مذكرات " عاشق ميت " .الجزء الثالث . ( إن أكثر شي أعرفه ، هو أكثر شي أجهله )
عاد من مكان عمله متعبآ ، بعد يوم شاق ،ـ كانت عيناه متعبتان ، وكان عليه ، أن يختار مابين اثنان ( النوم أو المعرفة ) , لم يستطع إيقاف سماع صوت حبيبته ، فكيف يوضح ، هل في العشق إيضاح ؟ فتوجه مسرعآ إلى كتابه ، غارقآ في عالم نرجسي آخر .. لم يجد معاناة تناقض نفسها ، كمعاناة المعرفة ، فرغم أن التفكير ، قد يكون بحذ ذاته معاناة إن تعدى حدوده ، ولكنها معاناة ترغبها بإستمرار (هكذا كان يفكر ) ..
إن أكثر شي يعرفه ، هو أكثر شي يجهله
كان يفكر أن يصمت ، فلاجدوى من الثرثرة وهو غير واثق مما يقوله ، فكيف ، فلربما يكون جل حديثه لغط وغوغائيات ، لا أكثر
قفزت إلى مخيلته فكرة أخرى ، فحياته تنحصر في فكرة ونقيضها .. أوليس الحديث هو مايجعل الفكرة تحت التجربة ، فلطالما آمن بجدوى المختبر ! .. فالفكرة كذلك تحتاج إلى النزول لارض الواقع لكي تمر بذلك المخاض العسير ، ويحدث الشد والجذب مع أنا آخر . ولربما خرجت ، بعدها بفكرة أسمى وهكذا في سلم التطور ..
وهو يقلب صفحات الكتاب
تخيل فجأة ، أن هذا الكون عبارة عن كتاب حقيقي ، وليس بالتعبير المجازي ، وعبارة عن صفحات كونية ، مجرة تلوى الاخرى ، تذكر (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ )
لما يستبعد هذه الفكرة وعلم الفيزياء يناقش الآن نظرية الاوتار ، ، فالكون بأكمله عبارة عن أوتار موسيقية تشبه أوتار الكمان ..
الرسالة كتاب ،في كتاب أعظم حجمآ .. سينطوي يومآ ...
ابتسم للحظة ، (يالخياله العلمي ) ..
لربما وظيفته الوجودية تقضي بتوليد الافكار ، والتساؤل ، ولا إجابة ، محاولة الاقتراب من الاقتراب نفسه ولاحقيقة ،
بدأت فكرة أخرى تعصف في عقله المجنون في عمق إدراكه ،
ماذا لو كانت كل القيم التي نؤمن بها ، محض هراء ، وماهي إلا عبارة عن مزيج لتفاعلات هرمونية وترسبات أفكار مسبقة ، مع تأثير الماضي ؟
ماذا لو كان الحب ، هو خدعة ، وماهو إلا هرمونات مؤقتة ـ تزول بزوال المؤثر ـ ماذا لو أن حبه للحب كقيمة جميلة ، جعله يسقطها على الشخوص ، وتوهم أنه يحب الشخوص وهو يحب القيمة ، بغطاء الشخوص ، لا اكثر
ماذا لو كان حبه للانسانية وهمآ ، فهو لايحب الانسان بقدر حبه للانسانية ، كقيمة .. وهلم جرا !
لما بات يجد نفسه كثيرآ في الطبيعة والحيوانات أكثر من الانسان !
إن من سلبت عنه إرادة الاختيار ، مع وعي أقل ، أجمل بكثير ممن أعطي إرادة الاختيار في أفعاله ووعي أكبر ، الذي تحول إلى مدمر أفاك يقتل الجمال من حوله ، ويعتقد أنه يتطور وهو يتأخر قرونآ في الانسانية ..
لذلك لاريب ، إن أبت السماوات والارض والجبال أن تحمل الامانة وأشفقن منها وحملها الانسان ! .. لربما كانت تعلم مدى فداحة أن يكون لها إرادة اختيار وقرار !
إن الشك يراوده عن نفسه وغلق الابواب ، وقال له هيت لك ، وهم به .فلم يصده ، ووقعا في الخطيئة الكبرى ( التفكير ) .
تذكر أحدهم ... .
  • (أجلْ ! إنّي لا أعلمُ مَنْ أنا ومنْ أين نشأتُ
أنا كاللهيب النّهِم،
احترق ، وآكل نفسي ...
نورٌ : كلُّ ما أُمسكُهُ،
ورَمادٌ : كلُّ ما أتركُه
أجلْ ! إنّي لهيب حقّاً
ماذا تفعل في الحياة يا سيدي؟ - أُعاني! #إميل_سيوران
يتبع ....