مُرًّا به الماء الزُّلالا
    وله ايضا:
    )كَفِرنْدى فرندُ سَيْفِي الجُراز ... لَذَّةُ العين عُهدةٌ للبراز(
    الفرند: ماء السيف، فارسي معرب. إنما هو ما بين الباء والفاء. والعرب تعرب مثل هذا بالفاء المضة، والباء المحضة. هذا قول سيبويه في باب اضطراد الإبدال في الفارسية.
    الجُراز: الماضي النافذ. وإنما شبه فرنده بفرند السيف، لأن فرند السيف، دليل على مضاء حده. وعنى بفرند نفسه هنا شحوبه، وتغير لونه من الأسفار والتعب، فجعله فرنداً، لانه دليل على مضاء عزمه، كما أن فرند السيف دليل على مضاء حده.
    ففي ذلك شبه فرنده بفرند السيف، وإن لم يكن شُحوبه في الحقيقة فرنداً، بل هو خلاف الفرند، فإنما سماه به، لانه محمود منه، كما أن ذلك محمود من السيف. ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم )لَخلُوفُ فم الصَّائم أحَبُّ إلى اللهِ من المِسْكِ( وليس الخُلوف بطيب، ولكن لدلالته على ما يحبه الله عز وجل من الصيام.
    وأما ابن جنى فقال: عنى أن جوهر سيفي كجوهرى. فإن كان عنى بالجوهر الفرند، فخطأ، لأن الفرند إنما هو صفاء السيف بما يحدُث من الصقال، فهو لذا عَرَض.
    وإن كان عنى بالجوهر سنخ هذا السيف، أي أن سنخى في نوع الانسان كسنخ سيفي هذلا في نوع الحديد، فصفاء فهمي من جهة شرف جوهري، كما أن صفاء هذا السيف من جملة شرف جوهره، فهو حسن.
    ويقوى ذلك أنه قد استطرد في أبيات السيف من هذا الشعر، تشبيهه نفسه به، وجعله نفسه في نوعه، كسيفه في نوعه. ثم أخبر عن نفسه فقال: هو لذةُ العين، أي أنظر إليه فأستملحُه، وهو أيضا عُدةٌ للقتال.
    )ودقيقٌ قَدى الهباء أنيقٌ ... مُتَوالٍ في مُستوٍ هَزْهَازِ(
    أي وفيه فرند دقيق، قدر الهباء في شكله وتضاؤله. متوالٍ: متتابع في مستوٍ، أي في متن مُستوٍ. فأقام الصفة مقام الموصوف، وقواها بهزها، فحسن ذلك.
    )يا مُزيل الظلام عنى وروضى ... يوم شُربي ومعقلي في البراز(
    البرازُ:الصحراء. يقول لسيفه: إذا اسودت الدنيا على بنزول الملمات، كشفتها عنى وفرجتها. وقد يعنى به أنه يزيل الظلام عنه بمائه وضيائه )وروضى يوم شُربى(: شبهة بالروض في خُضرته، وجعله روضة يوم شربه، على ما تجرى به عادة الشجاع من تلقفه سيفه وتنزيهه طرفه فيه، متأملاً لحسنه وما هيه جوهره. وكان أذهب في الصنعة أن يقول: )وروضتي( لأن الروض جمع، وهو يخاطب واحداً، ولكن هذا واسع كثير. )ومعقلى في البراز(: أي أنى أمتنع بك إذا امتنع غير بحصن، لأن الشجاع إنما يلجأ إلى سلاحه لا إلى معقل، كقوله هو:
    )جواشنُها الأسنةُ والسيوف(
    وكقوله:
    )فلا أحارب مدفوعاً إلى جُدُر(
    وإن شئت قلت: إذا كنتُ في الصحراء فلم أجد معقلاً، فأنت أيها السيف هناك مَعْقِلى.
    )إن بَرقى إذا بَرَقْتَ فعإلى ... وصليلي إذا صَلَلْتَ الرتجازي(
    يذهب بذلك إلى التقريب بين نفسه وسيفه، لما أن مثل نفسه به في جوهره أراد أن يكمل تشبييهها به في أعراضه، فيقول: ايها السيف، لا تظني مُقصراً عنك، بأن لالَمْعَ لي كَلمْعِك، ولا صليلي ني كصليلك، فإنك إن قدرت ذلك، فأنت مخطى، لأن ما يُوازي لمعك وصليلك منى، أشرف من لَمْعك وصليلك. أنا أفعل بك يوم الروع ما يكسو جبيني وسائر وجهي ضياء، استبشارً به وفرحاً. فذلك البشر هو برقى المُوازي لبرقك، وأرتجز بشعري إذا صُلت فيقوم ذلك مقام الصليل لك فإذن لايُقصر حإلى عن حالك.
    )وَلقَطْعِى بك الحديدَ عَلَيهْا ... فكلانا لجِنِسه اليوم غاز(
    وهذا أيضا زيادة في تقريبه بين نفسه وسيفه. يقول: أنا أقتل أقراني وهم جنسي، وأننت تقطع عليهم الدروع والمغافر والترك، وكل ذلك جنسك، فقد حكيت فعلك في نوعك، بفعلي في نوعي. أنا انسان أقتل إنساناً، وأنت حديد تقطع حديدا. وهذا من أبدع الصنعة، مثل نفسه بذاته، في سيفه بذاته، ثم عرضهُ المتصل به الذي لا يتعداه، كالبرق والصليل، ثم في عرضه الذي يُوقعه بغيره، عن حركة واستعمال، وهو قطعُهُ الحديد، فقدم ما هو من الذات لا يتعداها، وأخر ما يتعدى الذات. فتفهمه فإنه غريب.
    )كَيْف لايَشتكى وكيف تَشكَّوْا ... وبهِ لا بِمَنْ شَكَاها المرَازِى(
    أي كيف لا يشتكى هذا الممدوح وهو الذي يتحمل المغارم، ويتكلف المُؤن بذاته، وماله فيه المرازي. وكيف تشكاها هؤلاء وقد احتملها هو عنهم فالعجب من شكواهم ولا زُرء بهم، ومن يحتمل الرزية عنهم لا يشتكى. فتقدير القضية: وبه المرازي لا بمن شكاها.
    والمرازي: جمع مرزأة، وكان حكمه المرازي، فأبدل إبدالاً صحيحا قياسيا، لانه لا يوصل بالهمزة المخففة إلا هكذا، أعنى أن نبذل ابدالاً محضاً، حتى تلحق بحروف العلة، ولذلك استشهد سيبويه على أن الهمزة تبدل إبدالاً صحيحاً في حال الاضطرار، كبيت عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
    وكنت أذل من وتدٍ بقاعٍ ... يُشججُ رأسه بالفهرِ واجبى
    اعتقد البدل في واج صحيحاً، لأن القطعة جيمية، فالوصل ياء محضة.
    وهذا الاستشهاد من دقائق سيبويه، ولطائفه التي بز فيها الممارى، وسبقَ المُجارى.
    وله ايضا:
    )فَمَتَى أقُومُ بِشُكْرِ ما أوْلَيْتَنى ... والقوْلُ فيكَ عُلُوُّ قَدْرَ القائِلِ(
    أي أن مدحك يُسرف مادحك، فكما شكرتك على نوالك بالشعر، رفع شعري فيك من قدري، فاقتضاني الشكرُ على ذلك شُكراً آخر، إلى غير نهاية. )فمتى أقوم بشكرك( يُوئسُ نفسه من القيام بشكره، ويجعله داخرً في الامتناع.
    فهذا استفهام فيه معنى النفي، أي لا أقوم بشكر ذلك أبداً.
    وله ايضا:
    )كأن على الجَوانِبِ منه ناراً ... وأيدي القَوْمِ أجْنحةُ الفَرَاشِ(
    أي على جوانب هذا السيف نار. شبه لمعه إذا هُز بلسان النار، وشبه أيدي القوم في تطايرها حوالي ناره بالفراش المتهافت في النار. وقال: أجنحة الفراش. لأن طيرانها إنما يكون بالأجنحة. وقد كان يعنى من ذلك الكلام، وأيدي القوم فراش. ولكن بقوله: )أجنحة الفراش( ولا معنى لرواية من روى )كأن على الجماجم( لقوله: )وأيدي القوم( وإنما كان يسوغ لو قال: وهن أجنحة الفراش يهنى الجماجم. فأما كون السيوف على الجماجم كالنار وتطاير الأيدي مع ذلك، فتشبيه.
    )يُدَمِّى بَعضُ أيدي الخيلِ بعضاً ... وما بِعُجايةٍ أثرُ ارتهاش(
    العُجاية: عُصيبة فوق الحافر. والارتهاش: أن تضطرب يد الفرس، فتنعقر ذراعاه، لأن ذلك الاضطراب يحدث عنه احتكاك. فيقول: إنما دميت أيدي هذه الخيل بعجلة الهزيمة والازدحام في الهرب، لارتهاش كان أصابها. ولو وصفها بالارتهاش، كان ذلك عيباً لها، ولم يقتض مدحاً.
    )لَقُوه حَاسِراً في دِرْع ضرب ... دَقِيقِ النسج مُلتَهب الحواشي(
    أقام الضرب في تحصينه له، مُقام درعٍ دقيقة النسج. ووصفها بالتهاب الحواشي، ذهاباً إلى حدة ضربه.
    )مِنَ المُتَمِّردَاتِ يُذَبُّ عنها ... برُمحى كُلُّ طَائره الرَّشَاشِ(
    أي قوسى هذه متمردة كالشيطان المريد، أذُب عنها بالطعن المُرش.
    ولو قال: يذُب عنها رمحى بكل طائره الرشاش، لكان أليق؛ لأن الرمح فاعل لطعنته. والطعنة منفعلة له. فكأنه عكس إدلالاً واتساعاً.
    )عَليكَ إذا هُزِلت مع الليالي ... وحَوْلك حين تَسْمَنُ في هِراشِ(
    الهُزال هنا: مثل لإدبار الدُول، والسمن: مثل لإقبالها. يقول: إذا ساعدك الزمان بالإقبال عليك تهارشُوا في طلب المنفعة حواليك.
    وذكر الهراش تخسيساً لهم، لانه من فعل الكلاب. فإذا ألمت بك نوائبه فهم عليك أعوانه. والعرب تكنى بعلى على خلاف ما تكنى معه بمع. فمع واللام: للموالاة. وعلى: للخذلان والمعاداة. قال تعالى: )لها ما كَسَبتْ وعليها ما اكْتَسَبَتْ( ومعنى هذا البيت متداول كثير. ومنه قول بعض المُحدثين:
    وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا
    وتقدير البيت: عليك مع الليالي إذا هزلت، وحولك في هراش إذا سمنت أي أنهم هم كذلك.
    وله ايضا:
    )خَلاَ وَفيهِ اهلٌ وأوْحَشَناَ ... وَفيِه صِرمُ مُروحٌ إبله(
    الصرم: الجماعة من الناس، أي إنه خال عندي وإن كان فيه أهل، لأنهم غير أحبائي الين عهدت بها، وهو موحش وإن كان فيه صرم من الناس، لعدم أولئك الأحباء.ويقويه بعد هذا:
    )لو خُلِط المِسكُ والعبيرُ بها ... ولستَ فيها لَخِلُتها تفله(
    وإنما تحسن الأمكنه في عيون المحبين باحتيازها المحبوبين. وقوله: )وفيه أهل(: جملة في موضع الحال. وكذلك قوله: )وفيه صرم( جملة في موضع الحال ايضا، فاذا رددتها إلى الإفراد. فكأنه قال: خلا عامراً، وأوحشنا آهلاُ.
    )يَنْصُرها الغَيثُ وهيَ ظامِئةٌ ... إلى سِواهُ وسُحْبُها هطله(
    ينصرها: يُسقيها. قال:
    من كان أخْطَاهُ الربيعُ فإنما ... نُصِرَ الحجازُ بغَيثِ عبد الواحِدِ
    وإنما قيل في المكان المسقى:نصره الغيث لأن المكان في غالب الأمر إنما يهُجر لجدبه. فذلك الخجر خذل له. فاذا سُقي أعشب وأخصب فاستدعى من رحل عنه، فكأنه نُصر بالمعاودة، كما خُذل بالترك، ولذلك دعُى للدار بالسُّقيا، لتخصب فيعاودها من حل بها، فيعود عامراً ما كان منها غامرا.
    ويقول: الدار ظامئة إلى من رحل عنها، إلا إلى الغيث الي ينصُرها ها وسحبها هطلة، ليكون لك أبلغ في استغراب الظمأ. وما أشبه ها بقوله:
    إذا أردت كُميت اللون صافيةً ... وجدتُها وحبيبُ النفسِ مفقودُ
    قوله: )وهي ظامئة(: جملة في موضع الحال. وكذلك )وسحبها هطلة( والسحب: جمع سحاب لا جمع سحابة لأن )فَعَالة( لاتكسر على فُعُل. إنما سجمع سحابة: سحائب.
    )واحرباَ منك يا جِدَايَتهَا ... مُقيمة فاعلمي ومُر تحلهْ(
    الجداية: الظبية. أي: واحربا منك ياظبية هذه الدار. أقمت أو منُعتِ منى وقُصرت عنى. فُمقامك وارتحالك سواء، كلاهما عائد علي بالحرب، وهو الهُلك. ومثله قول الآخر:
    )والقريب الممنوعُ منك بعيدُ(

    وقوله؛ )منكِ(: أي حُبك ومن أجلك واستعمل )وَا( هنا دون )يا(. لانه أشهر أعلام التفجُّع والنُّدبة.
    )وَبيضُ غِلمانِه كَنَائِلهِ ... أولُ مَحْمُولِ سَيْبِه الحَمَلَهْ(
    جعلهم محمولين لأنهم إذا حملوا إلى المعطين البدر والثياب كانوا في جملة الهبات فكأنهم حملوا أنفسهم مع حملهم الهبات. وقوله: )أول محمول سيبه( قدمهم في السيب لأنهم أشرف أنواعه. وقال: )بيض غلمانه( يعني: الصقلب والروم لأنهم أثمن من الزنج والنوب وأحسن في الأعين وهذا البيت كقوله:
    كأن عطياتِ الحُسين عساكرٌ ... ففيها العبدى والمُطَهَّمة الجردُ
    )وراكب الهّوْلِ يُفتره ... لو كان للِهولِ مَجزِمٌ هزله(
    أي إنه يركب الهول دائما، لا يُفتره ولا يُريحه، فلو تجسم الهول، فكان مركوباً يُشد عليه الحزام، لهزل ذلك المحزم، بدوام الركوب وملازمته، وخص المحزم دون طوائف الجسم، لانه موضع الركوب والهمْز.
    )قد هَذَّبَتْ فَهمَه الفَقَاهَةُ لي ... وهَذَّبت شعِرِي الفصاحةُ له(
    والفقاهة: الفهم. تقول العرب: ماله فقاهة ولا فصاحة.
    يقول: فقاهته في الشعر قد هذبت فهمه لي، باستحتانه ما أنقح من شعري فيه، حتى مايستحسن غيره من الشعر المتعسف المخْشُوبِ. وهذبت فصاحته شعري له، أي لما علمت إنه فصيح، نقيت ألفاظ شعري واستجدتها، فكانت فصاحته هي التي هذبت شعري.
    )فَأكبروا فِعلهُ وأصغرهُ ... أكبرُ من فِعْلهِ الذي فعله(
    أي أعظموا فعل أبى العشائر، وأصغره هٌوَ، أي استصغره، لانه صغير بالإضافة إليه، كما هو عظيم بالإضافة إليهم. ثم قطع فقال: )أكبر من فعله الذي فعله(: أي الفاعل أكبر من الفعل المنفصل عنه.
    )فصرتُ كالسيفِ حامداً يَدَهُ ... ما يَحْمَدُ السَّيفُ كلَّ مَنْ حَمَلَهْ(
    أي أجاه الفهم عنى، كما أجاد الضرب بالسيف، فأنا كسيفه في أنى أحمد فهمه، كما يحمد السيف يده. إلا أن السيف يحمد منه جُسمانياُ وهو يمده وأنا احمد منه نفسانياً وهو فهمهُ.
    )ما يحمد السيف كل من حمله(: أي ليس كل حامل له يجيد الضرب به، فيكون حامداً لكل من حمله. وكذلك أنا، ليس كل أحد يفهم شعري، فأحمدهم كما حمدت هذا الممدوح.
    وله ايضا:
    )أعيدُوا صَبَاحيِ فَهْوَ عِنْدَ الكَواعبِ ... ورُدُّوا رُقادى فهو لَحْظُ الحَبَائِبِ(
    إن شئت قلت: طال على الليل فلا صباح، وأسهرني الحزن فلا رُقاد، وكل ذلك بمغيب من أحببت. فيقول: أعيدوا الكواعب الي، فإذا كان ذلك قصُر ليلي، وجاء الصباح. وردوا الحبائب إلي، رُقادى عندهن، فإذا عُن عاودني نومي.
    وإن شئت قلت: غاب عنه الصباح بمغيب الكواعب، لأن الدنيا تظلم على المحزون، فاذا أراد أن يُرد ذلك عليه، استدعى أن يُرد إليه الرُقاد. لانه قد كان يرى الخيال فيه وفي الخيال أنس فلما عدم الرقاد، عدم الخيال الذي كان يأنس به.
    وقوله: )فهو لحظ الحبائب( أي أن سبب رُقادي نظري إليهن، فاذا لم ألحظهن سهرتُ غرضاُ إليهن.
    )أرَاكِ ظَننتِ السِّلْكَ جسمِي فَعُقْتِه ... عليك بِدُرً عن لِقاء الترائِبِ(
    السلك: الخيط. يقول:عهدت جسمي ناحلاً؛ فلما رأيت السلك حسبته إياه؛ ومن عادتك البخلُ بالعناق. فَحَجَزْتِ بين السلك وبين ترائبك بنظام الدُّر عليه، جرياً على ما اعتدته من البخل.
    وقوله: )عليك(: ظرف في موضع الحال.
    )إليك فإنى لستُ ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب(
    ضرُّ العقرب، أسهل من ضر الأفاعي، فهو يزجُر عاذلته على اقتحام المهالك، والاهجام على صعاب المالك، فيقول لها: إليك؛ فإنى لا أصبرُ على الصغير من الأذى، فرقاً من العظيم؛ وإن كان أيسر من الموت؛ كما أن سم العقارب أخفٌّ من سم الأفاعى؛ وأبلغ من هذا قولهُ:
    إن المنية عند الذلِّ قنديدُ
    )أتانى وعيدُ الأدعياء وأنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقب(
    )كفر عاقب(: موضع بالشام، وأرصد له فيه قوم يريدون إهلاكه. )والأدعياء(: ناس ادعوا إلى على عليه السلام.
    عبدالله عمر

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    )ولو صدقُوا في جدهم لحذرتُهم ... فهل في وحدى قولهم غير كاذبِ(
    أي لو صدقوا هؤلاء الأدعيان المُوعدُون لي، في ادعائهم قُربي على عبسه السلام، لحذرتهم لشرفهم، ولكنهم يكذبون في ذلك، فهل في وحدي يكون قولهم صادقاً، كما يكونون في نسيهم، كذلك يكونون في توعُّدهم إياي.
    )بأيِّ بلادٍ لم أجُر ذوائبي ... وأيُ مكانٍ لم تَطأهُ ركائِبيِ(
    أما جرُّه ذوائبه: فكناية عن الغزل والتغني، كقول الآخر:
    أيام أسحبُ لمتى عفر الملا ... وأغُضُ كل مُرجلٍ ريان
    وأما وطء ركائبه المكان، فكناية عن الغزو، يقول: كل مكان قد شاهدت إما طالب غزلٍ أو غازى أملٍ.
    )كأن رحيلي كان من كف طاهرٍ ... فاثبت كُوري في ظهُور المواهب(
    أي أن مواهب هذا الممدوح مُشَرقة ومُغربة. فكأن رحيلي كان من كفه، وهي مكانُ العطايا، فأثبت كُوري في ظهور مواهبه فهي تُشرق بي وتغرب. ووجه اتصال هذا البيت بالذي قبله، أي لم أدع موضعاً إلا أتيته، كما أن مواهب طاهر لم تدع موضعاً إلا أتته. وإنما صح لي ذلك بإثباته رحلي على ظهور مواهبه السيارة.
    وجعل للمواهب ظهوراً، لذكره الكُور الذي موضعه الظهر. وهذا مجاز. إذ لا ظهر لمواهبه ولا بطن.
    )فَلم يبق خَلقٌ لم يرِدن فِناءَهُ ... وَهُن له شِرْب وُرُودَ المشارب(
    يُحقق تشريق مواهبه وتغريبُها، وأخذها من الدنيا في كل أفق وقُطر.
    فيقول: لم يبق خلق إلا وقد وردت هبات طاهر فناءه؛ إما قادماُ بها من لُدنه، وإما محمولة اليه. والخلق هنا: بمعنى المخلوق، إذ لا معنى للمصدر في هذا الموضع.
    )وهُن له شِرب وُرُود المشارب(: أي وهي وإن كانت مشارب للآملين، فإنها تطلب الآملين الزُّوار؛ مع طلبهم إياها طلب العطاش لمشارب. وقوله: )وهُنَّ له شِربُ(: يتعجب من أنها لهم شرب، وهي تطابهم طلب الظمآن للماء. وهذا نحو قول أبى تمام:
    فأضحت عطاياهُ نوازع شُرداً ... يُسائلن في الآفاقِ عن كل سائِل
    لا أن بيت أبى الطيب أغرب. وتلخيصه: فلم يبق خلق لم يردن فناءه وُرُود المشارب، على أنهن شرب لذلك الخلق.
    )فقد غَيَّبَ الشُّهادَ عن كل موطنٍ ... وردَّ إلى أوطانه كل غائبٍ(
    أي دعا صيتهُ في السا الناس حتى غابُوا عن أوطانهم، مسافرين إليه. ثم أغنى هؤلاء السفر؛ فردهم إلى أوطانهم، وكفاهم عن السفر إلى غيره، بما أفادهم إياه. قال بعض النُّفاد: وهذا كقول أبى نُواس:
    واذا المطى بنا بلغن محمداً ... فظهورُهن على الرجال حرامُ
    وليس عندي مثله، لأن المتنبي قال: أغنى هذا الممدوح قُصاده، وردهم إلى أوطانهم، فكفاُهم السفر. وأبو نواس قال: إذا بلغتِ المطىُّ بنا هذا الأمير، حرمنا ظهورها على الرحال؛ أي لم نركبها أبداً؛ ولا امتهناها، جزاء لها على تبليغها إيانا أملنا من لقائه. ولم يذكُر عطاء؛ ولا كفاية سفر، ألا تراه يقول بعد هذا؛ مُبينا لعلة تحريم ظهورها على الرجال:
    قَرَّبْننا من خير من وطئ الحَصَى ... فَلَها علينا حُرمة وذمامُ
    )أناسٌ إذا لاقواعدى فكأنما ... سلاحُ الذي لا قوا غُبارُ السلاهبِ(
    السلاهب: الطوال من الخيل وغيرها. وإن شئت قلت: سلاح أعادبهم بمنزلة غبار الخيل في أنه لا يعبأ به. وخص السلاهب، لأن الطوال أخفُّ، فغبارها أخف.
    وإن شئت قلت: إن سلاح من لقيهم إنما هو إثارة الغبار بالهرب والانهزام، وجعل ذلك سلاحهم، لانه هو الذي يقيه كما يقى السلاح غيرهم، أي ذلك الذي يقوم لهم مقام السلاح.
    وإن شئت قلت: كان السلاح هنا الدروع والجُفن أي هي عليهم أوهى نسجاً من الغُبار تحرقها الرماح، كقوله في صفة الرماح:
    قواضٍ قواض نسج داود عندها ... إذا وَقَعَتْ فيه كَنَسجٍ الخدرنق
    الخدرنق: العنكبوت؛ شبه الدروع في خرق الرماح لها، وسهولة ذلك منها عليها، ببيت العنكبوت.
    )رموا بنواصيها القسى فجئتها ... دوامى الهوادى سالمات الجوانب(
    أي رموا نواصي هذه الخيل بالقسى، فعكس، )ومثله كثير(؛ فجاءت دوامى الهوادى، وهي الأعناق والمقَاوم، لأقدامها. وسلمت جوانبها، لأنها لم تستعرض ولم تستدبر. وكنى بالجوانب هنا عن الأعجاز والأعطاف جميعاً، وهم يصفون المُقدم بأن جُرحه في أمام جسمهن والمُدبر بخلافه، كقول القُطامى:
    ليست تجرحُ فُراراً ظهورهُم ... وفي النحور كُلوم ذات أبلادِ
    وقوله: )دوامى الهوادى(: اراد دَوَامى، فسكن اضظراراً.
    )يَقولوُن تأثير الكواب في الورى ... فما بالهُ تأثيره في الكواكب(
    أثر فيها باعتلائه عليها. يقول: أثر هو في الكواكب؛ وهو من الورى فكيف زعموا أن الكواكب تؤثر في الورى. يذهب إلى تكذيب المنجمين، فيقع فيما هو أوحش وأفحش من قولهم، وهو قوله: إن هذا الممدوح أثر في النجوم بفضله عليها. وهذا نحو قوله:
    فتباًّ لدِينِ عَبيدِ النُجُوِم ... وَمَنْ يَدَّعِي أنها تَفْعَلُ
    وقَد عَرفتكَ فما بالُها ... تَراكَ تراها ولا تَنزِلُ
    )يرى أن ماما بان منك لضاربٍ ... بأقْتَلَ مما بان مِنْك لعائِبِ
    أي يرى أنه ليس الذي بان منك لضارب، بأقتل مما بان منك لعائب. أي العيب أقتلُ من الضرب. ففي )أن( مُضمر على شريط التفسير، وما الأولى نفي، والثانية بمعنى الذي والجملة بكليتها تفسير المضمر على شريط التفسير.
    )حَملتُ اليه من لِساني حديقةً ... سَقَاهاَ الحجا سقْي الرياض السَّحائبِ(
    الحديقة: الروضة. شبه القصيدة بها في حسنها، إلا أن الذي قام لها مقام السحاب للحديقة، إنما هو هقلي، بأنه سقاها بفكره وبأمله، سقى السحابِ الرياض، كقول أبى تمام في صفة الشعر:
    ولكنه صوبُ العُقُول إذا ابجلتْ ... سحائبُ منه أعقبتْ بسحائبِ
    وأراد سقي السحاب الرياض فصل بين المضافين اضطراراً.
    وله ايضا:
    )كتمتُ حبك حتى عنك تكرمةً ... ثم استوى فيك إسرارى وإعلانى(
    أي كَتَمتُ حبي عن الأنام، حتى عنك وإنما كان كتمانه تكرمة لك، ثم غلبني ذلك فاستوى سري وجهري أي أظهرت منه مثل ما كنت أخفي.
    )كَأنه زَادَ حَتى فَاض عَن جسدِي ... فَصَارَ سُقمى به جسمِ كتمانى(
    أي كأن الحب زاد حتى سَقِمتُ، فغاض بعض سُقمى إلى جسم كتمانى، فمرض الكتمان، وبطل، فظهر الحب. وهذا اعتذار منه إلى محبوبه في إعلانه بحبه. أي إنما كان ذلك لهذا. واستعار للكتمان جسماً، وان كان عرضاً، لانه ذكر السُّقم، والسُّقم عرض، والعض لابد له من محل.
    وان شئت قلت: الهاء في كأنه راجعة إلى الكتمان. وإن لم يجر له ذكر كقوله: من كذب كان شرا، أي كان الكذب شرا له. حكاه سيبويه. ومثله كثير في التنزيل وغيره. فيكون المعنى على هذا، كأن الكتمان فاض عن جسدي فتغشى الجسم؛ واستتر العرض في أغلب الأمر. ولما قال إن الكتمان مشتمل على الجسم كاشتمال الثوب، استجاز أن يجعل الكتمان جسماً مؤلفا، وقد خفي جسمه وظهر ما فاض عليه من الكتمان، فكأن السُّقم في جسم الكتمان.
    وله ايضا: )ولقد علمنا أننا في طاعة الفراق والانقياد له، لتيقننا الموت، الذي هو أشد أنواع الفاق، لانه اضطراري الوجود، وغيره من أنواع الفراق ممكنٌ لا واجب، وكأنه قال: نحن متيقنون لوقوعه، لعلمنا أننا نموت. وذكر الطاعة، لأن الامتناع من الموت ممتنع.
    ومن ظريف هذا البيت: أيجابه إطاعة الجنس، وجعله علة ذلك إطاعة النوع الضروري، لأن النوع قابل لاسم الجنس. وهذا منه تفلسف منطقي بديع.
    وله ايضا:
    )أعلى قناة الحُسين أوسطُها ... فيه وأعْلَى الكمى رِجْلاهُ(
    )فيه(: أي في المأزق. ومعناه: أنه لما طعن بها الفارس تحنَّت، وتقوست أحد طرفيها في المطعن والآخر في يد الطاعن، فيعتمد عليه، فصار أوسطها أعلى أنبوب فيها. )وأعلى الكمى رجلاه( أي يطعُن الفارس فيخر مكبواًّ: أعلاه رجلاهُ وأسفله رأسه.
    )تُنشدُ أثوابا مدائحه ... بألسن مالهن أفواهُ(
    أي تدل من رآها أنا قد مدحناه، فأخذنا مدحه، فتخبر عن جودة المدح بجودتها، اذ لا يكافئ الممدوحُ الناقد بالجيد إلا على الجيد.
    وقيل: عنى أنها جُدد، فهي تُقعقُع. وهذا لا يلتف اليه.
    )إذا مَرَرنْا على الأصم بها ... أغْنَتْه عن مِسْمَعَيْهِ عَيناهُ(
    )بها(: أي بالحُلل. ويقول: إذا رأى الأصمُ علينا هذه الحلل التي كساناها ابو العشائر، علم أننا داعون له من أجلها، وشاكرون عليها، لما يُرى من بهائها وسنائها وإن لم يسمع شكرنا إياه، ولا دعاؤنا له. فعيانه موثوفٌ به، بل هو أشد إعراباً عن ذلك من اللسان. لأن اللسان ربما حذف إما اختصاراًوإما لُكنة. ونحو هذا البيت قوله هو:
    خلفت فاتُك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
    ونظير البيت الاول قول الأسود، وهو نُصيب:
    فعاجُوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتُوا أثنت عليك الحقائبُ
    وقال قوم لم يكنك يا أبا العشائر، فقال:
    )قالُوا ألم تكنه فقُلْتُ لهُم ... ذلك عى إذا وَصَفْنَاه(
    قالوا )ألم تكنه(: يُخرج ظاهره على أنه كناه، لأنك إذا قلت مُنكراً: الم تقم؟ فمعناه: قد فعلت القيام. وإذا قلت أقُمْت، لم يكن فيه غثبات إنه قام، وإنما هو إنكار امر القيام. والمتنبي لم يُكن أبا العشائر في القطعة التي قبل هذه. وإنما قال له هؤلاء المطالبون المتتبعون لزلله: )ألم تَكْنه(؟ وهم مستفهمون لا منكرون، فلم يشعر هو لمكرهم، فاعترف لهم، فقال: لا. ثم أعلم ما حاوله هؤلاء الحاسدُون منه، فقال ها الشعر معتذراً وحكى كا واجهُوه من لفظ الاستفهام.
    )لايتوقى أبُو العَشَائرِ من ... لَبْسِ معاني الورى بمعناهُ(
    أي إن صفاته مُغنية عن تسميته وتكنيته، لانه منفرد يها لا يُشرك )فيها( اذ هي صفات لا يُحلى بها غيره. فصارت كالاسم، بل هي أشد اختصاصاً به من الاسم والكنية،، لأن حُسناً وأبا العشائر كثير. والصفاتُ التي لأبى العشائر ها، لا تلحق إلا إياه. فصارت لاته كالحد للنوع المحدود. وللك سمي تكنيته مع وصفه إياه عيا.
    وله ايضا:
    )كيف ترثى التي ترى كُل جفنٍ ... راءها غير جفنها غير راقي(
    أي لا يسعها الرثاء للباكين، لانه يبكي من هجرها واحد، بل كل واحد وإنما كانت ترثى لو انفرد باك بالبكاء، فأما جميع الباكين من هجرها فلا يسعهم رثايتها لهم. وإن شئت قلت: إن كل جفن رآها بكى من هجرها إلا جفنها وحدها، فانه لا يبكى، لأنها لا تهجره. ويُقوى ذلك بعد هذا:
    )أنتِ مِنا فتنت نفسك لكن ... كِ عُوفيتِ من ضنى واشتياق(
    فهي لا ترثى لذلك من غيرها؛ لأنها مُعفاة منه. وتقدير البيت: كيف ترثى التي ترى كل جفن رآها غير راقٍ إلا جفنها )فغير جفنها( استثناء )وغير راق( حال. وإذا رددت غير راق إلى الاسم المحصل فكأنك قلت: كيف ترثى التي ترى كل جفن رآها باكياً، لأن )غير راق( معناه:باك كما أنك إذا قلت: زيد غير عالم. فغير عالم كقولك: جاهل واراد: راقئا، فأبدل إبدالاً صحيحاً، للوصل.
    )لو عَدَا عَنْك غَيْرَ هَجْرِك بُعد ... لأرَار الرسيمُ مُخ المناقى(
    عدا: صرف وارارِ: ذاد. والرسيم: ضرب من السير. والمناقى: الإبل السمان. أي لو كان المانعُ عنك بعداً لا هجراً، لسرنا دأباً حتى تُهزل إبلنا، فيذوب مُخها، فاكتفى بذكر المسُبب عن ذكر السبب. ومثله قوله:
    أبعدُ نأى المليحة البخلُ ... في البُعد مالا تكلفُ الإبلُ
    )وَلَسِرْنا وَلَوْ وَصَلْنَا عَلَيْها ... مِثْلَ أنفَاسِنَا عَلَى الأرْمَقِ(
    الأرماق: البقايا. أي سرنا إليك على هذه الإبل التي كانت تعود أرماقا ونحن كالأنفاس عليها خفة، لما لحقنا من النحول: كقوله: برتنى السُّرى برى المُدى فرددننيِ أخف على المركُوب من نفسي جرني )فمثل أنفاسنا(: حال من الضمير الذي في وصلنا )وعلى الأرماق( ظرف متعلق بأنفاسنا. وإن شئت قلت: ولو وصلنا على هذه الإبل فقد استكرهت حملنا فضعقت عنه لما لحقها من المشقة، كما استكرت أرماقنا حمل أنفاسنا لذلك.
    )كاثرت نائل الأمير ممن الما ... لِ بما نوَّلت من الإيراق(
    الإيراق: التجنيب والمنع. يقول: كاثرت عطاء الأمير بمنعها. يصفها بكثرة ذلك منها. فكأنه قال: عارضت جُودهُ ببخلها، ليكون أبعث على حبها كقول العرب: )تمنعى أشهى لك(. وقد يكون أنه وصفها بالعفة، كما وصف الأمير بالكرم؛ أي أن عفتها في نوع العفة، ككرم الأمير في نو الكرم.
    )يابني الحارث بن لقمان لاتَع ... دمكُمُ في الوغى متون العتان(
    في الوغى اختصاص حسن. يصفهم بالشجاعة إذ لا يُدمنُون ركوب الخيل أبدا لإراضتها وسياستها.
    )طاعنُ الطعنة التي تطعنُ الفي ... لقَ بالذُعر والدم المهراق(
    الفيلق: الكتيبةُ. والذعر: الفزع. أي أنها طعنة تملأ صدور الكتيبة كلها ذُعراً، وإن لم تكن تقع الطعنةُ إلا بواحد. فكأنه بذلك قد طعن الفيلق كله، فيفرُّون.
    )همُّهُ في ذوى الأسنة لا في ... ها وأطرافُها له كالنطاقِ(
    أي حفت به الأسنة، حتى صارت له كالنطاق، فهمهُ حينئذ في قتل ذوي الأسنة؛ لهوانها عليه، وحقارتها لديه.
    وقوله: )وأطرافها كالنطاق(: جملة في موضع الحال، يستغرب ذلك وهذه حال. وشبههه بعض النقاد بقول أبى تمام:
    إن الأسود أسود الغاب همتُها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلبِ
    وليس مثله، لأن أبا تمام نفي عن الممدوح حُب سلب وأبو الطيب ذكر أن أبا العشائر لا يعبأ بالأسنة المحدقه به لشجاعته، ولم يذكر حُب سلب ولا ضده، وقال: )وأطرافها( ولم يقل )هي(، لأن الأسنة لم تخالط لحمه بعدُ، وإنما هي على ظاهر جسمه، فأطرافها هي المحدقة به لا جُملتها.
    )جاعلٍ درعه منيتهُ إن ... لم يكن دُونها من العارِ وَاقِ(
    أي يجعل درعه منيته التي تقيه العار، إذا لم يجد غير الموت واقياً. وكان أظهر من ذلك - لو اتزن له - أن يقول: جاعل منيته درعه.
    )والاسى قبل فُرقةِ الرُّوح عجزٌ ... والاسى لا يكُون بعد الفراق(
    يُسفه رأي من شح بنفسه وجبُن. فيقول: لامعنى للأسى قبل فرقة الروح، لانه في حد الوجود، فإذا حل به العدمُ وأزال الوجود فلا أسى هنالك؛ فمن الحُكم ألا يكون أسى. وقيل: الأسى لا يكون بعد الفراقن وإنما هو قبل الفُرقة، فعلى هذا يكون صدر البيت تسفيهاً لرأي المشفق على الذات، وعجزهُ اعتذار له.
    )ليس قولي في شمسِ فِعلك ... كالشمس ولكن ي الشمس كالإشراق(
    جعل لفعل شمساً: استعارة لحسن أفعاله وإنارتها. فيقول: ليس ثنائي عليك في نوع الثناء؛ مثل فعلك في نوع الفعل، ولكن فعلك شمس وثنائي إشراقها، أي أن ثنائي ينشُرها فعلا ويُبينه كما يُظهر الإشراقُ جوهر الشمس وكنى عن فعله بالشمس، وعن ثناثه بالإشراقُ، لأن الشمس أشرقُ من الإشراق؛ من حيث كانت جوهراً والإشراقُ عرضٌ فيها.
    وله ايضا:
    )ولو لم أخف غير أعدائه ... عليه لبشرتُه بالخُلُود(
    غير أعدائه: الحمام البيعي. فيقول: لو أخف عليه الموت إلا من قبل أعدائه لتيقنت أنه خالد؛ لقصور عداهُ عنه. وهو نحو قول جرير:
    زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يامربعُ
    إلا أن قول أبى الطيب أبلغ جريراً بشر مربعا بطول السلامة، ولم يفصح بالخلود. وأبو الطيب اراد أن يبشره بالخلود.
    وله ايضا:
    )قطعت ذياك الخُمار بسكرة ... وأدرتْ من خمر الفراق كُئوسا(
    الخُمار: أخف من السكر. فيقول: كنت أشكو هجرك مع القرب، فأتبعني بينك، وهو أشد من الهجر الذي كان مع دُنو الدار، وقرب المزار. وكثيراً ما يستعمل هذا النحو، أعنى أنه يستصغر العظائم، بإضافتها إلى ما هو أعظم منها، كقوله: وقد كنتُ قبل الموت أستعظم النوى فقد صارت الصُّغرى التي كانت العُظمى وكقوله:
    ولم يُسلها الا المنايا وإنما ... أجلُ من السُّقم الذي أذهب السُّقما
    )وَبه يُضَمن على البرية لاَبِهاَ ... وعليه منها لاَعَلِيْه يُوسى(
    أي يضن على البرية أن يُعد منها وإن كان من نوعها، لانه أشرف منها جوهراً وفعلا. فكأنه أنما يعُد في نوع آخر غير نوع الإنسان، ولا يُنفس بالبرية عليه، لأن خطره أنفس من خطرها، فتقديره: لابها عليه. )فحذف عليه( للعلم بها، وكذلك يُحزن عليه منها: أي يُحزن على أن يُعد منها، فُيبخس حقه، ولا يُحزن عليها من كونه معدوداً فيها بالنوعية، لأنها دونه في القدر والخطر.
    وإن شئت قلت: إنه إنما يُحزن عليه من بينهم إذا هلك، لا عليها إذا هلكت، لعجز غنائها عن غنائه.
    فمن على القول الاول للعلة أي من أجلها، وعلى القول الثاني بمعنى من بينها.
    وأراد: )يُءسى(؛ فأبدل إبدالاً صحيحاً للردف، في قول أبى الحسن وهو تخفيفٌ قياسي في قول أبى عثمان؛ لانه يرى الردف يالتخفيف القياسي معامل للفظ.
    وله ايضا:
    )مَرَتْكَ ابنَ إبراهيم صافيةُ الخمرِ ... فَهُنئتها من شاربٍ مُسكرِ السُّكْرِ(
    أي أنت سكران صاحياُ بأريحية خلتك؛ فإذا شربت الخمر أسكرتها بفضل سكر أريحتك. وقال مُسكر السكرِ ولم يقل مُسكر الخمر لأن إسكاره السكر أبلغ من إسكاره الخمر. وهو أذهب في الشعر وأغرب؛ لأن العرض لا يحملُ عرضاً؛ فتفهمه. وقال: مرتك؛ وإنما هو مرأتك؛ فأبدل إبدالاً صحيحاً، كقوله: )فارعى فزارة لا هناك المرتعُ(.
    وله ايضا:
    )يا أخت مُعتنق الفوارسِ في الوغى ... لأخُوكِ ثم أرقُ منكِ وأرحمُ(
    )يرنُو إليك مع العفاف وَعندهُ ... أن المحبوس تُصيبُ فيما تحكمُ(
    قيل: يخاطب محبوبته. جعلها أختاً تعففاً عنها، وتنزهاً عن الفجور بها. )لأخوكِ(: يعني نفسه. )ثم(: أي في موضع القتال. و )اعتناق الفوارس( أرق منك في الهولا وأرحم، ذلك على قساوته في الحرب، برنو إليك مع العفاف . . . البيت.
    أي أن أخاك وهو يعني نفسه ينظر إليك فيعجبه حسنُك، إلا أنه يعفُّ تشرفاً لا تديناً، وعنده مع عفته، أن المجوس تُصيب في حكمها الذي هو نكاح الأخوات.
    إن شئت قلت: إنه يتعزل بأخت رجل شجاع، فيقول لها: أخوك على شدته وبسالته، أرقُ منك وأرحم، ثم أخبر عنه أنه يرنو إليها مع العفاف الذي تُوجبه منافرة الطبيعة لنكاح الأخوات، فيذُم نفسه على ذلك العفاف الطبيعي. وعنده أن المجوس تصيب في نكاح الأخوات.
    وقد قيل في هين البيتين قول لا ينبغي أن يُلتفت إليه لسُخفه.
    وقولُه المجوس: اراد المجوسيين، فلذلك أجل عليه الألف واللام. ولو عنى القبيلة لقال إن مجُوس كقوله:
    أحار أريك برقاً هب وهناً ... كنَار مجَوسَ تَسْتَعِر اسْتِعارَا
    )راعتك رائعةُ البياض بعارضي ... ولو آنها الأولى لراع الأسْحمُ(
    الرائعة: اول ما يظهر من الشيب. والعرب تصف المرعى بالسواد، فاذا حلت الشيبةُ جعلوها )راعية( لذهاب السواد، كما تُذهب الراعيةُ من الماشية حضرة المرعى.
    )ولو آنها الاولى لراع الأسحم(: أي لو تقدم البياض قبل السواد، ثم أعقبه السواد لكان اروع؛ لأن السواد أروع من البياض وأهول.
    )والظُّلمُ من شيم النُّفُوسِ فإن تجد ... ذا عِفةٍ فلعلة لا يظلمُ(
    المعنى: والظلم من تأليف خلق النفوس. ومعنى الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. وتأليف النفوس من اربعة أشياء متنافرة: من حار رطب، وبارد رطب، وحار يابس، وبارد يابس. وهي ما اعتدلت صلح الجسم، واذا اختلفت فسد الجسم، فهل يوجد؟
    )وتراه أصغر ما تراهُ ناطقاً ... ويكون أكذب ما يكونُ ويُقسمُ(
    أي يعظم ساكناً بهيبته، فيغُرُّ من رآه، فاذا تكلم صغُر من لكنته، كقوله:
    وكائن ترى من صامتٍ لك مُعجبٍ ... زيادتهُ أو نقصُه في التكلمِ
    )ويكون أكذب ما يكون ويُقسم(: أي إذا تناهى في الكذب أقسم عليه أنه حق له.
    وله ايضا:
    )كُنْ لُجنة أيها السماح فقد ... آمنه سيْفُه من الغرقِ(
    الُّلجة مهلكه للأرواح، والسماح مهلكة للمال. فيقول: أيها السماح اعظُم، حتى تكون لُجة مُهلكة لما له، فإن سيفه يحلف عليه بالإغارة والنُهبة جميع ما تتلفه أنت. ولما جعل السماح لجة استعار اسم الغرَق للفقر. ونظير هذا قول الشاعر:
    ومن يفتقر منا يعشْ بُسامهِ ... ومن يَفتقِرْ من سائر الناس يسألِ.
    وقال: كن لُجة، ولم يقل: كن بحراً، لأن اللجة اهول ما في البحر ألا ترى أن العرب تسنيها )العَوْطب(، لما يحدث فيها من العطب أو يُخاف، ولم يُسَمُّوا جملة البحر عَوْطَبا.
    وله ايضا:
    )أنا بالوُشاة إذا ذكرتُك أشبهُ ... تأتي الندى ويُذاعُ عنك فتكرهُ(
    الكريم يكره ذكر إحسانه إلى مُؤمليه، حذار أن يُظنوا ذكر ذاك اعتداداً به عليهم ومنا، فكأن من يذكره عنه؛ يُشيع عنه ما يكره إشاعته؛ وينمُّ به. والقطعة رائية؛ ولا تكون هائية؛ لأن بعد هذا البيت بيتاً آخرُه )نَصْرهُ(؛ فهذه هاء إضمار؛ متحركٌ ما قبلها؛ وهاء الإضمار المتحرك ما قبلها؛ لا تكون رويا.
    فإن قال قائل: قد قال في المصراع الاول من هذا الشعر )أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبهُ( فقفى بالهاء. قُلتَ: لم يُقف بهاء. وليس الشعر بمصرع، وإنما هو في البُعد من التصريع، بمنزلته لو قال: )إذا ذكرتك أمثلُ( مع قوله تكره. فهذا احتيالُ لطفه له أهل بغداد.
    والذي عندي أن أبا الطيب كان جاهلا بصناعة القوافي؛ فانها مهنة دقيقة يعجز عنها الشعراء؛ ويفلطون فيها. نعم؛ وقلَّ من يعرفها من النويين إلا الخليل وأبا الحسن إماميها وقليلاً بعدهما.
    وله ايضا:
    )ومن خُلقتْ عيناك بين جُفُونهِ ... أصابَ الحدور السَّهل في المرتقى الصعبِ(
    أي أن قلبي متنزه بمناعته؛ أي بشجاعته؛ دافع عن نفسه ببأسه. ولكن من كانت له عين كعينك، أصاب الأمر الصعب بالسعى السهل. أي فذلك ممكن لك منى على تمنُّعه على غيرك. والانحدار سهل، والاؤتقاء صعب. فمن كان الارتقاء عليه في سهولة الانحدار؛ فكل صعب له سهل، كقول البحتري:
    ومُصعدٌ في هضاب المجد يطلُعُها ... كأنه لسكُون الجأش منُحدرُ
    وقد بالغ أبو الطيب بالمقابلة بين الحدور السهل والمرتقى الصعب؛ لسرى طبيعة الضد في الوصفين والموصُوفين. قابل الحدُور بالمرتقى، والسهل بالصعب. ولو أمكنه أن يقابل الحدُور بالصعود؛ لكان أذهب في الصنعة. ليوازن اللفظين.
    وله ايضا:
    )وفاؤُكُما كالربع أشجاهُ طاسمُه ... بأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمهُ(
    يخاطب خليله. وإنما كثرت مخاطبة العرب خليلين وصاحبين؛ دون أقل أو أكثر؛ لأن أقل السفر المتُرافقين ثلاثة، فالواحد يخاطب صاحبيه. يذهبون في ذلك إلى أنه إن اختلف الاثنان قتل الأقوى الأضعف. فاذا كان لهما ثاث؛ توسط فحال بينهما في الأغلب. فلذلك لم يصطحب في الأكثر أقلُّ من ثلاثة لهذه العلة. هذا معنى مخاطبة العرب في أغلب الأمر الاثنين، حتى تجاوزوا في ذلك إلى أن خاطبوا الواحد بخطاب الاثنين؛ كقوله تعالى: )ألْقَيا في جَهَنَّم(. ومن كلامهم: ياحَرسيُّ اضربا عُنقه. وقال: فإن تَزْجُرانى يابن عفان أزدجر والطاسم: الدارس. وأشجاه: أشدُّه إشجاء وإحزاناً. ولا يكون فعلا، لمقابتله إياه بقوله: أشفاه. وأشفى: اسم لا فعل. يقول: وفاؤكما أيها الخليلان بأن تسعداني على بكائي في هذا الربع الدارس، كهذا الربع الذي بكيتهُ، وذلك في ترك المساعدة في الوقت به معي، ففي ذلك أشبه وفاؤكما للربع دروساً وطُموسا. ثم قال: )والدمعُ أشفاه ساجمه(: أي لا تلوماني على البكاء، فان أشفى الدمع ساجمُه. وقد يجوز، )والدمعُ أشفاه ساجمه(: أي بالإسعاد وبالدمع الذي أشفاه ساجمُه. أي: وفاؤكما بالإسعاد لي، والبكاء معي.
    )دارسٌ( قد قارب العدم، كما أن الربع كذلك، فكلا كما أشجاه لي مادرس، وقد يقنع المشُوقُ من صاحبه أن يقف معه على الربع عاذلاً، أو عاذراً، وإن لم يشركه في شوق ولا بكاء، كقول البحتري:
    قف مشُوقا أو مسعداً أو حزيناً ... أو مُعيناً أو عاذراً أو عذولاَ
    فقد يجوز أن يكون أبو الطيب عدم هذا كله من خليله، وأبيا موافقته على وجه: لا مشوقين ولا مسعدين، ولا عاذرين.
    والدمع على هذا، معطوف على موضع )بأن تسعدا( أي بالإسعاد. وبالدمع الذي أشفاه ساجُمه، يعني بكاه معه. والباء في )بأن تُسعدا(: متعلق بمحذوف أي وفاؤكما بالإسعاد. ولا تكون متعلقة ب)وفاؤكما( الاولى، لأنك قد أخبرت عنها بقولك: )كالربع( فمحال أن تخبر عن الاسم وقد بقى ما يتعلق به، لأن هذا المتعلق به جزء منه. فكما لا يخبر عن الاسم قبل تمام حروفه، كذلك لا تخبر عنه وقد بقى ماهو جزء منه.
    )سقاكِ وحياناَ بكِ اللهُ إنما ... على العيس نورٌ والخُدُورُ كما كمائمُه(
    جرى في هذا البيت على مذاهب العرب وطرائقهم، لأنهم يُحُّيون بالنُوار وأصناف الازهار. فلما أبصرها في الخدور جعلها نوراً في كمه، فدعا له بالسُّقيل، لينعم ويحْسُن. ودعا لنفسه أن يحيا بذلك النور.
    )إذا ظفرت منك العيونُ بنظرةٍ ... أثاب بها مُعيى المطى ورازمُه(
    يريد أن النظر إليها سببٌ لقول الشعر فيها، والتغنى به في الطرق، وجميع ما يتصرفون، ويحدُون به. فتنشط الإبل لذلك. إذ من طبعها أن تنشط للحُداء.
    )قِفِى تغرم الاولى من اللحظ مُهجتي ... بثانيةٍ والمُتْلفُ الشيء غارمُهْ(
    يقول: لحظتك فأهلت اللحظةُ مُهجتي. فقفى على حتى ألحظك اخرى، فترد على ما أذهب الاولى، وذلك أن لكل نظرة أنظرها تأثيراً في، فا ... ذا قد عدتُ المهجة الاولى، فعمل الثانية ردُّها، لأن الشيء إذا انتهى في ضد انعكس إلى ضده.
    )وتكملةُ العيش الصبا وعقيبهُ ... وغالب لون العارضين وقادمُهْ(
    أي كمال العيش، يعني جميع طبقاته، فأولُهن الصبا: وهو من النشوء إلى الشباب، وعقبيُه الشباب، وبعده غائب لون العارضين، وهو الشيب مالم يقدم، فاذا قدم فقد كمل العيش، وما بعد الكمال إلا النقص. والهاء في )قادمه( راجع إلى اللون، ولا يكون راجعاً إلى اللون، ولا يكون راجعاً إلى )غائب(، فيكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وليس كذلك إذا كان مضافاً إلى اللون، لأن لون جنس انقسم إلى نوعين: غائب وقادم؛ والنوع غير الجنس، فكأنه قال: وتكملة العيش الصبا وعقيبُه، سوادُ الشعر وبياصُه، لانه إذا كان البياض غالباً، فالسواد حاضرز
    )وأحسنُ من ماء الشبيبة كُله ... حيا بارقٍِ في فازة أنا شائمهْ(
    قوله: )في فازة( يعني فازة ديباج ضربت لسيف الدولة، والحيا هنا: الخصب، ويعني به سيف الدولة. والشائم: الناظر.
    )إذا ضَرَبته اليرحُ ماج كأنما ... تجُول مذا كيه وتدأى ضراغمُهْ(
    أي هذه الفازة مُصورةٌ بصورة خيل وأسد، فاذا مرت به الريح حركت الفازة، فتحركت هذه الصُور بحركاتها، فتُخيل أن مذاكيها، وهي الخيل المصورة فيها تجول، وان ضراغمها تدأى: أي تمرا سريعاً. ومن روى )تأى(: أي تهمس المشى لتختل. والضراغم: الأسد. واحدها ضِرْغم وضِرغام وضِراغمة. وان يكون في البيت جمع ضِرغم أولى، ىنه إن كان جمع ضِرغام أو ضرغامة، لزم )ضراغيم( لأن الألف إذا كانت رابعة في الواحد، صارت ياء في الجميع ثابتة، إلا أن يُضطر شاعر، كما أنشد سيبويه: والبكرات الفُسج العطامسا وانما حكمه العطاميس، فحذف للضرورة، فإن يكن ضراغمه جمع ضرغم وهي لغة مشهورة حكاها ابن دُوَريد وغيره، أوجه من أن يُوجه على الضرورة:
    )فَقَد مل ضوء الصُبح مما تُغيرُهُ ... وَمل سوادُ الليل مما تُزاحمُه(
    )ومل القنا مما تدُقٌ صدوره ... ومل حديدُ الهند مما تلاطمُه(
    ذكر طاهر بن الحسين أن )تُغيرُه( في البيت من الغيرة، يريد أن الصبح يغار من كثرة ما تفعل فيه، من قبله إلى ضده، من شدة القتال، وكذلك الليل أيضا يفار من ذلك، لانه يُصيره يوماً، لإظهاره فيه السيوف والرماح، من ضيائها.
    قال ابو الفتح بن جنى: اراد تُغير فيه، فحذف حرف الجر اختصاراُ.
    وقال في )تزاحمه(: أي تسرى فيه، فاستعمل )تزاحمه( في موضعها.
    والهاء في )تزاحمه( مفعول به، وليست بمعنى )تزاحم( فيه. وقال الوحيدُ: ليس هذا اراد بقوله )تغيره( وإنما اراد أنك تسير في بياض الحديد، من البيض والروع، فكأن الصبح يغار عليه إذا رأى ضياء غيره قد ألبس به.
    يزاحم الليل الذي هو الظلمة. وقوله: )ومل حديدُ الهند مما تُلاطمه( أي تلاطمه بأمثاله.
    )قبائعهُا تحت المرافق هيبةً ... وأنفذُ مما في الجُفُون عزائمه(
    يريد انهم يسترون سيوفهم ويخفونها هيبة ومخافة من سيف الدولة. وعزائمهُ أنفذُ من شفار سيوفهم.
    )سحابٌ من العقبان يزحفُ تحتها ... سحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمُه(
    ويروى: )فوقها(، فيكون قوله: )العقبان( في أول البيت كناية عن الخيل، كما قال:
    تظُنُّ فراخُ الفُتخ أنك زرتها ... بأماتها وهي العتاقُ الصلادمُ
    السحابُ: جمع سحابة. وكل جمع ينقصُ عن واحده بالهاء، ذلك تذكيره وتأنيثه، فأنث في قوله )تحتها(، وذكر في قوله:صوارمه، أخذاً بالأمرين. ولا يمكنه هنا غير ذلك، لمكان الوزن، وأن هذا الشعر موصولٌ، ليس له خروج، أعنى أنه ليس بعد هائه حرف لين. وقيل تأنيث هذا النوع على الجمع، وتذكيره على الجنس. أي قد حُشرت العقبان في أفق جيشه، وثقةً منها بما يُقتلون، فيكون رزقاً لهذه العقبان، كقول الأفوه:
    وترى الطيرَ على آثارها ... رأي عينٍ ثقة أن ستُمارُ
    فالعقبان على هذا الجيش كالسحاب، لتكاثُفها واشتباكها ولونها والجيش تحت هذا السحاب، الذي هو من العقبان، سحابٌ آخر. فإذا الذي هو الجيش، بأن تضع لها القتلى فتنزل عليها، فتخصُب. وجعل الأسفل يسقى الأعلى؛ إغراباً، لانه بعكس ما جرت عليه العادة، من أن الاعلى هو الذي يسقي الاسفل.
    وقال: )إذا استسقت( وانما العقبان وسائر سباع الطير مستطعمةٌ لا مُسْتَسْقِيةٌ؛ لانه ذكر السحاب؛ والسحابُ مُسقٍ. كقول أبى ذُؤيب في صفة السحاب: تروت بماء البحر ثم ترفعت
    ومن الحسن أن تكون الرواية )يزحف( على لفظ التذكير؛ توطئة لقوله: صوارمُه، فيكون ضرباً من الإشعار. وجعلها تزحف لكثرة الجيش، كما قالوا: كتيبةٌ جرارة، أي لا تقُدر على السير إلا رويداً؛ لكثرتها.
    )سلكتُ صُروف الدهر حتى لقيتُه ... على ظهر عزمٍ مُؤيداتٍ قوائمُه(
    الهاء في لقيتُه: عائدة على سيف الدولة. وعلى: متعلقة بسلكتُ . . .
    فالمعنى: إن عزمه قوى مؤيد؛ فاستعار انه ركبه ويسلك صروف الدهر عليه.
    وله ايضا:
    )أأطرحُ المجدَ عن كتفِي وأطلُبُه ... وأترُك الغيث في غمدي وأنتجعُ(
    كنى بالمجد عن الرمح الذي يحُمل على الكتف مُعتقلاً، لما كان المجد يُكتسب به. فهذا من باب الاستغاء عن ذكر السبب بذكر المُسبب. وإن شئت قلت: جعل الرمح هو المجد مبالغة. كقولهم: ما زيد إلا أكل وشُرب: وإن شئت: كان الحذف؛ )أي ذا المجد( وهو الرمح ايضا، لإدراك المجد به. )وأطلبه(: أي أطلبُ أثراً بعد عين. وأترك الغيث في غمدي: يعني السف الذي هو سبب خصب المعيشة. وليس الغيثُ هنا ذات السيف. وانما عنى الغيث. وإن شئت قلت: جَعَله الغيث مبالغة، إذ كان سبباً له، ثم قال وأطلب الرزق على غير هذا الوجه الذي لا يكْرُم عيش ولا يُصب إلا به، كقول النبي عليه السلام: )الخير في السيف والخير مع السيف(.
    زأصل الانتجاع: طلب الكلأ. ثم صار كل طلب: نُجعة. وحسن لفظ الانتجاع لتقدم ذكر الغيث.
    )ذم الدُمسْتُق عينيه وقد طلعت ... سُودُ الغمام فظنوا أنها قزعُ(
    أي غرت الدمستف عيناهُ، ثم توهم جيش سيف الدولة قليلاً وهو كثير، فأقدم اغتراراً بما خيلته اليه عينهُ، فذم عينيه ولا مهمُا اذ لم تخبراه باليقين، فَتُرياهُ الجيش على ما هو به من الكثرة، لانه لو صدَقتاهُ لم يُقدم والقَزَعُ: قطع السحاب المفترقة. يقول: ظن الجيش قليلا كقزَع السحاب، وهو كسود الغمام، وانما شبهه بالغمام السُّود، لانه أهول منظراً؛ ولأن فيه صواعق بلا غيثٍ، فهي أشبه بصفة الجيوش من جهة العاقبة واللون، ألا تراهم قالوا: كتيبة جأواء وخضراء وخصيف. وكل ذلك إلى السواد.
    فتلخيص البيت: ذم الدمستق عينيه حين أوهمتاه الجيش قليلاً وهو كثير، فأقدم، وكان أذهب في الصنعة لو اتزن دون زحافٍ - أن يقول: )فظن(، بلفظ الإفراد لانه إخبارٌ عن الدُّمستق، ولكنه حمل الضمير عليه وعلى من حوله.
    )كأنما تتلقاهُم لتسلُكهُمْ ... فالطعنُ يفتحُ في الأجوافِ ما تسعُ(
    أي كأن خيله تريد سُلُوك عداه، كما يسلكُ السهمُ الرمية ثم يمرقُ، فالطعن يفتح في أجوافهم ماتسع الخيل، إشادة بالطعن، وتشيعاً له. كقول قيس بن الخطيم:
    سلكتُ بها كفى فأنهرتُ فتقها ... يرى قائم من دُوتها ماوراءها
    وأراد ماتسعُ الخيل؛ فحذف المفعول، لتقدم ذكر الخيل.
    )دُون السهام ودُون الفرِّ طافحةً ... على نفوسهم المُقورة المُزُعُ(
    أي قد تغشتهم الخيلُ حتى صارت أقرب إليهم من السهام التي فيهم، مبالغة وليس بحقيقة، لأن السهام التي فيهم، أقربُ اليهم من الخيل التي عليهم. و)دون الفرِّ(: أي أن الخيل تمنعهم الفرار. وقال: )على نفوسهم(، ولم يقل على أبدانهم؛ لأن نفوسهم قد فاضت عن أبدانهم، فكان الخيل تسبق السهام وتفوت حتى تغنى عن الفر. ويروى )دُون السهام ودون القر( فيكون المُقْورةُ على هذا الدروع التي قد أخلقها التداول؛ حتى عادت كالمقورة من الخيل وهي الضامرة - المتجردة و)المُزُع( على هذا: التي قد تمزقت أشلاؤها أي قد تمزقت كما يتمزعُ اللحم أي يتبدد. فيكون المعنى أنه لا تقيهم الكُسى حراً ولا برداً؛ ولكن هذه الدروع المقورة. والرواية الاولى أصح.
    )إذا دعا العلجُ علجاً حال بينهُما ... أظمى تُفارقُ منهُ أختها الظلعُ(

    رمُح أظمى: أسمر؛ وقيل: ظمآن إلى الدم؛ والاول أولى؛ إذ لو كان من الظمأ لكان حرياً أن يُسمع مهموزاً، ولم أسمعه كذلك. إلا أن مثل هذا الإبدال قد يجوز في الضرورة كقوله: )لاَ هناكِ المَرْتعُ( ولا حاجة بنا إلى توجيه ذلك هنا، اذ المشهور في كتب اللغة أن الأظمى: الأسمر. يقول: إذذا تداعى العلجان لتناذر أو تشاور أو تناحُر، حال بينهما رُمح أظمى يدخل بين الضلعين؛ فيفرج بينهما حتى يتفرقا. و)منه(: أي من أجله. وحسن ذلك المفارقة هنا لقوله: )حال بينهما(. وكان من حُسن الصنعة لو اتزن له - أن يقول: إذا دعا العلج صاحبه ليوازي به قوله: )أختها الضلعُ(؛ لأن الأخوة والصحبة من باب المضاف ولكنه ذلك اراد؛ كأنه قال: إذا دعا العلج صاحبه أو أخاه.
    )كم من حُشاشة بطريقٍ تضمنها ... للباتراتِ أمينٌ مالهُ ورعُ(
    الحُشاشة: النفس. وقيل، بقيتُها. والباتراتُ: السيوف القاطعة. والأمينُ هنا: القيد ونفى الورع عنه إغراباً بأمين لا ورع له. وانما سماه أميناً لحفظه على السيف ما استودعته إياه من الأسارى؛ حتى يردهم إليه عند القتل فهو أمين لذلك. وليس له ورعٌ. لأن الورع إنما يكون عن قصد، والقصد إنما يكون لذى العقل. وكذلك أمانته غير حقيقة. ولو كان أميناً عاقلاً لكان ورعاً إذا لا أمانة إلا بورع.
    )يُقاتلُ الخطو عنهُ حين يطُلبهُ ... ويطرُدُ النوم عنهُ حين يضطجعُ(
    أي تقصر خُطا هذا الأسير بضيق القيد، إذا اراد أن يخطو. ويطرد النوم عنه ترنم حلقه كقول أبى نواس:
    إذا قام غنتهْ على الساق حلقة ... لها خطوُهُ عند القيام فصير
    والمقاتلة والطراد في هذا البيت مستعاران.
    )قل للدُّمُستقِ إن المسلمين لكُم ... خانُو الأمير فجازاهُم بما صنعُوا(
    خيانهم اياه: خلافُهم له؛ بسعيهم إلى النهب وأسلاب العدُو المفزوعين. وإسلامهُ إياهم له: تركُه الطلب بثأرهم؛ أو رضاه لهم ماحل بهم.
    )وجدنموُهم نياماً في دمائكُكُ ... كأن قتلاكُمُ إياهم فجعوا(
    اي خافوكُم؛ فألقوا نفوسهم في دماء قتلاكُم: لتحسبوهم منهم، فتتجافوا عنهم؛ وكأنهم هم المجُوعون بقتلاكم، يُلقون أنفسهم عليها كإلقاء المفجوع نفسه على القتيل تأسفاً. وقيل: كان المسلمون يأتون قتلى الروم يتخللونهم؛ فينظرون من به رمقٌ فيقتلونه، فبينما أكب عليهم المشركون فقتلوهم.
    )تشُقُّكُم بفتاها كُل سلهبةٍ ... والضربُ يأخُذُ منكُم فوق ما يدعُ(
    )بفتاها(: اي بفارسها. ذهب في لفظ الفتى إلى الرفع من شأن الفارس؛ كقولهم: )أنت الفتى كلُّ الفتى( لا يُذهب به إلى فتاء السن: لكنه كقولك: انت الرجلُ. تمدحه بالصبر والثبات والنجدة، لا تعني به الرجولة التي هي الذكورية )والضربُ يأخذُ منكم فوق ما يدعُ(. ذهب قوم إلى انه عنى أن القتلى أكثر من الناجين. وهو لعمري قويلٌ والذي عندي انه لم يعين بذلك الكمَّ؛ وانام؛ وانما عنى أن الضرب يأخذ النفوس، ويدع الأبدان؛ والنفس فوق الجسم في لطف الجوهر، وشرف العنصر. فهذا معنى قوله: ما يَدع. لا الكميه التي ذهب اليها أولاً.
    وله ايضا:
    )يردُّ يداً عن ثوبها وهو قاردٌ ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقدُ(
    )يرد يدا عن ثوبها(: كناية عن العفاف. والثوب هنا: يجوز أن يعني اللباس؛ وان يعني بعض طوائف جسمها؛
    عبدالله عمر

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    كقول الآخر: خرَّقوا جيبَ فتاتهمُ ... لم يُبلوا حُرمة الرجلهْ
    قيل: يعني بالجيب القُبل. وقوله )وهو قادر(: اي متمكن بها، لا يتقي رقيباً لانه ذلك في النوم وأثبت لنفسه قدرة في نومه لانه قد تتهيأ للنائم أفعال اليقِظ وإن كانت غير مقصودة، وقد قيل: إن قوله )يريد يدا عن ثوبها وهو قادر(: أن هذا إنما هو في اليقظة. وانما اراد وهو يقظان فلم يتزن له، فكنى بالقدرة عن اليقظة لأن اليقظان أملك لذاته من النائم مع أن قادراً مقلوب لفظ راقد. فأناب المقلوب في المقابلة مناب الضد الذي هو يقظان. )ويعصي الهوى وهو راقد(: اي انه يملك نفسه عن شهوته في حال النوم. وتلك حال لا يغلب فيه عقلُ شهوةً، لأن التحصيل حينئذ عازب؛ فهو يقرُب بتمالكه عن محبوبه في الحال الرٌّقاد.
    وجملة معنى البيت: انه اعتاد العفاف في يقظته؛ كقوله هو:
    وترى المروة والفتوةَ والأبوَّ ... ةَ في كُل مليحةِ ضراتها
    فاذا رآى الطيف أراه النوم ما تعود من العفة في اليقظة فعف، فإن ذلك من خلق النفس كثير. أعنى أن ترى في حُلمها ما تعودته يقظي؛ ولذلك علة ذكرها حذاقُ القدماء جالينوس وغيره. والطيف فعل من طاف يطوف الا أنا لم نسمع فيه طوفا. وقد يكون )فعلا( من طاف يطيف؛ سُمي بالمصدر، لأن نسمع طاف يطيف عندنا من باب باع يبيع واسع ولا أحمله على ما ذهب اليه الخليل في طاحَ يطيح قياساً عليه؛ لأن باب باع يبيع واسع كثير.
    وباب )طاح يطيح( قليل، لايُوجد لها ات إلا تاهُ يتيه في لغة من قال: توهْتُه. وحكى ابو زي: ناهت الركيةُ تميه وهو من الواو فهي ثالثة )لطاح( وتاهَ( على قول الخليل:
    مخضبةٌ والقومُ صرعى كأنهم ... وإن لم يكونوا ساجدين مساجدُ
    اي هذه البلاد مُخضبة، الدماء فيها جارية والأشلاء مُنكبة ومبطوحة فكأنها مساجدُ مُخلقة لا نكباب القتلى وإن يكونوا ساجدين.
    )تُنكسُهم والسابقاتُ جبالُهم ... وتطعنُ فيهم والرماحُ المكايد(
    تنكسهم: تقلبهم على رؤسهم. فيقول: من شأن تنكيسك لهم عن متون خيلهم وهو رُكبان لها. فلما تركوا الخيل، وركبوا الحصون والقلاع وقُنن الجبال مكان الخيل؛ فلم يمكنك تنكيسُهم بالرمح حينئذ، كما كنت تنكسُهم به فُرسانا، أقمت كيدك لهم مقام الرمح فنكستهم عن الجبال به. وقوله: )والرماح المكايد(: اي المكايد هي التي قامت مقام الرماح لأنك وصلت بالمكيدة إلى مثل: ما كنت واصلاً إليه بالرم. وقد أجاد ي تطبيقه قوله: )والسابقات جبالهم( بقولهم: )والرماح المكايد(.
    )فتى يشتهي طُول البلاد ووقتُهُ ... تضيقُ به أوقاته والمقاصدُ(
    اي همته يقصُر عنها الدهرُ فهو يشتهي طول الدهر ليسع همته، وجيشه عظيم تضيق عنه البلاد فهو يشتهي أن تسع البلاد وتطول لتحمل جمعه. فلأوقات أزمنة وتضيق عن همته والمقاصدُ أمكنةُ تضيق عن جيشه. وفي البيت حذف. وتمامه - لو اتزن - فتى يشتهي طول لجيشه وسعةَ الأوقات لهمته فهتمه تضيق عنها الأوقات وجيشه تضيق عنه البلاد.
    أحبُك ياشمس الزمان وبدرهُ ... وإن لا منى فيك السُّها والفراقدُ
    جعله شمس الزمان وبدره ليخبر عنه بكمال النُّورية وأنه يعم الليل والنهار بضوئه وهذا أحسن. لأن الممدوح موجوده نهاراً وليلاً فهو النهار شمس ولليل بدر، واختار البدر على القمر لأن القمر ربما لم يُغن ضوؤه كبير غناء مع ما آثر ممن الوزن. وجعل غيره من الأملاك بالإضافة إليه سُهاً وفراقد. ولا خفاء بما بين الشمس والبدر وبين السُّها والفراقد من المراتب في النُّور. فيقول: أنا أحبك أيها الملك الذي هو الملوك كالشمس والبدر في النجوم لعظم نفعك وجسامة غنائك في نوعك وإن فيك أملاك؛ هم في الملوك كالسُّها. والفراقد في الكواكب فكيف أطيع من هو كالسهام والفراقد فيمن هو كالشمس والبدر وهما مُغنيان عن السها والفرقدين. بل احدهما مغن عنهما. والسها والفرقدان لا يتجزءان كنها ولا من احدهما وقال: )والفراقد(. وانما هو )الفرقدان( لأن جمعهما. بما حولهما، أو على أنه جعل كل جزء منهما فرقداً وقد فعلت العرب ذلك قبله كثيراً كقوله: ودون الجدى المأمول منك الفراقد وحكى سيبويه: أنهم يقولون للبعير )ذو عثانين( جعلوا كل جزء منه عُثنونا.
    وقال جرير: أنشده سيبويه:
    قال العواذلُ ما لجهلك بعدما ... شاب المفارقُ واكتسبن قتيرا
    وله ايضا:
    )يحيدُ المحُ عنك وفيه قصد ... ويقصُر أن ينال وفيه طُولُ(
    اي هيبتُك في فؤاد القرن تخذُل يده فيحيد رمحه عنك مهابة لك بعد أن سده ويقصُر الرمح أيضاً أن ينالك هذا القرنُ به حذره إقدامك عليه وإن كان طويلا. وانما يعنى بطول الرمح العمل به وجودة التصريف له لا الطول الذي هو ضد القصر. لأن الطُّول عيبٌ وذلك أن الرمح إذا كان طويلاً خان فضعف.
    وله ايضا: شفن لخمسٍ إلى منْ طلبن ... قُبيل الشفُون إلى نازلِ
    الشفن: النظر من فوق إلى أسفل. )لخمس(: اي بعد خمسٍ بين يوم ولية. والعرب تُغلب في مثل هذا المؤنث على المذكر، لسبق الليلة في تاريخ الشهر.
    اي ركبت فُرسانك خيلهم إلى عدوهم وطوَوا عليها المراحل ليلاً ونهاراً فما نزلوا عنها حتى هجمت بهم على مطلوبهم. فكان نظرهُن إلى من طلبته من العدو قبل نظرهن إلى نازلٍ عنهن. اي لو ينزل أحدٌ منهم عنها فتنظر إليه. وانما أدركوا ما طلبوه ثم كان النزول بعد ذلك.
    )فأقبلن ينحزن قُدامهُ ... نوافر كالنحل والعاسلِ(
    ينحزن: ينفعلن ويتحوزن فقبلت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها، فالتقى بذلك ساكنان فحذف الاول لا لتقائهما. اي كانت خيلُ عدوك أمامك وهو في آخرها من خوفك. وهي بينك وبينه نوافر. فاقتضى البيت ثلاث تشبيهات اختصرها بأن ردها إلى اثنين وشرح ذلك أنه شبه الممدوح بالعاسل وعدوه بالعسل المطلوب للشور وصحابه بالنحل التي يُنفرها العاسلُ ليصل إلى العسل المطلوب. وعنى بالخيل هنا: أصحاب الخيل. واكتفى من تشبيهه عدوه بالعسل لفظاً لأن كلامه يقتضي ذلك وهو من حُسن دليل الخطاب؛ لانه إذا كان عاسلٌ ونحل فهناك عسلٌ لا محالة، وقوله: )ينحزن قدامه(: اي ينحاز بعضهم إلى بعض.
    )وَمَا بين كاذَتَى المُسْتغيرِ ... كما بين كاذتى البائلِ(
    الكاَذة: لحم الفخذ ألفُه منقبلة عن واو. قالوا ثوب مكُوذ: بلغ الكاذة. والمستغير: الفرسُ المُغير، بناه على استفعل لأنه طلبٌ، والطلب يأتي على استفعل كثيراًعليه بني سيبويه باب استفعل.
    يقول: قد تفؤج ما بين أفخاذها.
    )فُلقين كُل رُدينيةٍ ... ومصبوحةٍ لبن الشائلِ(
    يقول: إن خيل سيف الدولة لقيت مع الخارجي بعد جهدها أشد الأعراب الذين يغذُون الخيل الكرام التي تُثر باللبن عند قلتة. ولقيت جيشاً )لخارجي من الأعراب يقاتل( على ناقة قد تيقن استهلاك أصحابه دونه. فأعرض عن ركوب الخيل ووصفه بحاله في كذبه ودعواه.
    أنما الشائل بغير هاء: اللاقح، وبالهاء: التي خف لبنها. والخيل أنما تغذى بلبن لشائلة لأن اللبن إذا خف مرأ ونجع وانما اراد هذا الشاعر الشائلة فحذف الهاء للضرورة. والمصُبوحة: المسقيةُ الصبوح وهو ما اصطُبح بالغداة حاراً. اي كل قناة ردُينية وفرس ملبونةٍ وهي أقوى الخيول. وأنشد سيبويه:
    لايحمل الفارس إلا الملبُون ... المخص من أمامه ومن دُونْ
    )وطعنٍ يجمعُ شُذانهُمْ ... كما اجتمعت دٍرةُ الحافلُ(
    )شُذلنهم(: من شذ منهم. والدرة: اللبن يجتمع في الضرع.
    )والحافلُ(: إما أن يكون جُملة فيعني به الناقة فيكون من باب ناقة بازل اي من المؤنث الذي لا هاء فيه. وإما أن يكون جزءا فيعني به الضرع وهو عندي أجود لأنه موضع تحفل اللبن. ومعنى البيت: أنه عنى طعنت كل طعنة عظيمة تجمعُ المتفرقين على صاحبها، تعجباً من سعتها، كما تُجمع الدرةُ في الضرع المُحفل كقول الشاعر:
    تركتُ بني الهُجيمْ لهم دوارُ ... إذا تمضي جماعتهم تعودُ
    والدرة في الدر كالحيلة في الحلي. أعنى أن هاء التأنيث تعاقب الفتحة ومثله برك وبركة وهي الصدر. وحب وحبة وهي بذور الصحراء.
    )وأنبت منهُم ربيع السباع ... فأثنت بإحسانك الشاملِ(
    أقام الأشلاء للسباع، مُقام الربيع للماشية. والاول )ربيع للسباع( إنما هو على المثل كما قيل: فلان يرعى في لحوم الناس. يقول ألقيت لها الأشلاء فأخصبت كما تخصب السوام في الربيع. ونحوه قوله:
    وأصبحت بقُرى هنريط جائلة ... ترعى الظُّبا في خصيب نبتُه اللحمُ
    يعني الرءوس جعلها خصيبة إشعاراً بأن أصحابها شُبان. وقوله: )فأثنت - بإحسانك الشامل(: مبالغةٌ وإفراط ومذهب شعري غير حقيقي. ولكن يقول: إن السباع قد اعتادت ذلك منهم حتى عقلت أنه من لدُنه فشكرتْ لذلك.
    )وكم لك من خبرٍ شائعٍ ... لهُ شيةُ الأبلق الجائل(
    اي خبرك مشهورٌ ظاهر شُهرته كشهرة الأبلق الجائل. وذلك أن الأبلق مشهورٌ في موضعه. فإذا جال كان أشهر له، لأنه يُعرف في مواضع. وكذلك خبرك سائرٌ مشهور في كل موضع.
    وله ايضا:
    )ولهُ ... وإن وهب الملوك مواهبٌ درُّ الملولكِ لدرها أغبارُ(
    الغُبر: بقية اللبن في الضرع. فيقول: هباتك كأول الدر، وهبات الملوك كبقايا اللبن بعد الحلب. وأوضح من هذا أن يقول: إن مواهب الملوك وإن كثُرت وغزرت بالإضافة إلى مواهبك، كالغُبر بالإضافة إلى الدر الذي هو أغزر اللبن؛ فهذا أبين. والاول وجيه. واللام في قوله: )درُّ الملوك لدرها أغبار(: جملة في موضع الصفة للنكرة. فكأنه قال: وله مواهبُ در الملوك لدرها أغبار. واذا رددت هذه الجملة إلى المفرد، فكأنه قال: وله مواهبُ فائقة وقوله: )وإن وهب الملوك(: معناه: أجزل الهبةَ. فهذا يُحسن معنى البيت ويدلك عليه قوله: )درُ الملوك( فقد اوضح ما اراده في قوله: )وإن وَهَب الملوك( ولا يكون وَهب هنا مجردة من معنى الغَزَارة لأن الممدوح إذا فاق واهباً غير مُجزل، لم يك ذلك فضلاً إنما فضله أن يفوق المُجزلين.
    )وبدُون ما نا من ودادك مُضمرٌ ... يُنضى المطىُّ ويقرُب المُستارُ(
    اي بأقل من هذا الوداد الذي أضمره لك تعمل المطى في الأسفار إلى المودود حتى تنضى، فيقرب بذلك ما كان بعيدا. وذلك أن الشوق يحمل على احتثاث المطى وإغذاذ السير كقول الشاعر:
    كأن عليها سائقاً يستحثها ... كفى سائقاً بالشوق بين الأضالع
    وقال:
    وعودُ قليل الذئب عاودت ضربهُ ... إذا خاج شوق من معاهدها كبرُ
    والمُستارُ: مُفتعل من السْير. اي: يقرب الموضع الذي يسار إليه.
    وله ايضا:وكذا تطلعُ البُدورُ علينا ... وكذا تقلقُ البحُورُ العظامُ
    اي إن همتك لا تستقر لأن شيمتك الحركة كما أن البدر شأنه الحركة دائماً كلما غاب من موضع طلع على خر وكذلك البحر يتموجُ فلا يستقر. وكنى بالقلق عن التموج لأن القلق ضد الطمأنينة والاستقرار. و )كذا(: مجرور في موضع نصب. اي مثل طلوعك تطلع البُدور ومثل قلفلك تفلق البحر ومثل طلوعُه يطلوع البدر وقلته بقلق البحر إشعاراً أن الممدوح كالبدر جمالاً وكالبحر نوالاً. وقوله: )العظام(: مؤازرة للبدور لانه لو قال البحور ولم يذكر العظام لم يك مطابقاً للبدور، فتفهمه.
    )والذي يضربُ الكتائب حتى ... تتلاقى الفهاقُ والأقُدامُ(
    الفقهة: ما بلى الرأس من فقر العُنق. وقيل الفهاهة: مواصل الأعناق في الرءوس اي ينقص الأعضاء ويبضعها، حتى يلتقي طرفا الجسم على بعد بينهما. وإن شئت قلت: يضرب الهام، فتسقط على الأقدام.
    )فكيرٌ من الشجاع التوقيِّ ... وكثيرٌ من البليغ الكلامُ(
    اي هيبته تروع قلوب ذوي النجدة وقلوب ذوي البلاغة لأن هذا الممدوح شجاعٌ بليغ قد بلغ الغاية في الفضليتين، فأبعدُ غايات الشجاع وأعلى منازله أن يُحسن التوقي من هذا الممدوح ولا يتحدث بالظهور عليه لأن ذلك منه سفهُ رأي. وأبعد غايات البليغ أن يقدم فيسلم عليه ولا يتحدث بإسهابٍ في مخاطبته ولا إطناب. وهذا في أسلوب قول الشاعر:
    بغضى حياء ويُغضى من مهابتهِ ... فلا يُكلم إلا حين يبتسمُ
    ولأبى الطيب فضل ذكر الشجاعة والبلاغة في بيت واحد وإفراد كل واحد من الفضليتين بمصراع.
    وله ايضا:
    )ضُربن إلينا بالسياط جهالة ... فلما تعارفنا ضُربن بها عنا(
    يصف خيل الروم. وذلك أن سرية الروم رأت جيش سيف الدولة فظننته جيشها فهمزت نحوه تريدُ اللحاق، فتبين لهم بل أن يلحقوا أنها خيل الإسلام، فانصرفوا هاربين عنها مُجدين يضربونها بالسياط للإدبار كما يضربونها للإقبال. و)عن( ها هنا: لما عدا الشيء اي مبعدين عنا لها. وقوله: تعارفنا: اي افترقنا فعرفونا وعرفناهم.
    )وإن كُنت سيف الدولة العضْبَ فيهم ... فدعنْا نكُن قبل الضرابِ القنَا اللدْنا(
    اللدن: اللين. ذكر على اللفظ لأن القنا وإن كان جمع قناة فلفظه لفظ المذكور وما خرج من الجمع على هذه الصورة جاز تذكيره وتأنيثه. يقول: إن كنت انت سيف الدولة والسيف أشرف السلاح، وهو المستغاث به إذا اشتد البأس، لأن الرماح والسهام قد فنيت فعدنا نحن حينئذ رماحا وقدمنا، فإذا فنينا أو قاربنا ذلك فكن انت سيف الدولة الذي يكون به الضراب اذ لا يباشر ذلك إلا مثلُك. وهذا نحو قول الآخر.
    فلما لم ندع قوساً وسهْما مشيناه نحوهم ومشوا إلينا وله ايضا:
    )اخترتُ دهماء تين يامطرُ ... ومن له في الفضائل الخيرُ(
    راد دهماء هاتين الفرسين، فاكتقى الإشارة من التنبيه تقول العرب: تا، وهاتا، وتى، وهاتى. وقوله: يامطر: يخاطب سيف الدولة جعله مطراً بجوده. )ومن له في الفضائل الخيرُ(: عطفٌ على قوله: )يامطرُ( والخيرُ: جمع خيرة وهو الشيء المختار. اي له من الفضائل أشرفها، أو من نوع كل فضيلة أشرفه. اراد ومن له من الفضائل الخير فوضع )في( موضع )من(.
    والفضيلة: الخصلة التي يُستحق بها الفضل، وضدها الرذيلة.
    وله ايضا:
    )حصانٌ مثل ماء المُزن فيه ... كثوم السر صادقةٌ المقالِ(
    اي هذه المرأة حصان طاهرة نقية من الشوب كماء المُزن في المُزنْ قبل انحطاطه إلى الارض ومُمازجته طبيعة التراب. فالهاء في قوله )فيه(: راجعة إلى المُزن. كيُومُ السر: يعني محاسن خُلقها وخَلقها؛ وكتمها إياه: صوتها له حتى لا يُطلع عليه منها. ولما كنى بالسر عن المحاسن الخلقية والخُلُقية كنى عن صوتها بالكتمان. وكأنه إنما سمي ذلك سراً لانه مما يجب ألا يُعرف من النساء. )صادقة المقال( اي لا تدخل في ريبة فتحتاج إلى افتعال التأويل والتحيل للاعتذار، ولكنها حسنة الخفايا سالمة الإرادة، فصدقُها يُغنيها عن التماس الكذب. وإن شئت قلت: وصفها بصدق المقال مُطلقاً لأن ذلك من أجل ما يُمدح به ولا حفاء بمزية الصدق.
    )فلا غيضتْ بحارُكِ ياجمُوماً ... على علل الغرائب والدخالِ(
    بحر جمُوم: كثير الماء، وكذلك البئر. والدخال: أن تُدخل بعيرا قد شرب بين بعيرين لم يشربا. والغرائب: الإبل الواردة حياض غير أهلها فهي مدفوعة عنها ممنوعة دُونها كقل الحجاج )ولأضربنكُم ضربَ غرائب الإبل( وغيضت، نقصت غامض الماء وغضته وفي التنزيل. )وغيضَ الماء( والعلَلَ: الشُّرب الثاني من النهل. فيقول: لا غيضت بحارُك: اي لا قصر جودُك عن كثرة من يردُه من الغرائب وذوات الدخال وكلاهما نوع غير مستحق للورود، فكنى بهم عمن لا يستحق جُود هذا الممدوح وإن شئت قلت: كنى عن المقيمين والطارئين عليه. اي عمَّ جودك الفريقين. يدعو له بذلك.
    وله ايضا:
    )بناَ منكَ فوق الرماِ ما بك في الرملِ ... وهذا الذي يضنى كذلك الذي يُبلى(
    منك: اي من أجلك. تقديره: بنا فوق الرمل من لحزن بك والأسف عليك ما يُنْحفُنا ويُضنينا كما بك في لرمل. إلا أن هذا لنا مُضنٍ وذاك مُبلٍ وكلاهما مشتبهان في أن عملهما التَّنقص والفساد إلا أن حالك البلى وحالنا الضنى وقال: )وهذا الذي يُضنى( فأشار إلى الضنى إشارة القُرب لانه مُشاهد وقال: )كذاك الذي يُبلى(: فأشار إلى البلى إشارة البعد لانه مُغيبٌ عنه.
    )تركتَ خُدود الغانيات وفوقها ... دُموع تُذيبُ الحُسن في الأعين النُّجلِ(
    هؤلاء الغواني كُحل الأعين كحلا طبيعياً. والكحلُ الطبيعي يزيده الحسن حسناً لأن كل طبيعي يُقوية المكتسبُ المشاكلُ له، فيقول:إن دموع الغانيات الكُحل المكتحلات تفسل الكُحل الذي هو زيادة في حسن الكحل فيزول حُسن الكُحل ويبقى الكَحَل فقد زال الحُسن الاكتسابي الذي كان زياة في الطبيعي فنقص الحسن عما كان عليه إذ كان المكتسب موجوداً مع الذاتي، وكأن الدمع هو الذي أدابه ونقصه. ولا يُكنى تذوب الجواهر، لكن لما كانت زيادة بالكُحل وكان جوهراً استجاز إيقاع الإذابة على العَرضَ الحادث عنه فتفهمه.
    )تَبُل الثرى سُوداً من المسك وحدهُ ... وقد قطرت حُمراً على الشعر الجثلِ(
    اي بكين دمعاً مشوباً بدم لإفراط الحزن عليك تقطرت حُمراً ووقعت على لذوائب المنشورة على الخدود للحزن وفيها أفواهُ المسك فسقطت إلى الارض سُوداً بالمسك وحدهُ دون الكُحل لأن الكُحل قد أذابهُ الدمع وأسالهُ. وقال )تبل الثرى(: فأشعر بأنها خرقت الارض لشدة وقوعها وغزارتها حتى سختْ في الثرى.
    )الست من القوم الذين رماحُهُم ... نداهُم ومن قتلاهُمُ مُهجةُ البخلِ(
    لما استعار للبُخل مهجة مقتولة، فجعلها إحدى قتلاهم، وكان البخل إنما يُقتل بالندى، جعل نداهم رُمحاً يُقتل به البخل. وقيل: من رماحهم نداهم: اي يجودون بما أفاءت عليهم رماحهم. والاول أولى لقوله: ومن قتلاهم مهجةُ البخل. وقوله: )مهجة البخل(: تفلسُفٌ لانه إذا قتلت المهجة والمهجة قوام المقتول أغنى ذلك عن وصف الجملة بالقتل. وهذا منه احتيال مليح لتسوية إعراب الرَّوى. وليس للبخل مُهجةٌ. إنما المهجة للحيوان فاستعارهُ وسهُل ذلك حين استعار لقتل للبخل. وقال: )ألست(. فأخرج اللفظ مُخرج الاستفهام ومعناه الإثبات والتقرير كقوله )ألستُ بربكم(؟ قال جرير:
    ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بُطزن راحِ
    فمعناه انت من القوم الذين شأنهم كذلك كما أن معنى )ألستُ بربكم(: أنا ربُّكم. ومعنى )ألستم خير من ركب المطايا(: أنتم خير من ركب المطايا.
    )ويبقى على مرِّ الحوادثِ صبرهُ ... ويبدُو كما يبدُو الفرندُ على الصقلِ(
    اي إذا نزلت بك الملماتُ ثبت من صبرك وتبين من جلك ما يزيدك في النفس جلالاً لأن ذلك عين الخبر والمحنةِ، كما أن السيف إذا أخذ منه الصقلِ جلا عن جوهره الذي كان يخفيه منه الصدى فازداد شرفاً بذلك؛ ولذلك قالوا: خرج منها كالشهاب. اي بين الفضل واضح الشرف. وقابل الحوادث بالصقل لأن ذلك روز واختيار وداعية إلى الوقوف الصحيح من الشيء.
    )بنفسي وليدٌ عاد من بعد حملهِ ... إلى بطنِ أم لا تُطرقُ بالحملِ(
    يعني انه عاد من بعد الحمل الذي تبعته الولادة إلى بطن أمٍ لا تضع حملها يعني الارض لأن من تضمنته لا يخرج منها إلا إلى الحشر فجعل تضمينها له كالحمل به، ونفي عنها التطريق الذي هو ضد الحمل وكل ذلك مستعار.
    )وما الموتُ إلا سارٌ دقَّ شخصُه ... يصُول بلا كف ويسعى بلا رجلِ(
    قوله )دق شخصه(: كلام شعري لأن الموت عرض والعرض لا يُشخص، إنما التشخيص للجواهر. وقد يُتجوز بالعرض المحسوس كالحمرة والصفرة. فأما الاعراض النفسانية فلا تُشخص وسوغه ذلك قوله فيه )سارق( لأن السارق لا يكون إلا شخصاُ، فلما نسب إليه صفة لا تكون إلا في الجواهر، وهو السرق استعار له التشخص. )يصُولُ بلا كف ويسعى بلا رجل(: اي انه عَرَض والعَرَض لا يد له ولا رجل.
    )يرُدُ أبو الشبلِ الخميس عن ابنهِ ... ويُسلم عند الولادة للنملِ(
    يعذر سيف الدولة في أنه لم يطق دفع المنية عن ابنه يقول: إن الأسد يردُ الخميس عن شبله وذلك لكبر أجرامهم وعظم أشخاصهم ويسلمه عندما يولد للنمل تأكله إذ لا يطيق دفعها عنه لدقة أشخاصها فكذلك الموت لو نجم لردهُ سيف الدولة عن ابنه ولكنه عَرَضٌ غير مُتجسم ولا محسوس، فلا قوة به عليه، بل سيفُ الدولة أعذر من الأسد لأن النمل وإن دقت فهي مرئية والموت غير مرئي، فدفعه أبعد من الإمكان. ألا ترى إلى قول بعض حكماء العرب يوصي ابنه: )فإنما تغُر من ترى ويغرُّك من لا يُرى(. يعنى الموت وهو الذي لا يُرى.
    وله ايضا:
    )فما تُرجى النُّفوسُ من زمن ... أحمد حاليه غيرُ محمُودِ(
    اي أحمد حإلى الدهر أن يمُد للإنسان في العمر ويُسلمه ثم يفضى به بعد ذلك إلى الهلكة وتلك حال غير محمودة لمصيرها إلى ما لا يُحمد، لكنها أحمد الحاليت، فما ظنك بالآخر. وإن شئت قلت: أحمد أحولك بقاؤك بعد صديقك، وتلك حالٌ غير محمودة لما هو به من تعجُّل الوجل وانتظار الأجل. وهذا إفراط من القول لانه إذا كان الأحمد غير المحمود فهو مذموم لا محالة. فأي صفة تقع على الأذم والمحمود مذموم ما هي إلا أن الأذم أذهب في باب الذم وإلا فالذم مشتمل عليها فذكر محموداً لانه ذهب إلى الأحمد.
    )نحملُ أغمادُها الفداء لهمُ ... فانتقدُوا الضربَ كالأخاديد(
    الأخدود: الشق الواسع في الارض يُخذُّ فيها: اي يحفر. شبه الضربة العظيمة بها وكان ابو وائل تغلب هذا، قد أسرته بنو كلاب، فضمن لهم الفداء عن نفسه فكان مكان ما ضمن لهم من الفدية أن غزاهم فأوقع بهم ألا ترى إلى قوله فيه وفيهم:
    فَدَى نفسه بِضمانِ النُّضار ... وأعطى صُدور القنَا الذَابِلِ
    ومناهمُ الخيل مجنُوبةً ... فجشن بكل فتى باسلِ
    فيقول: تحمل لهم أغمادُ السيوف ما ضمنه لهم من الورق والعين وغيرهما، وذلك منه هُزء بهم اي إنما كان الفداء المحمولُ إليهم أن ضربُوا بما في الأغماد وهي السيوف. فكانت كل ضربة على قدر الأخدود عظماً. ولما كان المعتاد في الفداء الذهب والفضة بالأغلب جعل السيوف نقوداً والأغماد أكياساً، وحَسُن ذلك لأن السيف من الحديد، والحديد يشرك الذهب والفضة في أنه جوهرٌ معدني كما أنهما معدنيان. فانتقدوا الضرب، اي قام لهم مقام النقد. وقيل: وقع بهم أجود الضرب كما يختار المنتقد أجود الدراهم والدنانير، وكله هُزء. وقوله: )كالأخاديد(: في موضع الحال. اي انتقدوا الضرب عريضاُ ومستطيلا. والضرب ها هنا يجوز أن يكون الجنس، وأن يكون جمع ضرْبة. فقد ذهب محمد بن يزيد في قوله تعالى: )غَافِرِ الذْنْبِ وقَابِلِ التَّوبِ( إلى انه جمع توبة، إلا أن أكثر ذلك إنما هو في الجواهر المخلوقة دون الأعراض، نحو لوزة ولوز. وقد جاء في الجوهر المصنوع منه شيء كدواة ودوى، وسفينة زسفين. فأما في العرَض فقليل كما قلنا. لكني أوثر أن يكون الضرب هنا جمع ضرْبة لقوله )كالأخاديد( مع ما آنسنا محمد بن يزيد في قوله تعالى: )وقَابِلِ التَّرْبِ(. وأضمر السيوف في قوله: )تحمل أغمادها( للعلم بمكانها، كقوله تعالى: )كُلُّ من علَيْها فَانِ( وأيضا فقد جاء ذكر الجنود والسيوف متصلة بهم فكأنها مذكورة.


    عبدالله عمر

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    مَوِقعُه في فراش ِ هامهِم ... وريحُه في مناخرِ السيدِ
    الفراش: قشور تكون في الرأس على العظام دون اللحم، وقيل: ما يتطاير من عظام الرءوس واحدته بالهاء. و )مَوْقعِه(: وقوعه. اي يقع هذا الضرب برؤسهم فَتَشمُّ الذئابُ رائحة الدم فتقطع إليهم لتأكلهم. فالهاء في قوله: )وريحه( ليست للضرب لأن الضرب لا طبيعة له فيكون ذا ريح، وإنما الهاء للدم، فأضمره لمكان العلم به، وقد يجوز أن تجعل الريح للضرب. وإن شئت قلت: إذا وقعت الضربة أرشت دماً فتغير منه الهواء، حتى ينشق الذئب رائحته فيستدل عليه. وقوله )في مناخر السيد( كان ينبغي أن يقول منخر السيد أو في منخري السيد. ولكنه جعل كلَّ جزء من المنخر منخراً، ثم جمعه كما حكاه سيبويه من قولهم للبعير: ذو عثانين كأنهم جعلوا كل جزء منهم عُثنوناً. وعليه وجه قول العرب: آتيك عُشياَّنات، قال: جمعوا لانه حين، كلما تصوبت الشمس، ذهب منه جزء. وأنشد قول جرير:
    قال العواذلُ مالجهلك بعدما ... شابَ المفارقُ واكتسين قتيرا
    وإن شئت قلت: إنه عنى بالسيد هنا: النوع فجمع المنخر لذلك وكل واسع.
    )ثُم غَدَا قيدُهُ الحِمام وَماَ ... تَخلُصُ منه يمينُ مصفُودِ(
    صدت الأسير وصفدته: أوثقته. وأصفدت الرجل: أعطيته رالألف لا غير. فمصفُودٌ على صفدته. وكانت أغلال العرب القدز ولهذا قالوا في المرأة السيئة الخلق: غُلٌّ قملٌ، لأنهم كانوا يشدُّون القد على الأسير فيقمل. فمعناهُ: كان هذا الميت ابو وائل أسيراً في يد العدا فأنقذته منهم ثم غدا بعد ذلك في أسر الموت فلم يك بك قدرة على تنقذه منه وما يخلص منه يمين مصفُود. وعذرهُ لعجزه عن تنقُّذه إياه من الموت، فالموت لا يخلص منه من أوثقه. فأنت ياسيف الدولة غير ملوم على أن لم تنقذه من الحمام كما تنقذه من الأنام. )قيده الحمام(: مبتدأ وخبر في موضع خبر غدا، واسم غدا: مضمر فيها، كما حكاه سيبويه من قولهم: )كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه اللذان يُهودانه أو يُنصرانه( أضمر اسم يكون فيها، وجعل جملة في موضع الخبر، وأنشد:
    إذا ما المرءُ كان أبوهُ عبسٌ ... فحسبك ما تريد إلى الكلام
    ولو قال: )ثم عدا قيدُهُ الحمام( أو )قِدُّهُ الحمام(، لكان حسناً لكنه لما كان ذكره إنما هو لأبى وائل، وقد أجره كثيراً، أكد ذلك بالمحافظة عليه فأضمره الا ترى قوله: )قد مات من قبلها( . . . وقوله: )ما كنت عنه( . . . وقوله: )أين الهبات التي يفرقها( إلى سائر ما في القطعة من إخباره عن أبى وائل، واستفهامه عنه.
    وله ايضا:
    )ولا فضل فيها للشجاعة والنَّدَى ... وصبر الفتى لولا لقاءُ شعُوبِ(
    فيها: اي في الدنيا. وشَعُوبُ: المنية تَشعب اي تفرق، وأنشد يعقوب:
    فقام إليها بها جازرُ ... وَمن تدعُ يوماً شَعُوبُ يُجبها
    يعزى عن الدنيا ويقول إن تمام هذه الفضائل فيها إنما هو بتيقُن الفناء. اي لولا خوف الموت، شجع كل الناس وجادوا وصبروا فلم يك أحد مخصوصاُ بهذه الفضائل دون صاحبه ولو كان كذلك لم يك لهذه الفضائل فضل لأن الأشياء إنما تَتَبَينَّ بأضدادها. فلو عُدم الضد خفى ضده. وإن شئت قلت: لو أمن الموتُ لما كان للشجاع فضل، لانه قد أمن الموت. وكذلك السخيُّ والصبور لأن اعتقاد الخلود، وتنقل العُسر والشدة إلى الرخاء مما يُسكن النفوس ويسهل البوس. هذا قول أبى الفتح، وهو حسن. وقوله: )لولا لقاء شعُوب( اراد لولا تيقن لقائها. و )الفتى( هنا لا يعني به فتاء السن إنما يراد به المدخ. كقولك: أنت الرجلُ اي الجلد الصابر وكقول الهذلي:
    فثى ما ابنُ الأغر إذا شَتَوْنا ... وُحبَّ الزاد في شَهرْى قُماحِ
    كنى بالفتوة عن الكرم، كأنه قال: ابن الأغر كريم مُتَفَتٍّ، ولولا ذلك لم يعمل )فتى( في )إذا( لأن الظروف لا تعمل فيها الا الأفعال أو ما هو في طريقها، واذا قلت زيد فتى تعني به السِّن، فليس فيه معنى فعل.
    )فعُوض سيفُ الدولة الأجر إنه ... أجلِّ مُيبِ(
    إن شئت عنيت بالمثاب سيف الدولة، وإن شئت عنيت به الأجر الذي أثيبه.
    )إذا استقبلت نفسُ الكريم مُصابها ... بخُبثٍ فاستدبرتهُ بطيبِ(
    المصاب هنا الإصابة لأن المصدر قد يخرج على شكل المفعول به لانه في المعنى مفعول، فمن ذلك الميسور والمعسور والمعقول والمجلود فأما فيما جاوز الثلاثة فمطرد كالُموفى في معنى التوفية، والمقاتل في معنى القتال أنشد سيبويه:
    أقاتل حتى لا أرى لي مُقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس
    والخُبثُ في هذا البيت: كناية عن الجذَع، وجيشان النفس عند الفزع. والطيب: كناية عن الصبر والتوطين. اي إذا جَزع الفهم في أول نزول المصاب به رَاجَع أمره بعد ذلك، فعاد إلى الصبر. وإن شئت قلت: من لم يوطن نفسه للقاء المصائب قبل نزولها صعبت عليه عند حلولها فليستشعر اللبيب التوطن على لقاء المكروه لانه إذا لم يفعل ذلك، ونزل به ما يكره، عظم عليه وجزع منه ثم يحول بعد ذلك إلى الصبر، لا جدوى له الجزَع. فالحكم أن يبتدئ أولاً بما يعود إليه آخراً كقول الشاعر:
    رأى كلَّ شيء إلى غاية ... فصيرَّ آحَرهُ أولاَ
    وقد فسر المتنبي معنى هذا المتقدم بقوله بعد هذا:
    )وللواجِد المحزُونِ مِن زفراته ... سُكونُ غزاء أو سكونُ لُغُوبِ(
    اي لابد للمحزون أن يسكن حزنُهُ: إما تعزيا وهو الحميد، وإما إعياه وهو اللغوب. وإن شئت قلت: إن لم يصبر تعزياً واحتساباً، وإلا صبر لغوبا حين لا أجر له ولا فضل.
    وله ايضا:
    )فَلم لا تلُوم الذي لاَمَها ... وما قصُّ خاتمه يذْبُلُ(
    كأن لائماً لام هذه الخيمة على عجزها عن الاستقرار على سيف الدولة والاعتلال له حين تقوضت. فيقول: لا ينبغي أن تُلام ذلك ليس في وسعها، ولا استطاعتها، وليس على تارك ما يطيق لوم. فإن كان الإنصاف أن تُلام هذه الخيمة على ما ليس في طوقها، فلم لا تلُوم لائمها على أن لم يطق أن يجعل فصَّ خاتمه يذبل؟ لأنهما قد استويا في العجز وإنما كان ينبغي أن يلومها من أطاق التختم بهذا الجبل. فإذن لا أحد يقدر على ذلك فلا تلومن الخيمة على تقوضها، وضعفها عن حمل سيف الدولة، لأن العجز عن الممتنع قد وضح فيه العُذر، و)لِمْ(:لغة في )لِمَ( فاشية معروفة.
    )فام اعتمد اللهُ تقويضها ... ولكنْ أشار بما تَفْعلُ(
    اي لم يقوضها ليحُزنك، ولكن اشار عليك بالرحيل نحوما اختاره لك من الجهاد، وسلوكِ شُبُل الرشاد. والإشارة من الله عز وجل عليه: إنما هي إلهامُهُ إياهُ، وليست على حد الاشارة الانسانية، لأن إنما هي الجوارح. وربنا تعالى يَجِلُّ عن ذلك.
    )رأتْ لون نُوركَ في لونها ... كَلَون الغَزَالةِ لايُغسَلُ(
    وهذا عذر الخيمة في سقوطها، اي أنها رأت لون نورك في لونها كنور الشمس فراَعها في ذلك، لانها ظنتك الشمس؛ التي هي ملك الكواكب، فلذلك سقطت لأنها استعظمت حملها لك، وقوله: )لايُعْسَلُ( اي اصل نورك بها، حتى صار فيها كالشامة التي لا تُحمى بالغسل.
    )وقد عَرَفتكَ فما بَالُها ... تراك تَراها ولا تَنزِلُ(
    هذا البيت شُنع وكُفر لما عنى أن هذه الكواكب غير عاقلة لأنها لو كانت عاقلة لعرفَتْك، وتبينت أن مَحَلك فوق محلها، فكانت تنزل إليك فإذا لا تنزل، فهي غير عارفة بك، واذا هي غير عارفة بك، فهي غير بك، وإذا هي غير عارفة بك، فهي غير عاقلة. ولعمري، فقد ذهب في تلك إلى تكذيب من ادعى أن الكواكب تعقل وإن كان قد غلا.
    وله ايضا:
    )وما عَفَتِ الرياحُ له محلاَّ ... عفاهُ من حدا بهمُ وساقَا(
    اي لم الرياح هذا المنزل، وإنما عفاه بتنقلهم عنه وإخلائهم له.
    )نَظَرتُ إليهمُ والعينُ شَكْرى ... فصارت كلُّها للدمع ماقا(
    شَكْرى: اي ملأى لم تفض بعدُ. والماقُ: مجتمع الدمع. فلما رأتهم متحملين، فاض الدمع مع جميع جوانبها ولم يخص الماق وحده، بل صارت العين كلها مَجرىً، فكأنها كلُّها مآق، كقول الشاعر:
    أقلبُ عيني في الفوارس لا أرى ... حراقاً وعيني كالحجاةِ من القَطْرِ
    اي تملأت كلُّها من الدمع حتى عادت كالحَجَاةِ؛ وهي نُفاخة الماء.
    ولا أقول: إن الألف في )ماق( مبدلة من الهمزة، لمكان الردف، لأنهم قد قالوا )ماق( بزنة )مال( وكسَّرُوه على أمواق كأموال، فدل ذلك على أن ألفه منقلبة عن واو؛ كألف مال. ولو لم نعرف مافاً مكسراً على أمواق، لعلمنا أن ألفه منقبلة عن هكزة، لقولهم مأق مهموزة.
    إن شئت قلت: إذا نظرته العين استحسنته، فلم تعدُه، وتثبت فيه. فكثر الناظرون إليه من كل جانب حتى كأنه متنطق بالحدق. وإن شئت قلت: تثبت الأبصار فيه لبضاضته ونعمته؛ فكأن ما ثبت فيه من حَدق الناظرين إليه نطاق له. واراد كأن عليه نطاقا من الحَدَق المُحدق به.
    )أباحَ الوحشَ يا وحشُ الأعادي ... فَلم تَتَعرضين له الرِّفاَقا(
    الحشُ مؤنث. ويروى )أباحك أيها الوحش الأعادي(. والأعادي: جمع الجمع: عدو وأعداء وأعادٍ؛ وأصله أعادي كأفاعي؛ فحذفت إحدى الياءين تخفيفاً، ثم حذفت الأخرى حذفاً لغير علة؛ وصار التنوين عوضاً منها. واراد )الأعادي( لانه في موضع نصب؛ بكونه مفعولاً ثانياً فاضطره الوزن إلى تسكين الياء. والرفاق: جمع رفقة كُحفرة وحفار، وعلبة وعلاب والمعنى أيتها الوحش؛ قد أباحك هذا الممدوح أعاديه قتلهم وصَرَعهم لك؛ وحكمك في أكلهم، فلم تتعرضين له الرفاق السائرة إليه، وقد أغناك عن الاعتساس والطلب فيمن أجزرك من أعاديه؛ وجَعَله لك أكيلة.
    )إذا أنعلن في آثارِ قوم ... وإنْ بُعدوا جُعلنهمُ طراقا(
    الطراق: نعل تُطرح تحت النعل؛ استظهاراً وتوكيداً. اي إنها إذا أنعلت في طلب قوم أدركتهم فدلستهم؛ فصارت أشلاؤهم نعالاً لتلك النعال.
    )أقامَ الشعرُ ينتظهر العطايا ... فلما فَاقتِ الأمطار فاقا(
    انتظر الشعر أن تُحسن، فأشكرُ وأشعرُ. فلما فاقت عطاياك الأمطار، فاق شعري الاشعار كقول البحتري:
    فقد أتتك القوافي غبَّ فائدة ... كما تَفتحُ بعد الوابل الزهرُ
    )يُقصرُ عن يمينك كلُّ بحرٍ ... وعما لم تُلقهُ ما ألاَقا(
    لاَقَ الشيء وألاقهُ: أمسكهُز ولاقَ هو نفسهُ: أمسك. وأنشد سيبويه:
    تقولُ إذا استهلكتُ مالاً للذةٍ ... فُكيهةُ هشىءٌ يكفيك لائقُ
    يقول: يقصر البحر عن يمينك جوداً؛ ويُقصر ما آلاق من الأعلاق، عما بذلته أنت. اي إنما تعطيه أنت أكثر مما يمسكه البحر في ذاته.
    وله ايضا:
    )لا الحُلمُ جاد به ولا بمثالهِ ... لولا اد كارُ وداعهِ وزيالهِ(
    اي مثله لايستطيع الحلمُ أن يُصوره، لانه أرفع من ذلك. لكني تذكرته حين نذكرت وداعَه ومزايلته؛ فثبت ما امتثلت منه في هاحسى؛ فأراني النوم إياه. فإذن لم يجد لديه إلا تذكرهُ به. وهذا رأى بعض الفلاسفة فيما يراه النائم. وقال أبو تمام:
    زارَ الخيالُ لها لا بل أزاركهُ ... فكرٌ إذا نَامَ فكرُ الخلقِ لم يَنَمِ
    وإن شئت قلت: إنه بالغ بصفة هجر محبوبه له فقال: لا يسمح لي بمواصلةٍ في يقظة ولا نوم؛ وإنما أطلت تذكره؛ وواصلت ذلك ليلاً ونهاراً حتى رأيت خياله. وأبلغ منه قول الآخر:
    )صَدَّتْ وعلمت الصدود خيالها(
    فهذا يصف أنه لم ير خيالها.
    )إن المعيد لنا المنامُ خيالهَ ... كانت إعادتُه خيال خياله(
    اي كنا قبل النوم نتخيل خياله بالتذر والتفكر؛ فلما نمنا رأينا خيال ذلك الخيال الذي كنا تخيلناه. وإن شئت قلت: إنه كنى بذلك عن قلة الزمن الذي استمتع فيه بالخيال. والإعادة بمعنى المُعاد، وضع المصدر موضع الاسم ولا يكون الخيال هو الإعادة، لأن الخيالَ جوهرٌ والإعادة عَرَض.
    )نجني الكواكب من قلائدِ جيده ... وتنالُ عين الشمس من خلخالٍه(
    السابق من هذا البيت إلينا؛ أنه شبه دُر قلائده بالكواكب لبياضه، وخَلْخاله بعين الشمس لاستدارته ولونه، إن كان من ذهب ولكن ألطف من هذا أن يقول إن هذا المحبوب ممنوع لا تصل اليد إلى العبث بقلائد جيده، ولا تمسُّ خلخاله الأيدي، فيقول: من مس قلائده فكأنه جنى الكواكب لبُعدها ومناعتها، ومن نال خَلْخاله؛ فكأنه نال الشمس لذلك أيضاً مع التشبيه الذي تقدم ذكره لو قال: )وننال الشمس من خلخاله( كان كافياً في المعنى لكن قال: )عين الشمس( لأن هذه الجارحة مستديرة. وإن شئت قلت: إنه عنى بعين الشمس حقيقة جوهرها، لأن هذه الجارحة من الحيوان.
    )بنتُم عن العين القريحة فيكُمُ ... وسَكنتُم طي الفُؤادِ الوَالهِ(
    فيكم: أي من أجلكم، كما تقول: هُجرت فيك: اي من أجلك. وليست )في( هنا للوعاء )وسكنتم طي الفؤاد(: كان يعني من ذلك أن يقول: وسكنتم الفؤاد. ولكنه وطأ بذكر الوطن صنعةً وتسبباً، إلى خفظ إعراب القافية وجعل الهاء الأصلية في الواله لأن العرب تصل بها أصلاً كما تصل بها زائدة. قال:
    ضوريةٌ أولعتُ باشتهارها ... ناصلة الحقوينِ من إزارِها
    يُطرقُ كلبُ الحي مِنْ حِذارها ... أعطيتُ فيها طائعاً أو كارِها
    فوصل بالهاء الأصلية في قوله كَارِهَا وفَارِها كما وصل بالزائدة في سائر الأبيات.
    )فَدَلوتُمُ ودُنُّوُّكُم من عندهِ ... وسَمَحْتُمُ وسَماحُكُم من مالهِ(
    اي فكر فيكم فأدناكم فؤاده، ولم تدنُوا أنتم بإرادتكم. فالمنُّ للفؤاد لا لكُم، وسمحتم وسماحكم من ماله. اي سمحتم له بالزيارة، وسماحكم من لدُنه لانه إنما كان لما امتثله خاطركم من ذكراهم، وتصور لقياهم. ولما ذكر السماح استجاز ذكر المال، وإلا فلا حقيقة له.
    )اني لأبغضُ طيف من أحببُته ... إذ كان يهجرني زمان وصاله(
    إنما شنأ الطيف، لانه وصله أيام هجر الحبيب له، وهو المُوجب لزيارة الطيف لأن إمكان الوصل الحقيقي لا يكاد يكون معنى خيال إنما الخيال مع عدمه لما يحدُث من الشوق والتوق.
    وقيل معناه: إذا كان الحبيب يهجرني زمان وصال الخيال، وهذا من الضعف بحيث لا يلتفت إليه. وإنما نقلته تعجباً.
    )إن الرياح إذا عمدن لناظرٍ ... أغناهُ مُقبلُها عن استعجالهِ(
    اي أن الممدوح من شيمة المباردة إلى الجود، ما يغني عن السؤال، كما أن للريح من السرعة ما يغني عن الاستعجال لها. والهاء في استعجاله يجوز أن تكون للناظر، فتكون في موضع الفاعل، اي من استعجاله إياها، ويجوز أن تكون للمٌبل، فتكون الهاء في موضع المفعول. وذلك أن الاستعجال مصدر، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول.
    )غَرَب النُّجومُ فَفُزن دون هُمُومهِ ... وطلعن حين طلعن دُون منالهِ(
    اي قد نال ما هو أعلى من النجم، وهمته في ذلك غير مقتنعة بما نالت، ولا مقتصرة عليه، فهي تطالبه بما هو أبعد من مطالعها ومغاربها.
    وله ايضا:
    )الفاعلُ الفعل لم يُفعلِ لشدتِه ... والقائلُ القول لم يُترك ولم يُقل(
    اي يفعلُ الذي لم يفعله غيره، بل عجز عنه وقصر، لشدته وثقل مئُونته، و)القائل القول لم يُترك(: اي لم يُترك الناس اجتهاداً في أن يقولوا مثله، فهذا معنى قوله: )ولم يُقل(. وهو كقول البحتري:
    في غايةٍ طلُبت وقصر دُونها ... من رامها فكأنها ما تُطلبُ
    اي لما كان الطلب علةً للإدراك؛ ثم لم تك هذه الغاية مُدركة، كان الطلب كأن لم يكن.
    وتقدير البيت: الفاعل لفعل الذي لم يُفعل؛ والقائل القول الذي لم يقل؛ فحذف )الذي( ومثله كثير كثير؛ أنشد سيبويه:
    لو قُلت ما في قومها لم تيثمِ ... يفضلُها في حسبٍ وميسمِ
    )هو الشجاعُ يعدُ البخل من جُبنٍ ... وهو الجونادُ يعدُ الجبُن من بخلِ(
    اي انه شجاع جواد؛ لأن إحدى هاتين الصفتين منوطة بالأخرى؛ لأن الشجاع يجب له أن يعلم أن البُخل جُبن وهلعٌ من الفقر؛ فإن كان بخيلاً فهو ناقص الشجاعة؛ لحذره من الإعدام؛ ويُحبُّ للجواد أن يعلم أن الجُبن بخلٌ بالنفس؛ فان لم يك ذا شجاعة فهو ناقص الكرم؛ لبخله بذاته.
    فهذا الممدوح قد تبين له أن البخل جُبنٌ؛ وان الجُبن بُخلٌ؛ فلم يرض إحدى الخطتين دون صاحبتها؛ فشجُع وكرُم. ومثله قوله هو ايضا:
    فقلت إن الفتى شجاعتثه ... تُريه في الشُّح صورة الفَرَق
    وقد اجاد ابن الرومي تلخيص ذلك وتسهيله؛ فقال:
    البخلُ جبنٌ والسماحُ شجاعةٌ ... لاشك حين تصحح التحصيلا
    جبُن البخيل من الزمان وصرفهِ ... فتهيب الإفضال والتنويلا
    )وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم ... تركتَ جمعهُم أرضاً بلا رجُلِ(
    اي كانوا كثيرا قد غطوا الارض بكثرتهم حتى خفيت، فكأنهم بلا أرض البتة، يقول: قتلهم أنت حتى عادت تلك الارض المُوطأةُ بكثرتهم؛ أرضاً لا ترى فيها رجُلا. وأوقع )كم( على جميع هذا؛ لأنها خبر.
    قال:
    كم دُون سلمى فلواتٍ بيدِ ... منُضيةٍ للبازل القيدُودِِ
    وقوله: )تركت جمعهم أرضا بلا رجُل( جملةٌ في موضع جر، لأن موضع كم هنا رفع بالابتداء.
    )يا مَنْ يَسيرُ وحُكمُ الناظرين لهُ ... فيما يراهُ وحُكمُ القلب في جذلِ(
    اي قد أطاعتك آمالكُ، وحكمك الزمان في نيلك كل ما سعيت إليه، وبنيت هواك عليه، فما تقغ عيناك من المرئيات إلا على ما يسُّرهما ويؤديان به إلى فؤادك ما يخبرك ويسرك. وقال: وحكم الناظرين وحكم القلب: اي حكم ناظريه وحكم قلبه. وكلتا الجملتين في موضع الحال من الضمير الذي في الفعل، أعنى )يسير( اي: يا من يسير مسروراً جذلَ الفؤاد.
    )أجر الجياد على ما كنُت مُجربها ... وخُذ بنفسك في أحلاقِك الاولِ(
    السابق إلى من هذا البيت، أنه رأى منه تغيراً عما كان عليه من تفضيله على من سواه من الشعراء فقال له: اعدل كما كنت فاعلا.
    وأما ابن جني فقال: سألته عن هذا فقال: كان سيف الدولة قد ترك الركوب أياماً، فحضُه بذلك على المُعاودة
    )إذا كان مدحٌ فالنسيبُ المقدمُ ... أكُلُ فصيحٍ قال شعراً مُتيمُ(
    من شأن الشعراء إذا ارادو المدح، أن يقدموا النسيب. هذا هو الأغلب، حتى سموا الشعر الذي لا يُصدر بالنسيب خَصِياً، حُكِى هذا عن أبي زيد.
    فالمتنبي قد خَرَق في هذا الشعر عادتهم، وأنكرها عليهم، وجعل ابتداء شعره مدح سيف الدولة. ثم قال: )أكلُّ فصيح قال شعراً مُتيمُ(؟ هذا في اللفظ إنكارٌ، ظاهره استخبار، وهو في الحقيقة خبر منفي. اي ليس كل فصيح شاعراً مُتيماً، فيلزمه النسيب إذا مدح.
    )فَجَازَ له حتى على البدرِ حُكْمُه ... وبَانَ له حتى على البدرِ ميسمُ(
    اي إذا سار أثار الغبارَ، فحكم على الشمس بالاسوداد. وهو ضدُّ لونها. واذا سَارَ ضاعفَ الغبار. وكَلَفَ البدر. والميسم على هذا القول من الوَسمِ - الذي هو العلامة بالنار والقطع، وليس بآلة هنا، إذ لا معنى لذلك وقيل المِيسم هنا الحُسن. اي فاق البدر في الحسن والأول أولى.
    وتقدير البيت: فجاز له حُكم على شيء، حتى على شمس. وبان له وسم على كل شيء، حتى على البدر. وينبغي أن يكون الفعل مَنويا مع حتى، كأنه قال: حتى جاز على الشمس، وحتى بان على البدر، اي إلى أن. ولا تكون حتى هنا حرف غاية، وتكون داخلة على )على( لأن حتى وعلى حرفان، ولا يدخل حرف على حرف. فلا بد من تقدير حتى )بإلى أن(. وإذا قدرتها بإلى أن، فقد حصل الفعل؛ لأن )أنْ( لابد لها من الفعل.
    )وَلا كُتبَ إلا المشرفيةُ والقنا ... ولا رُسلُه إلا الخميسُ العرمْرمُ(
    اي الذي يقوم له مقام الكُتُب، إنما هو السيوف. والذي يقوم له مقام الرُسُل، إنما هو الجيش العظيم، يُهديه إلى عدوه. وإنما نفي عنه الإخلاد إلى الكُتب والرسل، لأن ذلك تأنٍ، وأخذٌ بالهُويني.
    )يطأن من الأبطال من لا حملنهُ ... ومن قصد المُران ما لا يُقومُ(
    القصد: كسر الرماح، واحدتها: قصدة. والمُران: وشيج الرماح إذا لأن وتخلق، من المرانة؛ وهي اللين، ألا تراهم قالوا في هذا المعنى: ... رمح لدن. واللُّدنة: اللين. ومن هنا زعم سيبويه أنه إذا سميت بُمرانٍ صرفنه؛ لتصوره معنى من اللين فيه. ومعنى البيت: أن خيله يطأن من أعدائه، منى لم يَحمِلنه. فومضع الماضي موضع المستقبل.
    وإنما توضع الأفعال بعضها موضع بعض في غالب الأمر مع الحروف، نحو قولك: إن فعلتَ فعلتُ: اي إن تفعل أفعل، وقولك: والله لا فعلتُ، تريد: لا أفعلُ.
    )ومِن قصَدِ المُران ما لا يقومُ(
    اي قد بالغت في تحطيم الرماح وتعويجها حتى ليس في الإمكان أن يُجبر عن كسرها؛ ولا أن يٌقوم مُنادُها وقيل: )مَنْ لاَ حَمَلتهُ(: دعا للمدوح: اي لا غلب عداهُ حرابه، فيملكوا خيلهم. والأول عندي أولى، لقوله: )ومن قصد المُران مالا يقوم( فهذا خبر، إلا أن تضع )يُقوم( موضع )قُوم( فيتوجه معنى الدعاء، وقد يجيء لفظ الدعاء مساوياً للفظ الخبر، كما يكون ذلك في الأمر والنهي، كقول الشاعر، أنشده يعقوب:
    كملقي عقالٍ أو كَمَهلكِ مالكٍ ... وليس لحي هالك بوصيلِ
    وقال الهُذلي:
    ليس لِميْتٍ بوصيل وقد ... عُلق فيه طرفُ المَوصِلِ
    فمعنى هذا كله: ولا وُصل هذا الحي بهذا الهالك. وهذا دعاء قد خرج على لفظ الخبر، ومثله كثير.
    )يُقرُّ له بالفضلِ من لا يودُّهُ ... ويقضي له بالسعِد من لا يُنجمُ(
    اي إن فضله ذائع شائع، يضطر عداه إلى الإقرار به له، تنكبا لخرق الإجماع، وعلما منهم أنهم أنكر، ولم يقبل ذلك منهم، فكان دليلاً على تعسُّفهم كقول البحتري:
    لا أدعى العلاءِ فضيلةً ... حتى يسلمها إليه عداهُ
    )ويقضي له بالسعد من لا يُنجمُ(
    أي قد عهد سعيداً ميموناً مدركاً لكل من طلب فيقاس بماضي أفعاله وحاضرها على مستقبلها.
    )أجار على الايام حتى ظننْتُه ... تُطالُبه بالرد عادٌ وَجُرْهُمُ(
    )أجار على الايام(: حمى منها ومنع، وجعل نفسه ملاذاً للناس منها، حتى ظننت أن الغابرين من الأمم ستطالبه بأن يردها إلى الحياة، وأن يُعديها على الأيام التي تحيلإتها وأهلكتها. وخص عاداً وجُرهماً لقدمهما. وإن شئت قلت: لعظمها.
    )كأجناسها راياتُها وشعارُها ... وما لبسته والسلاحُ المصمُ(
    عسكر العرب قبيلةٌ واحدة. فحيلة وسلاحه ملبوسه كُله عربي، وإنما مدح عسكره بذلك، لأن الجيش إذا كان من قبيلة واحدة كان أشد لبأسها. هذا قول ابي الفتح.
    والذي نؤثر نحن، أن عسكر العرب إنما هو كما قال، ألا ترى أن النابغة قد قال:
    وثقت لهم بالنصر إذ قيل قد غزت ... كتائبُ من غسان غيرُ أشائب
    وهي التي تسمى الحمرة. ومنه قول الحطيئة لعمر بن الخطاب: )يا أمير المؤمنين، كُنا ألف فارس، ذهية حمراء: اي لم يختلط بنا أحد، فهكذا عسكر العرب. فأما عساكر الملوك فكلما تنوعت أجنادها، كان أعظم لمُلكها، وأقدر لملكها، لانه متى تغيرت حربٌ ما، قوم بحرب آخر( فيقول إن أجناس عسكرها هذا الملك كثيرة مختلفة بالنوعية، فينبغي أن تختلف أيضاً أعلامها وبزتها وسلاحها، لكل نوع من أنواع الخميس زي يخالف زي صاحبه كقوله هو يصف عسكراً:
    تَجَمه فيه كل لسنٍ وأمة ... فما تُهمُ الحُداث إلا التراجمُ
    وتقدير البيت راياتهُا وشعارها وسلاحها كأجناسها. اي أن هذه المحمولات كلها متنوعة في ذاتها، كما أن الحاملين لها متنوعون. والتنوع الذي ذكرناه في هذا البيت؛ إنما هو تنوع بالنسب، وتنوع بالصورة، لا تنوع بالفصول الذاتية، ولو قال هو كأنواعها، لكان أشبه، ولكنه آثر كلام الجمهور.
    )بغُرته في الحرب والسلم والحجا ... وبذل الُّها والحمدِ والمجد مُعلمُ(
    اب أنه مُعلم بغرته في هذه الفضائل كلها مطرور لها. ذهب إلى شهرته وجَهرَته.
    )ضلالاً لهذي الريح ماذا تُريدُه ... وهدياً لهذا السيلِ ماذا يُؤممُ(
    دعا على الريح، لأنها عارضت سيف الدولة فآذت، ودعا للغيث لمشاكلته إياه في طبيعة الجود.
    تَلاَكَ وَبعضُ الغيثِ يَتبَع بعضَه ... من الشام يتلُو الحاذق المُتعلمُ
    تلاك يعني الغيث، ويخاطب الملك، وكان الغيث قد صحبه من الشام إلى ميافارقين وبعض الغيث يتبع بعضه: اي أنك غيث، فلا تلم الغيث في اتباعه إياك، لأن بعض الغيث يتبع بعضاً. و)من الشام(: متعلق بتلاك؛ اي تلاك هذه الغيثُ من الشام.
    )يتلو الحاذق المتعلمُ(: إما أن يكون هذا على المَثل، فيكون الحاذق والمتعلمُ نوعين، اي كل حاذق يتلوه مُتعلمه، من اي الطبقات كان. فهذا وجه المثل الكلي.
    وإما أن يهني بالحاذق سيف الدولة، وبالمتعلم الغيث، اي سيف الدولة هو الحاذِق بسلوك طريقة الجود، والغيثُ مُتعلمٌ منه فهو يتبعه لذلك.
    ولو اتزن له أن يقول: يتلو المُعَلمَ المُتعلّم، لكان حسناً لمقابلة الفاعل بالمنفعل المفعول، ولكن في الحاذق مزيةٌ، اذ ليس كل مُعلم حاذقاً.
    )ألم سألِ الوابلُ الذي رام ثنيناَ ... فيُخبره عنك الحديدُ النُثبمُ(
    اي: ألم يسأل الوبلُ الذي اراد صرفنا عن وجهنا، الجديد المَثلم فيخبره عنك، انه لم يجد فيك مطمعا، ولا لصرفك مَوضعاً. فكيف يروم الغيث من فك وصرفك، ما عجز عنه الحديد، الذي هو أقدر على ذاك منه. فالعامل في هذا البيت الفعل الآخر، الذي هو )فيخبره(. وهذا كقولك ضربتُ وضربني زيد، اي ضربت زيداً، وضربني زيدٌ.
    فخذف لدلالة الثاني. وقد أبان سيبويه ذلك وقال: إنه كلام العرب، أو أكثر كلامها. يعني إعمال الثاني. ولو أعمل الاول لقال الحديد المثلم فيخبره، وهو كقولك: ضربت وضربني زيداً، اي ضربت زيداً وضربني.
    وله ايضا:
    )وَمن صحب الدنيا طويلاً تَقَلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا(
    اي لا صدق أصدقُ من العيان، وبه تثبت حقيقة البُرهان. فيقول: من عرف الدنيا علم أن ما يراه عياناً مما يسره، لا يلبث أن يزول، فيعقبه ما يسوءه فكأن ذلك الصدق المدرك بالعيان كذب. و)طويلا( هنا: نصب على الحال، ولا يكون على الظرف، لأن طويلاً ونحوه صفة، وليس بحين يقع فيه الفعل، ولذلك اختار سيبويه في قولهم: )سِبر عليه حسناً وشديداً ونحوهما( أن يكون أحوالا لا ظرفاً، لما قدمنا.
    لقدْ لعب البينُ المُشتُّ بها وبي ... وزودني في السير ما زود الضبا
    يعني ما زود الضبَّ العدم، وإن كان لفظه لفظ الوجود. اي لم يُزودني شيئاً بقدلا ما يشربُ الضبُّ من الماء. والضب لا يشرب الماء ألبتة، إنما يستروح النسيم.
    )إذا الدولةُ استكفتْ به في مُلمةٍ ... كَفَاهَا فكانَ السيفَ والكفَّ والقلباَ(
    استكفت به: اي طلبت الكفاية. ولو قال استكفتهُ فاتزن، كان )مثل( قوله: استغفرت الله واستعجلت السير.
    )كفاها فكان السيف والف والقلب(: اي كان هو الجامع لهذه الثلاثة، وذلك أن السيف لا يستغني عن الكف، والكف لا تقبض عليه حتى يؤيدها القلب. وقد قال هو في تحقيق هذا:
    وَلَكِن إذا لم يحمل القلبُ كفه ... على حاله، لم يحمل الكف ساعدُ
    )فبُورِكت من غيثٍ كأن جثلُودنا ... به تُنبتُ الديباج والريط والعصبا(
    العَصبْ: برود اليمن، جعله كالغيث وجعل جلودهم كالأرض التي إنما تُنبت بالغيث. فان شئت قلت: كَنَى بالديباج والربط والعصب عن نَعْمة جلودهم وما يعلوهم من الخير. وإن شئت قلت: كنى به عما تَهب لهم من الكُسا، وإن شئت قلت: إن الغيث يُنبِت الرياض، وجلودُنا بنداك تنبت ما هو أحسن من الرياض: عَصْباً وديبتجاً.
    )ولكنه وَلى وللطعنِ سورةٌ ... إذا ذَكرتها نفسُه لمَسَ الجَنبْاَ(
    سَورة: حِدةٌ وارتفاع: اي إذا ذكر سَورْة الطعنة لم يصدق أنه نجا منه فلمس جنبه، ليعرف هل أصابه الطعن أم لا؟ كقول أبى نواس:
    إذا تفكرتُ في هواى له ... لمستُ رأسي هل طار عن جسدي
    يعني أنه يَهوَي ممتنعاً عزيزاً.
    )فأضحى كأن السُّور من فوقُ بضدؤُهُ ... إلى الارض قد شَق الكواكب والتُّرْبا(
    )من فوقُ(: مبني على الضم لحذف المضاف إليه. وبدؤه: ابتداؤه. اي أن هذا السور فوقه قد شق الكواكب إلى ما فَوقها؛ وأسفله قد شق التربَ إلى ما تحته، كقول السموءل بن عادياء يصف حصْناً:
    رَسا أصلهُ تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فَرع لا يُنال طويلُ
    فكأنه قال من السماء بدؤه إلى الارض. وإذا كان من السماء إلى الارض، فهو لا محالة من الارض إلى السماء. وإن كان المبدأ الصحيح إنما هو: من الارض.
    وله ايضا:
    )أعيذُها نظراتٍ منكَ صادِقةً ... أن تحسب الشَّحْمَ فيمَن شحمُه وَرَمُ(
    اي: أجلُ نظرك الصادق المصيب، أن تظن بي حُسن حالٍ، لما يظهر لك من شارتي، وانما ذلك تجمُّل لا غنى، فنظرُك هذا لايُشبه لك الأمر بخلاف ما هو به. ويكون النظرُ ها هنا ظنُّه الخير فيمن لا خير فيه؛ والاول أشبه.
    إذا تَرَحَّلْتَ عن قومٍ قدرُوا ... ألا تُفارقهُم فالراحِلُون هُم(
    اي إذا قدرُوا على إغنائي عن مُفارقتهم، ثم اضطلاوني إلى فراقهم )فُهمُ( المخلُّون بي حقيقة. وإن كنت أنا المخل بهم، لأن سبب إخلإلى بهم إنما هو سبب إخلالهم بي. وإذ لو شاءوا ألا أرحل عنهم لم أرحل.
    )وقد قدرُوا(: جملة في موضع الحال. وجاز أن يكون حالاً من قوم، وإن كانوا نكرة، لأن فيه معنى العموم، ولولا هذه الواو، لكان أولى من ذلك أن تكون الجملة في موضع الصفة للنكره. فأما مع الواو فلا يكون، لأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد. فإذا عطفت الصفة على الموصوف، فكأنك عطفت بعض الاسم على بعض، وذها مالا يسوغ. وأما الحال فمفصوله من ذي الحال، فجاز الفصل بينهما لذلك.
    )وَشرُّ ما قيصتهُ راحتي قنصٌ ... شُهبُ البُزاة سواء فيه والرخمُ(
    اي: أنا في الشعراء كالبازي في أنواع الطير، والشعراء غيري كالرخم، وبين البازي والرخمة من الفضل ما قد عُلم. فيقول: إذا تساويتُ أنا ومن لا تُدركه في أقدار عطاياك، فكان له منها مإلى، فأي فضل لي عليه، وإن كنت فاضلاً له؟ يقول: إما أن تُميزني على غيري من الشعراء، وتُبقي عطاياك لهم كما هي، وإما أن تُبقي عطاءك لي كماهو، وتُنزلهم عنه، ليكونوا دُوني في النوال، كما هُم دُني في المقال.
    وخص شُهب البزاة لأنها أفرهُهُن وأقنصُهُن. وقد قيل إن البُزاة كُلها شُهب. فليس إذن على طريق التخصيص، وإنما على حسب الصفة التي البزاة بها.
    )وَمُهجةٍ مُهجتي من هم صاحبها ... أدركتُها بجوادٍ ظهرُهُ حَرَمُ(
    اي: وُرب ذي مهجةٍ طلب مني ما طلبت منه فلم ينلى ونلُته أنا بجواد ظهره حرمَ: اي من ركبه ولاذ به لم يُنل، ولا قتِل، كما لا يُقتل اللائذُ بالحرم.
    )رجلاَهُ في الركضِ رجلٌ واليدان يَدٌ ... وفِعلُه ما تُريدث الكفُّ والقدَمُ(
    اي: أنه يطفرِ، فَتَقَعُ رجلاه معاً كأنمكا هما رجل واحدة. وكذلك تقع يداه، فكأنهما يد واحدة. و)فعله ما تريد الكفُّ( إذا ضربتْه، والقدم إذا ركضته.
    يقول: فهو يُغنى فارسه أن يضربه بسوط، أو يركضه بعقبيه؛ ليستدر بذلك جرْيته، ويستمري مشيته.
    وله ايضا:
    )أشكُو النوى ولهُمْ من عبرتي عجبٌ ... كذاك كُنتُ وما أشكُو سوى الكلل(
    اي: عجُبوا من بكائي وقد غيبها البُعد، وكذا كان دمعي وهي حينئذ قريبة لا تغيبها عني إلا الكلل. فكيف يعجبون من بكائي الآن. ... فقوله: )وما أشكو سوى الكلل(: جملة في موضع الحال. كأنه قال: كذلك كانت عبرتي وهذه المحبوبة قريبة. وجعل )سوى( ها هنا، اسما، فموضعها نُصب بأشكو. وهو في قوة قوله: وما أشكو شيئاً سوى الكلل. وحَسن ذلك أنه في معنى: وما أشكو إلا الكلل.
    )مابالُ كُل فُؤاد في عشيرتها ... به الذي بي وما بي غيرُ مُنتقلِ(
    اي به من الحب لها مثل ما بي. والذي بي مع ذلك منتقل وكان القياس، إذ كان بهم مثلُ ما بي، أن ينتقل عني حبُّها.
    وقيل معناه: به مثلُ الذي بي. والذي ثابت. فالذي بهم أيضاً ثابتٌ لا ينتقل. والفؤاد هنا يجوز أن يعني به الطائفة التي هي موضع الحب، أعنى القلب. ويجوز أن يعني به كل سيد في عشرتها، لأن الفؤاد من أشرف طوائف الجسم. وهذا كما يسمى الشريف عينا لأن العين أشرف الحواس، وألطف جوهراً، فيكون كقول أبى تمام: وسنى فما يصطادُ غير الصيدِ
    )مُطاعةُ اللحظ في الألحاظِ مَالِكةٌ ... لمُقلتيها عظيمُ الملُك في المُقلِ(
    اي إذا رأت العيون عينها، ملكت عينها العيون، فلم تقدر أن تتعداها إلى غيرها. فكأن عينها للعيون ما لكة، بمعنها إياها التصرف، والمالك مُطاعٌ. والألحاظ: جمع لحظ. على أنه سمي العين لحظاً، ثم جمعه وإلا لم يُسوغ جمعُ المصدر، إلا أن تكون العرب قد صرحت بجمعه.






    عبدالله عمر

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    ونظير الألحاظ قولهم )الاسماع( إنما سمي موضع السمع بالمصدر، ثم كُسر. ولو قيل إنه اعتمد اللحظ الذي هو المصدر مختلف الأنواع ثم كسره، كما كسرت الحلوم والأشغال، لكان وجها، إن كان ثبت عنده له سماع، يثبت أن المصدر الذي هو )اللحظ( يُجمع.
    ولو قال )عظيم الملك( بالكسر، لكان أشبه بمالك، كما أنه لو قال )ملكهُ( لا تزن ذلك؛ فكان ضم الميم في )المٌلك( أشبه بملك، لأن المعروف مالكٌ بين الملك، ومَلِكٌ بين الملك. ولكنه لما قال عظيم وكان )المُلك( أخم من )المِلك( )اختار المُلك(. وحسُن ذلك، لأن البيت يشتمل بذلك على الملك الذي هو أعم من المُلك بقوله: )مالكةٌ، وعلى المُلك الذي هو أشرف من الملك(.
    )تشبه الخفراتُ الآنساتُ بِها ... في مشيها فينلن الحسن بالحيلِ(
    الخفرةُ: الحييةُ. والآنسة: المتحببة. اي كل امراة حَسنة مقصرة عن حُسنها، تشبهُ بها في مشيتها، فيغيبُ حسنُ المشي حسنها. فتنال الحُسن بالتحيل. وحَسُن التشبه بها في المشي، لأن غير ذلك من أنواع حسنها لا يُقدر على محاكاته.
    )وقد أراني الشبابُ الرُّوح في بدني ... وقد أراني المشيبُ الروح في بَدَليِ(
    اي قد كنت فتى يُريني شبابي رُوحي في بَدَني لا أوذن بثُقلته، ولا استشعر قرب رحلته، فلما شبثُ أيقنت إلى الموت وإإلى فراق اللدنيا، ليعمرُها بَدَلي؛ اي غيري. فكأن )روحه( قد فارقه حين تيقن بإنذار المشيب أنه مُفارقٌ. وقد قال هو في هذا المعنى يصف الدنيا:
    تملكها الآتي تَمَلُكَ سالبٍ ... وفارقها الماضي فِراقَ سَليبٍ
    اي كأن الآتي سَلَبَ الفاني روُحه.
    وذُكر أن الحسن البصري مر بمكتب، فبكى فقيل له ما يُبيكيك فقال: اعتباري من هؤلاء الصبيان، كأنهم يقولون: انصرفوا قد بُعثنا أبدالكُم. إلا أن المتنبي تصور روحه في غيره والحَسَن لم يفعل ذلك.
    )وَقَْ طرقْتُ فَتَاَة الحي مُرتدياً ... بصاحِبٍ غيرَ عَزْهَاةٍ ولا غَزِلِ(
    الفتاة: أنثى الفتى، كقولهم: غلامٌ وغُلامة، ورجل وَرَجلة. الطُّرُوق: الإتيان ليلاٌ. وأضاف الفتاة إلى الحي، تفخيماً لشأنها، وإشادة بمكانها، كقوله:
    ولكن قلبِي يابْنَةَ القومِ قُلبُ
    وأراد بالصاحب: السيف لأن الصعلوك لا يفارق سيفه، فأشعر أنه مُتصعلكٌ بقوله: إن السيف صاحب له. والعزهاةُ: الماقت لحديث لنساء ومجالستهن. والغزلُ: ضدُّه. يقول: طرقت هذه الفتاة مُرتدياً لسيفي. وجعله لا عِزْهاةً ولا غَزِلا، لأن الغزل في طريق القسمة. والعزاهةُ في طريق العدم. فيقول:سيفي صاحب لا يوصف بعزاهة ولا بغزلٍ. والجمادُ لا يقبل قسمة ولا عدَماً. فتفهمه فإنه معنى لطيف، وهو باب من المنطق حسن. ولولا أنه ليس من غرض هذا الكتاب لزدته بياناً. وقد يجب أن أعذر في قولي )الَزَاهةَ(، لانه إنما قلته لمكان الغزل، وإن لم تستعمل العربُ )العَزَاهةَ(. وأقل من هذا العُذر يغنيني مع من عَلَمَ طريقة المنطق.
    )والمدحُ لابن أبى الهيجاء تُنْجِدُهُ ... بالجاهليةِ عينُ العي والخَطَلِ(
    كان بعض الشعراء يمدح سيف الدولة، بذكر أسلافه من أهل الجاهلية، فعابه اوب الطيب بذلك، وقال: إن فيما يشاهدون من أفعاله وفضائله ما يغني عن ذكر قدمائه من جدوده وآبائه.
    وإعراب البيت يتوجه عندي على وجهين: أوضحُهما أن يكون )المدحُ( مرتفعاً بالابتداء، و )عين العي والخَطَل(: خبره، اي: مدحه إذا أنجده بذكر الجاهلية عيٌّ وخَطَل. وبالجاهلية، متعلق )بتنجدهُ( اي تُقويه بها، ولا يجوز أن يكون متعلقاً بالمدح، لانه إذا كان كذلك صار في صلة المصدر وقد حُلت بينهما بتنجده، فلذلك لا يتعلق به.
    ويجوز أن يكون المدح مرتفعاً بالابتداء كما قدمنا، والخبر تنجده. وعين فاعلة بتنجده. اي مدح هذا الملك بأخبار الجاهلية إنما يَمدح المادحُ بها للعيه وخَطله.
    )والعُربُ منه مع الكُدري طائرهٌ ... والُّرومُ طائرةٌ منهُ معَ الحجَلِ(
    والعُربْ: لغة في العرب. ونظيرة، العًجم والعَجَم. والقطا: نوعان كُدري وجوني، فالكُدري اسم عمهما، وحَجَلُ: القبيح، واحدتها حَجَلة، وقد يكون واحدتُها )حجلي( فيكون الحَجل، اسم الجمع كما ذهب إليه سيبويه في قولهم: خادم وخدم، وعازب وَعَزب. فالقطا من طيور ديار العرب الوَحشية. والحَجَلُ من طير الجبال، وهي من مساكن الروم. فيقول: اضطر أعداءه من الفريقين إلى العرب منه والنوحُّش. فلحق كل واحد منهما بالوحشي من طير أرضه، وصار في جملته، حتى كأن لم يكن إنساناً، بكونه مخالفاً للطير. ولذلك قال: )طائره(.
    وقد يجوز أن يكنى بالطيران عن شدة العَرَب، وإلا فالعرب والروم وسائر الأجيال لا يتحولون طيراً.
    وخَصَّ حُوشية الطير دون سائر الوحش، لانها أسرع في الهَرَب. وقوله: )منه(: اي من أجله.
    )وما الفرارُ إلى الأجبال من أسدٍ ... تمشي النعامُ به في معقل الوعلِ(
    اي النعام سُهلية لا قوة لخفافها على خشونة الجبل، ولو ركب سيف الدولة النعام، سهل عليها من ذلك ما صعُب من سعده، ويمُن نقيبتهمشت به في معاقل الأوعال، وهي ذُرا الجبال لأن كل صعب سهلٌ عليه.
    وإن شئت قلت: إنه عنى بالنعام خيله، يقول: يركب أوعر الأوعار؛ فكيف يطمع العدو المعتصم بالجبل أن يُعيذه منه. ومما يُحسن أنه يعنى بالنعام هنا الخيل؛ وأنه ليس بحقيقة النعام، وقولُه: )وما الفرارُ إلى الأجيال من أسدٍ(، يعني بالأسد سيف الدولة، ولا نوع الأسد الذي هو السبُع.
    فمن ظريف الصنعة أن يوفق بين آخر البيت وأوله، فلا يعني بالنعام، النوع الذي يُقال له النعام، كما لم يعنِ بالأسد الشخص الذي يسمى أسداً على الحقيقة.
    )وردَّ بعضُ القنَابعضا مُقارعةً ... كأنه من نُفوس القموِ في جَدَلِ(
    اي ضاق المعترك، وتحير الملتقى، حتى ردً بعض القنا بعضاً وتقارعت، فكان رد بعضها لبعض تقارعاً، وإذا كان قراعٌ، كان صوت، فكأن ذلك الصوت الذي حدث عن التقارع تخاذلُ. وذلك القراع والجدال كأنهما منافسة في النفوس، كما يتنافس المتجادلون في الظفر، فيرد بعضهم قول بعض. وأراد كأنهما ممن يحاول الظفر بالإنفس، فحذف، لانه قد علم ما يغني.
    وله ايضا:
    )وأشنبَ مَعْسُولِ الثنياتِ وَاضحٍ ... سَتَرْتُ فمي عنهُ فقبل مفر قى(
    يذهب إلى إثيار الجلالة على اللذاذة، ويدعى ذلك لتسميته، حتى إنه يصحبه خلوته، وحين الظفر بمحبوبته. والصبر عند ذلك أدل على مِلْكِهِ لإْبه.
    قال: فرب حبيب حُسناً ودلاََّ زارني، فحاول تقبيل فمي، فسترت فمي عنه، لانه موضع اللذاذة، واللَّذاذة لا أوثرها، وبذلت له تقبيل مفْرِقي، لانه موضع الجلالة التي أوثرها.
    وهذا كقول الآخر؛ إلا انه بعكس، ومنعه محبوبه من نفسه، ما منع المتنبي من نفسه حبيبه:
    حاولت منها قُبلةً فتعمدتْ ... بعقارب الأصداغ قطع طريقها
    )وَمَا كُل من يهوى يعفُّ إذا خَلاَ ... عفافي ويُرضى الحب والخيل تُلتقي(
    ويروى )ويرعى الحب(. فمن رواه )يُرضي( فإن من شأن نساء العرب أن يُحببن من مُحبيهن الشجاعة والإقدام، كقول عمرو بن كُلثوم:
    يَقُتن جيادنا ويقُلنْ لستمُ ... بعُوُلتنا إذا لم تمنعُونا
    فيقول: أنا أعف كرماً، وأرضى محبوبى في الحرب، بمشاهدته مني، ما يهواه مني، أو بإخباره ذلك عنى. وليس كل أحد من العشاق يجمع عقة وشجاعة، إذ العشق والعفة والفتك غريزة الاجتماع.
    ومن رواه )ويرعى الحب( فهو يقول: أنا أعف كرماً لا توراً في هواى، بل أنا مُراعٍ المحبوب، حتى إني اذكُره في الحرب، وأراعيه أوان الشدة فكيف في حال السكون والهدوء.
    وفي ))عى الهوى( هنالك مَزيتاَن:إحدهما رباطة الجأش، حتى لا يُشغل الخاطر عن ذكر الهوى. والآخر لشدة محافظته على الوقاء، حتى لا يشَغْله عتد شدةُ الهيجاء كقول زياد الأعجم:
    ذكرتك والخَطى يخطر بيننا ... وقد نَهَلَتْ منا المثقفة السَُمْرُ
    قوله: )والخيل تلتقي(؛ جملة في موضع الحال. اي ويرعى الحب محارباً.
    )إذا ما لبِستَ الدهرَ مُستِمتْعِاً بهِ ... تخَرَّقْت والملْبُوسُ لم يتخرقِ(
    لبس الدهر مَلبوساً، وإنما هي استعارة يقول: إذا لبستُ الدهر مليا أهرمني، وهو لا يُهرِمُه امتداد برهته، فجرى الأمر بيني وبينه بضد ما يجري بين اللابس والملبوس، لأن شأن اللابس أن يُخلق الملبوس، والدهرُ ملبوسٌ يُخلق لا بسهَ. ولما استجاز أن يجعله ملبُوساً، استعار له التخَرُّقَ.
    )إذا شَعَتِ الأعداء في كَيْدِ مَجدِه ... سَعَى جَدُّه في كَيدهم سعى مُخنقِ(
    حنق حنقاً: غضب، واحتنقتهُ: اي إذا رام العدو كيد مجده، فحاول هدمه بمبارزته أو مقاومته، غضب جده، فدفع سعى عداه بسعي أنفٍ وأيدٍ، على ما تقدم قبلُ.
    )كيدُ العدو لمجده(. )وكيد(: مصدر كاد يكيد المتعدية: كقوله تعالى: )فإن كان لكُم كيدٌ فكيدُون(. فَمَجدُه، مجرور في موضع نصب. اي في كيدهم لمجده. وذلك أن المصدر يضاف إلى المفعول، كما يضاف إلى الفاعل، كقوله تعالى )لاَ يسأمُ الإنسانُ مِن دُعَاء الخيْرِ(، فالخير في موضع المفعول، اي من دعائِهِ الخير.
    وله ايضا:
    )يَشكُو الملامُ إلى اللوائم حرهُ ... ويَصُدُّ حين يُلمن عن بُرحائه(
    اي إن الملامة لا تتعى سمعي؛ ولا تصل إلى فؤادي، لأن حره يمنعها من ذلك، فهي تتفادى منه. ويعتذر إلى اللوائم من قصوره عن الوصل إليه، بما يتوقعه من ناريته. والكلام شعريٌّ لا حقيقة، لأن الملا عرض، والعرض غير حاس فيشكو. وإنما تشكو الجواهر ما يلحقها من العَرَض. وشبه أبو الفتح هذا بقول كثير:
    ذَهوبٌ لإعتاق المئينَ عَطاؤه ... غلُوبٌ على الأمرِ الذي هو فاعلُ
    )ويصد حين يلمن عن برحائه(
    مثل ما تقدم والبرحاء: الشدة.
    )ما الخِلُّ إلا من أودُّ بقلبهِ ... وأرى بطرفٍ لا أرى بسوائه(
    أي ما الخل الا من يكون حظى من قلبه، حظه من قلبي، ويرى بالعين التي أراهُ بها، فيقع التكافؤ في الحب والجلالة، لا من حظى من فؤاده مُقصر عن حظه من فؤادي، وتعظيمه لي دون تعظيمي له.
    وقد يجوز أن يعني بذلك التناهي في التشاكُل والتناسُب؛ حتى كأنه هو جملة. واذا كان هو إياه بالجُملة، فقلبُه قلبُ خليله، وَعينه عينه.
    )عَجب الوُشاةُ من اللُّحاةِ وقولهم ... دع ما نراك ضعُفت عن إخفائه(
    إنما عجب الوشاة من اللُحاة في ذلك، لأنهم كلفوه ترك ما يعجز عن إخفائه، والإخفاء للحُب أمكنُ من تركه. فإذا ضعف غن الأقل الذي هو الإخفاء؛ وقد علم اللُّحاةُ ذلك منه، فكيف يكلفونه الأكثر الذي هو السُّلوان.
    وقوله: )ضعفت عن إخفائه(: جملة في موضع المفعول الثاني، إن كانت الرؤية علمية، أو في موضع الحال إن كانت الرؤية حسية.
    )مهلاً فإن العذل من أسقامه ... وتَرَفقاً فالسمعُ من أعضائه(
    اي إن العذل يُسقمه كما يُسقمه الحب، فهو نو من إسقامه، وترَفقُّاً في عذلك، فإن السمع الذي يقرعه عذلُك من جملة أعضائه. فإن عَنُفت به في العذل، اختل سمعُه أو ذهب.
    وإنما قدر ذلك نافعاً له عند من عذله، لأن العاذل لم يُرد بعذله إفساد جوهره، وإنما أراد إصلاحه. فيقول: إن لم تترفق، عاد ما حاولته من إصلاحي إفساداً إلي.
    والسمع: يجوز أن يكون مصدراً، إلا أنه إذا كان مصدراً، فليس من أعضائه. لانه حينئذ جنس، والجنس عَرَض، والأعضاء جواهر، والعَرَض لا يكون جزءاً للجوهر. وإنما عنى موضع السمع من أعضائه.
    وقد يجوز أن يكون السمعُ اسماً للأُذن، سُمي لحسها، كما سميت العينُ بصراً في بعض المواضع. وإنما البصرُ في أكثر الكلام حسنٌ.
    )وَهَب المَلامَة في اللذَاذَةِ كَالَري ... مطرُودة بسُهاده وبُكائهِ(
    اي إن كنت تلتدُّ بالملامة، فاجعلها كالكري الذي قد عدمتهُ أنا، على التذاذي به. فكما نفاهُ عنى سهادي وبكائي؛ فكذلك ينبغي لك أيها اللائم أن يُسليك عن كلامي الذي تلتذ به ما تراه من سُهادي وبكائي، فيعودا سواء في امتناع الالتذاذ. ودعاه إلى الائتساء به في الصبر على عدم ما يُلتذُ به.
    )ومطرودة(: مفعول ثان لِهَب، لأنها بمعنى )اجْعَل( المعتدية إلى مفعولين. وإن شئت قُلت: إنه بدل من موضع )كالكري( لنه بمنزلة قولك مثل الكَرَي. وهو القول أقوى.
    )إن المُعين على الصبابةِ بالأسى ... أولى برحمة ربها وإخائهِ(
    اي مُعينى على الصبابة: من أعان بالمؤاساة لا بالملام. فإن راحم ذى الصبابة مُؤاسه بالعذر، لا لائمه.
    )والعشقُ كالمعشُوقِ يعذُبُ قُربُه ... للمُبتلَى وَيناَلُ من حَوبائهِ(
    اي العشق مُلتذ محبوبُ، كما أن المعشوق كذلك. وكلاهما نائل من حوباء المُبتلى وقاتل له. وقوله: )والعشق كالمعشوق(: جملة يفسرها ما بعدها من البيت. كأنه لما قال: والعشق كالمعشوق، قيل له فيه، أو كيف تفسره للسائل، فتقديره: والعشق كالمعشوق في أنهما يعذُبان ويقتلان مع ذلك.
    )وقُي الأميرُ هوى العُيون فإنهُ ... مالا يزُولُ ببأسه وسخائه(
    اي وقى هوى العيون. وأما ما سواه فقد آمنتُه عليه، لأنه دافع له ببأسه وسخائه. وهوى العيون مالا ينفع فيه بأس ولا سخاء؛ فإنما أدعوا له أن يُوقى مالا طاقة لجوده وبأسه على دفعه.
    )منْ للسيُوف بأن تكون سميها ... في أصله وفرنده وَوفائه(
    اي بأن تكون مثل سميها في أصله، إما أن يرد: في نوعه الذي هو الإنسانية، وإما في قبيله، وفرنده؛ أو في صورته، لأن صورة الانسان أحسن من صورة السيف، ورونقه افضل من رونقه. وإما وفاؤه فلا وفاء للسيوف ولا عُذر إلا على المجاز، لأن ذلك من خواص الإنسان.
    )إني دعوتُك للنوائبِ دَعوةً ... لم يُدع سامعهُا إلى أكفائه(
    أي: دعوتك لخطب ليس كُفؤا لك، لأن كل خطبٍ دُونك، لا يعزُّك ولا يغلُبك.
    وإن شئت قلت: كل نائبة وإن عظمت فهي دون أن يُدعى مثلُط إليها، وإن كنت لا تُدعى من النوائب إلا إلي ما أنت له كُفُوء، ما وجدنا ما يكون كفؤا لك، فندعوك إليه، لكن لا بد أن ندعوك لما ناب، وإن جل عنه خَطرُك، وعلا قدرُك.
    وله ايضا:
    )كأني عصت مُقلتي فيكُمُ ... وكاتمت القلبَ ما تُبصرُ(
    هذه مبالغة في كتمان السر والضن بإذاعته، اي رأت عيني ما رأت، فكتمته عن قلبي. واذا كان القلب لم يعلم ذلك؛ لم يمكن أن يعلم غيرُه به، إذ لا يمكن أن يعلم غيرُك إلا ما علمته.
    وإن شئت قلت: إذا رأت عيني ما تحبون كتمه، تناساه قلبي، حتى كأن العين كتمت عنه ما رأت. والمقولان متقاربان.
    وقوله )فيكم(: أي من أجلكم. وعصيان المقلة للفؤاد: إنما هو كَتْمها عنه ما رأته، فكأنه قال: كاني عصت مقلتي فيكم قلبي، وكاتمته ما تبصر فحذف الأول لدلالة لثاني عليه، وأعمل )كاتمت(. إذ لو أعمل الأول واتزن لقال: وكاتمته القلب. اي عصت مقلتي القلب وكاتمته.
    وله ايضا:
    )إذا كان شَمُّ الروحِ أدنى إليكُمُ ... فلا برِحَتني رَوْضةٌ وَقَبُولُ(
    اي إن كنتم إنما تؤثرون شم الروح، ونسيم الهواء. وذلك إنما يكون بحضور الروض والريح القبول، فلا زلت أنا روضة فتضمكم، وريحاً قبولاً تشُمونها، تلذ لكُم، إذ كلما كنتُ كذلك، فأنتم قريبٌ مني، وطالبون إلي.
    قوله: )أدنى إليكم(: أي أشد إدناء لمن يُحبكم. وقوله: )فلا برحتني روضة وقبول(: أن شئت قلت: أراد فلا برحتُ روضة وقبولاً، فعكس، فجعل المعرفة الخبر، وهي )ني( والنكرة الاسم، وهي )روضة وقبُول(. وإن شئت قلت: إن )ني( من )برحتني( ليست بخبر، ولا برح هذه المقتضية للاسم والخبر. وإنما )بَرِح( هنا المتعدية إلى المفعول. وكقوله تعالى: )فَلَنْ أبْرح الأرضَ حتىَّ يأذنَ لي ربي( فيكون )ني( على هذا مفعولاً، ويكون التقدير: فلا فارقتني، أو فلا زايلتني روضة.
    اي فإذا كان ذلك، قصدهم هذه الروضة التي عندي، فسعدت أنا بقربكم والأول أبلغ، لانه على ذلك القول الأول، يجعل نفسه ذات الروضة؛ ويتمنى الخروج من النوع الحيواني الإنساني إلى النوع النباتي، إيثاراً لهواهم، واختياراً لقربهم.
    )لقيتُ بدربِ القُلةِ الفجْر لقيةً ... شفت كَمدى والليلُ فيه قتيلُ(
    اي أصبحت في هذا الموضع، أو أفجرت فيه. )شفت دمدى(. اي شفت اللَُقيةُ للفجر بانحار الليل، ما كان من الكمد. )والليل فيه قتيلُ(: اي قد ذهب، واشتمل ضده على محله، فكأن الليل لما عُدم أو قارب العدم مقتول.
    وإن شئت قلت: طال على الليل بالصبابة، فكأنه وَترني، فاستوجب بذلك أن أطلبه بثأري: فأوقد سيف الدولة بالدرب نيرانا، فخالط ضوؤها دخانها، فبدت لي من الضوء المختلط بالدخان، سُمرة كسمرة الفجر، قبل أوان الفجر، فكأن هذا الملك قد قتل الليل بإيقاده هذه النيران، التي خَلْخَلَتْ كثافة الظلمة، فأنا أكنى بذلك عن ثأري، فيُشفي كمدي.
    وقيل ك الفجر هنا سيف الدولة، أقام غُرته مُقام الفجر، وبالغ في ذلك، حتى جعله قاتلاً ليل، وما طُلب عند ليل ذحل، ولا نيل منه ثأر قبل هذا.
    )على طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رفعةٌ ... وفي ذكرها عند الأنيس خُمُولُ(
    رفعتها: أنها أكُمٌ وجبال، وخمولها: أنها غير مسلوكة لوعورتها، فهي لذلك خاملة. وقد يجوز أن تكون طرقاً لم يسلكها إلا جيش سيف الدولة، لأنها مخُوفة فالناس لا يعرفونها لذلك.
    )وما شعرُوا حتى رأوها مُغيرة ... قباحاً وأما خلقُها فجميلُ(
    أي قباح الأفعال بهم، وإن كانت في خلقتها جميلة، لأن خوفهم لها يُقيحها في أعينهم، فيخفى عليهم جمالُها. وهذا نحو قوله: حَسنٌ في عيون أعدائهِ اقبحُ من ضيفهِ رأتهُ السر فالحسن فيه طبيعية؛ والقبح عَرَض.
    )وأضعفن ما كُلفنهُ من قُباقبٍ ... فأضحى كأن الماء فيه عليلُ(
    قُباقب: نهرٌ دهمته هذه الخيل، فسدت مجاري الماء فيه، بكثرة قوائهما، فارتدع الماء، إلا ما تخلل شُعب قوائم الخيل، فأضعفته عن قوة جريه، حتى كأنه عليل. والعلة هنا كناية عن الضعف، إنما العلة في الحيوان، والماء ليس بحي.
    )نَجَوت بإحدى مُهجتيك جريحةً ... وَخلفتَ إحدى مُهجتيك تسيلُ(
    يخاطب الدُّمُستُق، وكان شُج في وجهه ونجا جريحاً، فهذا معنى قوله: )نجوت بإحدى مهجتيك جريحة(، وكان ابنه قد أسر، فلذلك قال: )وخلفت إحدى مهجتيك تسيلُ(، اي تركته يذوب في الكبل والحبس، مع ما اشتمل عليه من خشية القتل:
    )إذا لم تكُن لليث إلا فريسةً ... غذاهُ ولم ينفعك أنك فيلُ(
    ضرب )الفيلِ( مثلا لعظم عدد الروم، وضرب )الليث( مثلا لسيف الدولة وجيشه، اي فلا تُعجبن الروم كثرة عددهم، فإن الكمية لا تغني، وإنما الغناء للكيفية وقال: )غذاه(: أراد غذاهُ ذلك الشخص المفترس.
    )أعادى على ما يُوجبُ الحُب للفتى ... وأهدأ والأفكارُ في تجُولُ(
    اي أعادى على ما لدي من الفضائل النفسانية، كالشجاعة والفروسية، والفصاحة والشعر، حسداً لي على ذلك. وكل واحدة من هذه الفضائل في حد الحقيقة، مُوجبة للحب، فكيف أشنأ على ما يُوجب الحب؟ يقول ذلك متعجباً.
    قال أبو الفتح: لو قال )أبغض( مكان )أعادى( كان أوفق في مذهب الشعر، يعني أبو الفتح: أنه لو قال ذلك، كان أذهب في باب التقابُل، لأن النقيض إنما يقابل بنقيضه؛ وكذلك الضدّ بضده. فضد الحب البغض. وضد العداوة الصداقة. فإذا قابلت بالحب، والصداقة بالشنآن، لم يكُ ذاك على تقابل الضد والنقيض.
    لكن الذي يُسهل ذلك، أن العداوة علتها البغضة، التي هي ضد الحب، فأقام العلة التي هي العداوة، مُقام المعلول، الذي هو البُغض. ولولا ما يدخلُ التخفيف البدلي من الاضطرار، لقال: فأشنى، أو )أشنَ( على اجتمال الجزم، ولكن الاول أسوغ أعنى وضع )أعادى( مكان )أبغض( لما ذكرت، من دلالة العلة على المعلول.
    وله ايضا:
    )تُرى الأهلهَ وجهاً عم نائلُهُ ... فما يخُصُّ بهِ من دُونها البشرُ(
    اي انه يكسب الأهلة بنظرها إلى غُرته نوراً وسعداً، فتنال بذلك من جوده كما ينال الناس. فالبشر إذن نوع غير مخصوص بنائله بل هو عام للعالم العُلوي والسفلي.
    وله ايضا:
    )وشربِ كاسٍ أكثرتْ رنينهُ ... وأبدلتْ غناءه أنينهُ(
    الشرب: اسم للجمع عند سيبويه، وهو عند أبى الحسن جمع. ويدل على صحة قول سيبويه: إن العرب إذا حقرت هذا النحو حقرته بوزنه، كما تحقر الواحد، فقالوا: شُريب ورُكيب. فلو كان جمعاً كما ذهب إليه أبو الحسن، لرُده إلى واحده في التحقير، ثم جمع بالواو والنون، فقيل: رُوَيكبون ورُوَيجلُون. وإنما كلام العرب ما قدمنا.
    أنشدنا القرشي:
    بنيته بعُصبةٍ من ماليا ... أخشى رُكيباً ورجيلا عاديا
    وذهب قوم إلى أن معنى البيت: أن هذا الشرب - وهم أعداء الممدوح - غنوا بمناقبه، حتى إذا سكروا هاج لهم السكر ذكر من سبا منهم وقتل، فأنوا حزنا، وعاد ذلك الغناء أنيناً وتفجعاً.
    والذي عنتدي أن هؤلاء الشرْب غنوا، فأثخن فيهم هذا الملك وأوجعهم، فعاد ذلك الغناء رنينا وأنينا. وقوله: )أكثرَت( و )أبدلتْ(: إخبار عن الخيل والقنا اللتين في قوله:
    )إن الجياد والقنا يَكْفِينهُ(
    وله ايضا:
    )فاني رايتُ البَحر يعثُر بالفتَى ... وهذا الذي يأتي الفَتَى مُتعمدا(
    اي أن سيف الدولة اولى بأن يرجى ويخشى من البحر، لأن البحر وإن أروى وأعطى، فليس شيء من لك على عمد ولا قصد، لانه لا رُوح له ولا فؤاد، فليس إذن يحمد على مكرماته ولاذميمٌ لآفاته. وهذا كقوله هو:
    ألا لا أرى الأحداث حمداً ولاذما ... فما بطُشها جهلاً ولا كَفها حلما
    وأما سيف الدلوة فهو لكل ما يأتيه من إفاقة وإغناه وإمانة وإحياء، عامدٌ قاصد، لانه من نوع الانسان، الذي هو أشلاف الحيوان.
    )وَتُحيي لهُ المالَ الصوارمُ والقنا ... وَيَقُتلُ ما تُحيى التبسم والجدا(
    أي انه يغير فيغم بسيوفه ولاماحه، فهي تحيي له المال. ثم يهب عُفاته، ما يسلبه عُداته، وذلك في حال تبسُّمٍ وأريحية للعطاء، فذلك التبسم هو الذي يقتل المال الذي أحيتهْ الأشنة والصوارام، كقول ابى تمام:
    إذا ما أغاروا واحتووا مال معشرٍ ... أغارت عليه فاحتوته الصنائع
    وذكر التبسم والجدا هنا كقول كُثير:
    غمرُ الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المالِ
    ولو قال )يميت( مكان )يقتل( لكان أشد مقابلة للحياة، لأن القتل ليس بضد الحياة إنما هو علة ضد الحياة في بعض الأوقات.
    ونقيض الحياة إنما هو الموت. ومقابلة الشيء بنقيضه أذهب في الصناعة و)التبسم والجدا(: مرتبطان بيقتل، اي ويقتل التبسم والجدا ما تحييه الصوارم والقنا. ففي تحيى ضمير راجع إلى لقنا والصوارم، اي ما تحيى هي.
    )هُو الجدُّ حتى تَفضُل العينُ أختها ... وحتى يكُون اليزمُ لليوم سيدا(
    وإنما ذكر فضل يوم الأضحى وجعله سيد نوعه. ثم مثل به فضل سيف الدولة على جميع نوعه. وذلك في البيتين اللذين قبل هذا البيت. ثم عجب من تفاضل الاشخاص الواقعة تحت نوع واحد، على أن عنصر هذا واحد. فقال: )هو الجد حتى تفضل العين أختها( فبلغ بالعجب من العين التي تفضل صاحبتها على اقترابهما وشدة اقترابهما. وبالعجب من الآيام التي تتفاضل بما يحدث فيها من السراء والضراء وضروب الممالك والمناسك.
    )أجزني إذا أنشِدتَ شعراً فإنما ... بشعري أتاك المادحُون مرددا(
    أجزني: اي أعطني الجائزة إذا مدحك غيري، فإن الشعراء إنما يأخذون معاني شعري، فيمدحونك بها، فاذن إنما المستحق بجوائزك أنا لاهُم. إذ لولا شعري لم يهتدوا إلى ما يمدحونك به. فكلما احسنوا فإنما الإحسان لي كقول الآخر:
    فإن أنشدَ حَمادٌ ... فقد أحسن بشارُ
    اي إن حماداً إنما يأخذ شعر بشار. فالإحسان له، والإنشاد لحماد.
    وله ايضا:
    )ثيابُ كريمٍ ما يصُونُ حسانها ... إذا نُشرت كان الهباتُ صوانها(
    يعني ثيابا رومية كساه إياها، )كان الهبات صوانها( اي أنه لا يصونها إنما يبتذلها بالهبة هي التي تكون لها مقام الصوان إذ لاصوان لها عنده وإذا لم يصن حسانها كان أحجى ألا يصون دُةنها.
    )تُرينا صناعُ الرُّومِ فيها مُلوكها ... وتجلُو علينا نفسها وقيانها(
    اي صورت الأنواع الحيوانية إلا الرزمان، فانها لم تصوره لعجزها عن ذلك وذلك أن الزمان هنا إما أن يعني به الفلك، ولا أحد يستطيع تصويره على حقيقته التي هو بها؛ وإما أن يكون الزمان هنا وجود النور وعدمه وذلك عَرَض والعرض لا يقتصور إلا في جوهره الذي هو منه.
    )وأم عتيقٍ خالُهُ دون عمه ... رأى خلقها من أعجبتهُ فعانها(
    وأم عتيق: يعني فرساً. وعتقُها: مُهرُها، والعتق: الكرم وجعل لها خالاً وعما، يذهب إلى أن هذه الفرس ات طرفين كريمين مختلفين بالنسب، لأن ذلك مما يُستحب في الخيل أعنى ألا يكون الأبوان متناسبين.
    وقد يستحب ذلك في الإنسان، لأنهم يزعمون أن الأبوين إذا كانا متناسيبن جاء الولد هنا وياُّ، اي مهزولاً، دقيق العظم )ابن السكيت(.
    ومنه الحديث: )اغتربوا لا تُضْوُوا(. اي لا تنكحوا في الأقارب، فيجيء الولد ضاويا. وقال: )خاله دون عمه( يذهب إلى أن أباه أكرم من أمه، وذلك أنجب له. )رأى خلفها من أعجبته فعَانها(. يزعمون أن الشيء المُعجِب ربما أصابته العين فقسد لذلك، فيقول: رأى هذه الفرس بحجر من أعجب فعانها(. اي رأت خلفها فحلا حاول كَومها حين أعجبته، فأمكنته، فأولدها، فكأنه تنقصها بالإيلاد، كما يُتَنقص الشيء الحسن المعجب إذا أصيب بالعين.
    )إذا سايرتهُ باينته وبائها ... وشانتْه في عين البصير وزانها(
    أي باينته، من )البَون( اي باعدته. فان قلت. ينبغي على ذلك: )باونته(، لانه من الواو. فان شئت قلت: إن هذا على المعاقبة، ومعناهما: قلب الواو إلى ياء لغير علة إلا طلب الخفة، وهي لغة حجازية عربية. يقولون: )صُياغ( في )صُواغ(، ومياثق في مواثق، وهو كثير، قد عمل فيه يعقوب باباً واسعاً. وإن شئت قلت: إنه من )البَيْن( الذي هو في معنى )البون( حكى أبو عُبيد، بينهما )بون( بعيدو )بَينٌ(. وقد بان صاحبه يبونهُ ويبينهُ. فحمُلك إياه على هذا. خيرٌ من اعتقاد المعاقبة الحجازية، لأنك إنما تلوذ بها إذا لم تجد عنها معدلاً.
    و )شانتهْ في عين البصير(: اي شانته بكونها أمه لتقصيرها عنه )وزانها(، بكونه ابنها وهو زائد عليها.
    )وأين التي لا تأمنُ الخيلُ شرها ... وشرى ولا تُعطى سواى أمانها(
    إن شئت قلت: أين فرسي التي من أمرها وشأنها، من هذه الفرس المعيبة؟ وإن شئت قلت. أراد: هب لي الفرس التي هي أكرم من هذه الفرس التي وهبتها لي.
    وقوله: )لا تأمنُ الخيلُ شرها(: إذا كَرَرْتُ بها. وأراد أهل الخيل، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. )ولا تُعطى سواى أمانها(: اي لا يأمنُها إلا مثلي من الحُذاق بركوب الخيل.
    وله ايضا:
    )تَشبيهُ جُودِك بالأمطار غادية ... جُودٌ لكفك ثانٍ ماله مطرُ(
    أي انك غاية في الجود لا فوقها، فإذا شبهنا كفك بالمطر، فالمشبه دون المشبه به، فقد بالغنا بمدح المطر وشرفناه. فكان هذا التشريف له بتشبيه جودك بهن جُوداً عليه ثانياً من جودك علينا بالمال وخص الأمطار الغوادي، لأنها بالأغلب أغزرُ ما تكون حينئذ في أول النهار، والنفوس حينئذ شهمةٌ مُنشطة، فهي حينئذ أورق وأعلق.
    وله ايضا:
    )وقاسمك العينين منه ولحظه ... سَميُّك والخلُّ الذي لا يُزايل(
    يعني بسميه والخل الذي لا يزايل: السيف. أما سميه فلأنه سيف، والملِكُ سيف الدولة، فهو وسيفه سميان. وأما كونه خلأ لا يزايلُه، فلأن السيف لا يفارق. فيقول: نظر إليك طامعاً إحسانك، وإلى سيفك، خائفاً من بأسك، يقلب طرفه من يمين إلى شمال، فذاك معنى المقاسمة، اي أن السيف قد قاسمك عيني رسول الروم فهو تارة يتأملك، وأخرى يتأمل سيفك ولحظه، عندي حشو، لانه إذا قاسمه عينيه فقد قاسمه اللحظ.
    )وأكبر منهُ همةً بَعثت به ... إليك العدا واستنظرتهُ الحجافلُ(
    اي أكبرت العدا همة هذا المُرسل، وأعظمت شأنه لإقدامه عليك، ومُثُوله بين يديك. )واستنظرته الحجافل(: اي سألته أن يُنظرها، بشغله إياك أيها المالك عنهم. فمعنى استنظرته: طَلَبت منه النظرة، اي التأخير.
    )أطاعتك في أرواحها وتصرفت ... بأمرك والتفت عليك القبائل(
    بالغ بإطاعتهم إياه في أرواحهم، لأنهم إذا أطاعوه في ذواتهم، كانوا أجدر أن يطيعةه فيما سواها. و)التفت عليك القبائلُ(: اي أحدقت بك العرب، لأن كل جيش مُحدِق بأميره.
    وإن شئت قلت: جعله سطة لسراوة نسبه، وعلاوة حسبه، وقبائل العرب محيطة به، فالمحاط به أشرف من المُحيط، كالقلادة التي أنفسُها سطتُها. والدائرة التي أشرفُها نقطتها.

    عبدالله عمر

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    رميتُ عداهُ بالقوافي وفضلهِ ... وَهنُ الغوازي السالماتُ القواتلُ
    وفضله: اي وفضائله. هذا أذهب في الصناعة، أي أعنى يعطف جميعاً على جميع في النية وإن لم يستقم ذلك في اللفظ. إذا أغضبتُ عداه لمدائحي فيه بفضائله النفسانية، فلم يجدوا في شعري مطمعا ولا في فضائله الذاتية مدفعا، فقد قتلتُهم بأن أغضبتهم وأعجزتهم، وسلمٍت هي في أنفسها، إذ لم يقدروا على غض أشعاري، ولا إنكارِ فضائله.
    )يُتبعُ مُراب الرجال مُرُادُهُ ... فمن فرَّ حرباً عارضتهُ الغوائلُ(
    الغوائلُ: الدواهي المهلكة. تقول العرب: الغضب غُول الحِلم. اي يذهب بالحلم فيغتاله. يقول: إن سمده المهزومين؛ فيقتلهم بالعطش والكلال وسائر أنواع الآفات، كقوله هو:
    إذا فاتُوا الرماح تناولتهمُم ... بأرماح من العطش القفارُ
    ويتبع من باب )فعل( في معنى )تفعل( اي يتبع. ونظيره ما حكاه سيبويه من قولهم بين الشيء وتبيَّنَه. وفي بين الصبحُ لذى عينين اي تبين.
    )رأيُتك لو لم يقتضِ الطعنُ في الوغى ... إليك انقياداً لا قتضتُه الشمائلُ(
    اي لو لم يجر من أصحابك على الطعن، انقيادُهم لك، وطاعتهم إياك، لاقتضاهم إياه حُبُّهم لك. و)الشمائلُ( يجوز أن تكون منه ومنهم، فان كانت منهم، فمعناه: حبهم لك بطاعتهم. وإن كانت منه فمعناه: بحبهم لشمائلك.
    وله ايضا:
    )وأسقطتِ الأجنةُ في الولاياَ ... وأجهضتِ الحوائلُ والسقابُ(
    اي أن النساء أردفن، وعُسف بهن في الهزيمة، فمن كان منهن حاملاً أسقطتْ في الولايا، وهي الأحْلاسُ على إعجاز الخيل والإبل، وأجهدت الإبل، وكُلفت أكثر من طاقتها في السير، فأجهضت الحواملُ، وهي الإناث؛ والسقابُ، وهي الذكور. والإجهاض للنوق، كالإسقاط للنساء وهذا كقول أبى النجم:
    كَمْ طَرَحتْ من ولدٍ لا يغتذى ... تراه كالمسلوخِ والجلُد برِى
    )وَعَمروٌ في ميامنهم عُمُورٌ ... وكعبٌ في مياسرهم كعابُ(
    عمرو وكعب: بطنان، كعب: بن ربيعة، وعمرو بن مالك. فان شئت قلت: اختلفت كلمتهم فأشارت طائفة بالعرب، والأخرى بالاستذمام وأخذ الموثق من سيف الدولة. وكانوا قبل يداً واحدة، كلمتهم سواء فكانهم باختلافهم تقسموا وافترقوا فصارت القبيلة باختلاف كلمتها في قبائلك؛ فلذلك جعل عمراً عمُوراً، وكعباً كعاباً.
    أنشد سيبويه:
    رأيت الصدعَ من كعبٍ وكانُوا ... من الشنآنِ قد صاروُا كعاباَ
    وإن شئت قلت: هربوا وتبددُوا، فصاروا شيعاً وأحزابا، فكل جزء من عمرو عمور، وكل جزء من كعب، كعوب. والقولان متقاربان.
    )ولو غَيرُ الأمير غزا كلاباً ... ثناهُ عن شُموسهمُ ضبابُ(
    يعني بشُوسهم: حقائق نفوسهم. والضباب: مايلقاه من الطعان والضراب. وقيل: ثناه عنهم أقل ما يصيبه منهم، لأن كثافة الضباب أقل من كثافة السحابز وقيل: عنى بالشموس نساءهم التي سباها سيف الدولة وبالضباب: من فيهم من الكُماة والحُماة.
    وله ايضا:
    )تُفدي أتمُّ الطير عُمرا سلاحهُ ... نُسورُ الفلا أحداثُها والقشاعمُ(
    أتمُ هنا: بمعنى اطول. وإنما جاز ذلك لان التمام في باب )كيف(، نظير الطول في باب )كَمْ(. وإنما المستعمل في العمر أطول، فلم يتزن له، ونجوه قول رؤبة:
    )كالكَرْم إذ نادى من الكافُورِ(
    وإنما المعروف صاح لكَرم، سائر الشجر إذا بدا ثمره. إلا أنه لو قال صاح الكَرم لكان في الجزء طي، وهو ذهاب فاء )مُستفعلٌ(، لانه قوله: )صاح منل( مستعلُن، فاستوحش من الطي، فوضع نادى مكان صَاَح ليسلم الجزء.
    والمتنبي أعذر، لانه لو قال: )أطول( لا نكسر البيت ورُؤبة لو قال: صاح من الكافور لم ينكسر البيت، وإنما كان يلحقه الزحاف الذي وصفناه.
    وقال )تُفدي( فأنت الفعل، وإن كان للأنم، والأتم مذكر، حملاً على المعنى، لان الأتم هو النسور في الحقيقة. ونظيره قول بعض العرب: فلان لغُبو جاءته كتابي فاحتقرها. أنث الكتاب لما كان في معنى )الصحيفة(. و)نسور الفلا(. يدل من )أتم الطير(. و )أحداثها والقشاعم(: بدل من )نسور(. وكلاهما بدل بيان. يقول أوسعتْ سلاحُه النسور شبعاً من لحوم القتلى قديماً وحديثاً الآن. فقشاعهما وهي المسان تشكر القديم والحديث، وأحداثها تشكر الحديث، لأنها متأخرة الكون عن زمن القديم. فكلا النوعين يشكر سلاح هذا الملك، و)يفُديه(: اي يقولان نحن الفداء لسلاحه. استعار الأحداث للنسور، وإنما هو في نوع الانسان، ومثل هذه الاستعارة كثير.
    )هَلِ الحدثُ الحمراءُ لونها ... وتعلمُ ايُ الساقيين الغمأئمُ(
    )الحدث(: حصنٌ معروف، وأنثه على معنى القلعة، أو المدينة، وجعلها حمراء، لما سال عليها من الدماء، وكانت غير حمراء. يقول: فهل تعرف الآن لونها القديم الذي بُدلت منه الحُمرة. وإن شئت قلت: هل تعرف الآن أنها حمراء، أو تنكر ذلك؟
    وقيل: جعلها حمراء، لان سيف الدولة بناها بحجر أحمر، ولم يك قبل ذلك.
    يقول: فهل تعرف هذه القلعة أن بناءها الحديث غير بنائها القديم؟ وكذلك بلت هذه السيوف هذه المدينة بالدم، كما يبُل - السحابُ الارض بالمطر فهل تعرف أن الغمام سقاها الآن أو السيوف؟ وقد بين ذلك بقوله بعد هذا:
    )سقتها الغمامُ الغُر قبل نُزُولهِ ... فلما دَنا منها سقتها الجماحمُ(
    اي سقاها السحاب قبل نزول سيف الدولة بها، فلما دنا منها قتل من كان بها من الروم، فسفتها السيوف بدمائهم.
    )وَكان بها مثلُ الجُنُون فأصبحتْ ... ومن جُثثِ القتلى عليها تمائمُ(
    التمائم: العُوذ، وهي تُناط بمن كان به مَرَضَ أو جنون أو سحر.
    فيقول: كانت هذه القلعة مضطربة غير مطمئمة ولا مستقرة بمن غلب عليا من الروم، حتى كان بها من ذلك مثل الجُنون، لان المجنون يخالطه اضطراب وقلة ثبات، ولذك قيل له: )الأولق(. لان الولْق: سرعة الطعن والمشي، وهذا فيمن أخذه من ذلك، فجعله )أفعل(.
    فأما سيبويه، فهو عنده )فوغل( بديل )مألُوق( فلما وردها سيف الدولة فقَتل من تغلب عليها، استقرت واطمأنت، فكانت جثث القتلى عليها تمائم أوجبت لها الاستقرار والطمأنينة.
    )وَقد حاكَمُوها والمنايا حَواكٌم ... فلما مات مظلُومٌ ولا عاش ظالُم(
    أثبت حكماً من حيث أثبت ظلماً، لان الظلم جورٌ، والجور نوع من الحكم، ضد العدل، فحاكموا هذه القلعة. والسيوف حواكم: اي هُن ذوات الحكم على المتحاكمين عليها، وكان الظلم من قبل الروم لهذه المدينة، بهدمهم إياها، وإخلائهم لها، فلما كان الحُكم للسيوف، مات الظلم بقتل هؤلاء الروم الظالمين.
    )فما مات مظلُوم(: يعني القلعة، اي لم يعفُ أثرهُا، بل جُدد بناؤها، وزيدت تحصيناً. )ولا عاش ظالمُ(: اي لم يعش الروم الذين هدموُها، بل قتلهم سيف الدولة.
    )تَقَطّعَ مالا يَقطعُ والقنا ... وفر من الفُرسان من لايُصادمُ(
    اي ما كان من السيوف قاطعاً للدرع وللابسها بقي وما لم يبلغ من الحدة والشدة أن يقكعهما، تقطع وفنى، وذلك لشدة ما كان هنالك من الضرب. ومن كان من الفُرسان غير مزاحم ولا مصادِم لم يَثبت. يذهب في كل ذلك إلى أنه لم يبق إلا الجيدُ الصابر على الكفِاح من الرجال والسلاح ألا تراه يقول:
    ولله وقتٌ أذهبَ الغش نارُه ... فلم يبق إلا صارمٌ أو ضبارمُ
    )تجاوزت مقدار الشجاعة والنُهي ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم(
    اي أن أناساً من الحُذاق لما رأوا إقدامك، وإعمالَك رُمْحك وحُسامًك، يُبيحان لك سلامة الحَوْباء، والظفر أبداً بالأعداء، قالوا إنه لا يقتحم ذلك إلا بعد ما ظل عالماً، أنه لا يئُوب إلا سالماً غانماً. فَحَلَتْ عندهم بذلك عالم غيب، مُتقفيا للعواقب غير ذي ريب وهذا أرفع من منزلة الشجاعة والتدبير.
    )تظُنُ فراخُ الفُتح أنك زُرتها ... بأماتها وهي العتاقُ الصلادمُ(
    اي أن خيالك صعدت الجبال حتى انتهت إلى أعاليها، وهناك وكُورُ العقبان. فلما أشرفت لى تلك الوكور جَمْجَمْتَ، والجمجمة تشبه صَرْصَرة عتاق الخيل، ظنتها فراخُ العقبان أمهاتها. ومما يدلُك على أن الجمجمة تشبه الصرصرة قول الشاعر:
    إذا الخيلُ صات صياح النسور ... هززنا مَراسفها بالجذمْ
    وعنى بالفُتح: العقبان. أقام الصفة مُقام الموصوف، لأنها صفةٌ غالبة، تقوم مقام الاسم. وإنما العُقاب فتخاء، للين جناحها. والفَتَحُ: اللين، والصلادم: شداد الخيل:صِلدِم وصِلْدِمة.
    )أفى كل يوم ذا الدُمُستُقُ مُقدمٌ ... قفاهُ على الإقدام للوجهِ لائمُ(
    اي إن هذا الدمستق في كل يوم يُقدم فيُهزم، ويحُجم فَيسلم وجههُ، ويُضرب قفاه، فالقفا يلُوم الوجه على الإقدام. يقول له: كم تتوجه إلى من قد علمت أنه لك هازمٌ، فتسلمُ أنت، ويهونُ عليك ما ألقاه إذا سلمت أنت. وأراد قفاهُ لائمُ لوجهه على الإقدام فقال: )للوجه(، لأن إضافة القفا غليه تشعر أنه لا يعني من الوجوه إلا وجهه.
    )بضربٍ أتى الهاماتِ والنصرُ غائبٌ ... وَصار إلى اللبلتِ والنصرُ قادمُ(
    اي أن الضرب الضرب إذا قرع الهام لم تعده نصره، إذ في الإمكان أن يموت صاحبُها، وأن لا يمُوت. فإذا وصل إلى اللبة، هلك لا محالة، فيحنئذ يُعتدُّ بالنصر. وضرب الغيب مثلاً للشك في النصر، والقدوم للتيقن. وكذلك الغائب مشكوك فيه، والحضر متُيقن.
    )حقرْت الرُّدينياتِ حتى طضرحتها ... وحتى كان السيف للرُّمِح شاتمُ(
    الرُّدينيات: الرماح، منسوبة إلى مرأة تسمى رُدينة، كانت تُركب فيها الأسنة.
    يقول: إنما أحبتُ لقاء العدو على قُربٍ معانقةً ومصافحة، لجرأتك وشجاعتك، ولم ترض لن تستعمل في قتاله الرمح، لان ذلك مُشعرٌ بالجبن، لان القتال به إنما هو على بُعد، فاطرحته واستعملت السيف مكانه قال:
    )وحتى كأن السيف للرُّمح شَاتِم(
    اي لكأنك قد رأيت السيف قد عير الرمح بالضعف والتقضف وقلة الغناء، فَهَان عليك الرمح لذلك، ألا تراه يقول بعد هذا:
    ومَنْ طَلب الفتح الجليل فإنما ... مَفَاتيحُه البيضُ الخِفافُ الصوارِمُ
    ومن كلام بعض العرب: الرمح أخُوك وربما خانك. وقال عمرو بن معْدِ يكرب في السيف:
    خليلي لم أخنُه ولم يَخُنى ... على الصمصامَِة السيف السلامُ
    وله ايضا:
    )أراع كذا كُل الأنام همامُ ... وسح لهُ رُسل الملوكِ غمامُ(
    كذا في موضع نصب صفةٌ لمصدر محذوف. اي راع روعاً مثل هذا:
    )وسح له رُسل الملوك غَمام(
    اي تقاطوا عليه، وقد جاءوه تترى من كل أوب، حتى كأن غماماً سحهم عليه لكثرتهم، اي صبهم، فُرسل الملوك: منصوب على المفعول به، لان سح فعل متعد.
    )وَرُب جوابٍ عن كتابٍ بَعَثَتَهُ ... وعنوانهُ للناظرين قتامُ(
    يعني جيشاً أجاب به عن كتاب، فأنبأهم قتامُه عنه، كما يُنبء عن الكتاب عنوانه.
    )تضيقُ به البيداء من قبل نشره ... ومافُض بالبيداء منهُ ختامُ(
    اي انه يملأ البيداء، وهو مجتمع قبل انتشاره، فكيف به إذا انبت وانبعث.
    )حُروفُ هِجاء الناس فيه ثلاثةٌ ... جوادٌ ورُمحٌ ذابلٌ وحُسامُ(
    اي لا يشاهد فيه إلا هذه النواع، كما لا يشاهد في الكتاب إلا حروفه.
    وله ايضا:
    )بلادٌ إذا زار الحسان بغيرها ... حَصَى تربها ثقبنهُ للمخانق(
    بلاد: اي هي بلاد، يعني )الثوية( وهي الكوفة وحصاها وهو ذلك الذي يعرف بالفرومي، وهو شفاف حسن. يقول: فإذا زير به النساء في غيرها من البلاد استحسنه فثقبنه ووضعنه في مُخانقهن. وليس الحصى هو الزائر في الحقيقة لان الزيارة إنما هي لمن يعقل، والحس جماد. وإنما أراد زير به الحسن فاتسع بأن جعل الفعل له. وواحد المخانق مخنقة، سميت بذلك، لأنها توضع في موضع الخق من الحلق.
    )وأغيدُ يهوى نفسه كل عاقلٍ ... عفيف ويهوى جسمه كل فاسقِ(
    اي أنه كامل الحُسن خلقاً وخُلقاً، فحسنه حُسنان رُوحاني، وهو حسن الخُلُق، وجسماني وهو حُسن خلْقه، فأوجب ذلك أن يعشقه العفيف والفاسق، فالعفيف يهوى نفسه، ولها الحسن الخُلُقي، والفاسق يهوي جسمه، وله الحسن الخلقي. ولو اتزن له أن يقول: )كل عفيف( ولم يذكر العاقل؛ لكان أذهب في التقابل لان العفة ضد العقل. وإنما يقابل العاقلُ الأحمق؛ فلا معنى لقوله )كل عاقل(، ولكن لما كانت العفة للجزء المعتدل، وكان الجزء المعتدل يوصف بالقعل، حسُن أن يذكر العقل مع العفة، وإلا فوجه التقابل ما ذكرت لك. وقوله: )وأغيد(: عطفٌ على قوله: )مليحةٌ( من قوله:
    )سقتنى بها القُطرُ بلىَّ مَلِيحةٌ(
    وإن شئت رفعت أغيد على الابتداء، وخبره مضمر. كأنك قلت: وثمّ أغيدُ.
    )يُحدثُ عما بين عادٍ وبينه ... وصُدغاهُ في خدى غُلامٍ مُراهقِ(
    ويُروى: )يحدث ما بين القرون وبينه(. وهي الأمم الخاليه. اي أن هذا الأغيد حافظ واع حسن الحديث، جيد السياق له، فهو يحدث عن الأوائل، ويخبر بأخبار القدماء، وإن كان حديث السن.
    وقوله:
    )وصُدغاهُ في خدى غلامٍ مُراهِقِ(
    كناية عن حداثته وفُتُوته. ويعنى بالصدغ: ما سال من الشعر على خده. وهذه الكناية، وإن كانت حسنة، فإن فيها تكلفاً، كان أقرب من ذلك لو اتزن له أن يقول: وهو مُراهق. فكان يعنى من قوله:
    )وصدغاه في خدىْ غلام مراهق(
    ولكنه تكلف ذلك، لحفظ إعراب القافية.
    )يُفرقُ ما بين الكُماةِ وبينها ... بطعنٍ يُسلى حره كل عاشقِ(
    اي بين الكماة ونسائهم، بطعن يؤلم العاشق، فيُسليه بحرهِ عن المعشوق.
    )أتى الطعن حتى ما تطيرُ رشاشةٌ ... من الخيل إلا في نحُورِ العوانق(
    الرشاشُ: ما أرش من الدم. يقول: ألْحق عقيلا بحلالهم وعيالهم، حتى إنهم إذا أصيبوا بالطعان، طارت دماؤُهم في نُحور الشواب من النساء. وبالف باختصاص الشواب، لأنهن لوازم لزوايا الخُدور، فذلك أغرب.
    )وَملَمُوسةٌ سيفيةٌ ربعيةٌ ... يصيحُ الحَصَى فيها صياح اللقالقِ(
    ويروى تصيح الحصى. مَلموُمة: يعني كتيبة مجتمعة لم بعضها إلى بعض، اي جُمع. وقيل مجموعة كالحجر اللملموم. والقولان متقاربان. سيفية: منسوبة إلى سيف الدولة منها.
    )يصيح الحصى فيها اللقالق(
    اي قد كثر فيها الخيل والرجل، الحصى يصيح تحت حوافر الخيل، وأرجل الرجال، صياح اللقالق: وهي نوع من الطير. واحدها لقلاق. وحقيقة اللقالق: الصوت، فسمي هذا النوع من الطير لقلاقاً بصوته، وكان يجب على هذا )صياح اللقالين( لان واحدهما لقلاق. وإذا كانت الألف وغيرها من حروف اللين رابعة في الواحد، ثبتت ياء في الجمع، نحو حملاق وحماليق، وكُردوس وكراديس، وشملال وشماليل. لكن الشاعر إذا اضطر حذف هذه الياء في الجمع. أنشد سيبويه:
    قد قربت ساداتها الروائسا ... والبكراتِ الفثتح العطامِسا
    فكذلك اضطر هذا الشاعر، فحذف ياء )اللقالين( ولا يلتفت إلى قول العامة في واحدها )لقلق( ، فإن ذلك خطأ.
    وقيل: كانت هذه الكتيبة مَكسوة تجافيف ودروعاً فإذا وضع الفرس حافره على حصاة أطارها، فقرعت تجفافاً أو درعاً، فأشبه صوت وقوعها بالدرع أو التجفاف، صوت اللقلاق. واستعار الصياح للحصى وإنما الصياح للحيوان. ومن رواه )تصيح( اراد تُصيح هذه الكتيبة الحصى، وكان يجب على هذه الرواية أن يقول إصاحة اللقالق، لان مصدر أفعل إنما هو الإفعال، فإن كان الفعل معتل العين، وكان مصدره إفعالة، تحذف العين، ويجعل الهاء عوضاً منها، كقوله أقَالهُ إقاَلَةً، وأقامه إقامةً، لكنه قال: صياح، فجاء بالمصدر على غير فعله، لانه اراد فتصيح صياح القالق، وفي التنزيل )واللهُ أنْبَتَكُم من الأرْض نَبَاتَاً( اي فنبتم نباتاً. ومثله كثير، قد أفرد سيبويه فيه باباً.
    )وكانَ هَديراً من فُحُولٍ تركتها ... مثهلبة الأذنابِ خُرس الشقاشقِ(
    اي كان هذا الذي أبدتُه عُقيل من الطغيان والأشر. بمنزلة الهدير للفحول، والفحول إذا هاجت هَدَرَت، وأخرجت شقاشقها، وهي هنوات تخرج بيضاً وحُمراً كالرئة. أنشد ابن دريد في صفة شقشقة حمراء: في جَوْنةٍ كقفدانِ العطارْ الفقدان: أدمة حمراء، تصان فيها أتواع العطر، فشبه الشقشقة في لونها وعظمها لها. والجَوْن: يكون للأبيض والأسود والأحمر.
    وإنما قلنا هنا: إنه يصف شقشقة حمراء. لتشبيهه إياها بالفقدان، والفقدان أحمر. فاذا تهادرت الإبل، شُدت أذنابُها وأهلابُها، فسكنت وخَرِست شقاشقها وذلت، فجعل عُقيلا بمنزلة الفحول، وأشرها وتوعُّدها لسيف الدولة كالهدير. وجعل إذله لهم، وتحبيسه إياهم، بمنزلة تهليب الأذناب، وإخراس الشقاشق.
    وإن شئت قلت: لما هزمهم، فأدرك بعضاً وفاته بعض، كانوا بمنزلة فحول صال عليها فَحل مُقرم، فهربتْ أمامه، فهلب ما أمكنه من أذنابه اي نسفها.
    وله ايضا:
    )وغيرها التراسُلُ والتشاكي ... وأعجبها التلُّبُ والمُغارُ(
    اي تراسلوا بما لقُوه من هذا الملك، وشكاه بعضهم إلى بعض، فدعاهم ذلك إلى ترك الطاعة، وغيرهم عن الائتمار لسيف الدولة. )وأعجبها التلبب( وهو التحزم بالسلاح، والمُغارُ: اي الإغارة على الأحياء.
    )فكُنت السيف قائُمُه إليهم ... وفي الأعداء حدك والغرارُ(
    اي كنت قبل نفاقهم وشقاقهم، سيفاً مردود القائم إليم، لا تقطعهم ولا تؤذيهم، لان القائم. وفي أعدائهم غرارك: اي حدك وله التأثير.
    )فأمْست بالبديةِ شفرتاهُ ... وأمسى خلف قائمه الحيارُ(
    البدية والحيار: ماء أن بأرجان. والحيار أقرب إلى العمارة فيقول:سير من الحيار إلى البدية وبها أدركهم، فصار الحيار خلف القائم. والشفرتان بالبدية، ضارباً لهم بالسيف، الذي كان قبل مشاقتهم له يضرب به أعداءهم عنهم.
    )مضوا مُتسابقى الأعضاء فيهِ ... رُءُوسُهُم بأرجُلهم عثارُ(
    اي أنفصلت أعضاؤهم بعضها قبل بعض، يقُول: تقطعت أعناقهم فبُددت، فتعثرت.
    )يُغادر كُل مُلتفتٍ إليه ... ولبتُهُ لتعلبهِ وجارُ(
    الثعلب: ما دخل من الرمح في جُبة السنان، والوجار: جُحرُ الثعلب وِجَار ووَجَار، حققها يعقوب. وشك أبو عبيد في الكسر. اي إذا التفت اليه المنزِم ليقاتل بعُده وقُربه لم يلبث أن يُطعن به في لبتهِ. فتكون بمنزلة الوجار للثعلب. ويجوز أن يجعل الليلة وجاراً من حيث سُمي ما يدخل من الرمح في جُبة السنان ثعلباً.
    وقوله: )وَلبَّتُه لثعلبه وجار(:جملة في موضع الحال، إذا رددتُها إلى المفرد فكأنك قلت: يغادر كل ملتفت إليه مطعون اللبة به، وهو في موضع الفلادو من الصدر.
    )فهُم حزقٌ على الخابٌو رصرعي ... بهم من شُرب غيرهم خُمارُ(
    اي أنهم جمدوا، وأجمدوا خيلهم، فانقطعوا وانقطعت، وأقاموا في هذا الموضع صَرعَى، كانهم شَرْب مخنُوروُن وليسوا بشَرْب، إنما الشَرب رماح سيف الدولة، لأنها التي شربت دماءهم، والخُمار إنما هو للشارب. يسخرُ بهم فيقول: كيف خُمر هؤلاء. وإنما الشاربة رماحُك.
    وإن شئت قلت قلت: جعل المهرومين كالمخمورين، لما بهم من الحيرة والكسل والفتور. وجعل الهازمين كالشَرْب، لما نالوا منهم، أو مابهم من الفرح بفلهم لهم، وقتلهم إياهم، كفَرَح الشراب للنبيذ.
    )يُوسطُه المفاوز كل يومٍ ... طلابُ الطالبين لا الانتارُ(
    يوسطه: اي يدخله وسط المفاوز، طلابُه للمهزومين الهاربين إلى الفقار، فهو يطلبهم هناك. يقول: فهذا هو الذي يدخله المفاوز، لا هربه من أعدائه، ولا انتظاره أن يُدركوه. وقوله: )طلابُ الطالبين(: كان الأحسن في الظاهر - لو اتزن له - أن يقول: طلابُ المطلوبين، ولكن هذا يتجه على ثلاثة أوجه: إما أن يكون عنى بالطالبين أعداءه الذي كانوا يطلبونه قبل، وهم الان مطلوبون، وإما أن يكون عَنلا بالطالبين للنجاة، وهم هؤلاء المهزومون، وإما أن يكون )الطالبين( بمعنى المطلوبين، فقد يجيء )فاعل( بمعنى مفعول كما يجيء عكس ذلك كثيراً، فما جاء )فاعل( فيه بمعنى مفعول قولُ بشر بن أبي خازم:
    ذكرتُ بها سلمَى فبتُّ كأنني ... ذكرت حبيباً فاقداً تحت مَرْمَس
    اي مفقوداً. وأما عكسُه، فنحو قوله تعالى: )إنهُ كانَ وَعدُه مَأْتِياَّ( اي آتياً.
    وذكر لي أن المتنبي سُئل عن هذا فقال: عَنيتُ بالطالبين سيف الدولة وكتيبته، وهذا عندي حسن. فطالبين على هذا في موضع رفع اي طلاب الطالبين لعدوهم: كقولك: )عجبت من ضرب زيد( وانت تريد من ضرب زيد لعمرو، فاذا كانوا قد يحذفون الفاعل، ويجتزون بالمفعول، للعلم بالمعنى، مثل قوله تعالى:
    )لاَ يَسْأم الإنسانُ من دُعاء الخَيْر(
    اي من دعائه الخير، فحذف المفعول وإبقاء الفاعل اولى. فقد جاء المفعول نحذوفاً كثيراً، في مثل قوله تعالى:
    رَخِيماتَ الكلامِ مُيتلاتٍ ... جواعل غي القَنَا قَصَباً خدالاَ
    مبتلات )بالكسر( اي مُقطعات للكلام، يَبْرْن المنطق نَغْمة، فحذف المفعول ومن رواه )مبتلات( فقد كفاك، لان المبتلة لفظ المفعول، وهي من النساء التي كل شيء منها حسن على حدة، كأن الحُسن )بُيل( على كل جزء منها، اي قطع. وقد اثبت هذا في كتابي الموسوم بالمخصص في اللغة.
    وتوطه في المفاوز في أثر المنهزمين يكون كناية عن بعُد همته، كقوله هو فيه:
    أكلما رُمتَ جَيْشاً فانْثَنَى هَرَباً ... تَصَرَّفتْ بك في آثاره الهِمَمُ
    عليك هَزْمُهُمُ في كل معترك ... وما عليك بهم عارٌ إذا انهزمُوا
    وقديكون ذلك كناية هن هديته ومعرفته بالسبلُ والمخادع، حتى لا يفوته الهارب منهم، كقوله هو فيه أيضا حين هزم عُقيلاً:
    توهما الأعرابُ صَولة مُتْرَفٍ ... تُذكَّرُه البيداءُ ظل السُّرَادقِ
    فذَّكرتَهُمْ بالماء ساعةَ غَبَّرت ... سَماوَةُ كَلْبٍ في عُيُون الحَزَائِق
    وكانوا يرُوعُون الملوك بأن بدوا ... وأن نَبُتَتْ في الماء نبتَ الغَلافِقِ
    فهاجُوك أهدى في الفلا من نُجومِهِ ... وأبدى بُيوتاً من بُيوت النقانق
    )غَطا بالعثير البيداء حتى ... تحيرتِ المتإلى والعشارُ(
    العثير: ماء اي غطى مالُهُمُ البيداء، في هذا الموضع المسمى بالعثير، حتى تحيرت متالية وعشاره: اي أعز أولادها، وذلك لكثرة العدد، وغزارة المَدَد.
    )وَجيشٍ كلما حارُوا بأرضٍ ... وأقبل أقبلتْ فيه تحارُ(
    اي أن سيف الدولة تبع بنى كعب بجيشه، فكان الكعبيون كلما مروا بأرض واسعة حاروا فيها وكان جيش سيف الدولة كلما مروا بتلك الأرض التي حار أولئك فيها، حارتِ الأرض فيه، وذلك لعظمه، وحمهور أممه، مع ما خالط الكعبيين من الخَوَر، وهؤلاء من التحدث بالظفر. فالضمير في حاروا راجع إلى هؤلاء المتبوعين، وغي أقلب: راجع إلى الجيش. وكذلك الهاء في قوله )فيه( راجعة إليه أيضاً.
    )وَأجفَل الفُرات بنُو نُميرٍ ... وزأرُهُم الذي زأرُوا خُولرُ(
    الزئير للأسد، والخُوار للضأن، يقول: كانوا أسداً قبل لقاء سيف الدولة، فعادوا ضأناً عند لقائه. وكنى بالزئير عن الأسد، وبالخوار عن الضأن، لان الزئير والخُوار في هذين النوعين خاصتان، والخالصة دالة على مخصوصها فتفهمه.
    )فَهثم حِزقٌ على الخابور صَرْعى ... بهمْ من شُربِ غيرهمُ خُمارُ(
    قيل معناه: اراد غيرهم، فظنوا انه ارادهم، ففروا وتفرقوا.
    والذي عندي أن سيف الدولة أوقع ببني كعب، فذلك معنى قوله: )من شُرب غيرهم خُمار(، وخاف النميريون من مثل ذلك فتفرقوا، فذلك خُمارهم لان الخُمار أقرب إلى الصحو من السكر المُغرق. ففزعُ هؤلاء النميريين اخف من موت الكعبيين.
    )بَنو كعبٍ وما اثرتَ فيهم ... يدٌ لم يُدمها إلا السوارُ(
    اي أنك وإن نلتهم بمساءةٍ؛ فقد شرفتهم باعتمادك إياهم، واشتغالك بهم، كالكف التي إن أدماها السوار، زينها ذلك وإن آلمها.
    وله ايضا:
    )أيا رامياً يُصمى فُؤاد مرامهِ ... تُربي عداهُ ريشها بسهامِهِ(
    يخاطب سيف الدولة. يقول: أيا رامياً يصيب مارامه، فرماه بسهمٍ ريشهُ أجنحة عداه. عنى بالسهم: جيشه، وبريش عداه: سلاحهم الذ سلبهم إياه، وكساه جيشه. وجعل سلاح عداه ريشاً، لكونه عوناً لهم. كما أن الريش عون للسهم، وسوغ ذلك أيضا أن السلاح لباس، واللباس يُكنى عنه بالريش، لقوله تعالى: )وريشاً ولِبَاسُ التقوى(، وكنى بالسهم عن جيشة، لانه يقتل به عدوُه، كما يقتُل بالسهم.
    وحسن لن يناديه بالنكرة، لانه قد أطال وصفها، وذهب إلى أنه ليس أحد يستحق هذه الصفة إلا هو. فكأن النكرة هنا معرفة. والعدا: اسم للجمع عند سيبويه، وليس بجمع لان )فَعُولا( لا يكسر على )فِعَل( وإنما جمع عَدُوً، وأما عُداةٌ فجمع عادٍ. حكاه أبو زيد عن العرب. أشمت الله عاديك، اي عدوك.
    وما كان على )فاعل( من المعتل اللام، فَفُعَلَة فيه مطردة كقاضٍ وقُضاة، ورامٍ ورُماة. ولا يكون )عُداة( جمع عدو، لان )عدو( فَعول، و )فَعُول( لا يُكسر على )فُعَلة(، ولم أسمع لعادٍ يجيء )عادٍ( عليه، اي لم يجيء )عَدَوته( في معنى )عاديتُه(. ولن هذا عندي على النشب، اي ذو عداوة، ونظيره. فاعل، ونايل، وأشياءُ قد حكاها سيبويه وغره.
    )وَيَجْعَلُ ما خُولتُه من نَوَالَ ... لما خُولتُه من كلامهِ(
    اي إن أياديه تُنطقني بجيد وتطلعني على بالغ الشكر، فهو سبب ما خُولته من الكلام. فإن ذا الكلام إنما هو منه، ثم يجازيني بالنوال، على ما اعاننى عليه من المقال. يُغرب المتنبي بذلك وهو كقول البحتري:
    فهو بُعطى خيراً ويُثنى عليه ... ثم يُعطى على الثناء جزاء
    قوله: جزاء لما خُولته من كلام: أراد )جزاء على ما خولته(، فأبدل اللام مكان )على( ضرورة. ويجعلُ هنا: بمعنى )يُصير( فهي متعدية إلى مفعولين، كقولك: جعلتُ الطين خزفاً.
    وله ايضا:
    )قاسَمتَك المنونُ شخصين جوراً ... جعل القسمُ نفسه فيك عدلا(
    ويروى )فيه عدلا( يعني بالشخصين )أختيه( أخذتِ المنون إحداهما، وهي الصغرى، وأبقت لك هذه الأخرى. وهذه المقاسمة جور، لأنه تسورٌ عليه في أهله. إلا أن القسم صير نفسه عدلاً في ذلك الجور بأن أبقى لك الكبرى، وسلبك الصُّغرى، كقوله:
    قد كان قاسمكَ الشخصين دهرهُما ... وعاش دُرُّهما المفدي بالذهبِ
    ومن روى )فيك عدلاً(: عنى أنه إذا سلمت أنت فلم يأخذك، فذلك الجور عدل، لان من ترك أنفسُ ممن أخذ، إلا أن الجور في ذلك موجود. وإنما كان يكون العدل لو ترك الجميع موفوراً. وإنما هذا العدل على الإضافة، لا على الإطلاق.
    )خِطبةٌ للحمامِ ليس لها ردٌ ... وإن كانت المُسمَّاة ثُكلا(
    اي حُلول الحمام بهذه العقيلة، يعني أخت سيف الدولة، خطبةٌ لا ترد، يذهب إلى إعظامها وإنكارها، وإن كانت هذه الخطبة نسميها نحن ثُكلا فليست كذلك في الحقيقة، إنما هي إرادة من النُّور العُلوي، يجذبها ويُصيرها إلى ذاته.
    )وَكَم انتشت بالسُّيُوفِ من الده ... رِ أسيراً وبالنوال مُقلاً(
    )عدها نُصرهة علية فلما ... صال ختلا رآه أدرك تبلا(
    اي تسورت أنت على الدهر في مظلوميه، فككت أسيره، وجبرت كسيره، وأغنيت فقيره، فأغضبته بمضادتك إياه في افعاله. وفأرصد لك ختلةً ينتهزها منك، إذ عد كل ذلك إنصافاً منه لمظلوميه، ونُصرة عليه لمغلوبيه. فأخذ إحدى أختيك، مكافأة لذلك وعقاباً، فقدر أنه ادرك ذحلا، ونال تبلا.
    والهاء في )رآه(: عائدة إلى الدهر، فالفاعل هنا هو المفعول؛ ولا يكون مثل هذا عند سيبويه إلا في الأفعال النفسانية التي في معنى الشك والعلم فرآه هنا: المتعدية إلى مفعولين. وإذا كان كذلك، فالجملة التي هي قوله )أدرك تبلا(: في موضع المفعول الثاني. وختْلا: مصدر في موضع الحال، من باب أتانا غدواً ومُسيا. والانتياش: التخلص والانتفاض.
    )وَهُوَ الضاربُ الكتيبة والطعنةُ ... تغلُو والضربُ أغلى وأغلَى(
    اي أن الكتيبة متمنعة ببأسها شديدة؛ فالطعنة تغلو فيها، اي تغلو وتشتد على مريدها منها. فإذا كانت الطعنة الواحدة غالية؛ فالضرب أغلى منها، لان الطعن أمكن من الضرب، إذ هو على بُعد، والضرب على قُرب، وقال: )والطعنة( ثم قابلها بالضرب، احتياجاً لإقامة الوزن. وكان أذهب له في الصنعة - لو اتزن له - أن يقابل الطعنة بالضربة؛ والطعن بالضرب.
    وله ايضا:
    )كُلما رَام حطها اتسع البنْ ... ىُ فَغَطى جبينهُ والقذالا(
    بنى بنياً: مصدر بنى إما أن يكون قد تُكُلم به، وإما أن يكون على الضرورة، لان الشاعر إذا اضطر، كان له أن يرُد مصادر الأفعل الثلاثية غير المزيدة إلى )فَعْلٍ(، وإن استُعمل في الكلام على ذلك زيادة وغير زيادة. مثال ذلك بعُد بعداً، وذهب ذهبا، وكذب كذبا، فيُردّ كل ذلك إلى فعل. هذه حكاية الفارسي. )والجبين(: من أمام الرأس. )والقذالُ( من ورائه.
    يقول: كلما رام )ابنُ لاون( ملك الروم هدم هذه القلعة، أوسع سيف الدولة بناءها وأطاله، حتى امتد ظله من أمامه، فغطى جبينه، ومن ورائه فغطى قذاله. اي قذال ملك الروم وجبينه.
    )وتُوافيهمُ بها في القنا السُّمرِ ... كما وافتِ العطاشُ الصلالا(
    الصلال: الأرضُون التي لم تُمطر بين أرضين ممطورة. واحدتها صلة، وقيل هي الأمطار المتفرقة. ويروى )الضلا(: وهي بقايا الماء، واحدها ضلل وقيل الضللُ: الماء الجاري تحت الحجر. ويقول: توافيهم بها أو بالمنايا وهي في القنا السمر، ببادر جيشك إليهم بالفتل كما تبتدر الأنفس العطاش بقايا الماء. والعطاش أحرصُ عليها، لأنهم لا يثقون بالري، فلم يتسابقوا.
    وقوله: في )القنا السُّمر(: في موضع نصب على الحال، اي مستقرة في القنا السمر، وملتبسة بها، كقولك: خرج زيد في ثيابه: اي لابساً لها، مشتملاً بها، و)كما وافت( أيضاً نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، اي موافاة مثل موافاة العطاش. ولو قال قائل: إن )في( مع قوله: )بها( اسم على حدة )فاعل( مقلوب موضع العين إلى اللام، من هافت الإبل تهاف: إذا عطشت لكان حسناً. وهذا الباب كثير، قد عمل سيبويه وأهل اللغة فيه أبواباً.
    فكأن المعنى حينئذ أن الرماح تبتدر شُرب دمائهم، فكأنها عطشةٌ إليها، كما يبتدرُ العطاش الماء.
    )أبصرُوا الطعْن في القلوب دراكاً ... قبل أن يُبصرُوا الرماحَ خَيَالاً(
    اي رأوا أصحابهم مقتولين، فشاهدوا الطعن فيهم دراكاً قبل أن يروا أشباح الرماح.
    وإن شئت قلت: أعجلتِ الرماحُ هؤلاء القتلى أن يتوقعوا قبل ذلك، فيروها في نومهم. يذهب إلى أنه يك هنالك توعُّد من سيف الدولة، ولكن فَجِئهم فقتلهم.

    عبدالله عمر

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    وقد يتوجه المعنى على أنهم أبصروا الطعن في قلوبهم دراكاً بالقرع قبل أن يروا نفس الرماح، كأن القرع قتلهم.
    وليس قول من قال إن البيت مقلوب العجز والصدر، لان ذلك فاحش يذهب إلى أنه اراد: أصروا الرماح خيالاً، قبل أن يبصروا الطعن في القلوب دراكاً، استدلالاً بقوله:
    يرى في النوم رُمحك في كُلاه ... ويخشى أن يراه في المنامِ
    )اي عين تأملتكَ فلاقتْ ... كَ وطَرْفٍ رَنَا إليك فآلا(
    اي أنك مُتهيب، فإذا رأتك العين تغشتها هيبتكُ، ولم تَتمل، منك فتصفك وصف من لقى الموصوف، وأيُّ طرف رَنَا إليك، فأنكر أن شعاعك يغلبه ويهرُه، فيمنعهُ إدامة النظر إليك، وكره عليك كقوله هو فيه:
    كأن شعاع ضوء الشمس فيه ... ففي أجسامنا عنه انكسارُ
    أراد: )أيُ طرف(، فاجتزأ بالأول عن الثاني، كقولهم، أينا فعل ذلك أخراه الله، أراد )أيى وأيك فَعل(. من أبيات الكتاب:
    فأيي ما وأيكَ كان شرا ... فسبق إلى المنيةِ لا يراها
    )كُلما أعجُلو النذير مسيراً ... أعجلتهمُ جيادُهُ الإعجالا(
    اي كلما آب إليهم المنذر بإقبال خيل سيف الدولة مُعْجلا سبقوه، كأن ذلك قد وَقع في روعهم قبل الإنذار، فُتعجِلُهُم خيلهُ عن العجلة التي تكلفُوها للهرب فخيلُ سيف الدولة منهم، في إعجالها إياهم، بمنزلتهم من النذير، في إعجالهم إياه.
    )رُب أمر أتاك لا تعحمدُ الفُعال ... فيه وتحمدُ الأفعالا(
    هؤلاء جيش من الروم، تزلوا على )الَدثَ( فنذروا بعسكر سيف الدولة، فانهزموا، فالانهزام محمود، والمنهزم غير محمود على ذلك، لأنهم فروا وخلوا له سبيله، اضطراراً لا اختياراً. والمضطر غي محمود على فعله، وإن كان فعله في ذاته حميداً. وهذا كقوله هو:
    فولى وأعطاك ابنه وجُنودهُ ... جميعاً، وما أعطى الجميعَ ليُحمدا
    )وَقسى رُميت عنها فردت ... في قُلوب الرُّماةِ عنك النصالاَ(
    اي رموك فأخطئوك، ورميتهم أنت فأصبتهم.
    )أخذوا الطرقَ يَقصَعُون بها الرُّسل ... فكَان انقطاعُها إرسالاَ(
    اي لما قطعوا الطُرقٌ، فلم يمكن الإرسال، استمع الناس وتطلعوا إلى عرفان الأنباء، فأحوجهم ذلك إلى إنعام البحث، حتى عرفوا مع انقطاع الرسُل، ما كانوا يعرفون بالإرسال أو اكثر، فكأن الانقطاع صار إرسالاً حين أنتج من معرفة أخبار الأعداء، وما كان يُنجه الإرسال.
    )ما مضوا لم يُقاتلوك ولكنَّ ... القتال الذي كَفاكَ القتالا(
    )لم يقاتلوك(: جملة في موضع الحال، اي هؤلاء - وإن لم يقاتلوك - فما مضوا غير مقاتلين لك. وذلك القتال هو علمهم بظفرك بهم، وعلمهم باعتيادك إبادتهم، وهو الذي حملهم على ترك القتال، فهو الذي كفالك القتال.
    فقوله: )القتال(، نصب بلكن، و )الذي(؛ خبر لكن؛ اي، ولكن القتال القديم الذي علموه منك، هو الذي كفاك القتال أن.
    )والثباتُ الذي أجادوا قديماً ... علم الثابتين ذا الإجفالا(
    اي لما ثبت للهاجمين منهم فبادوا، امتثل هؤلاء خلاف ذلك. خشية أن يحُل بهم ماحل بأوائلهم، فهربوا وأجفلوا، وكانوا من ذوى النجدة والثبات.
    )بَسطَ الروعَ في النُّهير يميناً ... فَتَولوا وفي الشمال شمالا(
    إن شئت قلت: أتاهم الروع من أيمانهم وشماثلهم. وإن شئت قلت: ضاعف الرَّوْع عساكر سيف الدولة في عيونهم، ففروا ولم يَثبُتوا.
    وله ايضا:
    )يَقْمُصن في مثل المُدى من باردٍ ... يذرُ الفُحول وهُن كالخصيانِ(
    القٌماص. والنزوان، حكى سيبويه عن العرب أفلا قماص بالعير، وقال هو مثل هذا الماء الذي ذكر المتنبي )أرسناس( داثم البرد مَشتى ومصيفاً، وكانت هذه الغزوة صيفية. فيقول: إن هذا الماء خصى الخيل، وآلمها البردُ إيلام المدى، وهي السكاكين، حتى قلص ذلك البرد الخصى، فعاد الفحلُ منهن كالخصي. وقال: )من باردٍ(، فوضع الصفة موضع الموصوف، لانه قواه بالنعت، وهي الجملة التي هي قوله: )يذر الفحول( فصارت الصفة كالاسم، بما هيأ لها من الوصفز ولولا ذلك لَقَبحُ. قال سيبويه: لو قلت ما أتاني اليوم إلا قوى، وإلا بارداً، لم يكن في قوة قولك: ما أتاني اليوم إلا رجلٌ قوى، وإلا ماء بارداً.
    )والماء بين عَجَاجتينِ مُخلصٌ ... تتفرقانِ به وتلتقيفانِ(
    يعني عجاجة الإسلام، وعَجاجة الروم ربما جازت النهر فالتقتا، وربما قصرتا عن ذلك فتفرقتا.
    )ركَض الأميرُو كاُّللجينِ حَبَابُه ... وَثنى الأعنة وهو كالقيانِ(
    اي جاوزه أبيض بريئاً من الدم والقتلُ لم يقع بعد، ثم أوقع بالروم فسالت دماؤهم في )أرسناسِ( فاحمر، وةُعَثره للرجوع، وهو من ذلك الدم أحمر كالعقيان، وأراد: ركض الأمير الخيل فحذف المفعول.
    )وَحشاهُ عادِيةً بغيرِ قوائمٍ ... عُقم البُطُون جوالك الألوان(
    يقول حشا سيف الدولة هذا النهر سُعثا سُودا بالقار عُقماً: اي لا تحمل. وإنما أقام السُّفن في هذا النهر مُقام الخيل. وقيل: )عادية بغير قوائم( لان السفن سابحة لا ماشية. ونظير قوله: )حوالِك الألوان( قول الآخر في وصف سفينة:
    وإلى نداك ركبُتها زنجيةً ... كرُمت منابتُ أصلها من عَرْعَرِ
    )وعلى الدُّرُوب وفي الجرُّجُوع غضاضةٌ ... والسيرُ ممتنعٌ من الإمكانِ(
    اي: كان الذي عددنا من أحوالك، وذكرناه من أخبارك على الدروب.
    وإن شئت قلت: وعلى الدروب لك آثار أيضاً، إذ في الرجوع غضاضةٌ ونقصان على الراجع، والسير حينئذ صعبٌ لا يُمكن، وقوله: )وفي الرجوع غَضَاضة( و )السيرُ ممتنع(، جملتان في موضع الحال. ولو قال: )والسيرُ ممتنعٌ(، لكان الكلام تاما، لأنه قد عُلم أن الممتنع غير ممكن. ولكن القافية وباقي بناء البيت أحوجاه إلى قوله: )من الإمكان(.
    )وفَوارسٌ يُحيى الحمامُ نُفُوسها ... فكأنها ليستْ مِنَ الحيوان(
    من شأن الحمام أن يمين ولا يُحيى، لكن هؤلاء الحِمام نفوسهم، بما يتبع موتهم في الحروب من عالي الذكر؛ وجميل الثناء، بحسن البلاء، كقول أبي تمام:
    ألفُوا المنايا فالقتيلُ لديهمُ ... من لم يُخلِّ العيش هو قتيل
    وإن شئت قلت: يُحيى الحمامُ نفوسهم، وهؤلاء يُحبونه ويُؤثرونه؛ فكأنهم ليسوا من الحيوان، لان الحيوان يكرهون الحِمام؛ وهؤلاء يحبونه ويؤثرون حُب الحِمام نفوسهم.
    )حُرمُوا الذي أملوا وأدرك منهُمُ ... آملهُ من عادَ بالحرمانِ(
    اي الذي أملُوه من الظفر بسيف الدولة؛ وأدرك الناجي منهم بنفسه أمله الحادث له حينئذ، لأنه لما حُرم الظفر، وعلم أن سيف الدولة مُظفر به، جعل أقصى آماله السلامة والنجاة بذاته، فمن تهيأ له ذلك منهم، فقد نال أمله الحادث، وإن كان قد حرم ذلك الأول. ونحوه قول أمرئ القيس:
    وقد طوفت في الآفاق حتى ... رَضيتُ من الغنيمة بالإيابِ
    ومن أشعار المَثَل:
    الليلُ داجٍ والكباشُ تَنْتَطِح ... فمن نَجَا برأسهِ فقد ربحْ
    وله ايضا:
    )عُقبى اليمين على عُقْبى الوَغى ندمُ ... ماذا يزيدُك غي إقدامكَ القَسمُ(
    كان الدمستق أقسم على أن يلقى سيف الدولة. فلما لَقيَهم انهزم، فَنَدِم على قسمه، فجعله المتنبي مثلاً. يقول: إذا حلقت أن تلقى من لست قِرنا له مُوازياً، ولا كُفُؤاً مساوياً، ندمت على ما فرط منك من حلفك. ثم قال: ماذا يزيُدك في إقدامك القسمُ؟ اي لا تقسم فإن ذلك لا يزيدك في إقدامك؛ بل ربما أعقبك الندم، وهذا نحو قول العرب: الصدق يُنبئ عنك لا الوعيد.
    وقوله: )على عُقْبى( متعلقة باليمين وإن يُستعمل منه فعل. وحروف الجر إنما تتعلق بالأفعال والأسماء المشتقة منها. لكن جاز تعلُّقُها باليميمن، لان في اليمين معنى الحَلفِ؛ فكما تتعلق بحَلَف؛ كذلك تعلقت بما هو في معناها. والعُقبى: العاقبة.
    )وَلى صَوَارِمهُ إكذاب قَولهِمُ ... فُهن ألسنةٌ أفواهُها القمَمُ(
    كان زعيم الروم أقسم ليغلِبنَّ سيف الدولة أو لا يبرحُ؛ فكان الأمر بخلاف ما أقسم عليه ليكُونن، فأعقب ما كان من ذلك القسم، أشد ما يكون من الندم. فيقول: ولى سيفُ الدولة صوارمه إكذاب قول هؤلاء، بإصارتهم إلى الحنث، لأنهم واقعُوا، لم يلبثوا أن انهزموا، قال: )فهُن ألسنةٌ( يعني السيوف، شبهها بالأسنة في الصورة والمضاء، وجعل هامهم الملقة بها، بمنزلة الأفواه التي تكون بها الألسنة، وجعل عمل السيوف في الهام، بمنزلة الفُتياَ المرخصة لهم في الهرب.
    ومما شبه فيه السيف باللسان قول الشاعر:
    وسيفي من خوض الدماء ... كأنه بكفي لسانُ الذيبِ أولغه الدمَّا
    وما شُبه فيه السنان باللسان أيضاً قوله:
    وأسمرُ في رأسه أزرقٌ ... مِثلُ لِسَانِ الحية الصادى
    )وَشُربٌ أذكُتِ الشعري شكائمها ... وَوَسَّمَتْها على آنافِها الحَكمُ(
    اي أحمى طلوع الشعري العبُور، وهو أوان اشتداد الحر، وانقطاع المطر، شكائم هذه الخيل الضامرة والشكائم: فئوس اللُّجُم، واحدتها شكيمة وقيل: الشكائم: الحكَم، فاستحرت الحكم حتى عادت كالمكواة، فوسمت آناف الخيل، كما يسمها الكاوي بالنار.
    )حتى وَرَدْنَ بِسمنينٍ بُحيرتها ... تنش بالماء في أشداقها اللُّجُمُ(
    اي أن الخيل شربت من بُحيرة سُمنين. فغلا ذلك الماء في أفواهها باستحرار اللجم التي في أشداقها، كان ذلك الحر الذي في الحديد هو الذي أحمى الماء فغلى في أفواه الخيل.
    )وأصبحت بقُرى هنزيط جائلة ... ترعى الظُبا في خصيبٍ نبتُه الِّمَمُ(
    الخصيب هنا: الهامُ، ونبتها الشعر. والخصيب كناية عن كثرة الشعر. وإنما عنى أن هؤلاء القتلى شباب لم يصلعُوا بعد، وهم يكنُون عن كثرة الشعر وسواده بالخصب، وعن ذد ذلك بالمَحْل فمما جاء في ذلك قولُه:
    رأت أقحوان الشيب فوق خَطِيطةٍ ... إذا أمطرت لم تستكن صُوأبها
    شبه رأسه حين صلع بالخطيطة، وهي الارض التي تُمطر بين أرضين ممطورتين. وإذا لم تُمطر لم تُنبت. وقال: )تستكن صُؤابها(: اي أنه ليس هنا شعر فيستتر فيه الصؤاب لو مُطر، ولا نعلم أحداً شبه الشيب بالأقحوان إلا هذا الشاعر: قال أبو النجم في تشبيهه قلة الشعر بالجرب )أجرب الفإلى إذا الفإلى فلا( كقولك: أهيجتُ الأرض: وجدْتُها هائجة النبات وله نظائر كثيرة.
    )فَمَا تركن بها خُلداً لهُ بصر ... تحت التراب ولا باراً لهُ قدمُ(
    استثارت هذه الخيل من مُنهزمي الروم من وَلَجَ بطن الارض، وسلك الأخاديد، فصار بتخلله التراب، بمنزلة الخُلد وهي الفأرة العمياء، إلا أن الخلد هنا إنسان وله بصر، إنما أخرجه بقوله: )لهُ بصر( من نوع الخلد إلى نوع الانسان إذهو المختبئ في التراب، وليس يُخلد في الحقيقة، إنما هو إنسان، وإنما شبهه بالخلد فيما ذكرت لك. وكذلك أنزلت منهم صقر الخيل والعُقاب، فصار بازًا في تسنُّمه المراقب، كتسم البوازي، إلا أن له قدماً، إذ ليس بباز في الحقيقة. وبقوله: )قدم( أخرجه من نوع البازي إلى الإنسانية، كما أخرجه من نوع الخُلد بقوله: )له بصر( وهذا الاخراج مليح، وإن كان قوله: )له بصر( و )له قدم(، من باب الرسم لامن باب الحد، فقد أحال، فتفهمه، فإنه لطيف.
    )ولا هزبراً لهُ من دِرعه لِبدٌ ... ولا مساةً لها من شِبهها حشم(
    اي: درعه له كاللبدة للأسد، )ولها من شبهها حشم(: اي:جوارٍ مثلُها في الحسن والسن يخدُمنها. وبقوله: )من درعه لِبدَ( أخرجه من نوع الأسد، لان الأسد لا يدرعُ. وبقوله: )لها من شِبهها حشم( عرضان، ليسا برسمين، كالبصر والقدم الذي قبله، لان البصر والقدم جوهران.
    )عبرت تقدُمُهُم فيه وفي بلدٍ ... سُكانهُ رممٌ مسكونُها حُمَمُ(
    والحُمم: الفحم؛ واحدته حُمة بالهاء. سمي بذلك لسواده. اي قتلتهم وأحرقت منازلهم؛ فلم يبق من أنفسهم إلا أعُظمُ رمم، وهي البالية، ولم يبق من منازلهم إلا ماعاد حُمما. فالأعظم هي الساكنة لأنها جزء من السكان، والمسكونةُ هي الحمم، لأنها جزء من المساكن.
    وما أحسن ما قابل به بين الرمم والحُمم: لفظاً ومعنى. وقوله: )سكانها رممُ( جملة في موضع النعت لبلد. وقوله: )مسكونها حُمم(: جملة في موضع النعت لرمم. فكأنه قال: في بلد خال مُحرق.
    )وفي أكفهمُ النارُ التي عُبدت ... قبل المجُوس إلى ذا اليوم تضطرمُ(
    سبه السيوف بالنار في صفائها والتهابها وقوة تأثيرها. وقوله: )عبدت قبل المجوس(: كلام صحيح، لان الحاجة إلى السيف طبيعة، وعبادة المجوس النار شريعة، والطبيعة أقدم من الشريعة، وإن لم تكن هذه السيوف المحدثة الآن، هي السيوف التي استعملت قبل عبادة المجوس النار، وإنما أراد التي عُبدت أفرادُها من السيوف، أو عبدت أمثالها. ومعنى عبادتها: القول بها، والاستغاثة إليها.
    وقيل: اشتمالهم بها: كاشتمال الاسلام بالمصاحفن والنصارى بالإنجيل، ونحو ذلك من أنواع الشعار الإلهي.
    وقيل، معنى )عُبدت قبل المجوس(، إنما ذهب إلى أنها عتيقة قديمة.
    )تلقى بهم زَبدَ التيار مُقربةٌ ... على جحافلها من نصحهِ رثمُ(
    يعني زوارق يحثُها سيف الدولة لأصحابه، حتى عبروا عليها هذا النهر. والرثمُك بياض الشفة العليا، والجحْفلةَ للفرس: كالشفة للإنسان، يقول: جُزت بهم التيار على هذه الزوارق. والتيار: هو الموج يقذف على مقادم هذه الزوارق، والسُّمَيريات بالزبد، وهو أبيض، فكأن ذلك الزبد عليها رثمٌز ثم جعل الزوارق مُقربة الخيل، لأنهم كانوا يعبُرون عليها هذه الأنهار بالخيل، فأقام هو الزوارق مُقام الخيل، فاستجاز لذلك أن يصفها بالمقربة. ولما جعلها خيلاً مُقربة، استجاز أن ينسب إليه أعضاء الخيل وشباتها. فجعل لها حجفلة، إنما هي الخيل، وجعل لها رثما حين جعل لها جحْفلةز والنضج: مارمى به الزبد. يقال: نضحَ ونَضخَ: وقيل ما كان فعلا فهو نَضح؛ بالحاء غير معجمة، وما كان اسما فهو بالخاء معجمة. وهكذا رُوى هذا البيت عنه.
    فإن قلت: كيف قلت إن المقربة هنا زوارق، وهو يقول عقب هذا البيت:
    تجفل الموجُ عن لبات حيلهم ... كما تجفلُ تحت الغارة النعمُ
    فأنبأ أنهم عبروا على الخيل. وقال في موضع آخر وذكر هذا العبور:
    حتى عبرن بأرسناس سوابحا ... يَنُشرون فيه عمائم الأبطال
    فالقول عندي: أن بعضهم عبر على الخيل، وبعضهم على زوارق. وقد يجوز أن يكون قوله: )تجفل الموجُ عن لبات خيلهم(: عنى فيه الخيل الزوارق، على ما تقدم في البيت الأول.
    ومما يدلك أنه عنى الزوارق قوله بعد هذا:
    )دُعمُ فوارسُها رُكابُ أبطنُها ... مكدُوُدةٌ وبقوم لا بها الألمُ(
    فالخيل لا تُركب بطونها، وإنما يُركب منها الظهور. وأراد المتنبي بقوله: ركاب أبطنها: أن يفصلها من أنواع الخيلز وقوله: )بقوم لا بها الألم(: إنما الم بالقنا لا بها وإن كُدت. وقيل الألم بالقوم العاملين فيها.
    )من الجيادِ التي كدت العدُو بها ... وما لها خِلَقٌ مِنها ولا شِيمُ(
    اي السفن مبلغة لك من عدُوك، ما أبلغتك الخيل منهم، فهي من الخيل بمشاركتها إياها في ذلك. لكن لا تشبهها في حلقة ولا خليقة. الخيل حيوان، والسفن عيدان.
    )صَدَمتهم بخِميس أنت غُرتُهُ ... وسمهريتُهُ في وَجْهه غَمَمُ(
    انت غُرته: اي انت أمامه، فكنى بالغرة عن التقديم والشهرة. ولما جعل للخميس غُرة، فوصفه بما هو من شيات الخيل، استجاز أن يصف بالغَمَم، وهو كثرة شعر الناصية. فجعل الرماح المشرعة في وجهه بمنزلة الشعر الكثير. وجعل الغمم وهو عرض، خبراً عن السمهرية، وهي جوهر تجوزاً وكأنه أراد، وتكاثفلإ السمهرية في وجهه غمٌ. لكنه حذغ المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. ونظيره قوله تعالىوَلَكِنَّ البِرَّ من آمَنَ باللهِ( اراد: ولكن )ذا البر من آمن بالله(، ولُيقابل الجوهر بالجوهر، والعرض بالعرض. ولذلك اعتقد النحويون الحذف في مثل هذا.
    )فلا سقى الغيثُ مَاوَارَهُ من شجرٍ ... لو زال عنهُ لوارتْ شخصه الخمُ(
    يعني ماوارى ابن شُمَشقِبق من الشجر، وذلك أن الشجر حال بينه وبين المُتبعين، فأنت. فدعا المتنبي على هذا الشجر ألا يسقيه الغيث حين وارى هذا المنهزم، فكان ذلك سبب نجاته. )لو زال عنه(: اي لو زال هذا الشجر عنه، فلم يوارهم لقتل، فتجمعت الرخمُ عليه تواريه بُشخوصها.
    وقيل: لو رأته لأكلته فيتوارى في أجوافها. ويروى: لوارى شخصه الرجم بالجيم وهو القبر، والأول أسبق، لأن القتيل في المعترك، إلى أن تأكله الطير والسباع أقرب منه إلى أن يقبر، وبذلك وصَفت العرب قتلاها. كقول عنترة:
    فَتَركته جَزَرَ السباع بنشنه ... ما بين قُلة رأسِه والمعصم
    وقال:
    إن يفعلا فلقد تركتُ أباهما ... جزراً لخامعةٍ ونسرٍ قشعمِ
    وقال آخر:
    تركتُ أباك قد أطلى ومالت ... عليه القشعمان من النسور
    وله ايضا:
    )فارقتكُم فإذا ما كان عندكمُ ... قبل الفراق أدى بعد الفراق يدُ(
    )إذا تذكرتُ ما بيني وبينكُمُ ... أعان قلبي علىالشوق الذي أجدُ(
    هدان البيتان يخاطب بهما سيف الدولة، بعد فراقه إباه، وهما يخرجان على ذم سيف الدولة وعلى حمده.
    فأما خروجهما على ذمه، فمعناه: أتى تأذيت بمجاورتكم، فبعثى ذلك على فراقكم، فعاضني الدهرُ حيراً منكم، وتبدلتُ بالأذى راحة. فصار ذلك الأذى الذي كان قبلُ يداً عندى الآن. إذا كان سبب تنقلى عنكم، وارتيادي ما أحمدته حين وحدته.
    وقوله: )إذا تذكرت ما بيني وبينكم( يعني من الحال، وهو الأذى الذي عدا منهم إليه. هاج شوقي فأعلن قلبي على ما يجده من ألم التوحش.
    وقد يجوز أن يعني بقوله: )إذا تذكرت ما بيني وبينكم(، ما بينهما من تفاوت المنتزلتين، كان ذلك سبباً للسُّلو.
    وأما خروجهما على حمده، فمعناه: شكوتكم بل أن أختبر غيركم فلما جريت من سواكم، علمتُ أن ما شكوته منكم كان بالحمد أولى.

    عبدالله عمر

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    ثم أعلم أن سيف الدولة مع ذلك كان غير منصفٍ له. وإنما حمده بالإضافة إلى غيره، فقال: إذا تذكرت ما بيني وبينكم من قلة إنصافكم لي، سلابي ذلك عنكم.
    وله ايضا:
    )طَوَى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ ... فزعتُ بآمالي إلى الكذبِ(
    اي عظم عندي، وأطعمتُ نفسي أن يكون، كذباً، تُعالا بضلك لان الانسان كثيراً ما يميل إلى تصديق ما يوافقه من الاخبار، وتكذيب مالا يوافقه منها، لما وُضعت عليه النفس من مُنافرة المحذور، وملاءمته ما يجنيها ثمرة الحُبُور، كقول الشاعر:
    وَعلت نفسي بالمرجم غيبةً ... وكاذبُتها حتى أبان كِذَابًها
    أبان، اي استبان. )وخَبرٌ( مرفوع على مذهب البصريين )بجاءني( لأنهم إنما يُعملُون أقرب الفعلين، ولا بد على هذا من إضمار الفاعل في )طوَى( على شريط التفسير، وإن كان إضماراً مالم يتقدم له مُظهر.
    ومن حُكم العربية، إذا وَرَد أمران كلاهُما مَتَجنبٌ على حِدَةٍ، تُجنب أقبحمها، وأوثر الثاني. ألا ترى أنهم يكرهون توإلى إعلالين؟ وقد أخذ الخليل بهما في جاء ونحوه، حين أبدل وقلب فاحتملهما كراهية ما هو أشد منهما، وهو اجتماع الهمزتين في كملة واحدة، فتفهمه.
    وإما على مذهب الكوفيين فيرفع )خبر( على أنه فاعلٌ )بطوى( لأنهم يُعملون أسبق الفعلين. فلابد على هذا من الإضمار في جاءني، اي طوى الجزيرة خبرٌ حتى جاءني.
    والقول الأول عندى أحسن في هذا البيت، لن النكرة التي هي )خَبرٌ( على ذلك القول، موصوفة بالجملة التي هي )فَزِعْتُ فيه بآمإلى(. إلا أن فيه ما قدر أريتُك من الإضمار في الاول، على شريطة التفسير. وعلى هذا القول الثاني، ليس للنكرة وصف. وقوله: )إلى الكَذِبِ(: أراد إلى اعتقاد الكذب، كائناً في هذا الخبر.
    ويجوز أن يريد إلى التكيب، فوضع الكَذب موضع التكذيب، كقوله:
    )وبَعد عَطائك المائة الرِّتاَعا(
    )يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أبٍ ... كنايةً بهما عن أرفع النسبِ(
    اي أخوتك من سيف الدولة، وأبوتك وبنُوتك من أبى الهيجاء، )كناية( عن أرفع الأحساب؛ لان من كانت لهذا الملك أختاً؛ ولهذا الأمير بنتاً؛ فقد نصع نسبهُ. )فكناية( على نُصب على المصدر، اي أكنى بهذين السببين عن أرفع نسبين.
    )أجلُّ قدرك أن تُسمى مُؤبنةً ... ومن يَصِفك فقد سماكِ للعربِ(
    اي إني أكرمُك عن الإيضاح لا سمك، فأعدلُ عن الإفصاع برسمك، فإذا وصفتك ورثَيتُك، عَلِمَتَ العربُ أني عَنَيتُك، فأغناني حُسن التخلية، عما لا يحسن من التسمية.
    ومؤبنة: نصب على الحال والتأبين: للثناء على الهالك.
    )حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدقُه أملاً ... شَرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي(
    اي بكيتُ حتى شرقت بالدمع، وذُبتُ من حرارة الوجد، فعدتُ جوهراً سيالاً، حتى كاد الدمع يشرق بي، لذوبي ولُطفيِ.
    )مسرةٌ في قُوبِ الطيبِ مفرقُها ... وحسرَةٌ في قُلوب البيضِ واليلبِ(
    اي أنها امرأةٌ تتطيبُ ولا تلبس السلاح. فالطيب يُسرُّ بمفرقها، والسلاح يحسُدُ الطيب، لانه لا يصل منها حيث يصلُ الطيب.
    وقال: )في قلوب الطيب(: ذهاباً إلى أنواعه. ولو ذهب إلى الجنس أو الشخص لقال في فؤاد الطيب: وحمله على اختيار ذلك قولهُ: )في قلوب البيض( ليقابل جمعاً بجمع، ولو قال: في فؤاد الطيب ثم قال. في قلوب البيض ساءت الصناعة؛ وكل واسع.
    وله ايضا:
    )تشتكي ما اشتكيتُ من ألمِ الشوْ ... قِ إليها والشوقُ حيثُ النُّحُولُ(
    اي أنها تشكو إلى ملقاً؛ وأشكو إليها حُرقاً، ثم أقام على تملقها وتخلُّقها بُرهاناً عيانياًّ؛ فقال: )الشوقُ حيثُ النُّحول( اي النحول عندي؛ وهو نتيجة الشوق؛ فلو كلن بها شوقٌ كما بي؛ لكان بها من النحول ما بي؛ ولا نحول لديها فلا شوق بها.
    )من رآها بِعيتهِ شاقهَ القُطانُ ... كما تشُوقُ الحُمول( اي من رأى الدنيا بعينه؛ اي بالحقيقة التي هي بها؛ شاقه الباقون فيها، لعلمها أنهم طاعنون، كما يشوقه الذاهبون عنها، فالٌطان والراحلُون عنها سواء، في أنه ينبغي أن يشوقه النوعان، لعلمه باشتمال الفناء على الفريقين.
    وقوله: )الحُمولُ(: أراد كما يشوقه المتحملون، فوضع )الحمول(، موضعها. وإن شئت قلت: عنى بالحُمول هنا. أسرة الموتى.
    )صحبتني على الفَلاةِ فَتاةٌ ... عادُ اللونِ عندها التبديلُ(
    كنى بالفتاة عن الشمس، وآثر التأنيث العرب أسماءها، ولذلك سموها )الجارية( عن الفارسي. و)عادةُ اللون عندها التبديل(: اي أنها حمراء وقتا، وبيضاء وقتا، وصفراء آخر. فعادة لونها التبديل في ذاته. فكان يجب على هذا - لولا الوزن والقافية - أن يقول: التبدُّل، لكن وضع التبديل موضعه اتساعاً.
    وإن شئت قلت: التبديل لها لوناً بعد لون.
    )سترتكِ الحجالُ عنها ولكنْ ... بكِ فيها من اللمَى تَقبِيلُ(
    الحجال: الأشرة عليها الكللُ خاضة. واحدتها حجلة. وقد يكون حجال جمع حَجَل. وحَجَل جمع حَجَلة. يقول: أدُمت أنا بهذه الشمس، وأما انت فسترَتكِ الحِجال عنها. ولم تمش في البراز، فتُورثك سُمرة كما أورثتني، لكن سُمرة شفتيك سُمرة طبيعة، فكأن الشمس قبلتك، فألقت في شفتيك سُمرة، وهو اللمى. )وفيها( الهاء راجعة عليك، ووصلت إليك، وَقبلتك، وأكسبت اللمى شفتيك.
    )لا أقمنا على مكانٍ وإن طَا ... بَ ولا يُمكنُ المكانَ الرحٍيلُ(
    اي لا تُقيم دوب )حَلَبَ( بمكان، وان طاب ذلك المكان، إلا لو أمكن ذلك المكان أن يرحل معنا، فأما ولا يمكنه ذلك، فلا إقامة لنا عليه ولو طاب والماضي هنا الذي هو )لا أقمنا( في معنى الحال أو الاستقبال.
    )مثُلها انتِ لوحتني وأشقمتِ ... وزادت أبها كُما العُطبُولُ(
    يقول: أنت مثلُها فعلاً، ولو قال: )مثلها أنت( جاز أن يكون مثلها بها في الحسن، وأن يكون مثلها بها في الإساءة اليه، فأراد هو أن يُبين ما أشبهت فيه هذه المرأة الشمس، فقال: مبينا للمشابهة، )لو حتني وأسقمت(: اي الشمس لو حتني وغيرتني، وأنت أسقمتني. والإسقام أشد من التلويح. فلهذا قال: )وزادت أبها كُما العُطبُول( يعني هذه المحبوبة. والعُطبول: الطويلة العُنُق.
    )وَمَوالٍ تُحييهمُ من يَديه ... نعمٌ غيرهُمُ بها مقتُولُ(
    )موال(: يعني أولياء وأقاربه، يقتل أعداءه، فيغنم أموالهم، فيعطيها أولياءه، فيحييهم بذلك. وقوله: )بها مقتول(: أي بسلبهم إياها، أو مقتول من أجلها.
    وقد يجوز أن يحييهم بهذا المغنم، فيقدرُوا بذلك على قتل أعدائه.
    وله ايضا:
    )وقد كان ينصُرُهم سمعُهُ ... وَينصُرني قلبُه والحسب(
    يعني هؤلاء الوشاة الذين يشُون به إلى سيف الدولة، كان ينصرهم سمعه لانه لم يكُ يطيق سد أذنيه عن سماع كلامهم، وينصرني قلبه بحبه لي، وتكذيبه إياهم سرا. والنصر بالفؤاد أنفع من النصر بالسمع. وجعل حسبه ناصراً له ايضاَ، لان شرفه حمله على الثبات، وإلغاء ما يورده عنه حسادُه.
    )وما قُلتُ للبدر أنت اللجينُ ... وما قُلتُ للشمس أنتِ الذهبْ(
    اي اني لم أتنقصك، ولا بخستُ مناقبك حقها. كما يُنتقص البدرُ لو يُشبه باللجين، أو الشمس لو شُبهت بالذهب. وإنما ضرب ذلك مثرً، وجعل اللجين المبدر، لكون أن أهل الكيمياء من الطبيعيين يقولون إنه من أكون القمر، وجعل الذهب الذهب المشمس، لان أولئك يزعمونه من أكوان الشمس.
    وقيل: هذا البيت تعريض بشعراء سيف الدولة.
    يقول: كل واحد منهم يمدحك، يريدون ما تستحقه من المدح، ثم ينقلب المدح ذما. فكأنه يقول للبدر يافضة، والمشمس ياذهب، فيُحط بذلك قدرهما؛ ويهبط به خَطَرهما. وأنا لم أقتصر على هذه الرتبة، ولا قنعت لك بها، بل وَفيتُ مدحك ماقصروا هم عنه؛ قسبيل الغضب أن يكون عليهم لا علىَّ.
    واللُّجين من الأسماء التي لم تستعمل إلا مصغرة؛ وقد عمل سيبويه فيه بُويباً.
    )فإن فارقتني أمطارُهُ ... فأكثر غُدرانها ما نضب(
    المطر: ذو مادة: والغدير لا مادة له؛ إنما هو القطعة من الماء؛ يغادرها السيل، اي يتركها؛ فجعل عطاياه أمطاراً، لكونها ذات مادة؛ وجعل ما حصل عنده من عطايا - وقد انقطع جوده عنه بفراقه له - بمنزلة الغُدران التي لا مادة لها. فيقول: إن كنتُ رحلتُ عنه وانقطعت عني جوائزُ، فقد جمعت من سوالقها وعوارفها مالم ينفذ أكثرها بعد.
    )وَيَسْتنصران الذي يعُبدانِ ... وعندهما أنه قد صُلبْ(
    يسفه النصارى، ويستضعف أخلاقهم حين يتنصرون بالمسيح عليه السلام وهم يعتقدونه ميتاً مصلوباً، ولم ينصر نفسه حينئذ.
    وله ايضا:
    )كفى بك داء أن نرى الموتَ شافيا ... وحَسبُ المنَايَا أن يكُن أمانيا(
    الفرق بين الباء التي في )بك( وبين التي في قوله تعالى: )وكفَى باللهِ شهيداً( أن الباء في كفى بالله داخلةٌ على الفاعل. وفي بك داخلة على المفعول، اي كفاك داء. ويجوز أن يكون كفى بدائك داء، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامه، وداء في كل ذلك نصب على التميز. ومعنى البيت:كفى بما تلقاه من شدة الزمن، وتناهي المكروه، حتى أدى لك إلى تمني الموت، واعتدادك به شافياً يعظم بذلك مثونة ما يلقاه. ومن العَجَشب أن يُلاقي الإنسان بلية، تجعلُ المنية من أجلها أمنية.
    )تمنيتها لما تَمَنيت أن ترى ... صديقاً فأعيا أو عدوا مُدايا(
    اي تمنيت المنية حين تمنيت صديقاً مصافياً، أو عدواً مدارياً، فكلاهما أعوزك وأعياك. فأما تمنيه الصديق فسجية مألوفة، وأمنية معروفة؛ لأنه ريحانة الفؤاد، وإنما هو الصديق المخلص الوداد.
    واما تمنيه العدو المداجيا، فهو الخطب العجيب، والخبر الغريب، لأنل لا نعلم أن أحداً تمنة لقاء عدُو، ولكنه إنما عرض بأنه فقد العزة، ولم يُؤت ما كانت همته له لا مَحةً اليه، وعينه طامحة عليه، فنَدر بذلك قدرُة، وهان على عدوه خَطَرُه؛ فجاهر بمداجاته، ولم يتكلف مداراته، تهاوناً منه به، ولو كان على عدوه قديراً، أو في نفسه خطيراً، لتكلف له المداجاة، وبين أنه إنما يُلاينُك عدوك ويداجيك، إذا رآك بحال يحذر بها منك.
    يقول: أنا لا صديق يُصفني، ولا عدو يداجيني، فأية ملأربة لي في الحياة؟ بل أحب إلى منها لقاء الوفاء.
    )حببتُك قلبي حُبك من نأي ... وقد كان غداراً فكُن أنت وافيا(
    )من نأى(: يقول لسيف الدولة. يقول لقلبه: أنا أحببتك قبل حبك لهذا النائي، وصحبتك قبل إياه فعليك أن تبقى لي؛ وتسلو عن هذا الغادر الذي يستعمل الوفاء لي؛ فإنك لم تفعل فقد عذرتني بحبك هذا الذي غدرني؛ ولو أسعده الوزن بأن يقول: وقد كان غادراً؛ ليُطابق قوله وافياً؛ لكنا أذهب في الصناعة، وأدل على الاستطاعة. وقلبي: نداء مضاف؛ اي ياقلبي. ولا يجوز أن يكون بدلاً من الكاف؛ لان المخاطب لا يبدل منه كما لا يبدل من المخبر عن نفسه لان المخاطب والمخبر عن نفسه قد أمن التباسُهما، فقد أغنى ذلك عن الإبدال منهما إذ البدل إنما هو البيان.
    قال سيبويه: فإن قلت: بي المسكين كان الأمر، أو بك المسكين مررت، لم يجز. ثم احتج بمثل هذا الذي ذكرت لك.
    )تماشي بأيد كلما وافتِ الصفا ... تَقَشنَ به صدر البُزاةِ حوافيا(
    تماشي؛ يعني الخيل، اي تتماشى بأيد قد سقطت نعالها من السفر. وما في الطريق من الحصى والمدر، لكن حوافرها شداد حداد. إذا وافت الصفا - وهي أصلب ما تكون من مواطن الحجر - نقشت فيها أمثال صدور اليزاة لشدتها. وصدر: مفرد موضوع موضع الجمع، لانه مضاف إلى جمع. وهو كثير فلي النظم ومنثور الكلام. كقوله تعالى: )إنَّ المُتَّقين في جَنّاتٍ ونهرْ( اراد؛ وأنهار. لان مياه الجنة أنهار لا نهر واحد. ألا تراه يقول كثيرا في وصف الجنة: )تًجْري من تَحْتِها الأنهارُ( وقال: )فيها أنهارُ من ماء غير آسنٍ( إلى آخر الآية.
    واما في الشعر فقوله:
    لاتنُكروا القتلى وقد سُبيناَ ... في حلقكُمْ عظمٌ وقد شجينا
    ورواه بعضهم: )صُدر البُزاة( اراد؛ جمع )أصدر( وهو العظيم الصدر. ولا يعجبني. إن الحافر إنما يصون صدر البازي - لو صور - لا جملة البازي كلها. والصفا: جمع واحدته: )صفاة(، وألفه منقلبة عن واو، لقولهم: الصفوان والصفواء.

    )بغزمٍ يسيرُ الجسمُ في السرجِ راكباً ... به ويسيرُ القلبُ في الجسم ماشيا(
    اي أن الجسم - وإن سار راكباً - فإن القلب يسير فيه ماشياً لتوقره فإنه لايُعفه مشي الراحلة والفرس، جرياًَ إلى إدراك مرغوبه، والظفر بطلوبه.
    )فجاءت بنا إنسان عن زمانهِ ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا(
    أشرف ما في العين إنسانها، لان حسن النظر إنما هو به. وكذلك كافور لزمانه. مالإنسان للعينز اي أنه أشرف بني دهره. وأعلى عامرٍ في عصرهز وإنما الملوك غيرُه لعين درهم كالبياض والمآقي. وحسن ذلك أن كافوراً أسود، فقد شاكل سواد العين، وغيره من الملوك الذين خلفهم المتنبي وراءه بيض، فقد شاكل البياض والمآقي، وهذا وإن كان قد أجاد في مدح كافور، فقد عرض بسواه. وقلما مر له فيه غريب بيت: إلا قد جمع مدحاً وتعريضاً؛ ولذلك قال فيه بعد صده عنه:
    وشعرِ مدحت به الكَركَدَ ... ن بين القريض الرُّقي
    ولو قال هذا البيت في رجل أبيض، أعنى )فجاءت بنا(، ولكن مدحا لا يجارى، وتعريضاً لا يُبارى، وإنما نقص عن غاية المدح، لتعريضه بسواده ولكن هذا البيت في الأسود أشد تحققاً منه في الأبيض لانه في الأسود يحوي الطبيعة واللون، وفي الأبيض ينفرد بما طُبع دون اللون. فتفهمه.
    )لقيتُ المرورى والشناخيبَ دُونه ... وجُبتُ هجيراً يترك الماء صاديا(
    بالغ في صفة حر الهجير، بتركه الماء صادياً، لان الماء لا يصدى بل هو مُزيل للصدى ولو قيل إن إصداءه للماء، إيباسهُ له، وتنضيبه إياه، لان الصديان ذابل عما عليه الريان، من النضارة والغضارة، لكان وجها.
    )إذا كَسب الناسُ المعالي بالندى ... فإنك تُعطي في نداكَ المعالياَ(
    المعالي على ضربين: طبيعي، ومُقتنى. فأما الطبيعي فالفضائل النفسانية: كالشجاعة والكرم والفهم والعفة، وهذا لا يمكن أن يُوهب البتة، لقوله هو فيه: ولو جاز أن يحوُوا عُلاك وهبتها ولكن من الأشياء ماليس يُوهبُ يعني الخصال الذاتية، وخلال الفضل النفسانية.
    وأما المُقتنى فنحو المال والجاه والثروة، فإن هذا الإمكان أن يُوهب. يقول له: إذا كان قصارى أفاضل الناس اكتساب المعالي بالندى، فإنك أنت تعطي المعالي في نداك، فُتولى البلاد، وتكسب الأجناد.
    وإن شئت قلت: إن عطايك تُشرفُ المُعطين، فتفضى بهم إلى المعالي، وما كان سبباً للمعلاة فهو معلاة.
    وقد ينقلب هذا المعنى على ما قدمناه، كأنه يريد؛ إنك لا تحسن المعالي إذ لا مادة لك تربيها وتُنميها بصنعة جوهرك، ورداءة عنصرك، حتى إذا هُيئ لك منها شيء، وقاربت ملكه والاشتمال عليه، انصرفت عنه، وسلمته إلى غيرك.
    )إذا النهدُ سؤتْ بين سيفي كريهةٍ ... فسيفُك في كف تُزيلُ التساويا(
    اي إذا سوي أهل الهند بين سيفين، طبعاً، وصقلاً، واستجادة عُنصر، فإن السيف الذي يقع منهما بكفك، فتضربُ به، يكون أمضى من صاحبه الذي تضرب به كفُّ غيرك، لان كفك أقوى الأ كف، فقد أزالت كفُّك التساوي بين السيفين اللذين سوت الهند بينهما.
    وقال )في كف(، فأ فاد، وإن كان نكرة لانه قد عُلم أنه لا يعني من الأكف إلا كفة، كقولك مررت برجل حسن وجهُه. )والكريهة( الشدة المكروهة. وهذا البيت نحو قوله فيه ايضاً:
    إذا ضربت كفاك بالسيف في الوغى ... تَبَينتَ أن السيف بالكف يضربُ
    وقال ايضا:
    )من الجآذرُ في زي الأعاريبِ ... حُمر الحلي والمطايا والجلاَبيب(
    ألحقهن بنوع الجآذر، وحق ذلك إغراباً ومبالغة، وتجوز بكونهم أعاريب، فغزاهم إلى زيهم لا إليهم، والحٌمرةِ في الحلي، واللباس، والأينقِ حُمر الألون، فخصهم بها من بين سائره.

    عبدالله عمر

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    لاتجزني بضني بي بعدها بقرٌ ... تجزي دُمُوعي مسكُوباً بسكُوبِ
    يعني بالبقر: احبابه. يقول: بَكَين كما بكيتُ، فسكين من الدمع مثل ما سكبت مكافأة، فإذا جَزَينني بُبكائي، فلا جزينني بضناي ونحولي، اي لاضنين كما ضنيت، يدعو لهن، فهذا الأسبق والأليق.
    وإن شئت قلت: إن حُبهن فد أضى جسدي، وأقنى جسدي، وأسقم وأهرم، فلم يبق في موضع لحبهن إياي. فإذا كان ذلك، لم تضن النساء عشقاً، وإن نظرن إلي فبكين، فإنما يبكين رحمة لي لا عشقاً، فيكون لفظه على هذا لفظ الدعاء، ومعناه الخبر. كأنه قال في المعنى: لس يجزينني.
    وقوله )تًجزي دموعي مسكوباً بسكوب(: جملة في موضع الصفة لبقر. والهاء في بعدها عندي: للحالة أو المسرة. وقد يكون راجعاً إلى النساء. واستجاز أن يقول: )بعدها(. وإن عنى النساء، وهو من النوع الناطق، لأنهن قد سماهن بَقَرَا، والبقر وغيرها من الأنواع غير الناطقة، يُخبر عنها كما يخبر عن الواحد المؤنث. تقول: الجمال رأيتها، والجبال علوتها، ولو سوغع الوزن أن يقول: )بَعدهُن( كان أذهب في الحقيقة، لأنهن لسن جآذر، وإنما هن نسوة.
    )أو حاربته فما تنجُو بتقدمةٍ ... مما اراد ولا تنجُو بتجبِيبِ(
    اي هذه الأعداء إن حاربته لم ينجها منه إعداد عُدة يُقدمون النظر فيها، كتشييد سُور، وحفر أخدود، واستظهار بُحشود. وكذلك لا تنجو منه بما يؤخرونه من الاحتيال للهرب، وإعداد الحيل المنجية. ومن القتل والحرب.
    وإن شئت قُلت: ما تنجو بتقدمتها نفوسها إليه، ولا بتجبيبها عنه. والتجبيب: الهرب والنُّكوص.
    ولو قات: إن التقدمة هنا بمعنى التقدم، ليقابل التجبيب، لأن التقدم غير متعد، كما أن التجبيب كذلك، لكان حسناً، كقول قَطَري:
    تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أنْ أتقدما
    ووضع المصدر مكان مصدر آخر كثير، قد عمل سيبويه وغيره من أهل اللغة فيه أبواباً.
    ولو علمنا أن العرب قالت: قدم في معنى تقدم، كقولهم: بين الأمر، اي تبين، ألغينا الاحتلال له، لكن مثل هذا لا يضبط إلا سماعاً.
    )بلى يرُوعُ بذي جيشٍ يُجد لُه ... ذا مثله في أحم النقع غربيبِ(
    اي أنه لا يقصد استمداد الأموال من الملوك ولا السوقة. وإنما قصده ترويعُ الملوك بالقتل، فإذا صرع مَلِكاً ذا جيش فجدله، روع به آخر لم يُجدله بعدُ. وقولُه: )ذا مثلهِ(: أقام فيه الصفة مقام الموصوف، اي ذا جيش مثلهِ. وحسُن حذف هنا وإقامة الصفة مقامه لأمرين: أحدهما أن مثل مضافة، فشاكلت بذلك الأسماء، لان افضافة إنما هي الاسم. والآخر أن لفظ الموصوف المحذوف، وهو الجيش، قد تقدم مُظهراً في قوله: )بلى يرُوعُ بذي جيش يُجدله(. وقوله: )في أحم النقع. والغربيب: الأسود.
    وله ايضا:
    )يُباعدن حبا يجتمعن وَوَصلُهُ ... فكيف بِحِب يجتمعنَ وَصدُّهُ(
    عنى بالحب هاهنا: الشيب، لانه محبوب على الكُره، وبإضافته إلى الموت فيقول: الأيام مُشاكلةُ بالطبيعة الشيب. لان الشيب همٌّ، كما أنهن هم. فكان القياس ألا تباعده لمكان المشاكة، وإنما مباعدتها بالموت، الذي هو أشد كرباً،وأجل خطبا، فإذا باعدت الشيب الآن وهي مجتمعة معه، فكيف أطلب منها حبا قد اجتمعت هي وضدُّ ذلك الحِب؟ ويعني بالحب هاهنا: الشباب. يعاتب نفسه على مطالبة الأيام برد العجيب الذي فات، وهي لا تبقى له الأقل الذي بقي. ألا تراه يقول:
    أبى خُلُق الدنيا حبيباً تُدِيمهُ ... فما طَلَبي منها حبيباً تردُّهُ
    اي الدنيا لا تُديم لي حياتي، وهي معي إلى الآن، فكيف أطلب منها شبابي وقد ذهب.
    وإن شئت قلت في البيت الأول: إنه اراد: يُباعدن حبيباً هو الآن معي. وأصل لي، اي هذا من قوتها وفعلها، أعنى أنها تُباعد الحبيب الواصل، فكيف لي منها بإدناء حبيب مُحتجزٍ مني، نازح عني؟ وعطف وله وصده على المضمر في )يجتمعن( اضطراراً، كقوله:
    قلت إذ أقبلت وزُهرٌ تهادي ... كنعاج الفلا تعسفْن رملا
    ولو كان الروى منصوباً، لكان )وصدّه( هو الأجود، على المفعول معه، ولو أسعده الوزن بتأكيد الضمير فقال )هي( لكان الرفع لا ضرورة فيه، ولو انه أكد وكان الروى منصوباً، لكان النصب حسناً.
    ولما ذكر سيبويه وجه النصب في قوله: )ما فعلت وأبك( قل: إنما فعل ذلك، لانك لو قلت: افعل وأخوك، كان قبيحاً، حتى تقول إقعد انت واخوك، قال: فإذا قلت: ما فعلت أنت وأباك؟ فأنت بالخيار: إن شئت حملته على المعنى الأول )يعني الرفع على العطف(. وإن شئت حملته على المعنى الثاني، )يعني النصب على المفعول معه(. وجعل الأيام مجتمعة بالوصل والصد، لأنهما عرضان، وظروف الزمان مشتملة على جميع الأعراض كاشتمال الأمكنة على الجواهر. هذا معنى الاجتماع، فتفهمه.
    )بوادٍ به ما بالُقلوب كأنه ... وقدْ رَحَلُو جيدٌ تناثَرَ عقدُهُ(
    اي أنهم كانوا لهذا الوادي كالعقد للجيد، فلما رحلوا توحش، وعطل كما يعطل الجيد إذا تناثر عقدهز وقوله: )به ما بالقلوب(، اي من الأسف عليهم، والحنين إليهم، )وقد رحلوا(: جملة في موضع الحال، اي في حال رحيلهم عنه. وكأنه قال: مرجُولاً عنه جيدٌ هذه صفته. ولا بد من تقدير )عنه( إذ لا بد للحال من ضمير يعود إليه من الحال.
    )يُخلفث من لم يأتِ داركِ غايةً ... ويأتي فيدري أن ذلك جُهدُه(
    اي انت أرفع المقصودين. فمن قصد غيرك، فقد ترك مقصوداً فوق مقصوده، وهو أنت. فإذا قصدك تبين وتيقن أنه قد بلغ أقصى الغايات، إذ لا مقصود وراءك، ولا مورُود فوقك. وقوله: )ذلك جهده(: اي أقصى غاياته، وأبعد نهاياته. وحينئذ تقر عين القاصد، لانه لا يُعنف على ترك الجرى إلى أقصى ما يمكنه من ذلك، إذ ليس يمكنه تجاوزه.
    وله ايضا:
    )قد اُخترتُك الأملاكَ فاختر لهُم بنا ... حديثاً وقد حَكمتُ رأيكم فاحكمُ(
    اي من الأملاكِ، فحذف وأوصل الفعل، ومثلُه كثير، إلا أنه ممنوع لايقاس عليه. وقد صرح بذلك سيبويه، والأملاك: يجوز أن يكون جمع مَلك ومَلَك ومليك، اي قد اخترتك من جميع الأملاك، ورجوتك لهمتي ومطلبي، فاختر لهم بنا حديثلً: اي اجعل الصنيعة في، فإنك إذا فعلت ذلك تُحُدث عنك بالإحسان، وتُحُدث عني بأني استأهلت ذلك عندك، وقد حكمت رأيك، اي سلمتُ لإليك، فافعل ما تشاء، فإن طبيعتك لا تحملك على ضد الجميل.
    وله ايضا:
    )أغالُب فيك الشوق والشوقُ أغلبُ ... وأعجبُ من ذا الهجر والوصلُ أعجبُ(
    اي والشوق أغلب مني، فحذف للعلم بما يعنى، كقولنا: الله أكبر من اي شيء فحذف، أنشد سيبويه:
    مَررتُ على وادي السباع ولا أرى ... كوادي السباع حين يُظلم وادياً
    أقل به ركبٌ أتوه تئيةً ... وأخوف إلا ما وقي اللهُ سارياً
    اراد: أقل به ركب تئيةً منه.
    وذهب بعضهم إلى أن )أغلب( هنا ليست للمفاضلة، وإنما هو أفعلُ صفة كأحمر، ولا يعجبني لان قوله في آخر البيت )ووصل أعجبُ( لايسوغ فيه إلا )أفعل( التي للمفاضلة، بأن يكون المصراع مشاكلا للمصراع الأول وإنما كان الشوق اغلب له، لانه لو كان ذد ذلك لم يكن عاشقاً. وقوله: )وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب(: إنما كان الوصل من الهجر، لان الهجر نوع من مكاره الأيام، والوصل نوعٌ من محابها، وشيمة الأيام أن تأتي بما يكره، فلا عجب من الهجر الذي هو في خليقتها، ولكن الوصل لو تيسر، كان أعجب من الهجر لشذوذه عن خلق الزمان. واراد: والوصل أعجيب منه، فحذف كما تقدم في )أغلب(.
    )فكمْ لظلام الليل عندك من يدٍ ... تُخبر أن المانوية تكذبُ(
    المانوية: أصحاب ماني وهم أهل الثنوية، يذهبون إلى أن ظلام الليل يكون الشر وان النور يكون الخبر، والمتنبي يرد على هؤلاء الثنويين فيقول: ليس الأمر على ما وصفتموه، بل قد أجد ذلك بالعكس. فإن الليل قد وقاني شر الأعداء، بأن وَارَاني منهم بظلامه، كقولهم: )الليلُ يستُر الويل(.
    وقالوا: اتخذ الليل جملاً: اي اركبه لحاجتك. وكذلك زَارَني الحبيب بالليل، فأخفى مزاره على الرقيب، وهذه أفعال الخير، فلم تنسبون إلى الظلمة الشر؟ ولما قال )فكم لظلام الليل عندك من يَد( فسره في البيت الثاني بقوله: وقَاكَ رَدى الأعداء تسرى إليهم وزَارَك فيه ذُو الدلاَلِ المُحجبُ.
    ولما حَمِد الليل بما اسدى اليه من الخير، وكذب المانوية بهذا البرهان، أخذ في في ذم النور، فقال:
    )وَيومٍ كَلَيلِ العاشِقين كَمنْتُهُ ... أراقبُ فيه الشمس أيان تغرُبُ(
    اي اني قد أمنت من العٌداة بالليل، فَسريت وأدللت، وخشيتهم بالنهار فكمنتُ وتخبأت. وتلك كُلفة ومشقة، وجهد على النفس لإخفائه، وما أحسن ما اتفق له الاستطراد في هذه الأبيات.
    وقوله: )أيان( اي متى. وليس من لفظ أين. إنما )أيان( من )اي( فهي فَعلان كَرَيان التي في أزمنة.
    ويدلك على أن )أيان( ليست من )أبن(، أن )أين( يكون سؤالاً عن الجوهر والعرض، كقولك في الجواهر، اين زيدٌ، وفي العَرَض: اين اللقاء والقتال.
    فأما )أيانَ( فلا يسأل بها إلا عن العَرَرض. تقول أيان القتالُ. ولا تقول أيان زيدٌ. وقد قال عز وجل: )يسألون أيانَ يومُ الدين( وقال: )يسألونك عن الساعة أيانَ مُرْساها( فحُكُم )أيان( إذن حكُم مَتى، ومتَى خِلافُ أين. فأيان إذنْ خِلافُ أين.
    وقد يجوز أن يكون ابو الطيب في ذمه النهار، مُعرضا بسيف الدولة لبياضه، وفي حمده الليل، مُتعللاٍّ بكافور لسواده، فإن كان قصد ذلك فهو ظريف، وإن كان لم يقصده فتوجيهنا له غريب.
    )وأصرع اي الوحشِ قفيتُه بهِ ... وأنزلُ عنه مثلهُ حين أركبُ(
    قفيته: اي اتبعت قفاه. يقول: أقتُلُ بهذا الفرس اي نوع أو شخص من الوحش حاولتُ به إدراكه، وأنزل عنه بعد ذلك وهو في مثل حاله حين ركبته، من الجمام ووفور الجري لم يغيره إجرائي له، ولا أذهب ميعته. وهذا كقول المَرار بن منقذ السعدي في صفة عجوز يذكر بقاء حسنها:
    من بعد ما لَبِسَتْ زماناً حُسنها ... وكأن ثوب جمالها لم يُلبسِ
    )ومثله(. منصوب على الحال من الهاء التي في عنه. و)حين( ظرف متعلق بأنزل.
    )تَزيدُ عطاياهُ على الليث كَثرةً ... وتلبثُ أمواهُ السحاب فتنضُبُ(
    اي كلما لبث عطاياه تضاعفت ونمت، لأنها ذوات مواد كحجر يهبها فتنتج مهراً، أو ضيعة تُورثه غلة ووفراً، فتنمى هباته على الأيام، وتواتر الأعوام.
    وأما مواهب السحاب فكلما لَبِثت نشقَتها الشمس، ونضبتها الأرض، واستقتها الواردة. فهذا فضل ندى كافور على ندى السحاب.
    )ودُون الذي يبغُون مَا لوْ تَخَلصُوا ... إلى الشيبِ منهُ عِشت والطفلُ أشيبُ(
    )ما لوا تخلصوا إلى الشيب منه(: يعني الموت. اي دون ما يحاولونه منك الموت، الذي لو تخلصوا منه إلى الشيب، لشاب طفلُهم في حال طفولته - اراد القرب - ولكنهم لا يمكنهم التخلص من الموت إلى الشيب، بل أنت تأتي عليهم، فتقتلهم في الحال.
    وقيل معناه: لو أمهل الحسدُ حسادك ريثَ هجوم الشيب، لشاب طفلُهم الآن، ولم يتأخر الشيب عنه إلى أوانه، ولكن انت تعجلهم، وشيب الطفل في كل ذلك: يذهب به إلى القُرب. اي لو أمهلهم الموت الذي يحدث عنه الحسد، لشابوا في هذا الوقت، ولم يمهل الطفل منهم إلى أوان المشيب، بل كان يشيب مع هؤلاء.
    وإن شئت قلت: إن هذا كقوله:
    فإنك سوف تحلُم او تناهَي ... إذا ما شِبتَ او شاب الغُرابُ
    اي إنما تحلم إذا شبت، وأنت لا تشيب أبداً، لان حلْمك على الناس يقتلُك، فيُعجلك عن بلوغ الشيب، وكذا لا يشيب الغراب أبداً.
    فكذلك لا تحلم أبداً. فيقول: لو تخلصوا من الموت إلى الشيب - وهذا غير ممكن - اي لو أمكن ذلك الممتنع، الذي هو التخلص من الموت إلى الشيب، لأمكن هذا الممتنع الثاني، وهو شيب الطفل.
    )ثناهُم وبرقُ البيضِ في البيضِ صادقٌ ... عليهِم وبرقُ البيضِ في البيضِ خُلبُ(
    البرق على ضربين: صادق، وكاذب. والكاذب يقال له: الخُلب، من الخلابة، وهي الخداع. فوعدْ بَرق سيوفك بأن يُفلِق البيض إلى ما تحتها من الهامِ، صادق، لأنها تفعل ذلك. وبرق بيضِ عداك أن تقي هامهم من بيضك، اي سيوفك، كاذب، لان سيوفك من عاداتها أن تقُد تريكهم إلى هامهم، فهو خُلب لذلك. وقد يقولون: برقُ الخُلب فيضيفون، وهذه الإضافة على حذف الموصوف، اي برق السحاب الخُلب. وإن شئت، جعلتها من إضافة الشيء إلى نفسه، كنحو ما حكاه أبو بكر محمد أبن السرِى من قولهم: مَسْجد الجامع، وباب الحديد. وقد حمل بعضهم توله تعالى )ولَدَارُ الآخَرةِ خَيرٌ( على ذلك.
    )سَلَلتَ سُيُوفاً علمت كل خاطبٍ ... على كُل عُودٍ كيف يَدعُو ويخطُبُ(
    إن شئت قلت: لما رأى الناس تأثير سيوفك في عِداك، دانُوا لك، فخطبوا باسمك على كل منبر. وان شئت قلت: كان الواجب في الاختطاب على المنابر أن يكون باسمك، فتُجُوز في الخُطب باسم غيرك، فَسَلَلتْ سيةفك، وقتلت بها أعداءك، وبلغت أماميك، فخطبُوا لك خاصة، فكان تخصيصك بذلك من تعليم السيوف التي سلن، كقوله: توليه أوساطَ البلادِ رِماحُهُ وقوله: )كيفَ يَدعو ويخطُبُ( جملة في موضع المفعول الثاني، و )علمت كل خاطب(: الدعاء والخطبة. و )على كلِّ عُود(: اراد على كل منبر، لان المنبر من العُود، فأقام العُنصُر مكان الصورة، ومثله كثير.
    وله ايضا:
    )أريدُ من زمني ذا أن يُبلغني ... ما ليسَ يَبلُغُه من نفسِه الزمنُ(
    اي أريد أن يدوم شبابي وسروري أبداًن فلا أهرَم ولا أهتم. وهذا الذي أريده من الزمان، لا يبلُغُه هو من أمنيته لذاته، لنه لو اختار أن يكون ربيعاً أبداً، ونهاراً سرمداً، لم يبلغ ذلك، لان أحواله الأنيقة تتكدر، فيلحق ربيعه القيظ، ويتخلل نهاره الليل. فإذا لم يبلغ الزمان مُرادُ في نفسه، فجدير ألا يُبلغني مرادى. إذ لو كان ذلك قوته، لآثر به نفسه.
    يتعجب من تشططه على الزمن، وتكليفه إياه ماليس في وسعه، ولا يجد مُعيناً عليه من طبعه.
    وجعل للزمان نفساً وإنما هو نورٌ وظلمة، تحدثان عند حركة الفلك، لان العرب تنُسب الأفعال إلى الدهر كثيراً، لوقوعها فيه. فيقولون: فَعل الزمان، وصنع، كقوله تعالى حكاية عن الكفار: )وما يُهِلكُنا إلاَّ الدَّهْرُ(.
    )مما أضَرَّ بأهلِ العِشقِ أنهُمُ ... هَوَوا وما عَرَفُوا الدُّنيا ولا فطنُوا(
    اي أنهم اعتبروا حُسن الخلق لا حُسن الخُلُق. ولو جربوا الدنيا، فأجادوا الاعتبار، وأطالوا الاختبار، لوجب أن يُؤثروا حسن الخُلُق، فيجب إذ هو اولى في الحقيقة بذلك، من اعتبار هذا الحُسن المحسوس. وقد فسره هو في البيت الثاني الذي بعده فقال:
    )تفنى عيونُهُم دَمْعا وأنفُسهم ... في إثر كل قبيحٍ وجهُهُ حَسَنُ(
    اي في إثر كل قبيح الخُلُق.
    )تَحملُوا كُلُّ ناجيةٍ ... فكلُّ بينٍ على اليوم مُؤتمنُ(
    نسيب هذه القطعة ابو الطيب مُغضباً، شاكياً لأمره، متسخطاً على دهره، حتى أفضت به شدة العتاب، إلى ملامة الأحباب، واحتمل إفراط الجفا، لما تأمله من قلة الوفا، فقال )تحملوا حَمَلَتكُم كل ناجيةٍ(: اي أبعدتم ولا دَنوتم، بخلاف قوله هو راضياً عن أحبابه:
    لا سِرتِ من إبلٍ لو آني فوقها ... لَمحت حرارةُ مدمعيَّ سِماتِها
    ثم أدركه بعد ضَجرة التأسف، وإظهار البراءة عن العشق بعدهم، فقال: فكل بينٍ على اليوم مؤتَمَن اي أني كنت أحذر بينكم، فإذ قد وقع، فما أبإلى بشيء بعده، كقوله الأول:
    من شاء بعدك فليمُت ... فعليكَ كُنتُ أحاذِرُ
    وامتثله أبو فراس فقال:
    وكنتُ عليه أحذرُ الدهر وحدهُ ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذرُ
    والفاء في قوله: )فكل بين( لعطف الجملة الثانية على الأولى، التي هي )تحملوا(.
    )رأيتكُم لا يصُون العِرَ جَارُكُم ... ولاَ يدرُّ على مَرعَاكمُ اللبنُ(
    اي من جاوركم ذل، وأقام صابراً على الذلة، حتى يكون عرضُه غير مصون لأنكم لا تنصرونه على من اوصل إليه الذاة، بل تَدَعُونه تُهبة، ولا يستطيع أن ينتصر هو لخذلكم إياه. وهو في هذا البيت يُعيرهم الصبر على الذل والقُل، لان قوله: )ولا تدر على مَرَعاكُم اللبن(: يعني به أن رِفدكم قدر الكَفاف، ليس ما يفضُل عن الاستشفاف.
    )فغَادَر الهجرث ما بينني وبينكُمُ ... بهماء تَكذبُ فيها العينُ والأذُنُ(
    البهماء: الارض القفرة، )فَغْلاء، لا أفعل لها من جهة السماع(. اي لا يقال: )قَفْرٌ أبهمُ(. وقد غَلَبت )البَهماء( غلبة الأسماء. حكى ابو زيد عن العرب؛ البَهماوات. فلو عاملوا الصفة لقالوا: البُهم، اي غَادر الهجرُ بيننا بهماء يَقرَعُ فيها الحس ما ليس بحقيقة، كتخيل الآل، وتصور الأشخاض، وعزيف الجِنّ، ونحو ذلك مما لا حاصل له.
    )تَخبُو الرواسمُ من بعد الرسيم بها ... وتسألُ الارض عن أخفافها الثفِنُ(
    اي تخبو الإبل الراسمة من هذا القفر، والثفن: ما يصيب الارض من البعير والناقة إذا بركا، وهي خمسٌ رُكبتاه من ذراعيه وساقيه وفخذه، فإذا حَفيت هذه الإبل، فبركت على ثفِناتها، وصدمت بها الارض، قالت الثفنات للإرض: اين الأخفاف التي كانت تكفينا إياك، وتقينا لُقياك؟ و )الثفِن(: جمع ثفنة، كلبِنة ولَبِن. و )تسأل وسأل( كلاهما عربي، لان ما لم يفارق من الجمع واحده إلا بالهاء، جاز تذكيره وتأنيثه ولذلك - إذا وافقت صورة هذا الجمع صورة الجمع المكسر - استدل سيبويه على الجمع الذي باين واحده بالهاء بدليل التذكير، مثل ذلك قوله: إن الرُّطَب ليس كالغَرَب، وإن اتفق المثلان، لان الغَرَبَ مُكسر، بدليل تأنيثه، والرُطب يذكر ويؤنث، يقولون: هذا الرُّطب، وهذه الرُّطَب.
    وله ايضا:
    )وَلَوَ آن الحياة تبقى لِحي ... لَعَدَدنا أضلنا الشُّجعانا(
    اي أن الحياة لا تدوم، فما ينبغي للحي أن يجبُن، إذ لا بُد من لقاء الموت. وفي الجُبن العار. ولو كانت الحياة تدوم، لكان أضلنا الشجاع الذي يتعرض للقتل فيقتل، فحرم بذلك نفسه بقاء الحياة ولذاتها. ولكن إذا كان الموت لا بُد منه، وفي الشجاعة المجدُ، فهي أولى من ضدها.
    وله ايضا:
    )كأن رِقَاب الناسِ قالت لِسَيفهِ ... رَفِيقُكَ قَيسىٌّ وأنتَ يَمَانِ(
    قيس من عندنان، واليمن من قحطان، وبينهما منافرة. فيقول: كثُرَ تقطيعُ شبيب لرقاب الناس بسيفه، فأغرت الرقابُ بينهما، ليفترقا فتسلم. وقوله: )رفيقُك قيسىٌّ وأنت يمانِ(، ترويةٌ عن قولهم: لمَ تتفقان وأنما بالنسب مفترقان. ونحوه قوله الآخر:
    أيها المُنكحُ الثُّريا سُهيلاً ... عَمْرك اللهَ كَيف يلتَقيَان
    هي سامِيةٌ إذا ما استقلت ... وسُهيلٌ إذا استقل يمانِ
    والألف في يمانِ عوض من إحدى ياءى النسب، التي في قولك )يَمَنى(.
    ومن العرب يقول: يماني. فهذا ليس على الوض، لانه لم يحذف منه شيئاً فتكون الألف عوضاً منه، ولكنه من بوادر النسب.
    )أتُمسِكُ ما أوليتهُ يدُ عاقلٍ ... وتُمسِك في كُفرانهِ بِعِنَان(
    اي سبيل النعم التي زالت من يدك إلى يده، أن تَنهي كفه عن الإمساك بعنان في معصيتك، فهلا فعل ذلك؟ ينكر على شبيب كفره أيادي كافور بنفاقه عليه، وخلعه طاعته.
    )ثَنى يده الإحسانُ حتى كانها ... وقد ُبضت كانت بغير بنَانِ(
    اي لما هم بمعصيتك، ثنت كثرةُ أياديك عن العصيان يده، حتى ألقت السيف كأنه لابنان لها يُمسكهُ بها، وقوله: )وقد قبضت(: جملة في موضع الحال من الضمير الذي في )كأنها(. و)كانت( ها هنا يجوز أن تكون المفتقرة إلى الخبر، ويجوز أن تكون بمعنى خُلقتن فتكون الغنية.
    حكى سيبويه: أنا أعرفك مُذ كنت، اي مذ خلقت، ويكون المجرور على هذا في موضع الحال، وكما ذهب إليه سيبويه في رواية من روى: إذا كان يومٌ ذو كواكب أشنَعَا من أن أشنع حال، ولا تكون خبراً لكان، لان الخبر سبيله أن يكون مفيداً، وليس في أشنع من الفائدة إلا ما في قوله: )ذو كواكب( لان اليوم إذا كان ذا كواكب كان شنيعاً إذ ظهور الكواكب إنما يكون للقتام الذي يكسِف ضوء الشمس، فتظهر. وهذا من دقائق سيبويه التي يسميها المتأمل إعجازاً.
    وله ايضا:
    )عُيونُ رَواحلي إن حِرتُ عَيني ... وكُل بغام رازحةٍ بغُامِي(
    حِرت: اي تَحَيرت، والعيون ها هنا: يجوز أن تكون جمع عينن وهي الشخص، اي أني ماهر بالفلاة معاود لها أحس فيها أملى فأدعها ذؤاما في الطريق، فإذا أنا تحيرت في التيه، فدليلى كل عُود أخليه، لأني أرى شخصه فيكون لي كالمنار الذي يُستدل به. وقد تكون العيون هنا جمع العين التي هي كالجارحة النظرية، اي تبدو لي أعين هذه الروايا، وخص أعينها بقوله: عيني. وكذلك إذا أردتُ استنباح الكلاب، ليُدل نُباحها على الحِلاَل، وأمان الحُلال، بَغَمت ناقتي، والبُغام: صوت تقطعه ولا تمُدُه، فيسمع الكلب بُغامها فينجح، فذلك البُغام يغنيني أن أستنبح الكلاب، والرازِحة: الناقة المعيبة، رَزَحَت تَرزَح رُزُوحاً ورُزاحقاً. وخص الرازِحة، لانه يصف نفسه بإدمان السير، والصبر على التعب في السفر.
    )فقدْ أردُ المياه بغير هادٍ ... سِوى عَدى لها بَرْق الغَمَام(
    يصف نفسه بمعرفة الارتياد، ويتعرب بذلك، فيقول: لا أحتاج على الماء دليلاً، إذا ابتغينا إليه سبيلاً، لأني عالم بمخايل المطر، كعلم رُواد العرب ومنتجعيهم بذلك. وهم يزعمون أن البرق إذا لمع مائة ومْضة، وثقوا بالمطر وانتجعوا الناحية، التي لاح منها ذلك البرق.
    وقيل: إذا بَرَقت السماء أربعين برقة، وثقوا فساروا، وربما طاردوا جوه عشراً، فوافقوا الماء.
    )يضيقُ الجلدُ عن نفسي وعنها ... فتُوسُعه بأنواع السقام(
    اي أنحلتني هذه الحُمى، فكأنها وجدت جلدي لا يسع نف سي وإياها، فأكلت اللحم، ليتسع الجلد فيجمعهما، كما وَسِع النَّفس والنّفس.
    )وَضاقت خُطةٌ فخلَصتُ مِنها ... خَلاَص الخمرِ من نسيجِ الفدام(
    الفدِام: المصفاة، ونسجُه ضيقٌ، تدفعُ إليه الخُمر قذاها، فتمرق منه صافية فتزداد شرفاً بنقائها وصفائها. شبه الخُطة، وهي النازلة العظيمة من نوازل الدهر، في ضيقها بالفدام المُضيق. فيقول: إذا دُفعتُ إلى مُلم ضيق فعجز غيري عن نفاذه، خرجتُ وازددتُ شرفاً بذلك، كازدياد المدام عند فراغها صافية للقدام، كقوله:
    ما تعتريني من خُطوب مُلمِةٍ ... لإلا تُشرفُني وترفعُ شاني
    ولهذا قالوا خرج منها كالشهاب، اي لم تعلقة منها تبعة. واراد: )وربما ضاقت خطة(، او )فقد ضاقت خُطة( يذهب في ذلك إلى خُططٍ شتى، لا إلى خُططٍ بعينها. واراد )من منسوج الفدام( إذ النسيج عَرض، والخمر جوهر، والجواهر لا يتخلل العَرَض.
    قال سيبويه: هذا ثوبٌ نسج اليمن، ودرهم ضربُ الأمير: اي منسوج ومضروب، مثله كثير.
    )وَإن أسلم فما أبقى وَلكن ... سلمتُ من الحمامِ إلى الحِمام(
    اي إن سلمتُ من موت على وجه ما، لم اسلم من آخر على وجه ما، وإن سَلمتُ من الموت في زمان ما، لم أسلم في غيره، إذ الخُلد في الحياة ممتنع. وقوله: )من الحِمام إلى الحِمامِ(: لو يُرد الجنس ولكنه اراد من بع ... أنواع الحمام إلى بعض أنواع الحمام.
    وله ايضا:
    )مُنى كُن لي أن البياض خضابُ ... فَيخفي بتبييض القُرون شبابُ(
    )أن البياض(: خبر ابتداء مضمر. اي كانت لي مُنى. ثم أوضح تلك المنى وكأنه قال: هي أن البياض وقار لي، فيخفي شبابي بالمشيب، ذهاباً إلى إكبار الشيب، وذلك لما يلحقُ الشباب عنده من العيب.
    )فكيف أذم اليوم ما كنتُ أشتهى ... وأدعُو بما أشكُوهُ حين أجابُ(
    يعني في كل ذلك الشيب، اي قد كنت أيام اسألُه عز وجل، وأدعو أن يسلُبني الشباب، ظانا أن الشيب لا يلحقُ الإنسان معه ألمٌ ولا هَرَم. فلما شبت ولحقني من الضعف ما لحقني، علمت أن رأيي في سؤالي الشيب، ورغبتي إلى الله فيه، كان سَفها. لكن كيف أذمُّ المشيب وقد كنت أشتهيه. وكيف أشكوه وقد كنت أدعو الله أن يهبه لي. يقول: فإن شكوت ما كنتُ أحب، وذممتُ ما دعوت إلى الله فيه، وقع التناقض في مذهبي، مع أن ذلك غير نافع فالصبر أولى والرضا بكل ذلك أخجى.
    )جَرَى الخُلفُ إلا فيك أنك واحدٌ ... وأنك ليثٌ والملُوكُ ذئابُ(
    )وَأنك إن قُويستَ صحف قارئٌ ... ذئاباً فلم يُخطئ فقال ذُبابُ(
    اي إذا عُددت ليثاً، وطلب من السباع ما هو دون اليت، مما بقاس به الملوك إليك رُيئوا ذئاباًز ثم إن حُقق القياس، كان ما بينك وبين الملوك تفاوتاً، كما بين الأسد والذئاب، حتى لو صحف مُصحف فقال: ذباب لم يخطئ في قياسه إليك، وإن كان صَحف، بل يكون بهذا التصحيف أشعر كقول الأصمعي لقارئ عليه، صحف عليه بيت الحُطيئة، وهو قوله:
    وَغَررْتني وزَعمت أنكَ ... لابنٌ بالضيفِ تامرْ
    فقال: )لاتني بالضيفِ تامرُ(، فقال له الأصمعي، أنت والله أشعر من قائله، حين قلبت هجوهُ مَدحاً. وقوله: )أنك واحدٌ(: بدل من الكاف في فيك. وإن قلت: منع سيبويه البدل من المضمر المخاطب، فقال: إن قلت: بك المسكين مَرَرت، لم يجُز، لان البدل إنما هو للإيضاح والمخاطب لا يُشكل، فيحتاج إلى البيان. قلنا إنما منع سيبويه في هذا بَدل الجملة من الجملة، أعنى الكل من الكل، الذي هو هو، فأما بدل الجزء من الكل، فغير ممتنع؛ كقولك اعجبتي وجُهك، وعجبتُ منك صبرك، فكذلك )أنك واحد(، وإن لم يكن جزءا من كل فهو عَرَض في جوهر كقولك: جرى الخُلف إلا في كونك واحداً، والعرض - وإن لم يكن جزءا من الجوهر - فهو مرتبط به، فكان كالجزء منه. والخلف هنا: بمعنى الختلاف، ولذلك جاز أن يتعدى إلى في. وذئاب ها هنا: اسم للجنس لأنه قد قال: )والملوك ذئاب(، فأخبر بالجمع عن الجمع، ولو لم يجعل الذُباب جنساً، لَلَزِمك أن تخبر عن الجمع بالواحد.
    وقد حكى ابو عُبيد في )الغريب المصنف( عن الأحمر: )النُّعرة: ذبابة(. فإن صح ذلك، ولم يك وهما من أبى عُبيد، فذباب هنا جمع ذُبابة، لا يحتاج حينئذ إلى تأول الجنس ولا إلى جعل الواحد موضع الجمع. ولا أعلم أحداً من أهل اللغة حكى في ذُباب ذُبابة إلا أبا عُبيد وحده.
    وله ايضا:
    )والعبدُ ليس لحُرٍّ صالحٍ بأخٍ ... لو أنه في ثياب الحُر مولودُ(
    اي لو غُدى ورُبى وأدب بمثل ما يغذي به الحُرُ ويربى ويُؤدب، لقصر عن طبيعتة الحُر، ولو لم يرُم العبودية، والعبد بمتهنه الحُرُّ، فإذا كان كذلك فهو عدو لا أخٌ.
    )أولى اللئام كُيفيرٌ بمعذرةٍ ... في كل لُؤم وبعضُ العُذر تفنيدُ(
    أولى اللئام في العذر في اللوم كافور، لأنه شرُّ نفسٍ من اخس جنس، أعنى بالجنس، والجيل، لا المقُول على الأنواع، واذا خس الجنس؛ عذر الواحد منه أن يجري على قيسه، الذي هو طبعُ جنسه، فغدا عذرا له، وإن كان هذا العذر بالذم والتنقص أشبه. فهو إذن عذر يزيد على التفنيد، لان التنفيذ يشعر أن المفند موجود، كقوله: ويبقى الُودُّ ما بقي العتابُ فأما إذا ترك التفنيد، للعلم بأن الإساءة طبيعة في المسيء، فذللك أقصى نهايات الذم. وأراد: )أولى اللئام بمعذرة كويفير(، لأن قوله: )بمعذرة( من تمام الاسم، الذي هو أولى. فكان ينبغي له ألا يجيء بالخير الذي هو )كويفير( إلا بعد قوله: )بمعذرة( لتعلق الباء بأولى. وكذلك إن جُعل )كويفير( هو المبتدأ، وجعل )أولى اللئام( خبر مبتدأ مقدماً، فقد حال أيضا بين الاسم الذي هو الخبر، وبين ما هو من تمامه.
    ولذلك جعل الفارسي )كِلاَ( في قوله:
    كِلاَ يوميْ طُوالة وصلُ أروى ... ظنونٌ آن مُطرحُ الظنُونِ
    جزءا من الخبر، لا من المبتدأ، الذي هو وصل أروى، لان وصلاً مصدر، فكان يكون )كِلا( من صلته متقدماً له. والصلة لا تتقدم على الموصول.
    وكما لا يُقدم بعضُ أجزاء الاسم على بعض مُغيراً عن وضعه، فكذلك لا يُحال بين بعضه وبين بعض بأجنبي أيضا، فلذلك مثلنا بيت المتنبي في فصله بين )أولى( وما يتعلق بها، بالبيت الذي أنشده أبو علي، في أنه لا يجوز تقديم الصلة على الموصل. وإنما قوله: )بمعذرة( متعلق بأولى. ثم أبرز مضمره. اي أولاهم بمعذرة.
    وله ايضا:
    )وَعدتُ ذا النصلَ منْ تعرضهُ ... وَخفتُ لما اعترضتَ إخلاَفاَ(
    اختلس له بعض أعبده سيفا، وأعطاه امراة وَردان بن ربيعة الطائي الذي تضيفه بحسمي. وكان عبيده قد خالفوا إليها فوثب ابو الطيب إلى العبد الذي اختلس السيف، فأخذه منه، وضربه به فقتله، فيقول: لم أقتلك لان السيف عظُم على قدرُه وجل لدى خَطَرُه، حتى دعاني فقده إلى قتلك، ولكن وَعَدَتُ هذا السيف أن أقتل به من تعرضه، لما تعرضت أنت له وهمتُ بالصفح عنك، خفتُ أن يتخلل وَعدى إخلافٌ، فأكون غير صادق الوعد. وأراد: )من تعرضَ له( فحذف وأوصل وكذلك اراد )وخفت لما اعترضت له(، فحذف الجار والمجرور، كقوله: إن لم يجد يوماً على مَن يَتكِلْ اراد يتكل عليه، حكاه سيبويه. وقوله: )من تعرضه( اراد: قتل من تعرضه، فحذف المضاف، لمكان العلم به، وأقام المضاف إليه مَقامه، و )مَنْ(: في موضع المفعول الثاني بوعدت.
    وله ايضا:
    )ألا كُلُّ ماشِيةِ الخيزليَ ... فدا كل ماشيةِ الهيدَبي(
    الخَيزلي: مِشيةٌ من مشي النشاء، فيها تخُّزل وتفكٌّك. والهيدبي )بالدال والذال(: أعلى من مِشية الخيل والإبل، فيها سُرعة. فيقول: كل امراة معشوقة التحرك فدا ل ناقة وجَمضل من الإبل التي خرجت عليها من مصر، لما نلت بها من الضيم، وقد بين ذلك بقوله بعد هذا:
    ). . . . . . . . . ... ومَابِيَ حُسْنُ المِشى(
    أي ما على من حسن مشية النساء لأني لا أعني بذلك، وإنما أعنى بطلب النجاة، ومحاولة المُعالاة، وإرغام العُداة، وقد بين ذلك أيضاً بقوله:
    )وَلكِنهُن حِبالُ الحياة ... وكيدُ العُداةِ وميطُ الأذى(
    اي هن أسباب الحياة، فوضع الأسباب لان السبب من أسباب الحبل )وكيد العداة وميط الأذى( اي وسبب كيد العُداة أكيدهم بها، وسبب ميط الأذى أيضا. فحذف المضاف، وأقام المضاف اليه مقامه.
    وإنما تأولنا ذلك، لان الخيل لا تكون في الحقيقة كيداً ولا ميطاً، إذ الخيل جوهر، والكيد والميط عَرَضان، والجوهر والعرض ليسا من باب )هو هو(، بل هما من باب الغير. وقد يجوز أن يجعل الخيل هي الكيد والميط، على سعة الكلام، كأنها لما كانت سبب ذينكِ، كأنها هُما.
    وقد ذهب سيبويه إلى الوجهين جميعاً في هذا الضرب، إعنى كقولهم: ما زيد إلا أكلٌ وشُرب، فإنما هي إقبالُ وإدبار.
    قال: جعلها الإقبال والإدبار على سمة الكلام، وإن شئت على الحذف، كما قدمنا.
    فَمَا كَان ذلك مَدحاً لهُ ... ولكنه كان هَجْو الوَرى
    اي إذا كان مقصودهُم وممدوحهم مثل كافور، فكفى بذلك هجواً لهم.
    وإن شئت قلت: أحوجني الوَرَى إلى مدح كافور، وذلك سَفهُ، فكان ذلكم المدح هجوا لهؤلاء، إذ لو كانوا كُرماء أحراراً، أغنوني عن مدحه، والتعرض للقائه.
    وله ايضا:
    )قال الزمانُ لهُ قولاً فأفهمهُ ... إن الزمان على الإمساكِ عذال(
    يقول: من رأى المسكين خشية الإقلال، وموتهم عن الأمول، وتخليتها للأعداء الأضداد غير الشكال، فقد اراه الزمانُ فيهم العِبَر والغير، فكأنه قد حذره الإمساك، ولاَمهَ على ذلك، وليس للزمان على الحقيقه قولٌ، لان الزمان عَرضٌ مُتولد عن حركة الفلك، وليس للعرض قول، إنما هو للجوهر الناطق، لكنه لما اتعظ بتصاريفه، ومشاهدة تكاليفه، صار كأنه لهُ لائمٌ ومثله كثير.
    والقول الذي قاله الزمان، إنما هو: لا تمسك المال، فإنك إن فعلت ذلك كان عليك حُوبُه، وللوارث لذته وطيبهُ.
    وقد ألم الحارث بن حلزة بهذا المعنى في قوله:
    لا تكسعِ الشول بأغبارها ... إنكَ لا تدرِي من الناتجُ
    )القائدُ الأسد غذتها براثُنه ... بمثلها من عداهُ وهي أشبالُ(
    براثهم: سيوفهم. وأما البرثن في الحقيقة، فهو المخلب، لكن السلاح للإنسان كالبراثن للسباع، اي انه يسير للهيجاء في غلمانه الذي رباهم وضراهم وثيتهم لسلب عداه، الذين هم مثلهم في الشجاعة، وذلك من حد صغرهم إلى كبرهم، وقوله: وهي أشبال: جملة في موضع الحال، إذ رددتها إلى المفرد، فكأنك قلت: غذتها براثنهُ صغاراً، والشبل: ولد الأسد.
    )وقد يُلقبهُ المجنُون حاسدُهُ ... إذا اختلطن وبعضُ العقل عُقالُ(
    معنى هذا أن )فاتكا( كان يُلقب )المجنون(، وهو لقب له - كما تراه - قبيح، فاحتال المتنبي، لتأوله على أحسن الوجوه، فقال: إنما جنونه إذا تزحمت السيوف، واختلطت الصفوف، في الاقتحام والاهتجام. ثم قال: وبعضُ العقل عُقال: لان الجُبن يتصور لأهله في مَعرض الحزم والعقل، وهو مذموم. وعُقال: اي انه يعقلهم عن الجراءة، لان العُقال ظَلع يكون بالبعير ساعة ثم ينشط.
    )إذا العدا نشبت فيهم مخالبُه ... لم يجتمع لهُمُ حلمٌ ورئبالُ(
    هذا تفسير للبيت الأول، واعتذار من تلقيبه )المجنون(. يقول: فهو في الحرب أسد، والأسد لا يُوجد عنه الحلم، فلا يُلامن في عدمه الحِلم، كما لا يلام الأسد، ولا يُسمينَّ )مجنوناً( لانه قد تحول في الحرب عن طبيعة الإنسان، إلى طبيعة الأسد، وإنما كان يسمى )مجنوناً( لو فارق الحلم وهو في النوع الإنساني، فلا يصح عليم اسم الجنون كما لا يصح على الأسد.
    والرئبال: الأسد يُهمز ولا يهمز. وليس ترك الهمز فيه على التخفيف القياسي، إذ لو كان كذلك لم يقل في الرئبال والريبال. إنهما لُغتان، كما لا قول في )ذيب، وذئب( أنهما لغتان. وذلك أن تحقيق الهمز وتخفيفه لا يُسمى فيهما لغة، ما دام التخفيف قياساً، إذ التخفيف على القياس في فئة المحقق. ويدلك على أن )ريبالا( ليس بتخفيف قياسي، وإنما هي لغة قولُهم في جمعه: رَيابيل. فلو كان )رِيبالا( على التخفيف، لقيل في جمعه )رآبيل( لان العلة التي كانت تقلب الهمزة ياء، وهي الكسرة في رئبال، وقد زالت في حد الجمع، وعاقبتها الفتحة. وينبغي أن يكون وزن الكلمة )فِعلالا(. وإن كانت الياء لا تكون أصلا في بنات الأربعة، وأمثال ذلك إن كانت زائدة كان في الكلام فِيعَال. وهذا بناء قد نقاه سيبويه عن الأسماء، إنما هو للمصادر.
    فلما كان ذلك أشذذنا )رِيبالاً( فجعلنا الياء فيهِ أصلا لعدم )فِيعَال( في الاسم، كما حملت الضرورة سيبويه، على أن يعتقد الواو في )وَرَنتل( أصلاً، وإن كانت الواو لا تكون أصلا في بنات الأربعة.
    ومن العرب من يقول: )رَئبال( بفتح الراء فإذا جاز ذلك، فالياء حينئذ زائدة وليست من لفظ رئبال، ولو أسعده الوزن والقافية فقال )حلمٌ ورأبلة( لُيوفق بين المصدر والمصدر، لكان أذهب في الصنعة.
    فقد قالوا: )ما اشد رأبلته(. وحكى ابو زيد عن العرب: خرج المُترأبلُون )وهم المتلصصون( ليلاً كالأسد.
    واستجاز أن يجعل لفاتك مخالب، وإنما المخالب للسبُع، لكن سوغه ذلك جعلُه إياه رئبالا. والرئبال ذو مخالب، لان المِخلب للسبُع كالظفُر للإنسان.

    عبدالله عمر

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    أنالهُ الشرف الأعلى تقدُمُهُ ... فما الذي بتوقي ما أتى نالُوا
    اي توخي التقدم في جوده وجُرأته، فنال بهما الشرف، على أن الجود يفقر، والجُرأة تُهلك. فما الذي ناله غيره بتوقيه القفر إن جادَ، والموت إن أقدم؟ وله ايضا:
    وَصلت إليك يدٌسواء عندها البازى ... الأشيهبُ والغُرابُ الأبقعُ
    يعني بذلك الموت، جعل له يداً، لقولهم: أخذه الموت إذا الأخذ أكثر ما يكون باليد. ولذلك سَموا القُوة يداً، لأنها إنما تكمل باليد، اوقعوا اسم الجارحة على العَرَض. وقوله: )سواء عندها البازى الأشيهبُ والغُرابُ الأبقعُ(: ضرب البازي مثلاً للأرفع، والغراب الأبقع مثلا للأوضع، اي الموت يُسوى بين الفاضل والمفضول، والرفيع والوضيع، حتى لا يفرق بينهما، بل هما متساويان فيه، وكلاهما طُعمة لفيه، فهو نحو قول الآخر:
    لو كُشفت للناس أغطيةُ الثرى ... لم يُعرف المولى من العبدِ
    اي قد استويا في التغير بالمنزلةز ونحو قول المتنبي ايضا:
    يموتُ راعي الضأن في جهلهِ ... مِيتة جاليُنوسَ في طِبه
    وقوله: )سواء عندها(: خبر مبتدأ مقدم، والبازى الأشيهب، مبتدأ. وانما آثرنا ذلك، لان )سواء( نكرةٌ وإن تقوى بقوله: )عندها(. و )البازى الأشيهب( معرفة. وإذا اجتمع معرفة ونكرة فالمبتدأ المعرفه، والخبر النكرة، ألا ترى أن سيبويه لما قال في قوله: مررت برجل سواء هو والعدلُ، حين فرغ من الجر، )وإنما جعلت هو مبتدأ، حذراً أن يوُهمك أن )سواء( هو المبتدأ(.
    وقطع ألف الوصل في قوله: )والبازى الأشيهب( لانه في أول المصرع الثاني، فكأنه آخذ في بيت آخر. وهذا مما أجازه سيبويه في الأنصاف خاصة. قال: إن الأنصاف مواضع فُصول وأنشد:
    ولا يُبادُر في الشتاء وليُدنا ... القدر يُنزلُها بغير جمالِ
    )وَتصالحتْ ثمرُ السياط وَخيلُهُ ... وأوَت إليها سُوقُها والأذرُعُ(
    ثمر السياط: عُقد عذباتها. وقيل: أطرافها، وهو الصحيح. وجعل الثمر لها تنممي استعارة، وحسن ذلك أن الثمرة إنما تكون في طرف العود. وإما ما رُوى عن مجاهد في قوله تعالى: )وكان له ثمر( من أن )الثمر( الذهب والفضة، فإنما هو عندي على التفاؤل وذلك أن الذهب والفضة جماد، والجماد لا ينمي والثمر نام، فسُمي هذا الذي لا ينمى باسم الذي ينمى تفاؤلا. يقولم إنه كان يُديم ضرب الخيل بالسياط، لحرب عدو، او لمحاولة فتنة، او لطرد قنص، فكأن السياط كانت محاربة للخيل تؤلمها، والخيل محاربة لها، بكراهتها إياها، فالآن إذا مات لم يبق من يزجُرُ خيلاً إلى الحرب، ولا نهب، ولا طرد، فكأن ثمر السياط قد صالحت خيله حتى سكنت إليها سوقها وأذرعها، لما فقدته من ضربها. وقوله: أوت: اي رجعت آمنة لها، ساكنة إليها.
    وله ايضا:
    )حتأم نحُن نُساري النجم في الظلمِ ... وَما سُراهُ على خُف ولا قَدَم(
    يعجب من طول مساراته للكواكب، على أن سُراه هو متكلف. وسرى الكواكب طبيعي فيقول: كيف أقدر بهذه السُّرى المتكلفة على مسايرة النجم ونحن على خف وقدم، وكلاهما حيوان، وذلك نور يسير بجرية الفللك؟ وحذف الألف من )ما( لان )ما( إذا اتصلت بحرف الجر في حد الاستفهام حذفت منها الألف، فحتى بمعنى إلى، فكانه قال: )إلى ما؟( إلى إلى اي وقت؟
    )وضلاَيُحسُّ بأجفان يُحس بها ... فقد الرُّقادِ غريبٌ بات لَم يَنم(
    اي والنجم مع خفة السُّرى عليه، وهوانها لديه، لا يُمنع رقاداً كما نمنعه نحن، فكلفتنا أشد، بل الكُلفة لنا خاصة. ومعنى قوله: )فقد الرقاد(: لطيف، لان ما ليس في طبعه أن يَرقُد، لا يقال فيه )فَقد رُقاداً( وإنما اراد أن النجم ليس بحيوان يغذوه النوم، ويُصلح شأنه، فإذا سرى فقدَ الرقاَ فآذاه ذلك. وقوله: )ولا بحس بأجفان(: نَفي عنه الأجفان، لان الجفن إنما لذي الرُّوح.
    فيقول، ليس النجم بذي رُوح فيكون له جفن ينفعُه الكَرىَ، ويضره السَّهر. وبنفي هذا العضو الجسماني، أخرج النجم من النوع الحيواني.
    )وَنترُكُ الماء لا ينفك من سفرٍ ... ما سارَ في الغيمِ منه سار في الأدمِ(
    أما سيره في الأدم، وهي الأدواي، فلعمري إنه لهم وبإرادتهم. وأما سيره في الغيم فلمُجريه ومنشئه سبحانه. لكنهم لولا أنهم أودعوه مَزادَهُم، وجعلوه زادهم، لم يكُ دَهره كله مسافراً، ولكان مسافراً في السحاب، وحالاً في التراب، فلما كان إدامة سفر الماء إنما هو بكونه في السحاب، وَتَزوُّد هؤلاء اياها، صار كأن كلا السَّيرينِ بملكهم.
    وقيل؛ لما كان حَمله في المزاد نتيجة كونه في الغيم، جعلوا السبب والمسبب كالشيء الواحد. ومثله في القرآن والشعر والكلام كثير.
    )تَبرىِ لهُن نعامُ الدو مُسرحيةً ... تُعارضُ الجُدلُ المُرخاةَ بالجمِ(
    تَبرى: تُعارض. ونعام الدو: يعني به الخيل. وبقوله: )مُسرحية(: فصلها من النعام الوَحشي، لان نوع النعام لا يُسرج اذ لا يُركب. والجُدُل: جمع جَديل، وهو حبل مفتول من أدم، يكون في عُنف الناقة والبعير.
    يقول: فإبلُنا طوال العناق كخيلنا، فأعناقها تُعارض أعناق الخيل، وأقام الجُدل واللجم مُقام الأعناق، لان فيها دليلا عليها، إذ لا يكون إلا هناك. وما احسن ذكر اللُّجم مع قوله: )مُسرحيةً(.
    )تبدو لنا كُلما ألقوا عمائمهُم ... عمائم خثلقتْ سُوداً بلا لُثمِ(
    يصف غلمانه، ويذكرهم بالمروءة. يقول: كلما سَفروا عمائمهم بدت لنا عمائم سُود، يعني لمهم، واثبت العمائم لهم، لان العمائم على الهام، وشعور المُرد انما هي هناك. ونفي اللثُم عن عمائمهم التي عنى بها الشعر، لان اللثام ما سال على الخد من العمامة. وهؤلاء مُردٌ لا شعور في خدودهم، فتص شعور رؤسهم فلذلك جعل اللمم عمائم )بشعور رؤسهم( دون لثم، وهذا مليح جداً.
    )ناشُوا الرماح وكانتْ غير ناطقةٍ ... فعلمُوها صياحَ الطيرِ في البُهَمِ(
    النوش: التناول. )باتت تنوشُ الخوض نوشاً من علاَ(.
    وفي التنزيل: )وأني لهم التنَاوُشُ( اي التناول للنجاة، والبُهم: الشجعان، واحدهم بُهمة. يقول: تناولوا الرماح وهي خُرسٌ في حال تناولهم إياها، فدقوها في الأبطال، حتى صاحت صياح الطير، فحكى بذلك نغمة انكسارها في المطعون بها، كقول الآخر:
    تصيحُ الرُّدينيات فينا وفيهمُ ... صِياحَ بناتِ الماء أصبحن جُوعا
    وقوله: )وكانت غير ناطفة، فعلموها صياح الطير(: يشعر أنها ناطقة إذا صاحت. وهذا مقطع شعري، لان الصياح ليس بمنطق. وإنما المنطق عبارة عن النطق المتصور في النفس، وهي الفكرة الباعثة على المنطق.
    فإما قوله تعالى: )عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ( فإنما ذلك على أن الله تعالى قد جعل للطير ما تعبر به عن ذواتها، إلا أن ذلك لا يتأدى إلينا نحن، وإنما خُص لفهمه سليمان صلى الله على محمد وعليه، وذلك انه فهم من نَغم الطيور ما نفهمه نحن في هذا النوع الإنساني بالمنطق.
    )مَنِ اقتضى بسضوى الهندِى حَاجتهَ ... أجابَ كل سُؤالٍ عن هلِ بلمِِ(
    اي من اقتضى حاجته أوسألها من غير أن يُعمل لإدراكها سيفاً او رمحاً، لم تُقض له. فكلما قيل له: هل قضيت حاجتك او أدركتها، كان جوابه لم أقض ولم أدرك، وإنما يدرك حاجته من اقتضاها بالسيف والرمح. وجعل )هل(، و )لم( اسمين للحرفين، فصرفهما، لأنها على شكل فمٍ ودم. إن شئت قلت: اراد )لَمْ( بسكون الميم، ثم تصور الوصل فالتقى له ساكنان، فحرك الميم لالتقاء الساكنين، وكان يجب أن يقول: أجاب كل سؤال بهل، لان السؤال ليس عن هل، إنما المبحوث بهل عن غيرها، كقولك: هل في العالم خسوف قمر، فالسؤال إنما وقع عن الخسوف القمري بهل، لا عن هل وهي عند أصحاب المنطق أول منازل البحوث، لأنها إنما يُسأل بها عن الآنية لكن لما كانت هل منتظمة للقضية المسئول بها عنها وكانت تلك يتعدى السؤال إليها بعن، استجاز أن يجعل السؤال عن )هل( اضطراراً.
    وإن شئت قلت: أبدل )عَنْ( مكان الباء، لان حروف الجر يبدل بعضها من بعض كثيراً. وحسن له ذلك، انه لو أسعده الوزن فقال: )بَهلٍ بلمِ( توالت الباء في الحرفين. فهذا ما يعتذر له به.
    وخص الهدي، وهو السيف، بتبليغ الأمل دون الرمح، لان العمل بالسيف أدل على الاجتهاد، وأوصل إلى المراد، كقوله هو:
    ومن طلبَ النصرَ العلى فإنما ... مفاتيحه البيضُ الخفاف الصوارمُ
    )صُنا قوائمها عنهُم فَ ... ما وقَعَتْ
    مَوِاقع اللُؤم في الأيدي ولا الكَرم(
    ويروى )ولا الكزم( فمن رواه ولا الكرم، فمعناه: لم يقبض على قوائمها قبض اللئيم يده، اجتهاداً في محاربتهم، وذلك لقلتهم عندنا، ولصوننا سيوفنا عنهم، ولم نمُد بها إليهم صفحات أكفنا، كما يتوعد المشير إلى سيفه، باسطاً يده كما يبسطها الكريم، بل حَقَرناهم على الحالين معاً، فلم نُعمل فيهم السيوف كذا ولا كذا.
    من رواه الكَزَم: اراد: لم نشدُد أيدينا عليها شَدَّ اللئيم الأكزن، وهو الذي قصر اللؤن أصابعه، كقولهم فيه: كَزُّ البنان؛ وجَعدُ البنان، وقولهم في ضده: سبطُ البنان. والرواية الأولى اعلى.
    )تخذى الركابُ بنا بيضاً مَشافرُها ... خُضراً فراسنُها في الرُّغل والينم(
    الرغل والينم: نبتان. إما ابيضاض مشافرها فإنهم لا يهنئونها الرعي، من حثهم إياه، ومواقعتهم السير، فلا تبلغ من الرعى اليسير أن تخضر مشافرها، إنما كانت تخضر لو أنعمت الرعى.
    ويدلك على صحة ما ذهبنا إليه قولُه:
    . . . . . . . نَضْرِبُها ... عن منبتِ العُشب نبغِى مَنِبتَ الكَرَمِ
    أولا تراه يصفها بأنه يقَدعُها عن الرعى، ويحثها على المشي.
    وإما اخضرا فراسِنِها فلإدامتها السير في الكلأ، وأنواع النبات الأخضر. وخص الرغل واليَنَم لأنها مما يغلب على منابت الحَمض.
    )هَون على بَصرٍ ما شقَّ منظرُهُ ... فإنما يَقظاتُ العَينِ كالُحلُمِ(
    اي ما شق عليك النظر إليه، والمشاهدة له، من أنواع المكاره فهونه على عينك، فكل موجود معدوم بعد وجوده، كان خيراً او شراً.
    وقوله: )فإنما يقظات العين كالحُلُم( اي كل ما تشاهد في اليقظة في قلة الدوام، في منزلة ما يُشاهد في الأحلام.
    وإن شئت قلت إن المشاهدة في اليقظة غير حقيقة. كا أن مشاهدة ما في المَنام كذلك، مبالغة بقلة تحقيق الأشياء. والقول الأول أسوغ وأبلغ.
    )ما زلتُ أضحكك إبلى كلما نظرت ... إلى من اختضبتْ أخفاَفُها بدمِ(
    يذهب إلى احتقار كافور حتى إن إبله لتزدري مقصوده، فتضحك منه ومن القاصد. يقول: إلى مثل هذا الصنف اعمالنا وجهدنا، حتى اختضبت بالدم أخفافها، واراد إلى منِ اختضبت أخفافها بدم إليه فحذف الجار والمجرور، وحسن حذف ذلك، لأن إلى قد ظهرت في الكلام، وان لم يكن من سبب تلك المحذوفة. ونحوه ما أنشده سيبويه:
    إن الكريم وأبيك يَعتمِل ... إن لم يَجدْ يوماُ على مَنْ يتَّكِلْ
    اراد يتكل عليه. ونسبة الضحك إلى الإبل مثلٌ شعري غير حقيقي، لان الضحك خاصة للإنسان، والخاصة لا تتعدى مخصوصها.
    وله ايضا:
    )وبالسُّمرِ عن سُمر القنا غير أنني ... جناها أحبائي وأطرافُها رُسلي(
    يُغرب بذاته في العشاق، وبحبائبه في المعشوقات. اي أنه لا نظير له في الحب، لأني إذا ذكرتُ البيض في شعري، لم اعنِ النساء، واذا ذكرت السُّمر؛ فإنما إعنى الرماح، ولكن إنما أحبائي، الأرواح التي تجْنيها لي من أجسام أعدائي، وأطرافها رُسلي، اي أسنتها هي التي تقوم مقام الرُّسُل إلى الأحباب. اي إنما أتوصل اليها بها، كما أتوصل إلى المحبوب بالرسول.
    وجعل أرواح عداه جنى على المثل، لأنها حياة في الحقيقة، لأن الحياة نوع من النامي، والروح عندنا ليس بنام، واراد رُسُلي فخفف، وهي لغة تميم.
    )فَما حَرَمت حسناء بالهجرِ غبطهً ... ولا بلغتها من شكى الهجر بالوصلِ(
    ويُروى )بما حَرَمَتْ حسناء(. نهى عن الحرص على النساء، اي إذا هجرتها ثم وصلتها كنت أحسن موقعاً عندها، وأنشط لها، فزادت الغبطة. فإذا لم تَحرم هي، فهجرتُك اياها إذا عادت الغبطة بوصلك لها، بعد هجرك إياها؛ أبلغ. وإذا شكوت إليها الهجر وتذللت، هُنت عليها، فمنعتك وصلها، واما رواية من روى )فما حَرَمتْ حَسناء( وهي الصحيحة، فمعناه: لم تحرم امرأة محبوبة محبها غبطة بهجرها إياه، ولا بلغت شاكياً شكى إليها هجراً غبط بوصلها اياه. يذهب إلى التهاون بأمر النساء، اي إنهن لا يُتحن بهجرهن لك عدم غبطة، ولا بوصلهن إياك وجُودها. والهاء في قوله: بَلَّغَتها: عائدة إلى الغبطة، اي ولا بَلغتْ مُحبها غبطة يوصلها له. و )منْ( في موضع نصب لأنه مفعول ثان لبلغت.
    وإن شئت كان )مَنْ( هو المفعول الأول، و )ها( من )بلغتها( هو المفعول الثاني. وهذا كما تقول: كَسَوْتُ زيداً الثوب، وكسوت الثوب زيداً. و )حسناء( ها هنا: صفة أقيمت مقام الموصوت، اي امرأة حسناء. وقد غلبت هذه الصفة غَلَبة الأسماء، وهي من باب )فعلاء( التي لا أفعل لها من جهة السماع.
    وله ايضا:
    )تَعسَ المهَارى غير مَهريٍّ غَدا ... بُمصورٍ لبس الحرير مُصورا(
    تعس المَهاري: دعاء على نوع المهاري، وهي إبل منسوبة إلى مهرة ابن حيدان. وإنما دعا عليهن، لأنهن جُندُ البينَ، ومُقطٍّعةٌ ما بين الحبيبين، اي أتعسهُن الله فلا انتعشنَ. ثم استثنى منها )المَهري( الذي ركبته محبوبتُه.
    وقد كان أولى أن يُدعى عليه من سائر المهاري، لانفراده بالحبيب، وحمله إياه، لكن استثناه، لأنه يحمله، فيقيه الرُّجلة، وما يلحق معها من الكسل والكَلَل. وقوله: )بمصور(: اي بستر رُقم عليه صورة شخص قد لبس حريراً مصوراً، ومن عادة عقائل العرب رَقم الحجال، كقوله:
    كأن فُتاتَ العِهن في كل منزلٍ ... نَزلنَ به حبُّ الفنَا لم يُحطمِ
    وذلك أن حب الفَنا أخكر، مالم يكُسر ذهبت حمرته.
    وإن شئت قلت: )بمصور(: يعني هودجاً عليه حرير مصور، وإنما جعل الهودج مصوراً، لأنه ذو شكل، وكلُ شكلٍ مُصور.
    )نافستُ فيه صُورةً في سترها ... لو كُنتُها لَخفيتُ حتى يظهرا(
    كان دُون هذا المحبوب ستر فيه صُورة. فيقول: حَسَدت هذه الصورة على قربها منه. فلو كنت مكان الصورة، أو كنت إياها: لَخَفِيتُ فزُلت عن وجهه، ليزول الستر، فتظهر للعيون.
    فإن قلت: لا يلزم زوال الستر الحامل الصورة، لمكان زوال الصورة، لأن الصورة تخطيط موضوع فيه، والتخطيط عَرَض.
    قلنا: لو ارتفعت الصورة المنتقشة في ذات الستر، لارتفع الجوهر الحامل لها. وإنما ارتفاع التخطيط عن المخطوط، وبقاء الجوهر بعد ذلك مُتَوَهمٌ لا مَوجُود.
    وإذا تأملت البيت فهو شعري لا حقيقي، لان من الصور الموضوعية في الثياب ما يمكن إزالته، ومنها مالا يمكن. وأحسن مافي ذلك أن يقال: إن المتنبي عنى الصورة بالخرقة الحاملة لها.
    )لاَتتربِ الأيدي المُقيمةُ فوقهُ ... كِسرى مُقام الحاجبِيِن وقيصرا(
    كِسرَى وكَسرَى: لغتان. واختار ابن السكيت الكسر. وقالوا: تَرب الرجل: قل مالُه، وأترب: كثر ماله. اي لا تفتقر الأيدي المصورة التي أتقنت هذه الصورة صنعاً، وأجادتها وضعاً، فأقامت كسرى وقيصر ملكي فارس والروم لها مُقام الحاجبين، فحجباها وإنما عنى بذلك صورتيهما لا ذواتهما، لان ذلك ليس في الإمكان، إذ الصورة الصناعية لا تقبل طبيعة الحيوان.
    )ولو استطعتُ إذا اغتدت رُوادُهُم ... لمنعتُ كل سحابةٍ أن تقطُرا(
    الرُّوادُ: منتجو الكلأ، وافتراق العرب من حلالها إنما هو للنجعة بهم، يقدمون الرُّواد ليخبروهم بمواقع الماء، في مواضع الكلأ. وفي المثل: )لايكذب الرائدُ أهله(. فإذا أخبرهم بوجود ذلك ظَعنوا. وان أخبرهم بعدمه، سكنوا فلم يظعنوا. فإذن إنما سبب الفراق نزول المطر، وظهور الخُضر. فيقول: لو كان في قوتي أن تطيعني السحاب، لنهيتهن عن المطر، لئلا يجد رائدهم أرضاً مُخصبة، ولا روضة مُعشبة، يدعوهم إليها، ويدلُّهم عليها. فلو كان ذلك من قوتي لم يفارقوني.
    )فإذا السحابُ أخو غُراب فراقهمْ ... جعل الصَّياحَ ببينِهْم أن يُمطرا(
    هذا البيت تفسير للأول، وهو عندي داخل في نوع التضمين، وإن لم يكن منه على الحقيقة، وذلك انه محمول على المعنى. أراد: لأني تأملت بينهم، فوجدتُ سبَبَه إنما هو النُّجعة. وهو كقوله تعالى: )فَقُلنا اضْرِبْ بعَصَاكَ الحَجَر فانْفَجَرت منهِ أثنتاَ عَئرة عيناً( اي فضرب فانفجرت، فكذلك اراد المتنبي، لأني تأملت فإذا الأمر كا، لان المطر إذا وافى، خرجوا في إثره منتجعين له، فصار السحاب بمنزلة الغُراب، في أن أمطاره مشعرة بالبين، كما أن صياح الغراب معلن بذلك عن العرب، وجعله إذن غراب فراقهم، ذهاباً إلى شَبهه به، لان الأخوين في غالب الأمر متشابهان. اي أقام السحاب والأمطار مقام صياح الغراب، في الإيذان بنواهم، وبُعد مثواهم. و )جعَل( هاهنا، بمنزلة صير، فهي متعدية إلى مفعولين؛ كما أن صير كذلك. وذكر السحاب لأنه مما ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. وسوغ التذكير في هذا الضرب من الجمع خروجه إلى شكلِ واحداه.
    )يحمِلْن مِثل الرَّوضِ إلا أنها ... أسبى مهاةً للقلوب وجُؤذُرا(
    شبه ما عللا الهوادخ من الحرير المزين، والوشيب الملون؛ بالروض الذي سارت فيه إبلُهم، في تَزاهي نواويره، وتخايُل أزاهيره. والمها: وهي بقر الوحش؛ عقائلُ الخمائل الأريضة والحقوف المريضة؛ كقول ابن مقبل يصف بقرة وحشية:
    عقبلةُ رملٍ في حُقٌوفه ... رَخَاخَ الثرى والأقحوان المُديما
    فلما جعل الوشى وما على الهوادج من صنوف الرقم بمنزلة الرياض، جعل ما يستُره من النساء بمنزله المَهَا والجآذر. وذلك في النجلِ والكَحل. ثم استثنى فقال إلا أن ما على الهودج من هذه المها أسبى مهاةً وجُؤذرا للفؤاد، من هذا الروض الباقي. فكأنه قال في كل ذلك: سِرنَ في الروض بمثل نقوشه، من رقُوم الهَوادج، وحَمَلن مثل وحشها من رباتها كقول البحتري:
    لما مشين بذي الأراك تَشابهت ... أعطافُ أغصانٍ به وقُدودِ
    في حُلتي حِبر وَروض فالتقى ... وشيان وشىُ رُباً ووشىُ بُرودِ
    ومثله قوله؛ أعنى المتنبي:
    إذا سَارتِ الأحداجُ فوق نباته ... تَفَاوَح مِسكُ الغانياتِ وَرَندُهُ
    واراد: أسبى مهاة للقلوب، وجؤذراً منه فحذف )من( ومثله كثير.
    )فَبِلَحظها نكرتْ قناتي راحتي ... ضعفاً وأنكرَ خاتمايَ الخِنْصَرَا(
    اي بُليت بعشقها حتى بليتن فضعفت راحتي، عن حمل قناتي، فأنكرتها كأن القناة تقول: ليست هذه اليد التي عَهدتها، ولا القوة التي شهدتها؛ وكذلك دقت خنصري، ورقت عن خاتمي؛ حتى أنكرها، لما رأى فيها من خلاف ما كانت عليه. وأراد: وانكر خاتمي؛ فوضع الاثنين موضع الواحد، كقول امرئ القيس:
    وعينٌ لها حَدرَةٌ بَدرةٌ ... شُقت مآقيهما من أخر
    وهذا الضرب من الاتساع وعكسه كثير؛ ونَكِرَ وأنكَرَ. لغتان فصيحتان؛ جمع بينهما في بيت واحد. وهذا من غريب الصنعة الشعرية.
    )أمى أبا الفضلِ المثبر أليتي ... لأيممن أجل بحرٍ جوهرا(
    اي اقصدى أيتها الخيل أبا الفضل؛ الذي لما حلفت فقلت: )لأيممنَّ أجل بحر جوهراً( والله او غير ذلك من أنواع المقسم به، ثم قصدته؛ فألقيته أجل البحور جوهراً، أبر بذلك يميني. وقوله لأيممن أجل بحر. تفسير الألية.
    أنى لما حلفت لأيَممن أسنى البحور جوهراً، لم أعلم اي البحور هو وقد لزمتني الألية؛ فاستفتيت فقهاء الأنام ومتفلسفيهم؛ فأفتوا به وقالوا: إذا يممت أبا الفضل ابن العميد، فقد بَرَرت لنه أجل جوهراً، وجلالة الجوهر كناية عن جزالة العطاء ولو قال: أفتى بأمه الأنام فاتزن له؛ لكان أشد تطابقاً لما قبله؛ ولكن لم يستقيم فيه الوزن. وسوغ ذلك أنه إذا كانت رؤية فقد كان أم. وهذا لا ينعكس، لأنه قد يكون أمٌّ ولا رؤية.
    )خَنثى الفُحُول من الكُماة بصبغهِ ... ما يَلبسون من الحديدِ مُعصفرا(
    )***ى الفحول من الكماة(: خَنَث اللهُ الخَنِث: خلقه خُنثىَ. وهو الذي لا يخلُص إلى الإناثية، ولا إلى الذُكورية. والمعصفر: من زى الإناث، وذوى الانخناث. فيقول: صير الفُحول من الكماة إناثاً، بصبغة ما يلبسون من الدروع والجواشن والبيض بالدم. فزياهم زي النساء، وألحقهم بهن في الجُبن، بما ألقى في قلوبهم من الرعب.
    )فَدَعاك حُسدُك الرئيس وأمسكُوا ... ودعاكَ خالقكُ الرئيس الأكبرا(
    )خَلَفت صِفاتُك في العيون كلامهُ ... كالخطَّ يملأ مسمَعَي من أبصرا(
    اي أن حسادك لم يجودا بُدا من أن يدعوك رئيساً، إذ لو حَجضدوا ذلك لما جُومِعُوا عليه، ولا طُووعوا بالإجابة إليه. لكن لم يبلغوا الغاية في إنصافك، حين لم يسموك الرئيس الأكبر. وأنصفك خالقك، فدعاك بما قصروا هم عنه، فدعاك الرئيس الأكبر. ثم أقام البرهان على هذه الدعوى الحقيقية. فقال: لك صفات توجب لك أن تسمى الرئيس الأكبر، فكأنها خُط فيها حكاية قوله تعالى: )إنك رئيس( وإن كنت لا تسمع.
    )وَترَى الفَضِبلة لا ترُدّ فضيلةً ... الشمس تشرقُ والسحابَ كَنَهورا(
    الكَنَهور: السحاب المتراكم: أنشد سيبويه: كنهورٌ كان من أعقاب السُّمى وإشراق الشمس وتكاثف السحاب، فضيلتان ذديتان. والضدان مختلفان؛لا مؤتلفان. ومُعْتقبان لا ملتقيان. وهذا الممدوح قد جمع إشراق الشمس، وتكاثف السحاب، لأنه مستبشر الوجه جميله، مستبشر النيل جزيله، فالإشراق بشره وجماله، والأمطار برُّه ونوالُه، وهذا كقوله فيه: وأحسنُ ذي وجهٍ، وأسمعُ ذي يدٍ وأشجعُ ذي قلب، وأرحُم ذي كِبد فجعله حسناً سمحاً بهذا، كوصفه إياه بالشمس والسحاب، فيقول: ليت هذه الباكية التي أبكاها نواي عند وداعها إياي، شهدت ما شهدته من هذه القضية، فتعذرني فيما رأتني عليه، من اجتماع النية، وإزماع الطية، إلى هذا الممدوح، لمشاهدة ما فيه من الأمر العجيب، والفضل الغريب.
    وقله: )الشمسَ والسحابَ(، بدل من الفضيلة، وهو محمول على المعنى، لان معناه، فترك فضيلتين لا تَتَرادان، على ما هما به من كونهما نوعين متضادين، ولو قال )الشمسَ والسحابَ( لكان حسنا، لكنه تمم بقوله: )تشرق( لقوله: )كَنَهورا(، في صفته، فإذا وقع التناهي، فكانت الشمس مُشرقةً، والسحاب كَنَهوراً، لم يمكن اجتماعهما.
    وله ايضا:
    )كُلما قال نائلٌ أنا منهُ ... سَرَفٌ قال آخرٌ ذا اقتصادُه(
    اي كلما استعظم منه نائل يُعد سرفا، أعقبه نائل أعظم منه يَعُدُّ ذلك النائل الأول الذي كان يستسرف اقتصاداً، بإضافته إلى الثاني، وليس للنائلين منال، لكن القول لما كان من أجملها، نَسب القول إليهما.
    عبدالله عمر

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    قَلدتني يمينهُ بحُسامٍ ... أعقبت منه واحداً أجدادُه
    اي نُسب إلى الهند، كما ينسب الشريف إلى الجد.
    يقول: إن الهند لم تطبع له نظيراً يكون له ثانياً، فقد أعقبت منه واحداً، و )مِنْ( ها هنا للجنس. ولولا القافية لقال: آباؤه، مكان قوله )أجدادُه(، لان الجد اعم من الأب، فكل جد اب، وليس كل أب جدا.
    )كُلما استُل ضاحَكَتهُ إياهُ ... تزعُم الشمسُ أنها أرآدُه(
    اي كلما استُل هذا السيف، ضاحكته أنوار فرنده، تدعى الشمس أنها أرآدُه، وأرآد الضُحى: ماؤها ورونقُها. فيقول: الشمس تدعى إنها من ماء هذا السيف، وأراد أنها أرآده من أجلها، اي من أجل الإياة. وقد يجوز أن يكون الأرآد هنا: جمع ريد، وهو الترب والمثل، والأول أسبق.
    )مَثلُوه في جفنهِ خِيفة الفقد ... فقد مِثلِ أثره إغمادُه(
    أثر السيف: فرنده. يقول: حلوا جفنه بالفضة، فهو يحكيه بياضاً وصقالاً، وعلى الفضة نقش سواد، يحكي أثره نقشا، فكأنهم إنما فعلوا ذلك، لأنهم لم يصبروا عنه لجماله حين واراه الغمد، فصوروا عليه مثل صورته، لئلا يفقدوه البتة، هذا معنى قوله: خشية الفقد، اي خشية فقده.
    )فَرَّسَتنا سَوابقُ كُن فِيهِ ... فَارَقت لبده وفيها طرادُه(
    فرستنا: يعني هذه الخيل السابقة، التي جاءته مع السيف، في جملة عطايا أبى الفضل. وقوله: كُن فيه، الهاء راجعة إلى الندى. )فارقت لبدء(: اي فارقت سرج هذا الممدوح إلى سَرجي، واللبد ليس بكلية السرج، ولكنه طائفة منه، فكنى به عن كُله، ومثله كثير )وفيها طرادُه(: اي ذكرها سائر في الارض، فكأنها بعدُ في طرا، وإن استراحت لدينا. وإن شئت قلت: إن هذه الخيل تغيظ الأعداء، وتخشى الحساد، تعين على النوب، فكأنها غير مُنفكةٍ من الطراد، وإن كانت مستريحة، لان ذلك عملها بالبقوة.
    وقيل: )وفيها طراده(: اي صِرتُ في جُملة عبيده وعديده، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المُطارد عليها، لان ذلك بأمره ولطلب الحُظوة عنده. و )فيها(: بدل من )عليها( وقد يجوز أن تكون )وفيها طِرادثه(: اي وفيها ما علمها من عِلم المطاردة والعَدو بفُرسانها.
    )وأحق الغُيوث نفسا بحمدٍ ... في زمانٍ كُلُّ النفوس جَرادُه(
    اي زادتنا الأيام بك إعجاباً، ولك استغراباً، وذلك لان والٍ في زمان يأخذ فيه كل زالٍ اموال الناس، فهم كالجراد الذي يحشك الزرع والربيع والبُسر. وأنت تبدُر مالك، فكأنك غيث تنبت لهم المراعي وغيرك جراد يَجرُدها. وهذا كقول ابن أبى عُيينة يهجو المُهلبي، ويمدح أباه:
    أبوك لنا غيثٌ نعيش بنبته ... وأنت جرادٌ لست تبُقي ولا تذر
    )عددٌ عشته يَرى الجسُم فيه ... أرباً لا يَراهُ فيما يُزادُه(
    يصف هذه القصيدة التي مدح أبا الفضل، وأهداها إليه في النيروز فيقول: هي أربعون بيتاً، وهي عدد السنين التي إذا تجاوزها الانسن نقص عما عهده عليه في جسمه، من أحواله في تقلبه وتصرفه. فلذلك اخترت لهذه القصيدة هذا العدد تفاؤلاً لك بالصحة، واستكمال قوتك.
    وقيل: كانت سن الممدوح حينئذ أربعين، وهي ترى الجسم من استكمال القوة وبلوغ الأشد أربا لا يراه فيما يُزادُه من السنين، بعد الأربعين لنه بعدها كل عام آخذ في التحويل ومنعكس إلى التحلل.
    وله ايضا:
    )نَسيت ولا أنسى عتاباً على الصدِّ ... ولا خَفَراً زادتْ به حُمرةُ الخد(
    الخَفَر: شدة الحياء، وهو من علل حُمرة الخد. وقال: زادت به حُمرة الخد، ليشعر أن هنالك حمرةً طبيعية سوى الحمرة التي يولدها الحياء، لأن حمرة الحياء عَرَضٌ سريع الزوال، إذا زال الحياء زالت. وكذلك مثلت به الحكماء الأعراض السريعة الانتقال، فقالوا: ذلك كحُمرة الخجل، وصفرة الوجل.
    )ولا ليلةً قصرتُها بقصُروةٍ ... أطالت يدي جيدها صُحبة القعدِ(
    قَصرتها: جعلتها قصيرة، اي ضد الطويلة. والقصُورة: المرأة المقصورة الممنوعة، أراد قصرتها بوصال قصُورة. وقصيرة لغة في قصُورة.
    )أطالت يدي في جيدها صُحبة العقد(: اي اعتنقتها معظم ليلي او كله، فصحبت دواعي عقدها. واليد هنا: كناية عن كُلية الذراع، كقوله تعالى: )فاغْسِلُوا وُجُهَكُمْ وأيدِيَكُم إلى المرافِقِ(.
    )فإما تريني لا أقيمُ بلدةٍ ... فآفهُ عمدِي في دُلُوقي من حدِّي(
    اي بأني سيف ماضٍ كثير الدُّلُوق من حدي. فغمدي متغير مُنقد، لكثرة تحريكي فيه وقلقي. وضرب السيف مثلاً لنفسه، والغمد مثلاً لجسمه، والدُّلُوق مثلا لحركته. اي تنقلي في البلاد يُشجيني ويرث بزتي. وقد فسره بقوله بعد هذا:
    )تُبدلُ أيامي وَعيشي وَمَنزلي ... نجائبُ لا يُفكرون في النحس والسعدِ(
    )إذا لم تُجزهُم دار قومٍ مَودةٌ ... أجاز القَنَا والخوفُ خيرٌ من الوُد(
    اي هؤلاء الفتية إذا مروا بقوم لا يودونهم، فراموا صدهم، حاربوهم، فأجازتهم الطريق رماحهُم، )والخوفُ خيرٌ من الُود(. اي لأن تُخلف خيرٌ من أن تُود وترحم، كقولهم في المثل السائر: )رَهَبُوتٌ خيرٌ من رَحَموت(.
    ومن أمثالهم: )أوفرقا خيراً من جُبين(: اي إذا فَرِقوك فرقا يكون ذلك الفَرَق خيراً من حُبين.
    وهذا كقول دُويد بن نَهْدَ في توصيته لبنيه: )أخيفوا الناس وارعوا الكلأ(.
    واراد: أجازهم القنا إياها، فحذف المفعولين، لأن في قوله: )إذا لم تُجزهم دار قوم(، ما يدل على هذا المحذوف، إذ دل الأول على الثاني، والثاني على الأول، فاستُجيز الحذف فيه، كقوله تعالى: )يَوَم تُبدل الأرضُ غير الأرْضِ والسَّمَوات( اي والسماوات، فحذف الثاني الذي هو الأول المذكور في المعنى أولاً.
    )كفانا الربيعُ العيس من بركاته ... فجاءته لم تسمع حُداء سوى الرعدِ(
    اي كُفينا حُداء الإبل برعد الربيع، لانه قام لها مقام الحُداء بصوته، وقيل: كفانا الربيع العيس: اي كان منه رَعيُها وشُربها وحُداؤها. ولو عدد للربيع أيادي غير الرعد كما قال، لقال: فجائته: اي رعت. وشربت؛ وجاءته. وإنما قال )فجاءته(: فبين كيفية الكفاية، كما تقول: أحسنت إليك فوهبتك ألفا، فهبة الألف تفسير للإحسان. وقوله: )لم تَسمَع حُداء( جملة في موضع الحال اي جاءته غير سامعة حُداء إلا الرعد.
    والرعد هنا: مصدر من قولك: رَعَدَت السماء تَرعُد رعداً. ولا يكون الرعد الذي لا يُسمع هو الجوهر المكنى في قوله تعالى: )ويُسبح الرعدُ بحمدهِ( لأن ذلك لا يُسمع بذاته، إنما يسمع صوته. والحداء عَرَضٌ، فمقابلته بالعرَض أولى، وهذا دقيق فتفهمه.
    )إذا ما استَحَين الماء يعرضُ نفسه ... كَرَعن بِسِبتٍ في إنا من الوَرد(
    يصف ما أمطرتهم به السماء من الماء، وأنبتت لهم الأرض من الربيع، في مُضيهم إلى أبى الفضل، لمكان بركته، وأن العناصر تُعظم شانه، وتعلى مكانه، فتسقى رُواده، وترعى قُصاده. والسبت: كل جلد مدبوغ وقيل: هو المدبوغ بالقَرَظ خاصة، وهو يلين الجلود ويحسنها، حتى تُشبهُ العربُ مشافر الإبل بها، فيقول: إذا مرت هذه الإبل بهذه السيول التي غادرتها هذه الغيوث، ظلت كأنها تعرض نفسها عليها. فكأن الإبل مستحية منها. لإلحاح المياه عليها، بعرضها أنفسها، وقد أحاطت بها رياض الورد او ما يشبه الورد، من ضروب الأزاهير، وأنواع النواوبر. فهي تُدخل أكارعها فيه؛ وتغمس مشافرها في تلك المشارب، متقنعة من إفراط الحياء، بذلك الورد النابت. وإنما عنى )بالسبت( ها هنا مشافرها، كقول طرفة:
    وخَدٍّ كقرطاس الشآمي ومِشفرٌ ... كسبت اليماني قده لم يُحرد
    وقيل: غَسَل الماء المستنقع في الأرض أخفاف الإبل من الطين، حتى عادت كالسبت في نقائها، وأنبتت حافات الغُدُر زهراً، فكأن الماء: بعرض نفسه يتراءى في إناء من الورد، والأول اولى.
    )فَتى فَاتَتِ العدوى من الناس عينُهُ ... فما أرمدت اجفانه كَثرةُ الّثرمدِ(
    ضرب الرمد مثلاً للعيوب المُعدية، لأنه داء ربما أعدى كالجَرَب ونحوه. فيقول: كثرت العيوب في الناس، لكنه سَلم هو منها، فلم تعًدهِ، لشرف عنصره، وصفاء جوهره. وقصد منه )العين(، توطئة لذكر الرمد الذي جعله مادة القافية، وحسن ذلك ما ذكرت لك من طبيعة الرمد في العدوى.
    )يُغيرُ ألوان الليالي على العدا ... بمنشوُرةِ الراياتِ مَنصورةِ الجُندِ(
    اي يوقد النيران في معسكر هذه الكتائب، فيغير من سواد الليل. ولما كان النارُ إنما تُوقدها هذه الكتيبة، جعل التغيرُّ لها، إذ هي الفاعلة الجقيقة، والنار وإن كانت مُغيرة، فإنها مفعولة للكتيبة، فهي الفاعلة على القصد الأول، والنار الفاعلة على القصد الثاني. فافهمه: إذا ارتقبُوا صُبحاً رأوا قبل ضَوثِه كَتاَئِب لا يردي الصباحُ كما تردي اي يتوهم العدو المغزو بتلك النار صبُحا وهو يترقب حقيقة الإصباح، فتوافيهم هذه الكتائب مكان الصباح الذي ارتقبوه، وجعل الكتائب أسرع من الصباح عدواً. وإن شئت قلت: إن مجيء الصباح غير مجيء الكتائب، لأن مجيء هذه مشيٌ، ومجيء الصباح طلوع، فلذلك قال: )لا يرْدي الصباحُ كما ترِدي(.
    )يَغضن إذا ما عُدن في مُتَقَاذفٍ ... من الكُثر غانٍ بالعبيد عنِ الحَشد(
    )يغضن(: يَنْعدِمن فلا يُوجدن. اي بعوثك المتوجهة للغارة على عظمها وكثافتها، إذا عادت إلى معظم جيشك، غاضت فيه كما يغيض النهر في البحر، و )متقاذف(: جيش يقذف بعضه بعضاً، لكثرتهم والتقائهم، كقول الراجز في صفة خصب وإبل:
    أرعيتُها أكرم عُودٍ عُودا ... بحيثُ يدعُو عامرٌ مَسْعودا
    اي يتقاذف هذان الراعيان في طول هذا المكان واكتماله، حتى ينادي كل واحد منهما صاحبه.
    )غان بالعبيد(: اي أن هذا الجيش متألف من عبيد ابن العميد. فقد استغنى بهم عن الحشد، للقُربى. وأن يكون اسما أولى، ليُطابق العبيد، لان العبيد اسم. وقد قال أبو زيد الحشدْ: القوم المجتمعون؛ فهذا مما يقوى فيه الاسمية.
    )حَثت كُل أرضٍ تُربةً في غُبارهِ ... فَهُن عليه كالطرائق في البُرد(
    البُرد: الثوب المُوشي؛ وطرائفه مختلفة الألوان؛ اي فهذه الكتائب شتى المطالب؛ بعيدة المذاهب، فهي تطأ لبعد مرامها؛ ارضين مختلفة أنواع التراب؛ اختلافاَ لونياً؛ من بياض وسواد. فكل أرض تؤها تختفي من غبار هذا الجيش بترابها؛ فيكسب بذلك ألواناً مختلفة؛ بحسب أنواع التراب؛ لكل نوع ولون؛ فكأن الغبار بُرد؛ وهذه ألوان فيه.
    )وكُل شريك في السُّرور بمُصبَحي ... أرى بَعده من لا يرى مثلهُ بعدي(
    مُصبحي: أوانُ صباحي؛ اي وكل مشارك لي من أهلي في السرور في رجوعي وتصبيحي له؛ عند رؤيته ما أقنانيهِ لقاء هذا الممدوح من الثروة فإني مع ذلك كله منفرد دونه بأثرةٍ؛ وهي رؤيتي هذا الممدوح الذي لا يرى هو بعدي مثله. يقول؛ فأنا أكره أن أنفرد بنوع من انواع المَسرة دونهم؛ فإذا أنا أبت إليهم ورأوني، رأوا من لا نظير له عندهم كما أرى أنا الآن من لا نظير له، فاستووا معي فيما نلته من الغني وأدركته من المُنى، ألا تراه يقول:
    )وقد كنتُ المُنى غير أنني ... يُيرني أهلى بإدراكها وَحدي(
    وهذا كله اعتدار إلى أبى الفضل في إيثاره الرحيل عنه. وإنما كان يريد التمادي إلى شيراز، ثم الأوب إلى أهله.
    وله ايضا:
    )أوهِ بديلاً من قَوءلتي وَاها ... لِمن نأتْ والبدِيلُ ذِكراها(
    أوهِ، وأوهِ: كلمتا توحع مبنيتان على الكسر. وواهٌ: كلمة استطابة واستزادة. فيقول: أنا متوجع لفراقها بعد استزادتي وصالها واستطابتي إياه، لم أقنع بهجر الدلال، حتى بُليتُ بفرقة الزوال، وقوله: )لمنَ نات والبديلُ ذكراها( اي أعنى التي بانت بهذا التوجع )والبديل ذكراها(، او ذكراى إياها بدل مثها. هي مفقودة اي ذكراها لدي موجودة.
    )أوهِ امن لا أرى مَحَاسِنها ... وأصلُ واهاً وأوهٍ مَرآها(
    اي غنما أرجع هذه الكلمة التي معناها التوجُّع والتفجُّع لفقدي رؤية محاسنها. )وأصل واه واوه مرآها(؛ إنما كان سبب استطابتي إياها، وتوجعي بنواها،رُؤيتي لها. وذلك اني رأيتها فهويتها، ووصلت فاستطبتها ونأت فتأوهتُ لها.
    )شاميَّةٌ طاَلما خَلَوتُ بَها ... تُبصِرُ في ناظري مُحيأها(
    شامية: منسوبة إلى الشام. يقال: شام وشأم. وناظر العين؛ إنسانها والمحيا. الوجه اي هذا المحبوبة شامية خلوت بها طويلاً، فاستمتعت بوصالها، واستكثرت نوالها.
    )فقبلت ناظري تغالطُني ... وإنما قبلت به فاها(
    اي كانت تنظر إلى عيني، فشخص لها صورة وجهها في ناظري، والفم جزء من الوجه. فكانت ترى فاهاً في جُملة وجهها المرئي في ناظري، فكانت تقبل الناظر مُريةً أنها تريده، وإنما كانت تريد فاهاً، فتقبله بالناظر، كما كانت في المرآة لان الناظر عضو مجلُوٌ، فتشخص فيه الصورة، كشخصها في المرآة.
    )فَلَيتها لا تزَالُ آويةً ... وَلَتهُ لا يزالُ مأوَاها(
    اي ليت صورتها لا تزال آوية ناظري. يقال: أويتُ المكان، وأويت إليه، وذكر آوية، وكان الحكم آويتُه ذهاباً إلى الشخص او الشكل اي وليت الناظر لا يزال مأوى هذه الصورة.
    وهذا البيت مشتمل على قضيتين، ترجعان إلى قضية واحدة، لان التمني الأول هو التمني الثاني.
    )لَقيننا والحُمولُ سائرةٌ ... وَهُنَّ دُرٌ فذُبن أمواها(
    لقيتنا: يعني هؤلاء الظُعُن. والحُكول سائرة بهن الإبل بما عليها من الهوادج، وهن دَراري، وهن دَرارس، قد رقت بَشرَاتُهُن وصفت، فهن كالدر. وأراد مثل الدر؛ فبالغ احتى جعلهن الدر نفسه. ولا بد اعتبار )مثل( لأنهن لا يكون دُرا، لان الدرجماد؛ وهي حسوان ناطق.
    وقوله: فذُبن أمواهاً: اي بكين لما سارت بهن الإبل. فلما كانت دموعهن كبشراتهن التي شاكت الدر، رقة وصفاء، ظننتهن دراً ذائباً، وهذا كقوله هو:
    أوفى فكنت إذا رميت بمقلتي ... بشراًرأيتُ أرق من عَبَرَاتها
    وقوله: امواهاً: منصوب على الحال، وإن كانت الأمواه جوهراً فقد يكون الجوهر حالاً.
    حكى سيبويه عن العرب )العجب من بُر مررنا به قفيزاً بدرهم( قال: قد يكون خبرا مالا يكون صفة. يعني بالخير الحال؛ وقال: هذا بُسراُ أطيب منه رطبا. وفي التنزيل )هذه ناقةُ اللهِ لَكُم آية( ومثله كثير.
    وقال: )ذُبن( وإنما يعني دموعهن. لكن ادعى أن الجملة قد عادت ماء مبالغة.
    )او عَبَرت هَجمةٌ بنا تزكتْ ... تَكُوسُ بين الشُّروب عَقراها(
    الهَجمة: القطعة من الإبل، قد اختلف في عددها. فقيل ما بين السبعين إلى المائة. وقيل أولها الأربعون؛ إلى ما زادت. يصف شُربه وقراه الأضياف، فيقول: تمر بنا إبُلها فنُعرقبها للضيفان، حتى تكوس اي تمشي على ثلاث وقيل تزحف على رُكبها. قال الأعور النبهاني يهجو غسان السَّليطي:
    ولو عند غسان السليطيَّ عَرَّسَتْ ... رَغا فرقٌ منها وكاس عَقيِر
    و )الشُروب(: يجوز أن يكون جمع شارب، كشاهد وشهود، وساجد وسجود، ويجوز أن يكون جمع شرب، الذي هواسم لجمع شارب عند سيبويه، وجمعنا لع عند أبى الحسن. لكن أن يكون جمع شارب أولى؛ لأنه إن كان اسم جمع على مذهب سيبويه؛ فجمع اسم الجمع في القلة كجمع الجمع، من حيث كانا مشتركين في الدلالة على الجمع. وإن كان الشرب جمعاً على رأي أبى الحسن، فجمع الجمع قليل، لا يحمل سيبويه صيغة الجمع عليه ما وجد عنه مندُوحة، إنما يقر بجمع الجمع إذا لم يجد سيبلاً إلى غير ذلك. ومن ثم ذهب الفارسي في قراءة قرأ )فَرُهُنُ مقبوضة( إلى انه جمع رَهْن؛ كسَجْلٍ وسُجُل، وسَقْف وسُقُف، واستجاز هذا على قلته، كراهية أن يحتاج إلى أن يقول إن رُهُناً: جمع رِهانٍ، ورِهان: جمع رَهْن. وإنما ذلك من أبى على فرار من جمع الجمع. فلهذا قلنا غن: )شُرُوب(: جمع شارب، أولى من كونه شَرب، فافهمه.
    )تَقُود مُستَحسن الكلام لَنا ... كما تَقُودُ السحاب عُظماها(
    اي إذا اعتبرنا مآثره، وامتثالنا مفاخره، لقنتنا مُستَحسن الكلام فيه، وفادته لنا، كما يقودُ السحابُ سحاباً.
    )لو فضِنتْ خيلُه لنائلهِ ... لم يُرضها أن تراهُ يرضاها(
    اي لو شعرت خيله انه إنما يُعدُّها للهبة، وإنه إنما يهب منها الخيار المرضية؛ لم تَرض هذه الخيل أن بُرى عنها راضياً، لان مارضي منها موهوب لآمله، ومبذول لسائله.
    )تَسُرُّ طَرباتهُ كَرَائنهُ ... ثُم تُزيلُ السرورَ عُقباها(
    الكرائن: جمع كَرينة وهي المغنية. والكران: العُود. اي إن الكرائن ذا غينه أطربنه، فوهب لَهُن، وسَرهن بذلك. ثم تجاوز الطربُ ذلك الحدَّ فيهبهن جميعهُنَّ للشُّروب فيأسْين لفراقه، فتزيل عُقبيَ الطرب سُرُورهُن لهبته إياهُن لنداماه. والهاء في )عُقباها( راجعة إلى الطَّرَبَاتز وكان حكم )طَرْباته( بتحريك العين لأنه جمه )فَعْلَة( اسماً، لكن الشاعر إذا اضطر سَكَّن مثل هذا، لإقامة الوزن، أنشد الفارسي:
    أبتْ ذكرٌ عودن أحشاء قلبه ... خُفُو قاً وَرَقضاتُ الهوى في المفاصل
    )بِكُل موهُوبةٍ مُولوِلةٍ ... قاطِعَةٍ زيرها وَمثناها(
    )ولولتها(: أنينها لفقده، و )قطعها الزير والمَثنىَ(. ندم لمن حصلت عنده، ممن ليس نِده.
    )تَعُومُ عَومَ القذاةِ في زيدٍ ... من جُودِ كفِّ الأمير يغشاها(
    زبدٍك اي مُزبِد، ليس على الفعل، لأنا لم نسمع زبد، وإنما هو على النسب، اي ذو زبد، كما ذهب إليه سيبويه. اي هذه الموهوبة محتقرة في جملة عطائه كاحتقار القذاة في معظم التيار.
    )لا تَجِدُ الخمر في مَكَارمهِ ... إذا انتشى خلةً تلافاها(
    اي كرمه طبيعة، فسواء عليه صحا او سكر، لا يقع في كرمه تقصيرٌ قبل الخمر، ولا خلةً تسُدُّها الخمرُ. وهذا كقول البحتري:
    يُكرم من قبل الكئوسِ عليهمُ ... لقلنا كريم هَيجَته ابنةُ الكَرْمِ
    وأراد )تتلافاها( فحذف إحدى التاءين، كراهية اجتماع المثلين. وهذا مطرد في اللغة، و )انتشى(: سكر.
    تُصاحبُ الراحُ أريحيته ... فتسقُطٌ الراحُ دُون أدناها
    أريحية الراح: يتكرم بها اللئيم، ويزداد كَرما بها الكريم فهي على كل حال تُوجد مزية لم توجد قبلها، وأريحية الممدوح طبيعية بالغة غايةً تكون أريحيةُ السكر مقصرة عن أدنى منازلها. فكيف أن توجد فيها مزية لم تكن من قبلُ؟ )تجمعت في فُؤاده جوهر، والدهر عَرَض، ولا يكون الجوهر جزءاً من العرض، ولكن استعاره له صنعة واقتداراً. وقد بين ذلك قوله:
    ولو بَرزَ الزمان إلى شخصاً ... لَدمى حدَّ مفرقهِ حُسامي
    ولما جعل له فؤاداً استجاز أن يجعل له همة، لأن الفؤاد مطية الهمة. وحسن ذلك قولُه. )تَجَمَّعَت في فُؤاد الدهر منها واحدة، ويضيق عما سواها.
    فإن أتى حظُّها بأزمنةٍ ... أوسع من ذا الزَّمانِ أبداها

    عبدالله عمر

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    اي فإن أتى حظ هذه الهمم التي لا يسعُ فؤادُ الزمان منها، إلا واحدة بأزمنة أوسع من هذا الزمان، أبدى الممدوح تلك الهمم، التي لا يبديها إلا أن يضيق الزمانُ عنها. و )حظها( هنا كقوله: )جَدُّها(. وقوله: )بأزمنةٍ( أحسن من قوله: )بزمان(، بعد أن يحتكله الوزن؛ لأن الجمع أبلغ من الواحد.
    )وَصَارتِ الفيلَقَان وَاحدةً ... تَعثُرُ أحياؤُها بموْتاها(
    واحدة: اي فيلقا واحدة، وإنما صارت الفيلقان فيلقاً لا ختلاطهما، حتى كأنهما اتحدنا. والهاء في )أحيائها وموتاها(: عائدة إلى الفيلق الواحدة.
    )يُعجبُها قَتلُها الكُماة ولا ... يُنظرُها الدهرُ بعد قتلاَهَا(
    اي إذا قَتَل الفارس فارساً أعجبته ذلك، ثم لا يلبث أن يُتاح له فارس آخر يقتله.
    )وَدَارت النيراتُ في فلكٍ ... تسجدُ أقمارُها لأبهَاها(
    عنى بالفلك هنا: ذات المعترك، حيث التقت الأملاك والأبطال الأنجاد. وكلا هذين القبيلين )أقمار( فهي )تسجد لأبهاها( يعني الملك.
    )الفارسُ المُتقي السلاحُ به ... المُثني عليه الوغي وَخَيلاهَا(
    يُتقي به السلاح، لأن السلاح لا يؤثر فيه، بل هو المؤثر فيها كقول الآخر:
    اللابسينَ قُلُوبهُمْ ... فوقَ الدروع لدفِع ذلكِ
    اي إن أفئدتهم أوقى لهم من دروعهم، لأنها أثبت صيانة، وأنشد منها حصانة، وثنى الخيل، لأنه أراد خيله وخيل عدوه، لأن الحرب إنما تقوم بطائفتين متضادتين. ولذلك قال بعض الأوائل، من الحكماء الأفاضل: الحرب حينئذ ذو طبيعتين متضادتين، اي قوامها ذلك فان بطل أحد الضدين بطل الحرب.
    )لو أنكرت من حيائها يدُهُ ... في الحرب آثارَهَا عَرَفنَاهَا(
    ذهب قوم إلى أنه يَجِلّ عن الفخر بتأثيره في عداه. فلو أنكرت يدُه ذلك لعرفنا أن هذه الآثار لها.
    والذي عندي أن آثار مفاخره في العالم حِسان، وذلك بإغناء فقير، وافتكاك أسير، وبث فضل، وإقامة عدل.
    أما آثاره في عداه فقبيحة الصُّور. لأنها إنما هي إفساد جواهرهم، وتغيير ظواهرهم وبواظنهم. قلو أنكرت يده هذه الآثار، حياء من قبحها، لعرفنا نحن أنها لها، لأنه يؤثر في العدي هذا التأثير إلا هي.
    )وَكيف تَخفي التي زيادتُها ... وَناقعُ الموتِ بعضُ سيماها(
    يعني يده، اي وكيف تخفي آثار هذه اليد، التي سوطها وناقع الموت جزء من سيماها. عنى بناقع الموت: السيف، وبالزبادة: السوط وذلك أنه يضرب بالسوط، ويقتل بالسيف. وإذا كان هذا بعض سيماها، ونتيجتها الضرب والقتل، فما الظن بكلية سيماها.
    )الناسُ كالعابِدين آلهةً ... وعَبدُةُ كالمُوحدِ الله(
    الآلهة: لا تغني عبادها، والله يغني عباده. يقول: فمن أمل غير هذا الملك، لم يستغن بواحد عن آخر، مع ما يُنتج له ذلك من قلة الغنى، ومن أمله كفاء، وأغناه، عمن سواه، كما يفعل ذلك بعبده الإله.
    وله ايضا:
    )عُددُ الوفُود العامدين لهُ ... دوُن السلاج الشُّكلُ والعُقُلُ(
    اي لا يقصد المحاربون، لأنه لا يطمع فيه أحد، فلذلك لا يُعد له السلاح، وإنما يقصده الآملون، فعُددهم الشُّكل والعُقل، لأنهم يسألونه الخيل للحرب، والإبل للدية. ووفد العرب انما بغيتهم ذلك، فهم يُعدون الشكُل والعُقُل، ثقة منهم بهبته لهم يسألون.
    )تُمسى على أيدي مَوَاهبهِ ... هيَ او بَقِيتُها او البَدَلُ(
    اي أن مواهبة مستبدة بخيله وابله، لا مطمع للإبقاء فيها. وقد اجاد أبو الفتح في تمثيله اياه بقول العرب في الشيء إذا استبد به أمرٌ ما، فلم بك ابتزازه منه مَطمع. )وُضِع عَلى يَديْ عَدْل(.
    ومعنى البيت: أن يهب جُودُه خيله، وخيار ابله لأوائل الوفود عليه، وما بعدها في المنزلة، وهي البقية، لمن يفد يعد الوفد الأول. حتى إذا لم يبق من خيله ولا ابله شيء أعطى بعدها العين والوَرق.
    والبَدل هنا: اسم وقد يكون ظرفاً في غير هذا الوضع. فاذا كان اسماً كان بمنزلة البديل، قال سيبويه: وتقول: أن بَدَلَك زيداً، اي إن مكانك زيداً. قال: وإن جعلت البَدل بمنزلة البديل، قُلت: إن بَدَلَك زيدٌ، فلحِق بالأسماء. وأراد: )أوبدلُها( فجعل الألف واللا عوضاً من الإضافة، لأن كل واحدة منهما للمعرفة وجعل للمواهب )أيديا( تحكُما على الصنعة، وتأنقاً في البلاغة، وليُشعر أنه إنما وَازى به قول العرب فيما ينسب منه: )وُضِعَ على يدي عَدل(.
    )يُشتاقُ من يِده إلى سبيلٍ ... شَوقاً إليه ينبُتُ الأسلُ(
    السبَل: المطر، كناية عن العطاء، يقول: يشتاق إلى يده، حتى أن الأسل لا ينبت إلا ليباشر راحته، فيُروي بنائلها كَرَيه بالسحاب، بل أكثر. وإن شئت جعلت حظ الأسل من نائل كفه، ما يسقيها من الدم. وقوله: شوقاً إليه ينبت الأسلُ: جعله في موضع الصفة لسبل. وشوقاً مفعولاً من أجله، وهو يسميه سيبويه عُذراً لوقوع الأمر.
    )فإذا حَمى أرضٍ أقام بها ... بالناسِ مِنْ تَقْبِيِله بَلَلُ(
    اي إذا حل بحصى أرض، قبله الناس بين يديه، حتى تبل أسنانُهم اي تُقبل وتنعطف إلى الباطن. وحَصَى منصوب بفعل مضمر. اي إذا حل حصى أرض )وأقام بها(: تفسير للفعل المضمر، لأنه إذا أقام به فقد حله، وأراد: فباأناس، فحذف الفاء للضرورة، وهو كثير في الشعر، أنشد سيبويه:
    من يفعل الحسنات الله يَشكُرُهَا ... والشرُّ بالشر عند الله مِثلاَن
    اي فالله يشكرها. والهاء في )بها( راجعة إلى الحصى، لان الحصى يؤنث ويذكر، وكذلك كل جمع بينه وبين واحده الهاء. ولا تكون الهاء في )بها( عائدة إلى الارض لأنه لابد في الفعل من مُضمر يرجع إلى المفعول، الا أن يُحذف لضرب من الاستخفاف، كما قد بين سيبويه في غير موضع.
    ولو كانت الهاء راجعة إلى الأرض، ولم تَعُد إلى المفعول الذي هو الحصى، لقلت: )زيداً ضربت هنداً( مريداً )ضربتُ زيداً ضربت هنداً(. وهذا لا يقوله أحد، لابد في الفعل الظاهر من ضمير ملفوظ يه او مقدر، يعود إلى المفعول المنتصب بالفعل المضمر. وقال: )من تقبيله(: حَملاً على التذكير، والعرب تقول: شجر أخضر، وخُضر، وحصى أسود وسُود.
    )لا تَلقَ أفرَ منك تعَرفُه ... إلا إذا ضَاقت بكَ الحيلُ(
    يخاطب بذلك لوهوذان، يقول له: من عرفت أنه أثبت منك فراسة فلا تَعرض له ما وجدت عن لقائه مندوحة، ولا تحاربه ما أمكنتك مسالمته. يعظه بذلك، وكأنه مستهزئ به. فإذا ضاقت بك الحيلُ ولم تجد بُدا من لقائه، فقد استحققت المعذرة.
    وقوله أفرس منك: صفة موضوعة موضع الاسم اي رجلاً أفرس منك. وحسن وضع الصفة هنا موضع الاسم، لأنها قد تقوت بقوله: )منك(. وأيضاً فإن منك مناسب للاضافة، والمضاف اسم. وتعرفه: جملة في موضع الصفة، كأنه قال: لا تَلق رجلاً أفرس منك، معروفاً لديك.
    )فَوقَ السماء وفَوق ما طَلَبُوا ... فإذا أرادُوا غايةً نَزَلُوا(
    اي رتبتهم في أرفع الغايات من الرتب. بحث لا يمكن مَزيد إلى فوق، فإذا أرادوا غاية ما غير تلك الغاية، نزلوا إلى الأسفل منها، اذ لا تمكن غاية إلى فوق، لأن مراتبهم في أسنى الغايات وأرفع النهايات. وقد قال هو في هذا المعنى بعينه:
    وقالوا هل يُبَلعُك الثُّرَيا ... فقلت نعم إذا شئت استفالا
    وله ايضا:
    )ليس كما ظنَّ غَشيةٌ عَرَضَت ... فجئتنى في خِلالها قاصد(
    كان أبو الطيب توقع أن يلومه محبوبه لنومه بعده، وحُملمه بخياله فيه. فقال: لعل مرسلك إلى أيها الخيال، ظن أنى نائم، أوخلتنى أنت يا خيال كذلك، ليس كما ظننتماه، حالى أشدُّ من أن أنام عليها، وانما هي غَشية. فإن الباشق يُغشى عليه، وليس من شأنه أن ينام فلا ألحقن منكما ملاماً، لأني لم أخل بحق العشق إذا لم أنم. وانما كنت مُخلا به لو نمت، فجئتني في خلالها قاصداً، اي في خلال تلك الغَشية. وعيادة الخيال اياه في تلك الحال، أبلغ وأعرف من عيادته اياه في حد النوم، لأن المغشى عليه بمنزلة الميت، والنائمُ قد يدرك أشياه كثيرة مما يدركه اليقظان، كالضحك والاحتلام وغير ذلك وما علمنا أحداً من الشعراء ذكر أن حيالاً ألم به في غَشية الا هذا.
    وقوله. )قاصد( في موضع نصب على الحال، فكان حكمه على هذا )قاصداً( إلا أن من العرب من يقول: )رأيت زيد( في حال الوقف.
    قال:
    شَترٌ جنبي كأني مهدَأٌ ... جَعَل القينُ على الدفِّ إبر
    وأنشد الفارسي للأعشى:
    إلى المرء قيس أطيلُ السُّري ... وآخذُ من كل حي عُصُم
    ولا يكون )قاصد( في موضع رفع على البدل من التاء التي في خلتني، لأن المخاطب لا يبدل منه للعلم بمكانه، والأمن من التباسه. وذلك لم يجز سيبويه )بكَ المسكن مرت(. وقد أثبت ذلك غير دفعة في هذا الكتاب.
    )إذا المَنَايَا بَدتْ فَدَعوتُها ... أبدلَ نُوناً بدَالهِ الحَائِد(
    سَفه رأى وهو ذان في محاربته فنا خُسرُو، ثم عذره، فقال: إن المَنَايا إذا المت فإنما قولها ودعاؤها: )أبدل نوناً بدالهِ الحائِد(: اي صُير )الحائد( )حائناً( وهو الهالك. وليس مقال، لأن المنية ليست بنوع ناطق، انما هي عدم حرارة الروح، وذلك عَرَض. ولذلك قالواك بَرَدَ فلان، إذا مات، يذهبون إلى انقطاع الحرارة الحيوانية، لكن استعار القول للمنية. وإنما أراد أن: )الحائد( الذي يحيد عن الموت، إذا وافاه حينهُ، لم يُغن عنه حيده.
    )رأوكَ لما بَلَوكَ ناَبتةً ... يأكُلُها قبلَ أهله الرائدْ(
    الرائد: الذي يطلُب الكلأ للحي، فيقول لوهوذان: هزمتك طلائع عسكر فنا خسرو قبله، ولم ينتظروا يك معظم الجيش، احتقاراً لك، وتهاوناً بك، وإكراما لكوكب الجيش، فكنت كالنابتة المحتقرة المستصغرة التي يأكلها الرائد قبل أهله؛ لا ينتظرهم بها، ولا يدعوهم إليها، احتقاراً لقدرها واستنزاراً لخَطَرها. و )نابتة(: صفة أقيمت مقام الموصوف. وحَسُن ذلك، لأنها قد قويت بالجملة التي بعدها، فضارعت الاسم بهذه الصفة، لأن الموصوفة في الأصل إنما هي الأسماء. هذا مذهب سيبويه. وإنما اراد: خلاه نابتة وحشية، او نبقة، او نحو ذلك.
    )وُمُتقٍ والسهامُ مُرسلةٌ ... يحيدُ عن حابضٍ إلى صاردْ(
    الحابض: السهم الذي يقع بين يدي الرامي من ضعفه. والصارد: النافذ. يقول: إن الإنسان لا ينفعه احتسابه، ولا يقيه احتراسه، فرب مُتق للموت في الحرب وقد أرسلت السهام، فنفر عن الحابض، ولو وقف له لم يضره، ويعدل إلى النافذ، فيقتله، وهو في كل ذلك مُصرف بيد القدر.
    وله ايضا:
    )فَلاَ قَضَى حَاجَتهُ طالبٌ ... فؤادُه يَخفقُ من رُعبِهِ(
    يقول: إن الموت قَدَر محتوم، وقضاء مجزوم، وسواء فيه الشجاع، والجبان الفزاع، فإذا كان الأمر كذلك، فالجازع ملوم، والجبان مذموم. فمن الحق أن يُدعى على الطالب الشديد الهيبة، ألا يَظْفر من حاجته إلا بالخيبة. والجملة التي هي قوله: )فؤاده يخفقُق من رُعبه(: في موضع الصفة لطالب. و )طالب(: صفة وضعت موقع الموصوف. وحسُن ذلك، لأنه قد قُرن بالصفة، فضارع الاسم.
    والهاء في )رعبه(: إن شئت رَدَدتها إلى طالب، وإن شئت إلى قوله: )فؤاده(. والبيت مشتمل على الدعاء على كل من إذا رام الإقدام، أورثه الجبنُ الإحجام.
    )حَاشاكَ أن تَضعُف عن حملِ ... السَّائرُ في كُتبهِ(
    اي حاشاك أن تضعُف عن احتمال ما قدر الفيج بالنعي على احتماله؛ اي إذا كان الفَيج )وهو الرسول غبلا قدميه( يقول: جاء على احتماله في كتبه، وهو متكلف مع ذلك رِجْلَه، وعادمٌ رَحْلَه، فأنت أحجى باحتماله على ترك استهواله.
    وقال ايضا:
    )وَقيدتِ الأُيلُ في الحِبَال(
    الأُيلُ: اسم للجنس، وأنث على معنى الجماعة، وقد يجوز أن يكون )أُيل( على اعتقاد ضمة مجتلبة للجمع، كما ذهب إليه سيبو]ه في دلاص وَهِجان. وقد أثبت الأيل واشتقاقه ووزنه وتكسيره، وما فيه من اللغات، في كتابي الموسوم )بالمحكم(.
    )وَأوْفَتِ الفُدْرُ مِنَ الأَوْعَالِ(
    الأوعال: شياه الجبال، الفُدر: المَسَان يجوز أن يكون جمع فَدٌور، فالأصل على هذا )فُدر( إلى أن بني تميم يسكنون ثاني الضرب استخفافاً.
    ويجوز أن يكون جمع فادر، كعائد وعُود، لأن سيبويه قد اعتد )بفُعل( بناء من ابنية تكسير )فاعل(.
    )مُرْتَدِياتٍ بِقسِىِّ الضالِ(
    يعني قرونها. شبهها فب انعطافها بقسى العرب، وهي تتخذ من الضال وهو السِّدر الجَبَلي، ألفُه منقلبة عن ياء. وذكر بعض متأخري أهل بغداد أنه وَجدَ بخط )جعفر بن دِحية(؛ رجل من أصحاب ثعلب. )الضأل( مهموزاً؛ فاشتقه ذلك البغدادي حينئذ من الضآلة، وذلك لأن الجَبَلي منه أقل ريا ونعمة من المائي، وذلك قال البغدادي: ثم وجدته بخط ابي إسحاق، )يعني إلراهيم بن السرى الزجاج(: أضيلَ المكان: أنبت الضال. فإذا كان ذلك، فلا أثر للهمز في الضال، ولا طريق إليه. وإنما هو كتاب، فمحا البغدادي حيئنذ ضبط جعفر، وعول على خط أبي إسحاق.
    )وُلدن تحت أثقل الأثقالِ(
    قيل: الجبال، وقيل: القُرُون. فإن قلت: فإنه لم يُولد بقرن، فتقول: إنه عنى )بأثقل الأثقال( والقرون؟ قلنا إن لم يولد بالفعل معها، فإنه مولود معها بالقوة، لأن نبتة القرون للأنواع المفطورة عليها، خلقة طبيعية، فلابُد من خروجها إلى الفعل.
    )قَدْ مَنَعَتْهُنَّ من التَّفالي(
    اي تشابكت القرون على رؤس الأيابل، حتى لو حاولتِ التفالي، منعَها اشتباك قرونها من الوصول إلى رؤسها.
    )لاَ تَشركُ الأجسام في الهُزال(
    اي أن القرون لا يلحقها سمن ولا هُزال، كما يلحق الأبدان، لأنها ليست متصلة بلحم ودم، ولا هي في ذواتها كذلك. ولو اتزن له ألا يُشرك الأجسام في السَّمن والهُزال، لكان أقعد بالحقيقة، ولكن السمن والهزال، انتفى أن يشركها في السمن، فاكتفى بأحد الضدين من صاحبه
    )إذا تَلفتن إلى الظلال ... رأين فيها أشنع الأمثالِ(
    اي إذا رأت الأيابل ظلال قرونها، استبشعتها وهالتها.
    )كأنما خُلقن للإذلِ ... زيادةً في سُبةِ الجُهالِ(
    يعني القرون صاحبها ذليل. فيقول: كأن هذه القرون إنما خلقت لتدل علي على ذلة الأوعال، كما خُلقت للقرْنان، وإن كان لاقرون له. وإنما هو تمثيل. وقوله: زيادة فس سُبة الجهال: اي أن الجهال يتشاءمون كثيراً بالقُرون، ويكنون أحدهم بأبى القُرون.
    )نَواخِسَ الأطرافِ للأكفالِ(
    اي طالت القرون منها، حتى نَخَست الأكفال بأطرافها.
    )يَكَدْنَ يَنفُذن مِنَ الآطَالِ(
    الآطال: الخواصر، واحدها: وإطل. وقد قيل: الإطل وضع، والإطل: فرع. يقول: في القرون شُعب تكاد تنفذ الخواصر، حدةً واعتراضاً. وأراد: يَكَدْن يَنُفذن الآطالَ، فزاد )من( على رأي أبى الحسن، لأنه يرى زيادتها في الواجب، وسيبويه لا يرى زيادتها فيه.
    ويجوز أن يكون أراد من الآطال إلى الآطال، اي من اليمين إلى الشمال وبنقيض ذلك.
    )شبيهةُ الإدْبار بالإقْبَالِ(
    اي في وجوهها من لحاها ما يشبه إذنابها، فقد تشابه القُبُل والدُّبُر، وقيل: يريد عُموم قرونها، لظهورها بالتعطف عليها إلى أدنابها.
    )في كُلِّ كِبدٍ كَبدي نِضَالِ(
    كِبدُ النصل ما بين عَيرَيه. اي في كل كبد أيل ووعل من هذه الوحش المقنوطة نصال.
    )فَهُنَّ يَهوين من القٍلاَلِ(
    )مَقْلُوبة الأظلاَف والإرقَالِ(
    اي هذه الأيابلُ والأوعال يَهوين من قلال الجبال، وهي أعاليها، منعكسة أظلافها وأذنابها على أجسامها.
    )فكَانَ عَنها سَبَبُ التَّرحَلٍ(
    )تَشويق إكثارٍ إلى إقلالِ(
    اي أكثرنا من القنص حتى مللنا، وشوقنا الإكثارُ إلى الإقلال، فكان ذلك سبب الترحال عنها. )فعن(: متعلقة بالترحال المقدر قبلها، ولا تكون متعلقة بالترحال الظاهر لأن )عن( حينئذ من صلة المصدر، وما كان من صلة المصدر لم يتقدم عليه، وجعل )سبب الترحال( اسم كان، لأنه معرفة و )تشويقَ إكثار(. خبرها، لأنها نكرة، فالبيت مُضمن.
    وقال سيبويه: أكثرتَ، جئت بكثير، وأقللت؛ جئت بقليل فأما كَثَّرتَ وقَّللت؛ فجعلته كثيراً وقليلاً.
    )وَلو جَعَلت مَوضع الإلآلٍ ... لآلًئا طَعَنتَ باللآلي(
    )الإلآل(، الحراب. وأحدتها؛ )ألة(؛ وذلك لبريقها ولَمَعانها. أل الشيء يؤلُّ ألا: برق. اي لو جعلت مكان الحديد والمحدد لؤلؤاً فعلت به من القتل ما يفعل الحديد، لأنك مؤيدٌ منصور.
    وقيل: اراد ولو جعلت أصحاب الحراب من جيشك صواحب الحلي لقتلت بهن عداك، لأن السعد والبأس إنما هولك. واراد )طعنت باللآليء( فأبدل الهمزة إبدالاً محضاً، ليس على التخفيف القياسي، وإن كان مثله في اللفظ. وإنما أبدل إبدالاً كلياً غير قياسي، لمكان الوصل، لأن التخفيف القياسي في نية التخفيف. والهمزة المخففة لا يُوصل بها، فكذلك المخففة التي في نية المخففة لا يوصل بها. وقد بينت ذلك غير دُفعة في هذا الكتاب، وفي غيره من كتبي. وإنما اعدته لظرافته ودقته، وأنه لا يفهمه إلا الدرِب. فمن أنس به أحبه ووالاه، ومن نافره قلنا فيه؛ من جهل شيئاً عاداه.
    وله ايضا:
    )مَغَاني الشعبِ طيباً في المَغانِي ... بِمنزِلة الرَّبيعِ من الزَّمَانِ(
    يعني بالشعب: شعب بوان وكان في طريقه إلى شيراز، مربه فأعجبه. يقول: فهذه المغاني في حُسنها بمنزلة الربيع في أرباع السنة. اي أن هذه المغاني أطيب المغاني وأعشبها كما أن الربيع آنق أرباع الزمن وأخصبهل.
    جعل هذا المكان في جملة الأمكنة بمنزلة الزمان، أعنى الربيع في جملة الأزمنة، وهذا من عجيب الاقتران، أعنى تمثيله لمكان بالزمان.
    )وَلكن الفَتَى العَربي فيها ... غَريبُ الوَجهِ والَيدِ والِّسَانِ(
    بوان هذه؛ ي بلاد فارس، ولا عرب هنالك إلا غُرباء، فكنى بغرابة الأعضاء عن غرابة الجملة. وقيل؛ غريب الوجه، أن ألوان العرب الأدمة، واهل فارس بيض، وأما غربة اليد فقيل، إنه عنى به الخط، ولا يُعجبني، إنما عَنى به الجود، والجود للعرب. وأما اللسان فلأنهم أعاجم، والتفسير الأول هو الصحيح، أعنى أنه لا هرب هناك إلا قليل.
    )إذا غنى الحَمامُ الوُرقُ فيها ... أجابتها أغانيُّ القيانِ(
    اي أنها أرض طيب ورفاهية، واعتدال هواء، فإذا غنى الحمام فيها، جاوبتها القيان طرباً إليها، اي أن أهلها لا يتركون اللهو.
    )وَمن بالشعبِ أحوجُ من حمامٍ ... إذا غنى وناح إلى البيانِ(
    اي أن أهل بوان أعاجم، لا يُفصحون، كما أن الحمام كذلك. وجعلهم أحوج إلى البيان من الحمام؛ مبالغةً وإفراطاً في الكلام، إذ يوجد لغناء أهل بوان ترجمان، لأنهم أناسيٌّ.
    )وقد يَتَقَارب الوَصفان جدا ... وموصُوفا هُما مُتباعدانِ(
    اي هؤلاء الأعاعم في قلة الايضاح، وعدم الافصاح، كهذه الحمائمن وإن اختلف نوعاهما فهما متباعدان بالنوع، وذات الجوهر، متقاربان في عدمهما البيان.

    عبدالله عمر

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,609

    افتراضي

    ويحمل أن يريد أن الإنسان يقرب الموصوف بوصفه له، حتى لكأنه حاضر، ولكنه يبعد لعدم إحاطته بجميع أحواله، وغرائب أفعاله.
    )وألقى الشرقُ مِنهَا في ثِيابي ... دنانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ(
    يصف شعب بَوان؛ وهي مدينة معروفة في طريق شيراز. والشعب: الطريق في الجبل. والشرق: الشمس. يقال، طلعت الشرق، ولا يقال غاب الشرق، فيعني أن شجر هذا الموضع أشب مُلتف، ضيق الخصاص، وهي الشُّعب التي بين الورق، فإذا طلعت الشمس تخلت أظواؤها خلال الورق، مستديرة كالدنانير من الذهب، في الشكل واللون، إلا أنها إذا حَلت الكف، فهمت بالقبض عليها حال ظل البنان بينهما؛ واعتراض دون ما في باطن الراحة من أشكال الضوء. وقد قدمتُ الفَرق بين تشبيهه إياها بالدنانير هنا، وبين تشبيهه إياها بالدراهم في قوله:
    إذا ضوؤُها لاقي من الطيرِ فَرْجةً ... تَدَور فوق البيض مثل الدراهمِ
    عن تفسير ذلك البيت. وقوله: )منها( اراد من نفسها، وصرف )دنانير( للضرورة.
    )يحلُ به على قلبٍ شُجاعٍ ... وَيرحلُ منه قلبٍ جَبَانِ(
    اي أنه إذا رأى أضيافه نازلين به، فرح فقويت ذاته وإذا رآهم راحلين ساءة ذلك، فضعف منه ما قوى.
    فعلى هذا القول، تكون الشجاعة والجبن لقلب هذا الممدوح. وقد يجوز أن يكون ذلك. لأفئدة الضيفان، اي أن الضيف إذا نزل به وهو زاهد في الحياة، غير فرقٍ من الموت، لما لحقه من الكد والجهد، فرأى ما لدى أبي شُجاع من خصب المكان؛ ولين أخادع الزمان، والخفض والأمان، راقه ذلك، فأحب الحياة، وكره الوفاة، بعكس ما كان عليه.
    )دَعتهُ بِمفزع الأعضائ منهُ ... ليومِ الحزب: بِكرٍ او عوانِ(
    المفزع: المستغاث. ودعته: سمته. فيقول: دعته هذه الدولة عضد الدولة، لان الأعضاء إنما تدفع عن نفسها بالعضد، وهي حاملة اليد، فكذلك هذه الدولة، لما وجدت مَفْزَع أعضائها بالعَضُد، دعته عَضُدها. فقوله: )بمَفزع( في موضع المفعول الثاني؛ لأن هذه )دَعَوتُ( التي بمعنى سميت تقول: دعوته زيداً، ودعوته بزيد، كقولك سميته إياه، وسميته به.
    قال سيبويه حين ذكر هذا النحو. وكذلك دَعَوته التي تجري مَجرى سَمَّيتهُ، يعني إنها تتعدى إلى مفعولين: كطما يتعدى سميته إليهما. قال: فإن أردت الدُّعاء إلى أمر، لم تجاوز مفعولاً واحداً. يعني نحو التي في قوله تعالى )سَواءٌ علكْيم أدَعَوتموهُمْ أم أَنْتُم صامتُون(: وكقوله له سبحانه: )أجِيب دعوةَ الدَّاعي إذا دَعان( وقوله: )ليوم الحرْب(. اي إلى يوم الحرب. )بكْرٍ أو عَوانِ(: يدل من الحرب. وقد بين معنى هذا البيت بقوله:
    )بعَضدِ الدولةَ امتَنَعَتْْ وعَزتْ ... وليسَ بغيرِ ذِي عَضُد يدانِ(
    اليدان: إما أن يكون هما الكفين، وإما أن تكون القوة. حكى سيبويه: لا يدينِ بِهالك، لم يَعنِ )تثنية اليد(، فنفي الجارحتين؛ ولكنه نفي القُوة. وأراد: )لايد بِهالك(، فوضع الاثنين موضع الواحد الدال على الكثرة؛ فدلت التثنية من الشياع على ما يدل عليه الواحد الدال على الكثير أعني المنفي بلا؛ لأن ذلك الواحد متفرق للنوع المنفي بها.
    وقد تجيء التثنية تدل على الكثير. أنشد الفارسي للفرزدق: وكلُّ رَفيِقيْ كلِّ رَحلْ ونظيره قوله تعالى في صفة السماء: )فارجع البصر هلى ترى من فُطُور، ثم ارجع البصر كَرَّتين(.
    )فَكَّرتين( في موضع كَّراتٍ. والدليل على ذلك قوله. )ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حَسِير(. فلو أمره أن ينظر في السماء كرَّتين فقط؛ فنظر مرتين، لم يرجع البصر خاسئاً وهو حَسير، لان البصر لا تيَحْسر من مرتين، انما يَحسِر من مرات. هذا تفسير الفارسي، بعد أن أعمل فيه إنعام الفِكر؛ وقدَّر ما فيه من وراء غلوة الحشر.
    )كأنَّ دَمَ الجَماجِم فب العَنَاصي ... كَسى البُلدان ريش الحَيُقطانِ(
    ريش الحيقُطان: واحمر. والعناصي: خُصل من الشعر. يقول: جرى الدم في عناصيهم فاختضبت فاحمرت، ثم تمزقت شعورهم في المُعترك وأطارتها الريح على الأرض؛ فكأن العناصي المحمرة المتمزقة ريشُ هذا النوع من الطير. وجعل الدم هو الذي كسا البُلدان، ذلك لأنه لولا الدم لم يُشبه العَنصوة ريشُ الحيْقُطان. و )في العناصي(. ظرف في موضع الحال، اي مستقراً فيها.
    )وكانَ ابناَ عَدُوٍّ كَاثَراهُ ... لهَ يَاءي حُروف أنيسيانِ(
    أنَيْسِيَان: تصغير إنسان، وهو أكثر حروفاً من مُكبره، لكن تلك الكثرة مشعرة بقلة، فلا غناء لهذه الزيادة التي فيه، لما يلحقه من التصغير، ونقيصة التحقير. فهو يدعو لفناخُسَر، فيقول: لا كاثرك ملك باثنين إلا كانا كالياءين اللتين في )أنَيسيان(، وكلتاهما زائدة، لاغناء لهما. وأيضا فإنهما للتحقير: الأولى للتصغير حقيقة، والثانية لا تلحق الا مع ياء التصغير، فهي بمنزلتها في الدلالة على التصغير. فلذلك قلت إنهما جميعاً للتحقير، ولم أعنِ أن ياء )أنيسيان( الأخيرة، وياء التصغير لا تكون أبداً إلا ثالثه. و )أنيسيان( من شاذ التصغير.
    وله ايضا:
    )فِدى لَك من يُقصر عن مداكا ... فلا ملكٌ إذن إلا فدَاكا(
    )فَدَاكَ( يحتمل أن يكون قعلاً، واسماً.
    )ولوْ قُبنا فِدى لَكَ من يُساوي ... دَعَونا بالقَاء لمن قَلاَكا(
    اي أنه لا يساويك أحدن فلو قلنا: فدًى لك مساويك، لكان كقولنا: فدًى لك لا أحد، وقاليه: داخل في ذلك.
    )وآمنا فِداءَك كلَّ نفسٍ ... ولو كَانت لملكةٍ مِلاَكاَ(
    اي لو اشترطنا في فدائك المساواة، لأمن كل احد أن يكون لك فداء، وإن كان ملكاً، لأنه مع مُلكه ومِلْكِه مُقصِّرٌ عن مساواتك.
    )وَمَن يظنُ نَثر الحبِّ جُوداً ... وَينصبُ تحتَ ما نثر الشباكا(
    اي وفدى لك من أعطى وغرضه أن يستجر فائدة فاضلة بعطائه، بمنزلة القناص الذي يلقي الحَب للطير، وقد نصب الشبكة تحته لا قتناصها فلا ينبغي أن يحمد على ذلك، لأنه ليس جوداً في الحقيقة، إنما هو دعاء إلى هُلك.
    وهذا مثل ضربه لمن طلب من الشكر أكثر مما يوجبه له نداه والشِّباَك جمع شبكة كرقبة ورقاب، وَرحبة ورِحاب.
    )أتَتْركُني وعيُن الشمسِ نَعلي ... فَتَقْطعَ مِشيتي فيها الشرَاكا(
    اي بكوني في حاشيتك، واعتدادي في صاغيتك، شَرُفت وعظمت حتى عدت كأن عين الشمي نعلي؛ فإذا فارقتك، كنت كمن مَشى بهذه النعل، فانقطع شِراكها، فسقطت، فكان اختلال جزئها، سبباً لعدم كلها.
    وإن شئت قلت: كساني قصدك شرفاً، صارت به عين الشمس لي نعلاً فإذا بَعُدتُ عنك، أخللتُ ببعض ذلك الشرف، لا بكله، فكأني قطعت الشراك الذي هو بعض النعل، فجعل الشرف كعين الشمس، وجعل فراقَه لعضُد الدولة المشْىَ فيها، وجعل بعده عنه بمنزلة انقطاع الشراك، الذي هو سبب الإخلال بالنَّعل، ولم يتوقع في كل ذلك إخلالاَ كليا، لأنه كان مُزمعاً للعودة إليه. ألا تراه يقول:
    لعلَّ الله يَجعلُهُ رحيلاً ... يُعينُ على الإقامَةَ في ذَرَاكا
    وقوله: )فتقطع مِشيتي فيها الشراكا(: نصب فيه )تقطعَ(، لأنه جواب الاستفهام، والكلام متضمن معنى الجزاء. اي إن تتركني أسيرُ وقد انتعلت بعين الشمس، قطعت مِشيَتي شِراك نعلي.
    وإن شئت رفعتَ على القطع، اي فإنها تُقطع، ولا يكون عطفاً على )أتتركني( لأن قَطعَ مِشيَتهِ شِراك النعل، ليس داخلاً في حد الاستفهامن ومعنى هذا الاستفهام الإنكارُ والتقرير، اي كيف تتركني على ما أنا به من الرأي، وأنت تعلم أن الذي أنا عليه من ذلك سَفَه.
    )قد استشفيتَ من دَاء بداء ... وأقتلُ ما أعلكَ ما شَفَاكا(
    الداء المستشفى منه: تشوقه إلى أهله أيام كونه بشياز، وأهله بالكوفة؛ والداء المُستشفى به من ذلك الداء: فِراقه للمَلك. فيقول أما الآن حين أزمعت الإياب إلى أهلك استشفيت من داء الشوق بفراق هذا الملك، وفراقك إياه أعودُ عليك بالألم. )وأقتل ما أعلك ما شفاكا(؟ اي أقتل ما أعلك الآن؛ فراقُك لأبي شجاع، على أنه قد شفاك من شوقك إلى أهلك، فكان اشتياقك كالمرض، ومزاولتك لهذا الملك حين أزالت شَوقك كالموت المذهبِ لألم المرض، وهو أشد من الم المرض.
    ثم يُخَرج قوله )وأقتل ما أعلك ما شفاكا( على طريق العموم، فيصير مثلاً، كقوله: أرى بصري قد رَابني بعدَ صحةٍ. وحَسبُك داء أن تَصح وتَسلمَا وكذا:
    ودعوتُ ربي بالسلامةِ جاهداً ... ليُصحني فإذا السلامة داءُ
    وموضوع بيت المتنبي أولى:
    )وأن البُخت لا يُعرِقن إلا ... وقد أنضى العُذافرةَ اللكاكا(
    البُخت: جمع بُختى، فحذفت ياء النسب في الجمع، لأنها بمنزلة التأنيث، في أنها داخله على الاسم بعد تمامه، ألا تراهم قالوا ثمرة وثمر، ونخلة ونخل. )ويُعرِقن(: يأتين العراق. و )أنضى(: أهزل و )العُذافرة(: العظام. أخبر عن جماعة ما لا يعقل بشكل الواحد. حكى سيبويه عن العرب: الجمالُ ذاهبة وذاهبات. ولا أقول )العُذافرة( هاهنا واحدة، لان نَدى فَناخُسر عنده، أعظم من أن يصفه بأن تستقل به ناقة واحدة. واللكاك: الأنيق الشداد، وهي اللحِمة أيضا هنا. حكى سيبويه: ناقة لكاك، وأينُق لِكاك. والقولُ في هذا، القول في دِرعٍ دِلاَص وأدرع دلاص. قان الكسرة التي في الجمع غير التي في الواحد؛ والألف غير الألف. وقد أعدتُ هذا القول مرارآ لأونس به المستوحش، فاني رأيتُهم عند تفسيره لهم دَهشين. ولو فهموا كلام سيبويه، أنسُوا إليه.
    ورواه بعضهم: )اللُّكاكا(. وفُعال: من الجمع العزيز؟ إلا أن له نظائر جَمة، كعرق وعُراق، وثنى ةثُناء. وذد ذكر سيبويه وأهل اللغة منه حروفاً جمة. وعليه وجه الفارسي قراءة من قرأ )إنا بُرآء مِنكُم(. قال: هو جمع برِئ كَفَرير وفُرارٍ، يعني ولد البقرة. وجعل بعضعهم الفرار لغة في الفرير. ونظائره عَريضة أريضة.
    ومعنى البيت: ولَيتَ النوم حَدث هذا المحبوب الذي يريه إياي في النوم؛ حُبه لي، وتوحُّشه نحوي، أن البُخت لا تبلغ بنا العراق حتى يُضيها او يُفنيها ما تَحَملته من نَداك، لثقل ما حَملتها إياه، من البُدرو والخلع وهذا نحو قول أبى العتاهية يصف الإبل.
    فإذا وردن بنا وَرَدْنَ مُخفةً ... وإذا صَدَرْنَ بنا صَدًرنَ قالا
    والضمير في )أنضى(: راجع إلى النَّدى في قوله: )فليت النومَ حَدَّث عن نَدَاكا(.
    )وكَمْ طَرب المَسامع لَيس يَدري ... أيعجبُ من ثنائي أم عُلاَكا(
    )وذاكَ النشرُ عِرضُكَ كان مِسكا ... وذَاك الشعرُ فِهرِى والمَدَاكا(
    اي طرب السامع لا ستماع شعري، ليس يدري أيًّ الأمرين أولى بالتعجب منه، أجودة شعري فيك، أم رفعة عُلاك في ذاتها، لأن شعري متناهٍ في نوع الشعر. وعُلاك متناهية في نوع العُلى؛ فقد تساويا في السبق والفضل. ولولا البيت الذي بعد هذا، لعُدَّ جَفاءً من المتنبي، لتسويته شعره في نوعه بعُلا الملك في نوعها، لكن حَسُنَ ذلك بالبيت الذي اردَفه به، فيقول: الأريج الذي ذاع وشاع لشعري، إنما هو لعرضك السليم الكريم، فن عرضك هو المسكُ الذي إنما طبعه الطيب لذاته لا شعري. وإنما شعري هو بمنزلة الفهر والمَدَاك، الذين يُظهران فوح المسك، وينشران نَشْرَه، لان المسك إذا سُحق كان أسطع لَعرفه، وأشيَع لِفَوْحه.
    وأما شعري فلم يك له في ذاته طيب، إنما كان كالالة للطيب، ألا ترى أن آلة الطيب ليس في طبيعتها فَوْحٌ، إلا بحسب ما تعلق بهذا من الجوهر الذي صُرفت في صنعته. وقوله )ذاك النشر(: ذاك مبتدا، والنشر صفة له، وعرضك: خبر المبتدأ. وأراد: وذلك النشر نشرُ عِرضك.
    هذا إن عنى بالعِرض الإناء والذات، لأنها جواهر، والنشر عَرَض، فلا يخبر عن العَرَض بالجوهر. فلذلك احتجنا إلى تقدير حذف المضاف، كما احتجنا إليه في قوله تعالى: )ولكن البرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ( وذهب سيبويه إلى أن التقدير: )ولكن البر برُّ من آمنَ بالله(، اي إيمانُ من آمن بالله لأن )البرَّ( عَرَض، و )من آمن بالله(: جوهر، فَقَجر الحذف مضافاً، ليخبر بالعَرَض عن العَرَض.
    قال الفارسي: وقد يجوز أن يكون التقدير، ولكن أهل البِرّ مَن آمَنَ بالله، وذلك لتقابلُ الجوهر بالجوهر لأن أهل البر جوهر، و )من آمن بالله( كذلك فيخرج إلى باب )هو هو( لأن أهل البر هم المؤمنون بالله، وإن جعلت العَرَض هنا المَجد وسائر أنواع الفضائل، لم يحتج إلى حذف المضاف، لأن النشر والمجد كلاهما ليس بجوهر )وذاك الشعر فِهري والمدَاكا(: اي وكان ذاك الشعر. وقوله )كان مِسكاً( إلى آخر البيت: تفسير لقوله: )وذاك النشر عرضك(. والمَدَاك: صلاية العطار، دُكتُ الشيء دَوكاً: دققته وكان القياس )مدوَكاً(: لأن بناء ما يُعتمل به )مِفَعل(، لكنه شذ كما شذ المُسعُط وأخواته، وإن اختلف بناؤهما، فقد التقيا في الشذوذ.
    )فلا تَحمدهُما واحمَد هُماماً ... إذا لم يُسمِ حامِدُه عَنَاكا(
    اي لاتحمد الفِهر والمَدَاك اللذين عنيت بهما شعري، لأن حقيقة الطيب ليس لهما، فلا يستحقان شيئاً من الحمد، وإنما ينبغي لك أيها الملكُ أن تحمد نفسك التي اقتنت المساعي، وأنبتت المعالي، باسندعاء القوافي، والثناء الوافي ويعني بالهُمام نفس المَلِك.
    وقوله: )إذا لم يُسمِ حامده عناكا(: الهاء راجعة إلى الهُمام، وأخبر عنه كما أخبر الغائب، لأنه قد أخرجه ذلك المخرج لقوله )وأحمدْ هُماما( فلم يكن بُدٌّ من أن يعيد إلى الموصوف ذكراً من صفته، لأن قوله )إذا لم يُسمِ حامده( في موضع الصفة )لهمام(، وأراد إذا لم يُسمك حامُده، وإذا لم يُسم حامده محموداُ، فإنما يعنيك.
    وإن شئت قلت: معناه: لو لم يُسمِك الحامد لعناك، والقولان متقاربان والمعنى مشتق من قول أبى نُواس.
    إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ ... فأنت كما نُثني وفوقَ الذي نُثنيِ
    وإن جَرت الألفاظُ يوماً بِمِدحة ... لغيرك إنساناً فنت الذي نعني
    ولو قال: )إذا لم يُسمِ حامُده عناهُ( كان حسنا، ولكنه حمله على المعنى، لأن المراد في كل ذلك المخاطبة.
    )أغرُّ لهُ شَمائلُ من أبيه ... غداً يلقي بها أباكا(
    اي قد أخذت شَبه أبائك، صورةً وفعلاً، وبنوك يستكملون شَبَهك لأنهم الآن يُشبهونك بعض الشبه، إذ لم يستكملوا خصالك، فإذا استكملوها أشبهوك، وإذا أشبهوك وأنت تشيه أباك، فقد أشبهوا أباك. وهذا يتألف في الشكل الأول من المنِطق. تقول: زيد يشبه عَمْراً وعمرو يشبه خالداً، النتيجة: فزيد يشبه خالداً.
    )وفي الأحْبَابِ مُخْتَصُّ بَوَجْدٍ ... وآخرُ يَدعىِ مَعَه اشتِراكَا(
    يُومئ إلى أن وجْدَه لفرِاق عضدُ الدولة طبيعي لا عَرَشي، وإن كان غيره يدعي مثل ذلك، فليس ذلك.
    )إذا اشْتَبَهتُ دُموعٌ في خُدودٍ ... تبين مَنْ بكَى مَمنْ تَبَاكَى(
    )بكى(: كناية عن الطبيعى، و)تباكى(: كناية عن العَرَضِىْ، لأن التفاعُل قد يأتى لغرض، لإظهار خِلاف ما الأمر به في الحقيقة.
    أنشد سيبويه:
    إذا تخازرتُ ومابِي من خزرَ
    فقوله: ومابي من خزر دليل على ذلك. اي: إذا اشتبهت الدموع في الخدود، بما هي عليه من الهَمَلان، وسرعة الجَرَيان، لم يَكُ هنالك بدٌ من فصل يُميِّزُ بِيْنَ العَرَضِيْ والطبيعي.
    وهذا آخر ما انتهى من الشرح المبارك.

    إنتهى الكتاب ولنا لقاء مع كتاب اخر ..
    علما بإن 99,9.8 % لا هم لهم بالقراءة والاطلاع هنا أو فى الخارج .. هولاء جعلوا أمة إقرا لا تقرأ

    لكم الود

    عبدالله عمر

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •