ss

فسيفساء وطــــن / رواية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    34

    افتراضي فسيفساء وطــــن / رواية


    إإن كان لي أن أدعي هُنا دوراً ما في تأريخ الأحداث عبر السطور التالية فهو ليس دوراً تدوينياً للأحداث كما جرّت في الواقع، ولكنه دورٌ مختلف قليلاً يقوم على رسم الكثير من الأجزاء المُتخيّلة وإعادة صياغة ما جرى بشكلٍ مُتبايّن عما صار.
    وإن شئت صياغة الفقرة السابقة بشكلٍ مختلف فسأقول أن روايتي هنا ليست رواية "منيفية" كــ"مدن الملح" و"أرض السواد" اللواتي حفّظن جزءً كبيراً من تاريخ المملكة والعراق بشكلٍ أدبي رائع، ولكنه دوٌر "قصيبي" كالذي قام بغازي في "سلمى" و"السفير" و"العصفورية" من حيث إعادة صياغة التاريخ كيفما يُحب.
    ولذلك فإنه من نافلة القول أن الرواية التالية مُقتبسة قليلاً مما جرى مؤخراً، وكثيراً من خيالي الذي من هواياته الشطحان.
    التعديل الأخير تم بواسطة خالد بن طوبال ; 01-09-12 الساعة 08:59 AM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    34

    افتراضي

    إهداء/
    إلى كُل الفتيات الوطنيات اللواتي ضحيّن بأغلى ما يملكن من أجل إسقاط كل تنظيمٍ محظور..

    لكل آهات الألم..والمتعة.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    34

    افتراضي

    أوائل يونيو 2012م

    تصرخُ تلك المرأة السمراء وهي تُلوّح بيدها في الهواء بغضب:
    - احملوا عشاؤكم.. اطعموه لكلابكم إن شئتم.. أنا مُضربة عن الطعام ولن أمّسه حتى أموت جوعاً أو تطمئنونني على "حامد".
    لم تملّك تلك الشرطية الضئيلة الجسم مُقارنةً بــ"حسينة" سوى التراجع لخطوتيّن للوراء وهي تحملُ بيديها صينية العشاء، بياضُ جسدها ورقة ملامحها تباين مع الواقفة مُقابلها، ولم يُغير ارتداؤها لزيّ الشرطة شيئاً من مُعادلة القوى التي حكمت المكان.
    واصلت "حسينة" الصراخ دون أن تتحرك من مكانها:
    - حسبيّ الله عليكم..حسبيّ الله عليكم..أنا مُصابة بمرض القلب وارتفاع الضغط..وسأموت..نعم .. سأموت.. ومستعدة كيّ أموت إن لم تسمحوا لي بالإتصال بابني.
    لم يكن تهديد "أم حامد" اللفظي جديداً على الشرطية التي اكتفت بإدارة ظهرها والتوجه للخارج، منذ اعتقال هذه المرأة قبل أيامٍ ثلاثة وجلبها إلى هُنا وهي مضربة عن الطعام وتطالب بالإتصال بابنها، ومنذ ذات الأيام الثلاثة والشرطية تكتفي بوضع الطعام والخروج أو حمله معها إن أصرّت "أم حامد" على إضرابها بغضب.

    هذه المرة كانت مُختلفة قليلاً، فقبل أن تصل إلى الباب المؤدي للخارج ظهر رجل طويل تحملُ ملامح وجهه وتفاصيل جسده الأبهّة العسكرية الذي لم تحملها ملابسه، انتفضت الشرطية في مكانها للحظة من وقع المفاجأة قبل أن تتجمد مُنتصبةً، تحمل الصينية بصعوبة بيدٍ واحدة، ثم تؤدي التحية العسكرية:
    - سيدي..
    ردّ هو التحية بهدوء ممتعضاً في داخله من غباء أداء التحية العسكرية له رغم ملابسه المدنية، لكن تفاصيله لم تشي بهكذا شيء وهو يسأل بهدوء:
    - مالذي يحدث هنا؟
    - إن السجينة مضربة عن الطعام منذ قدومها إلى هنا يا سيدي.
    جاء صوت "حسينة" من الخلف غاضباً حزيناً:
    - حسبيّ الله عليكم.. حسبيّ الله عليكم..
    هذه المرة بان على شفتيّه امتعاض بسيط وهو يسأل:
    - ولم لم يخبرني أحد بهذا؟
    - لقد أخبرت الرقيب راشد بهذا يا سيدي.
    تأمّل الرجل الغرفة المملوءة بالفراغ إلا من سريرٍ وسجادة على الأرض وبابٍ على جنب يُخفي وراءه دورة المياه بصمت، ثم أشار للشرطية بالإنصراف وهو يتناول صينية الطعام، أفسح لها الطريق لتختفي من المشهد، فيما تقدم هو لـ"أم حامد" بخطوات هادئة، وضع صينية الطعام على السرير، قبل أن يُسلّم وهو يسألها بلهجة حنونة للغاية تضادّت مع لغته الصارمة قبل ثوان:
    - خير يا "أم حامد".. لم كل هذا؟ ما الذي يزعجك؟
    استسلم غضب المرأة الأربعينية أمام هذه اللهجة العاطفية التي تغزوها للمرة الأولى منذ قدومها إلى هنا فانفجرت عاطفتها في جمل تقاطرت كتقاطر السيّل:
    - بل مالذي لا يزعجني؟ أودّ أن أطمأن على ابني..ثلاثة أيام وأنا لم أُحدّثه..وهو لا يعرف بوجودي هنا.. الولد وحده في البلد..لا بد أنه مرعوبٌ الآن..إنكم تتحملون مسؤوليته إن جرى أي شيء للولد.. ســ..
    قاطعها هو بلطف:
    - هدأي من روعك يا "أم حامد".. ابنك بخير بكل تأكيد..لا أنت ولا هو مقطوع من شجرة..الولد بخير وبعافية وأهلك سيعتنون به بكل تأكيد.
    عادت هيّ للتلويح بيدها:
    - أي خير؟ وأي شجرة؟.. لن أطمأن حتى أكلم ولدي بنفسي..
    زادت من حدة صوتها وتلويحها وهي تُهدد:
    - الإبن جنسيته بريطانية..يجب أن لا تنسوا ذلك..وإن جرى له أي سوء.. أدنى سوء.. بسبب غيابي المُفاجئ عنه فإنه يجيد الإتصال بالسفارة البريطانية..وتُدرك أنت تماماً أنه عندما تتدخل تلك الدول لحماية مواطنيها فإنه لن يقف أمامها أي عائق.

    بعد تهديدها ذاك انتصّب الضابط بعد أن كانت وقفته مُتعاطفة مع السيدة الأربعينية، وقال بلهجة حادة:
    - "أم حامد".. هل هذا تهديد مُبطّن بأي شيء؟!
    هُنا لم يتحمل قلب الأم أكثر مما به، انفجرت بالبكاء فيما سقطت جالسةً على الأرض:
    - أرجوكم..إنه بالكاد بلغ الرابعة عشرة.. دعوني أطمأن عليه ومن ثم افعلوا بي ما شأتم..أليس لك أبناء؟ أرجوك..أرجو..
    هُنا اختفت شخصية الضابط الصارم مرةً أخرى لتعود اللطافة، امتدت يده لتُربت على كتف "حسينة" قبل أن تتوقف في منتصف الطريق بحركة محسوبة:
    - [خلاص يا أم حامد]..تمالكي نفسك..سأتصل بمنزلكم وأطأمن على "حامد" بنفسي.. اعتبريه من مسؤوليتي..هل يرضيك هذا؟
    خرج سؤالها بصعوبة وسط البكاء:
    - ألا يمكن أن أكلمه بنفسي؟ أرجوك.
    - إن هذا ضد الإجراءات يا "أم حامد" كما تعلمين، غداً إن صارت الأمور على ما يرام ستكلمينه بنفسك. فقط عليك أن تتناولي عشاؤك وأن تتوقفي عن الإضراب، هل اتفقنا؟
    هزّت المرأة رأسها بنعم فيما نشيج بكاؤها مُتواصل، وفيما خرج الضابط ليجري الإتصال المزعوم كانت ذكريات غير مُترابطة تغزوا فكر "أم حامد"؛ لقطة سريعة مجهولة التفاصيل للحظة هروبها من زنجبار مع والدها وهي ابنة الخمسة أعوام في قارب صيد، ذكرى قديمة للغاية لسقوطها على الرأس ذات مُشاكسة، أول قبلة منها على جبين "حامد"، لحظة صراخ بوجه زوجها، ولحظة تكبيلها بالقيود قبل ثلاثة أيام في منطقةٍ نفطية مع رفيقيّن اثنين..
    ***
    التعديل الأخير تم بواسطة خالد بن طوبال ; 29-12-12 الساعة 08:52 PM

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    مَعْبَدِ الأزمِنَةِ
    الجنس
    غير محدد
    المشاركات
    4,233

    افتراضي

    خَالِد . .
    أَما بَعد هَذا الزَخم .. اسْمَح لِي بـِ تَثَبِيت هَذا المًتّصَّفِح
    مَع كَامِل دَهْشَتِي !
    /
    سـَ أَكْتَفِي بـِ الذُهُول الآن . .
    وسـَ أَعُود حِينما تَعُود مَع بَاقي أَلّقَكْ.
    لـِ حِيَنها لكَ عِطْرٌ لا يَنْبَغِي تَأجِيله!
    توقيع
    يَا للهَوْل !!
    أكَانَ الصَّوْتُ
    فِي مَيْدَانِ الصَّمْتِ الجَاثِمِ
    " طَنِيْنَ ذُبَابْ " !!؟


    *(ضوء سابقا!)




  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    34

    افتراضي

    يناير 2001م

    في شقة متواضعة بمنتصف العاصمة "مزون" جلس ذلك الرجل القصير القامة على الكنّبة المُواجهة للتلفاز بتوتر واضح، رجلاه لم تتوقفان عن الاهتزاز فيما كانت يداه توكئان ذقنه، زوجته الجالسة على مسافة كافية من الصمت كانت تُحدق فيه بذات الطريقة التي يقوم بها هو مع التلفاز ولكن مع فمٍ مفتوح والتفاتةٍ بين الفينة والأخرى إلى الشاشة الصغيرة.
    أخيراً حرك الرجل يديه من ذقنه لحضنه عندما ظهر مُذيع القناة الوطنية أخيراً مُعلناً بدء نشرة أخبار العاشرة ومُستهلاً إياها بموجزٍ للعناوين كان بدايته:
    " أصدر صاحب الفخامة الملك أوامره السامية بإجراء تغييرات في التشكيلة الوزارية بحكومة المملكة.."
    هرّب الرجل عن باقي تفاصيل المُلخص إلى هاتفه مُتشاغلاً به حتى لا ينفجر من شدة التوتر، مسّكه بيدٍ مرتجفة وهو غير واثقٍ مما يريد العمل به، وما لبثت أن أنقذته الرنة التي أعلنت وصول رسالةٍ نصية ستبعد عنه ارتباكه كما يفترض، فتحها ليجد كلمة "مبروك" لوحدها، فانفجر توتره دفعةً واحدة فأغلق هاتفه تماماً ويرميه للمنضدة التي كان بها.

    أعادّه للتلفاز صوت المُذيع الجهوريّ المُتناسب مع وجهه الذي غطى نصفه شاربٌ ضخم وهو يتلو ما تبقى من نصّ الأمر الملكيّ:
    ".. بتعيين الدكتور خلفان علي وزيراً للبلديات والشؤون المناخية وموارد المياه.."
    قاطعه عن الاستماع لباقي النصّ الملكيّ تمتات زوجته وهي تردد بصوتٍ مسموع اختلج معه دمعات فرح:
    - الحمد لله..الحمد لله..
    أحال نظره إليها ليجدها تنظر إليه بدوره، في عينيها الذي ألفهما لسنينٍ خلّت قرء نيتها في معانقته من شدة الفرح، لكنه آثر الهروب منها بتوتره إلى حيثُ يكون وحيداً، للوحدة أمان لا يُمكن حتى لزوجته إعطاؤه إياه في هكذا لحظات.

    انزوى بعيداً عنها في الشرفة المُطلّة على سوقٍ ما زال مكتظٍ بالمارة..أولئك المارة اللذين ما زالوا يمارسون حياتهم العادية غير عابئين بالأمر الملكيّ الأخير، وتساؤل بصمتٍ: يا ترى هل يدركون أنهم الآن محط أنظار "وزير"؟

    "وزير"!
    استثقّل الكلمة بدون حتى أن تنطقها شفتاه، هو الذي لم يكن يطمح قبل أسابيع إلا في لقب "بروفيسور" يُزيّن به مسيرته الأكاديمية، وإن ما جمّحت أحلامه فإلى توليه منصب عميد كلية الآداب بالجامعة الملكيّة..ولا غير.
    كثيراً ما سمع أصحابه يمدحون طموحه ومثابرته، تلك التي ابتدأت منذ منتصف الثمانينات حين غادر لنيوزلندا فأمريكا سعيّاً وراء الشهادة الجامعية، الشهادة التي أعادته مُعلماً لمادة اللغة الإنجليزية لسنين عدة قبل أن يترقى لموجهٍ لها في ظل تطوّر بنية التعليم المُتسارعة حينها.
    بعيداً عن ذكرياته: ركّز نظره في ملامح كهلٍ كان يحملُ كيساً ثقيلاً بيمينه فيما بيسراه عصا يتوكأ بها حيثُ توقف الشيخ ووضع كيسه على الأرض ليستريح لبضع ثوان من ذاك الثقل ليواصل بعدها المسير؛ قبل أن يعود بذاكرته لرحلة الحصول على الماجستير والدكتوراة من العالم الثالث لترفعه بعدها إلى مقام دكاترة الجامعة اليتيمة بالبلد: "الجامعة الملكيّة"، من كان يدري يومها أن ما كان ينتظره بعد لقب "دكتور" ليس سوى لقب "معالي الوزير"؟!!

    نفثّ بحرقة من أعماق صدره تلالاً من الخوف والقلق من التقصير..وبعدها استنشق بعمق طموحاً جديداً لا حدود له: لن تكون هذه نهاية مسيرته بل بدايتها، ولن يُقصّر..لن يُقصّر..بالعكس تماماً..سيقوم بواجبه وما هو أكثر منه..وسيثبت نفسه..للمليك..ولنفسه!
    ***
    التعديل الأخير تم بواسطة عطر حالم ; 01-09-12 الساعة 09:26 AM سبب آخر: خطأ مطبعي لا أكثر.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    مَعْبَدِ الأزمِنَةِ
    الجنس
    غير محدد
    المشاركات
    4,233

    افتراضي

    جَميل جِداً يا خَالد . . مُتَمكن في السَّرد.
    توقيع
    يَا للهَوْل !!
    أكَانَ الصَّوْتُ
    فِي مَيْدَانِ الصَّمْتِ الجَاثِمِ
    " طَنِيْنَ ذُبَابْ " !!؟


    *(ضوء سابقا!)




  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    4,776

    افتراضي


    الرواية تقترب من أنفاسي كثيرا وكأنها زارتني في حلمي (أضغاث أحلام ..! )
    الشخصيات واقعية جدا .... ما أكبر هذا العالم المتسع وما أصغره وأضيقه في عين أم حامد في لحظات معينة ...!!
    أم حامد يتبين أنها شخصية لديها الكثير من العطاء لكن لديها نقطة ضعف وهي اليد التي تؤلمها كثيرا ... هل تمنت أم حامد أن يكون حامد في لحظة اعتقالها في بلد والــــــده ...!!

    ربما لي عودة

    خال طوبال استمر .. سرد جميل ومشوق
    توقيع

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الحرية : حق من الحقوق الطبيعية للإنسان
    لن يتحقق مجتمع العدل والمساواة والإستقرار،،الا بقوة القانون وسيادتـه..
    حكمة:
    العين التي لا تبكي لا تبصر في الواقع شيئاً

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    34

    افتراضي

    مارس 2005

    كانت باحة مُستشفى الجامعة الملكيّة مليئة بالغادين والرائحين من وإلى مختلف مبانيه، وعلى جانبيّ الممر الواصل ما بين البوابة والمبنى الرئيسي توّزعت الكراسي الخشبية والنوافير المائية بصورة جماليّة زاد من ألقها بعض تلك التجمعات الصغيرة البريئة التي شكلها بعض الأطفال، الراكضون خلف بعضهم البعض برشات المياه. تناثرت هنا وهناك صورٌ من فسيفساء المستشفى: مريضٌ ستينيّ بلباسه الأخضر يجلس وحيداً على كرسي خشبي يُحيي كل من يمر بجواره وكأنه يأملُ في قرارة وقوفاً يكسر وحدته، آنسةٌ عشرينية تحملُ باقة وردٍ حمراء ضخمة لداخل المشفى وعلى وجهها ابتسامةُ فرح غطًت نصف وجهها تُلاحقها ظنونٌ سيئة غاب عن أصحابها أن الفتاة ذاهبةٌ لملاقاة شقيقها الناجي من حادث موت بإعجوبة، ممرضةٌ مُنهكة لحدّ البكاء مُتجهة للخارج وهي بالكاد ترى ما هو أمامها.


    وفي زاويةٍ منسيّة على جنب كان هُناك عالم مُوازي قد تكوّن واختُصر باجتماع قلبيّن، انعكاسه بان في عينيّ تلك الجميلة التي تعيش مُراهقة حبها الأول، في جسمها الغض إجتمعت كل تناقضات العالم، طموحها العالي بالتحليق لما بعد الأفق في عيناها اجتمع مع إرتجافة يدها الممتدة غصباً لمصافحة الشاب الوسيم (وهل يملك إلا أن يكون كذلك وهو بجوارها؟) المُصّر على إحراجها، عباءتها الغارقة في السواد خشية جذب أنظار أحدهم لحُسنها تقاطعت مع الأحمر القاني الذي تعانق مع شفاهها للمرة الأولى في حياتها لمجرد أنها قرأت بالأمس تعليقاً قديماً في صفحة "الفيسبوك" الخاصة بالحبيب الوسيم حول [توهانه] أمام الشفاه الحُمر، وهي تُصافحه استذكرت أمنيته هناك حول "تجفيف" أحمر شفاة حبيبة مزعوم بقبلاته، مطّت بشفتيها لا إرادياً فأحّست برطوبة الأحمر ليقفز لعقلها أو لجنونها تساؤل خبيث إن كان سيُقبلها لتجفيف الرطوبة؛ فانتفضت..

    بصعوبة أفلت الوسيم يدها، مُستمتعاً برؤيتها مُحرجة، تكلم أخيراً:
    - مبروك!
    ضحِكت ضحكة قصيرة وهي تنتبه لغفلتها عن تهنئته، لكنها واصلت المسار:
    - الله يبارك فيك.. عقبالك.
    رفع هو حاجبيّه وكأنه لم يرض مما قادهم إليه الحديث، لكنه لم يُعلّق، صمت كعادته. وكعادتها هي أجادت إستدراك الوضع:
    - خالد..
    كان يمشي عن يمينها، أنزل رأسه نحوها ليرى وجهها:
    - عيونه..
    ارتبكت أكثر، لم تستطع رفع رأسها إليه فيما الدم يفور لوجهها:
    - مبارك عليك الوظيفة.

    أخيراً امتلأ رضىً، أدركت ذلك دون أن تكون بحاجة إلى النظر عليه، فيما هو لم يُعارض ذلك الشعور ولم يُخالجه شعور بالإستخفاف بنفسه لأنه قد "تسوّل" تهنأتها؛ بالعكس تماماً.. ردد مع نفسه السؤال الموجود بخلده منذ الأبد: كم مرة سأعيش حُباً أول؟

    أخيراً كان لا بد لهما أن يتوقفا، وصلا لكرسيّ خشبي خاوٍ على عروشه ممن قد يُخرّب عليهما متعة الإختلاء ببعضهما البعض، وفيما هما يجلسان تكلم هو:
    - عقبالك يا ستي.. عقبال ما تصيري [شطورة] وتقرري التخرج من الجامعة، ما شبعتي منها؟ سبع سنين كاملة هنا!
    لا إرادياً مدّت يدها كيّ تضربه على كتفه لولا أنها تداركت نفسها، كانت تُدرك أنه يغيضها بتذكيرها بنفسه، هو الطالب الفاشل لسنين سبع الذي تخرج بصعوبة بالغة، اكتفت بلملمة كفوفها والقول:
    - المهم يا مُوّظف، وين هديتي؟
    كانت تُحدق للأمام نحو السائرين بمختلف الإتجاهات، فتمسك هو بالصمت مُتخابثاً حتى التفتت نحوه لترى مالذي ألجمه، حينها ابتسم وهو يهمس لها:
    - هل قُلت لك اليوم أن عيناك جميلتين؟!
    إنفجر خداها إحمراراً دفقة واحدة حتى كادتا أن يفوقا شفتيها، كم يُجيد هذا الرجل دغدغة كل شيءٍ بها!
    لم تتمكن من صياغة جملةٍ ما، فالتفتت مرةً أخرى للأمام لمُواربة خجلها..

    هو كذلك وارب بصعوبة مزيج الإعتزاز والفرح الذي خالجه، ليجيب عن تساؤلها بلهجة بان فيها المُشاغبة:
    - من المفروض يهدي الثاني؟ وين هديتي يا بخيلة؟!
    نظرت إليه بطرف عينيها مُتصنعةً الحنق ولم تُعلق، أخفت إبتسامة الفرح بداخلها بصعوبة وهي تُفكر في لوحته التي تنتظره كهدية، تُدرك كم يعشق رسمها، وتُدرك أكثر عدد المرات التي ترجاها كي تُهديه لوحةً له لترفض بصمود، ترفض ُإعطاءه رسمةً له بالرغم من أنها لطالما خطّته بقلم الرصاص لنفسها .
    لم تُجب على سؤاله بل حدقت للبعيد، مرّت نسمة حزن بصوتها وهي تسأله:
    - كم بتجلس في التدريب؟
    أجابها وهو يُحدق لذات البعيد:
    - ثلاثة أشهر على الأقل..مش متأكد.
    - وما راح..
    انقطعت لثانية ثم أكملت سؤالها:
    - ما راح تقدر تتصل بي؟
    داعبها بقوله فيما داعبتها يداه وهو يدس في راحتيها وردة كعادته الأزلية معها:
    - لا، باتصل بأمي يومياً وبإمكانك تسأليها عن أخباري.

    ابتلعها الخجل حتى آخر حدود الصمت، كعادتها دوماً لم تعرف كيف تُداري الوردة عن الأعين المُتلصصة التي ظنتها لا تُحدق إلا بهما. وبقدر ما كانت خجلة كانت مُنزعجة من إجابته. أدرك هو ذلك بسهولة فهمس:
    - هند..
    - نعم؟
    - راح أتصل بك كل إسبوعين بس خلك مشتاقة لي، تمام؟
    كادت أن تنفجر ضحكاً وفرحاً في وجهه، التفتت نحوه ووجهها مُغطى بابتسامة واسعة:
    - تحلم! [مش محصلّة حد أشتاق له أنا؟!]
    ثم كأنها استدركت شيئاً سألته:
    - وبعدين وين بذلتك؟ متى بشوفك ببذلتك العسكرية؟
    قال لها ضاحكاً:
    - أنا راح أكون بمكتب القصر.. يعني مافي زيّ عسكري!
    رفعت حاجبيها باستغراب..لم تكن تعرف إن كان يمزح معها كعادته أم يتكلمُ جداً فلم تكن تعرف الكثير عن مكتب القصر بكل تأكيد.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    مَعْبَدِ الأزمِنَةِ
    الجنس
    غير محدد
    المشاركات
    4,233

    افتراضي

    قُرونٌ عِدة مَرت عَلّي مُذ آخِر قِراءة لِي
    شَعَرتُ أَنِي حَقاً مُمْتَزِجة بِما اقْرأ ,
    واليَوم . . أَعَدْتَ لِي رُوح الحَياة فِي ذَائِقَتِي .
    :
    رَجَاء يَتِيم أَلا تُطِيل الغِيابْ
    توقيع
    يَا للهَوْل !!
    أكَانَ الصَّوْتُ
    فِي مَيْدَانِ الصَّمْتِ الجَاثِمِ
    " طَنِيْنَ ذُبَابْ " !!؟


    *(ضوء سابقا!)




المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •