القول الفصل في تفسير قوله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر..)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    :ورده ذابله: القول الفصل في تفسير قوله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر..)


    أدلة النافين للرؤية

    قوله تعالى لموسى عليه السلام : (لن تراني)، فإنه نفي مطلق غير مقيد بزمان ولا تبديل لكلمات الله ، فلو حصلت الرؤية في أي وقت من أزمان الدنيا أو الآخرة لكان ذلك منافيا لصدق هذا الخبر ، وتتأكد دلالة هذا النص على هذا المعنى باندكاك الجبل الذي علقت الرؤية على استقراره اندكاكاً هائلاً ليكون آيةً بينةً تستأصل أطماع المتطاولين على الله بطلب أو تمني ما يستحيل عليه ويتنافى مع كبريائه ، وقد وضح لكل ذي عينين صبح الحق بعدم استقرار الجبل فلا مطمع في حصولها لأنها إحدى المستحيلات.


    وما ألطف وأدق وأروع قول موسى عليه السلام إثر إفاقته مما حصل له من الصعق بعـد هذا الحدث : (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمين) ، فقد بادر عليه السلام أولا إلى تنزيه الله سبحانه إعلانا بحق ربوبيته واعترافاً بالخطأ إعظاماً لحق الله ، وإن كان قلبه عليه السلام بريئاً من قصد ما دل عليه ظاهر قوله بادي الرأي لأنه لم يسأل ما سأل إلا لتبكيت قومه كما تقدم ، ثم أتبع ذلك التوبة النصوح مما وقع فيه تعرضا منه لمغفرته تعالى ، وختم كلامه بأنه عليه السلام أول المؤمنين بأن الله تعالى لا يُرى - وهو الذي أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما - وفي هذا من تقرير عقيدة الحق المنزهة لله عن درك الأبصار ما لا يخفى على ذي بصر ، فإنه عليه السلام ما قصد بقوله : (وأنا أول المؤمنين) إلا الاعتذار والتنصل مما يوحي به ظاهر قوله ، وإن كان الله عز وجل عالما بسريرته ، فإن مثل ذلك مثل الاستغفار باللسان ، والإخبار بالقول عن عقد العزم على عدم العودة إلى المعصية ، مع أن الله عليم بالسرائر لا يخفى عليه شيء مما اشتملت عليه حنايا الضمائر .

    و " لن " تفيد تأكيد النفي أو تأييده ، أو هما معاً ، فتحصّل من جميع ذلك أن رؤيته تعالى مستحيلة ، لأن امتناعها لأمر يتعلق بذاته تعالى وهو كونها غير قابلة لأن ترى ، وإلى ذلك الإشارة بالتنزيه الذي صُدر به الاعتذار في قوله موسى عليه السلام ، ولو كان لأحد مطمع في حصول الرؤية لما آيس الله منها عبده موسى الذي اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه. واعترض هذا الاستدلال بأن هذا النفي مقيد بالحياة الدنيوية ، لأن الإنسان فيها مفطور على الفناء ، فلذلك لم يكن أهلا لرؤية الباقي تعالى ، كما اعترض بأن الجواب لم يكن بصيغة تفيد أن الله لا يرى ، لأن الرؤية المنفية في صيغته أسندت إلى موسى عليه السلام فهي لا تفيد عموم النفي بخلاف ما لو كان الجواب لا أُرى.
    قال الألوسي : "ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضا ، وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له : (لن تراني) ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب لست بمرئي ، ألا ترى لو قال : أرني أنظر إلى صورتك ومكانك ، لم يحسن في الجواب أن يقال : لن ترى صورتي ولا مكاني ، بل الحسن لست بذي صورة ولا مكان".

    وعوَّل كثير من مثبتي الرؤية على إنكار تأبيد النفي بلن ، ومما أستقر في ذاكرتي من ذلك ما نقله السيوطي في شرحه لعقود الجمان عند قوله :
    ثم للتأكيـد لـن ونفي ما كان حصوله يظن
    قيل وللتأبيد لكن تركـا وخصه لا ابن خطيب زملكا

    عن ابن الخطيب الزملكاني أنه فرق بين (لن) و (لا) النافيتين فقال بانقطاع النفي بأولاهما ودوام النفي بأخراهما أخذاً من أداء الحرفين في النطق لأن (لن) منقطعة في النطق و (لا) ممدودة ومثل لذلك بقوله تعالى في النفي بلن : (لن تراني) وبقوله سبحانه في النفي بلا : (لا تدركه الأبصار) بناءً على تفرقتهم بين الرؤية والإدراك كما تقدم ، وأخذ من ذلك أن نفي الرؤية منقطع لأنه ينتهي بانتهاء الدنيا بخلاف نفي الإدراك ، وأقوى ما عولوا عليه في نفي تأييد النفي بلن قوله تعالى في اليهود : (ولن يتمنوه أبدا) 34 ، مع قوله سبحانه في أهل النار عموما : (ونادوا يا مالك ليقْض علينا ربك)

    والجواب أن كون هذا النفي مقيداً بالحياة الدنيا دون الآخرة ، دعوى لم يقم عليها دليل ، فإن صفات الله لا تتبدل ، وكبرياءه لا تتحول ، وما سبق من الأدلة على أن رؤيته تعالى منافية لكبريائه كافٍ في دحض هذا الزعم.
    وأما دعوى أن صيغة الجواب لا تفيد عموم النفي فهي مردودة بأن الجواب لم يكون إلا مطابقا للسؤال ، ومما تدركه العقول أن نفي حصول الرؤية لموسى عليه السلام قاض بنفي حصولها لغيره ، لأنها لو كانت ممكنة لكان أحق بها لما اختصه الله تعالى به من مزايا وآتاه من مواهب من بينها اصطفاؤه بالرسالة والتكليم ، فهو جواب واضح لا غبار عليه بخلاف لن ترى صورتي أو لن ترى مكاني فـي جواب أرني صورتك أو أرني مكانك ، لما يتضمنه من إثبات الصورة والمكان.

    وأما التأبيد فهو يختلف بحسب اختلاف الأحوال وتفاوت مقامات الخطاب ، فبما أن اليهود شغفوا بالحياة الدنيا ، وأخلدوا إليها ، وكانوا مشفقين من الموت لما يعلمون وراءه من العذاب ، فضلا عن حرصهم على ما يقضونه من شهواتهم في هذه الحياة ، كان تأبيد عدم تمنيهم الموت محصورا في الحياة الدنيا ، وبما أن الله سبحانه وتعالى لا تجري على ذاته الأحوال ، ولا يجوز على صفاته التبدل والانتقال كان نفي الرؤية المنافية لكبريائه أزليا أبديا سواء نفي بلن أو بغيرها.
    وأما تفرقه ابن الخطيب الزملكاني بين (لن) و (لا) النافيتين فهي لا تتعدى أن تكون تحكيما لذوقه ، واللغات لا تستفاد معانيها من الأذواق وإنما تحكم فيها النقول الثابتة عن ألسنة أصحابها التي هي منابع بيانها ، والشواهد الثابتة من ذلك تدل على خلاف ما قال ، وكفى بما جاء في القرآن الكريم من ترادف (لن) و (لا) على منفي واحد كقوله تعالى : (ولن يتمنوه) ، مع قوله : (ولا يتمنونه) ، وانتفاء إتيان المشركين بمثل سورة من القرآن وخلق آلهتهم للذباب بلن في قوله تعالى : (ولن تفعلوا) ، وقوله : (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا) ، مع أنه معلوم قطعا أن هذا النفي أبدى




    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    كتاب الحق الدامغ للعلامة أحمد بن حمد الخليلي


    أدلة المثبتين للرؤية من الايه والرد عليها

    1 - سؤال موسى الكليم عليه السلام الرؤية بقوله: (ربّ أرني أنظر إليك)3 ، ووجه استدلالهم به أنه إما أن يكون ناشئا عن جهل وهو مستحيل لاستحالة أن يجهل الأنبياء ما يستحيل عليه تعالى وهم أعرف بالله وبكبريائه ، وما يجب له وما يستحيل عليه ، وإما أن يكون مقترنا بعلمه - عليه السلام - أنها مستحيلة وهو باطل أيضا ، لأن طلب المحال عمدا ليس من شأن الأبرار فضلا عن جوازه على النبيين ، وإنما هو من شأن أهل العتو والشقاق ، فنتج عن ذلك أنها جائزة عليه تعالى وأن موسى عليه السلام عالم بجوازها ، فلذلك اجترأ على سؤالها.


    وأجيب بأنه عليه السلام كان عارفا باستحالتها ولم يرد بسؤالها نيل المستحيل ، وإنما أراد ردع قومه الذين لجوا في طلبها وعلقوا عليها إيمانهم برسالته ، فلعلهم عندما يقرعون بالرد الحاسم باستحالتها يرعوون عن غيهم ويتراجعون عن جرأتهم ، خصوصا عندما يقترن الرد بآية بينة تزجرهم عن مثل هذا التعنت.
    واعترض بأن أولئك القوم إن كانوا مؤمنين فبحسبهم جواب موسى لهم باستحالتها ، فإنه الرسول الأمين المقرونة دعوته بآيات بينات لا تدع مجالا للشك في صدق قوله وصحة دعوته ، وإن كانوا كفارا فلن يجديهم جوابهم باستحالتها في هذا الموقف شيئا.
    ورُد هذا الاعتراض بأن القوم لم يكونوا على شيء من الإيمان ، وكيف ينطبق وصف الإيمان على الذين قالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)4

    وإنما أراد عليه السلام أن يقطع دابر شقاقهم ويستأصل شبهة عنادهم بجواب حاسم ، يأتيهم من قبل الله العزيز الحكيم مخالف لوصف خطابه عليه السلام لهم ، يتجلى فيه من الآيات ما يحسم كل شبهة ، ويقضي على كل طمع في مطلبهم المستحيل .
    ومما يؤكد أن موسى عليه السلام لم يسألها لنفسه وإنما سألها لقومه ، ما تكرر في القرآن من توبيخ الله لهم على هذا السؤال وعدّه من أعظم جرائرهم وأبلغ كفرهم ، كما في قوله سبحانه : (
    فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)5 ، وقوله : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون)6 ، واعتذار موسى إلى ربه بعد الرجفة مما حصل ، عازياً إياه إلى السفهاء حيث قال عليه السلام : (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خـير الغافرين)7

    واعترض على ذلك بأمرين:
    أنه عليه السلام لو لم يسألها لنفسه لما تاب من سؤاله -أ
    أنه لو سألها لغيره لم يضفها إلى نفسه ، ولقال رب أرهم ينظروا إليك ولم يقل رب أرني أنظر إليك -ب

    وجواب الأول أنه عليه السلام سارع إلى التوبة لشعوره بالتورط بما سأل ، وإن كانت له نية حسنة يعلمها الله تعالى ، وإنما المقام يقتضي الاستئذان من الله قبل الإقدام على مثل هذا السؤال.
    وعن الثاني بأن إضافتها إلى نفسه دونهم أبلغ في اقتناعهم باستحالتها عندما يعلمون أنه - مع علو مرتبته وصفاء سريرته مما يعلمون أنهم متلوثون به - لا تمكن له الرؤية التي هم ملحون في طلبها ، وإذا تعذرت عليه فهي عليهم أشد تعذرا.
    والخلاصة أن موسى عليه السلام ما سأل الرؤية طامعا في حصولها ، وإنما سألها ليكون سؤاله وسيلة من وسائل الإقناع الذي يحرص عليه ، وأسلوبا من أساليب الدعوة التي يقوم بها ، ومثله في ذلك مثل إبراهيم عليه السلام الذي قال عندما رأى الكوكب والقمر والشمس (هذا ربي)8 ، فإنه بالقطع لم يرد تأليهها ، فإن العقل السليم لا يستسيغ بحال تأليه المخلوقات ، فكيف بعقول النبيين الذين صنعوا على عين الله ، واصطفاهم الله عز وجل لأن يكونوا وعاءً لهدايته وتجسيدا للحق الذي أرسلهم به ، بل كيف بعقل الخليل إبراهيم الذي أكرمه الله بخلته ، واجتباه لأن يكون أبا للنبيين وإماما للحنيفيين ؟ وإنما أراد صلوات الله وسلامه عليه بما قاله - مما ظاهره كفر وحقيقته إيمان وتوحيد - إقامة الحجة على من حوله من الذين يعبدون الأجرام السماوية ، بأن هذه الأجرام ما هي إلا كائنات متنقلة ، تعتريها الأحوال ويطرأ عليها الأفول ، وما كان كذلك فهو ليس من الربوبية أو الألوهية في شيء ، ويدل عليه قوله تعالى عقب حكاية قصته : (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)9

    وإذا كان هذا هو محمل كلام إبراهيم عليه السلام مع عدم وجود نص في القرآن يدل على أن قومه كانوا يعبدون هذه الأجرام ، فلأن يحمل سؤال موسى عليه السلام للرؤية على قصد تبكيت قومه أولى ، لكثرة النصوص الدالة على أنهم هم الذين سألوها ، وهل يعقل أن يسأل موسى عين ما سألوه ، وهم الذين أصابهم ما أصابهم من التقريع على ما سألوا ، تالله ما القول بذلك إلا تنظير لموسى بأنذال بنى إسرائيل وإنزالٌ له عليه السلام من علياء النبوة التي رفعه الله إليها ، واصطفاه من أجلها ، إلى دركات الجهل التي انحط إليها أسلاف اليهود ، الذين سألوا رؤية الله فحقت عليهم كلمة الله باستحقاق هوأن الدنيا وعذاب الآخرة.
    وبعد ما حررته هنا اطلعت على ما يسند حجته ويجلو وجهه من تحرير للمقام ، بقلم شيخ الإسلام المحقق الخليلي رحمة الله عليه ، فرأيت أن انقله بنصه ليزدان جيد كلامي بسمط كلامه الدرِّي ، قال - بعد تبيانه مقصود موسى من سؤاله : "وشاهد هذا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكو نن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون ) فانظر كيف جاز لإبراهيم عليه السلام أن يتكلم بلفظة الشرك ثلاث مرات مخبرا بها عن نفسه من غير مندوحة ، ولا في موضع تقية على نفس ولا دين ولا مال ، وليس هو مجبراً على ذلك ولا مأخوذا به ، وقد كان له في الاحتجاج بغير هذا مجال رحب وسعة ، وقد احتج عليهم بغيره في غير مرة ، كما صرح به في كتاب الله تعالى ، ولكن رأى خطابهم على هذا الأسلوب والجري معهم على هذه الطريقة أقطع لحجتهم ، وأدمغ لكلمتهم ، وأبلغ لتبكيتهم ، وأوضح لإعجازهم ، فأثنى الله عليه بذلك وحكى ما قاله هنالك ، وقال تأييدا له : (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)10

    وإذا كانت كلمة إبراهيم عليه السلام بالشرك الصريح - لما كانت مسوقة لهدم قواعد الشرك ومقولة لإيضاح الحق - لم تسّم شركا لفظا ولا معنى ، ولا عقلا ولا حكما ، فكيف يصح في مقالة موسى عليه السلام إذا كان مقصوده بها تبكيت قومه وإقامة الحجة عليهم بسماع المنع من الله تعالى أن تكون باطلة ، وهي نفس الحق المبين.
    فموسى الكليم وإبراهيم الخليل في أحكام الحق سواء ، وكلمتاهما في أحكام الظاهر ممنوعتان سواء ، ولكنهما كانتا مسوقتين لإزهاق الباطل وإثبات الحق ، فهما في معنى الجواز سواء أم يجوز الفرق بينهما ؟ ولا فرق عند من عرف الحق ، فهما نفس الصواب وحقيقة الهدى ، ولا يكاد يصدر مثلهما إلا عن منصب النبوة ، ولكن ربما يخفى ضياء النهار على بعض الأبصار ، ولله در من قال :
    وإذا كنت بالمدارج غرًّا ثم أبصرت حاذقا لا تمار
    وإذا لم تر الهلال فسلـم لأناس رأوه بالأبصــار

    فإن قلت كيف يسوغ التشبيه والإحتجاج بقصة إبراهيم عليه السلام في هذه الآية الشريفة ، وقد اختلف المفسرون في تأويلها ؟ قلنا إن الوجه الحق فيها ما قلناه وهو عمدة المحققين وقول المنصفين ، ولكن القوم لما لم يقتدروا على استخراج زبدها قال قائل منهم إن إبراهيم عليه السلام قال ذلك في صباه وهذا باطل ، لأن حكاية الشرك لا معنى لها عن صبي ولا بالغ لغير فائدة ، وأي فائدة في تجهيل الخليل عليه السلام ، وحكاية الشرك عنه في صباه.
    وقال آخرون إنه قالها على معنى الاستفهام إيهاما لقومه وليس بالقوي . وقال بعض تقديره قال هذا ربي بزعمكُمْ ، وليس بشيءٍ لعدم الدلالة.
    وقال بعضهم تقديره يقولون هذا ربى ، ولا دليل عليه أيضا ، فليس الوجه إلا الأول11.
    قول الله سبحانه (ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني)12 ، ووجه الاستدلال بالآية ، أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل ، وهو في ذاته ممكن ، والمعلق على الممكن ممكن مثله .
    وأجيب بأنه لا إمكان بعدما حصل من اندكاك الجبل ، وانكشف من قضاء الله فيه الذي لا يمكن أن يكون المقضي بخلافه ، فإنه تعالى لا تبديل لكلماته ، وقد كان في علمه تعالى أنه لن يستقر ، ولن يتبدل شيء عما كان في علمه ، وإنما كان استقراره ممكنا بحسب علم المخلوقين القاصر المحدود ، قبل أن ينكشف لهم باندكاكه ما في علمه تعالى وقضائه ، وفي هذا يقول الإمام ابن عاشور " ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوما لله انتفاؤه ، صح تعليق الأمر المراد تعذر وقوعه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء ، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى ، جائزة عليه تعالى خلافا لما أعتاد كثير من علمائنا من الاحتجاج بذلك.
    وقوله : ( فسوف تراني) ليس بوعد بالرؤية على الفرض ، لأن سبق قوله : ( لن تراني) أزال طماعية السائل الرؤية ، ولكنه إيذان بأن المقصود من نظره إلى الجبل أن يرى رأي اليقين عجز القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى مع عدم ثبات قوة الجبل ، فصارت قوة الكلام أن الجبل لا يستقر مكانه من التجلي الذي يحصل عليه ، فلست أنت بالذي تراني لأنك لا تستطيع ذلك ، فمنزلة الشرط هنا منزلة الشرط الإمتناعي الحاصل بحرف " لو" بدليل قرينة السابق
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    2- البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية تأليف الشيخ الدكتور فرحات الجعبيري ((قوله تعالى: ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبن إليك وأنا أول المؤمنين) (7 الأعراف 143)
    إن مواطن الإشكال في هذه الآية تتمثل في :


    1- طلب موسى الرؤية ( أرني أنظر إليك)
    2- حقيقة لن.
    3- تعليق الرؤية باستقرار الجبل.
    4- التجلي للجبل.
    5- توبة موسى.

    أ . طلب موسى الرؤية: يقول مثبتو الرؤية (72) إن في طلب موسى الرؤية دليلا على أنها ممكنة إذ لا يجوز أن يطلب نبي أمرا مستحيلا.
    ويجيب الإباضية بأنه سألها وهو يعلم استحالتها ليعلم قومه الجواب باستحالتها والقوم كافرون لقولهم ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) (2 البقرة 55) وقد اختار منهم موسى سبعين وكلهم سمعوا ( لن تراني) . فإخباره ومعه السبعون أقوى في ظن القوم من إخباره بنفسه. ومما يدل على طلبها لقومه قوله تعالى حكاية عن موسى ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) (7 الأعراف 155) وقوله: ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) (4 النساء 153).
    وقوله تعالى ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) (2 البقرة 55) وأما الطلب في صيغة المفرد فمن باب التبكيت إذ إن منعت عنه فلا سبيل إلى حصولهم لهم. (73)
    فالإباضية وجهوا هذه الآية من وقت مبكر وجهة الاعتذار اعتمادا على منا نقله جابر بن زيد عن ابن عباس وقد أورد الربيع بن حبيب ما يلي:" قال جابر بن زيد: سئل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى ( رب أرني انظر إليك) فقال ذلك على وجه الاعتذار لقومه ليريهم الله آية من آياته فييأسوا من رؤية الله". (74)

    ونقل المحشي عن الجيطالي ما يلي:" قال في شرح النونية في ما يتعلق بسؤال موسى ربه الرؤية ما نصه: فإن قال: أوليس إنما أشركت اليهود لجحودهم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبسؤالهم موسى عليه السلام أن يريهم ربهم جهرة- قيل له: نعم.
    فإن قال: أو ليس كل من سأل ما سألت اليهود فقد أشرك. قلنا: نعم.
    فإن قال: وقد سأل موسى أن يرى ربه، قلنا: إن موسى عليه السلام لم يسأل أن يرى ربه عيانا مثل ما سألت اليهود وإنما قال ( رب أرني أنظر إليك) على وجه الاعتذار لقومه ليريهم آية من آياته فييأسوا من رؤيته عز وجل" (75)


    ب- حقيقة لن:اعتبر مثبتو الرؤية أن الزمخشري تأثر بمذهبه في تقدير معنى التأبيد للن، ودليل هؤلاء على ذلك أنها لو كانت تقتضي التأييد ما أكدت به في قوله تعالى: ( ولن يتمنوه أبدا) . (76)
    وينطلق الإباضية من تفسير الربيع للن بمعنى الإياس حيث يقول:" لن حرف من حروف الإياس عند النحويين أي لن يراه أحد في الدنيا ولا في الآخرة". (77)
    وقد اكتفى كل من أبي مهدي والمحشي بالنسبة إلى " لن" بما ذكره الربيع (78) أما يوسف المصعبي فقد ألح الله البتة وكل من قال إن موسى لن يرى الله قال إن غيره لن يراه". (79)
    أما سعيد ابن تعاريت فبعد أن أورد عدة أقوال تفيد أن " لن" للتأبيد يقول:" حيث ثبت دلالتها على التأبيد...فعلى من ادعى أنها تكون لغيره أيضا الدليل فيكون تمسكنا حينئذ بالمجمع عليه، فثبت بما ذكرناه أن الله منزه عن الرؤية". (80)


    ج- تعليق الرؤية باستقرار الجبل: يقول المثبتون إن تعليق الرؤية بأمر ممكن وهو استقرار الجبل يجعل الرؤية ممكنة إذ ما تعلق بالممكن ممكن.
    ويجيب الإباضية أن استقرار الجبل مستحيل في علم الله تعالى والمتعلق بالمستحيل مثله لأن الاعتبار في ذلك بالمخاطب بصيغة اسم الفاعل لأن الخطاب صدر منه وهو عالم باستحالته.
    ويقول المحشي في هذا الشأن:" قال تعالى: ( ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) فهذا على قطع الرجاء أي فكما أن الجبل لا يستقر فكذلك لن تراني، ونظيره ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) (7 الأعراف40) (81) .



    د- التجلي: جاء عند الربيع بن حبيب ما يلي: وأما قوله ( فلما تجلى ربه للجبل) " أي فلما تجلى ببعض آياته فلم يحتملها الجبل حتى صار دكا وخر موسى صعقا". (82)
    واكتفى المحشي بإعادة نفس النص (83) أما يوسف المصعبي فقد مر على الآية دون أن يقف عند حقيقة التجلي (84) لكنه أحال على تفسير الزمخشري (85) أما عمرو التلاتي هو الآخر فقد نفى أن تكون ذاته تعالى تجلت للجبل. (86)


    فالإباضية في هذا المعنى رفضوا تفسير الأشاعرة (87) واعتمدوا في تفسير موقفهم الذي أقره الربيع على ما جاء عند المعتزلة وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار:" مسألة: وربما سألوا عن قوله تعالى: ( فلما تجلى ربه للجبل) كيف يصح أن يتجلى وليس بجسم وما فائدة تجليه للجبل؟ وجوابنا أن المراد بهذا التجلي الإظهار وذكر الله الجبل وأراد أهله فكأنه قال فلما بين لأهل الجبل أنه لا يرى بأن جعله دكا حصل المراد في ما سألوه وهذا كقوله ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض) (33 الأحزاب 72) أراد على أهلها وكل ذلك بمنزلة (12 يوسف 82 وأراد أهلها". (88)

    هـ- توبة موسى: بما أن موسى خر صعقا أناب إلى ربه حال استيقاظه لأنه أحس باستعظام ما طلب من الله تعالى وقد بين الربيع هذا المعنى كما يلي:" عمير بن إسماعيل قال حدثنا أبو صالح عن ابن عباس عن جوبير عن الضحاك في قوله تعالى ( سبحانك تبت إليك) أي عن مسألتي أنى أنظر إليك ( وأنا أول المؤمنين) المصدقين بأنك لا يراك أحد. وقال مجاهد مثل ذلك..." (89)
    والمشكلة يحللها المحشي كما يلي: " فإن قال قائل: فإن كان موسى عندكم غير مخطئ فمم إذن تاب؟ ومن ماذا أخذته الصاعقة؟


    قيل له: إن أهل التفسير (90) قالوا: إن ذلك لتقدمه بين يدي الله تعالى بالمسألة قبل أن يؤمر بذلك.
    فإن زعموا أن الصاعقة وأن التوبة إنما كانتا من أجل طلب الرؤية قيل لهم فإن الصاعقة لا تصيب أحدا إلا على أمر الله لا يجوز له ولا يحل فكذلك التوبة لا تكون من صاحبها إلا على أمر غير جائز له فهذا داخل عليكم". (91) أما يوسف المصعبي فينقل كلام الزمخشري:" فلما أفاق من صعقته قال ( سبحانك) أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها، ( تبت إليك) من طلب الرؤية ( وأنا أول المؤمنين) بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس. فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته فمم تاب؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة.
    وإن كان لغرض صحيح على لسانه من غير إذن فيه من الله تعالى فانظر إلى إعظام الله تعالى أم الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكا وكيف أصعقتهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك مبالغة في إعظام الأمر وكيف سبح ربه ملتجئا إليه وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه وقال ( أنا أول المؤمنين) . (92)
    نتبين من خلال هذه التحاليل أن الإباضية يجنحون دائما إلى التنزيه ويعمدون في ذلك إلى التأويل واعتمادهم في ذلك ما تتحمله اللغة من المعاني فهم يعتبرون ألا سبيل إلى أن يتجلى الله تعالى للجبل كما يلحون بشدة على معنى التأبيد في " لن" وقد وافقهم المعتزلة وكثير من الأشاعرة على ذلك وعلى هذا الأساس ينفون إمكانية الرؤية في الدنيا والآخرة. ويعتبرون هذه الآية مؤيدة لقوله تعالى: ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) .
    ذلك هو موقف الإباضية من طلب موسى الرؤية فماذا عن موقفهم من آيات أخر توحي بمفهوم الرؤية؟
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    3- جاء في كتاب أصول الدين تأليف تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي (القرن الخامس الهجري) دراسة وتحقيق وتعليق الدكتور ونيس عامر أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة قال محقق الكتاب

    قال المؤلف ((وفي خبر الله عزّ وجلّ: { لا تدركه الأبصار } (2) ، وقوله لموسى: { لن تراني } (3) ، ما يدلّ على أنّه لا يرى في الدّنيا ولا في الآخرة، لأنّه خبر عامّ كما ذكرنا في أخبار الله في صدر الكتاب))

    قال محقق الكتاب ((( في مسألة نفي الرّؤية يتفق صاحب الرسالة مع القاضي عبد الجبار المعتزلي الذي يقول « وممّا يدلّ على أنّ الله نفى الرّؤية بقوله:« لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني» فعلّق الرّؤية باستقرار الجبل، فلا يخلو إمّا أن يكون علقها باستقراره بعد تحرّكه وتدكدكه، أو علّقها به حال تحركه لا يجوز أن تكون الرّؤية علقها باستقرار الجبل لأنّ الجبل استقر ولم ير موسى ربّه، فيجب أن يكون قد علّق ذلك باستقرار الجبل بحال تحركه، دالا بذلك على أنّ الرّؤية مستحيلة عليه كاستحالة استقرار الجبل حال تحركه، ويكون هذا بمنزلة قوله تعالى: { ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سم الخياط } (الأعراف:40).

    ودليل آخر هو أنّه تعالى قال مجيبا لسؤاله: { ربي أرني أنظر إليك } قال { لن تراني } ، ولن موضوعة للتأبيد، فقد نفى أن يكون مرئيا البتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه، وسؤال موسى هذا يظهر على ظاهره أنّ موسى هو الذي طلب الرؤيا، فالأنبياء لهم من الأدلة القطعية على إيمانهم بالله فلا يطلبون رؤيته تعالى، ولهذا كان سؤالا عن قومه، والذي يدل على ذلك قوله عزّ وجلّ لمحمد - صلى الله عليه وسلم - : { ويسألك أهل الكتاب أنّ تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكثر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } (النساء:153)، فصّرح الله تعالى بأنّ القوم هم الذين حملوه على هذا السؤال. راجع بتفصيل أكثر شرح الأصول الخمسة، ص 262-265.))).إنتهى كلام المحقق
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    4-تفسير الزمخشري الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل


    [سورة الأعراف (7) : آية 143]
    وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
    لِمِيقاتِنا لوقتنا الذي وقتنا له وحدّدنا. ومعنى اللام الاختصاص، فكأنه قيل: واختص مجيئه بميقاتنا، كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ من غير واسطة «1» كما يكلم
    الملك، وتكليمه: أن يخلق الكلام «1» منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في اللوح وروى: أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة. وعن ابن عباس رضى الله عنه: كلمه أربعين يوما وأربعين ليلة، وكتب له الألواح. وقيل إنما كلمه في أول الأربعين أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ثانى مفعولي أرنى محذوف «2» أى أرنى نفسك أنظر إليك. فإن قلت:
    الرؤية عين النظر، فكيف قيل: أرنى أنظر إليك؟ قلت: معنى أرنى نفسك، اجعلنى متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك، فإن قلت: فكيف قال لَنْ تَرانِي ولم يقل لن تنظر إلىّ، لقوله أَنْظُرْ إِلَيْكَ؟ قلت: لما قال أَرِنِي بمعنى اجعلنى متمكناً من الرؤية التي هي الإدراك، علم أن الطلبة هي الرؤية «1» لا النظر الذي لا إدراك معه، فقيل: لن تراني، ولم يقل لن تنظر إلىّ. فإن قلت: كيف طلب موسى عليه السلام ذلك- وهو من أعلم الناس بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة. وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة. ومنعُ المجبرة إحالته «2» في العقول غير لازم، لأنه ليس بأوّل مكابرتهم وارتكابهم، وكيف يكون طالبه وقد قال- حين أخذت الرجفة الذين قالوا أرنا الله جهرة- أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إلى قوله تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالا-؟ قلت: ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالا. وتبرأ من فعلهم، وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا: لا بدَّ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك، وهو قوله لَنْ تَرانِي ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال:
    رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. فإن قلت: فهلا قال: أرهم ينظروا إليك «3» ؟ قلت: لأنّ الله سبحانه إنما كلم موسى عليه السلام وهم يسماعون، فلما سمعوا كلام رب العزة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه، إرادة مبنية على قياس فاسد. فلذلك قال موسى:

    أرنى أنظر إليك، ولأنه إذا زجر عما طلب، وأنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند الله تعالى، وقيل له: لن يكون ذلك: كان غيره أولى بالإنكار، ولأنّ الرسول إمام أمته، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعاً إليهم. وقوله أَنْظُرْ إِلَيْكَ وما فيه من معنى المقابلة «1» التي هي محض التشبيه والتجسيم، دليل على أنه ترجمة عن مقترحهم وحكاية لقولهم، وجل صاحب الجمل أن يجعل الله منظوراً إليه، مقابلا بحاسة النظر، فكيف بمن هو أعرق في معرفة الله تعالى من واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظام، وأبى الهذيل والشيخين، وجميع المتكلمين؟ فإن قلت: ما معنى لَنْ؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا» «2» وذلك أن «لا» تنفى المستقبل. تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً. والمعنى: أنّ فعله ينافي حالى، كقوله لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ فقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ نفى للرؤية فيما يستقبل. ولن تراني تأكيد وبيان، لأنّ المنفي مناف لصفاته. فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ بما قبله؟ قلت: اتصل به على معنى أنّ النظر إلىّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر: وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به وكيف أجعله دكا بسبب طلبك الرؤية؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عزّ وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد «3» إليه في قوله وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ

    كما كان مستقراً ثابتاً ذاهباً «1» في جهاته فَسَوْفَ تَرانِي تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض، وهذا كلام مدمج بعضه في بعض، وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع. ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟ ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟ أعنى قوله فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته جَعَلَهُ دَكًّا أى مدكوكا مصدر بمعنى مفعول كضرب الأمير. والدكّ والدقّ أخوان، كالشك والشق. وقرئ دكاء. والدكاء: اسم للرابية الناشزة من الأرض، كالدكة أو أرضاً دكاء مستوية. ومنه قولهم: ناقة دكاء متواضعة السنام، وعن الشعبي: قال لي الربيع بن خثيم: ابسط يدك دكاء، أى مدّها مستوية. وقرأ يحيى بن وثاب: دكا، أى قطعاً دكا جمع دكاء وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً من هول ما رأى. وصعق من باب: فعلته ففعل. يقال صعقته فصعق. وأصله من الصاعقة. ويقال لها الصاقعة، من صقعه إذا ضربه على رأسه ومعناه: خرّ مغشياً عليه غشية كالموت، وروى أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشى عليه «2» فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة؟ فَلَمَّا أَفاقَ من صعقته قالَ سُبْحانَكَ أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها تُبْتُ إِلَيْكَ من طلب الرؤية وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لست بمرئىّ ولا مدرك بشيء من الحواس. فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فممّ تاب «3» ؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة وإن
    كان لغرض صحيح على لسانه، من غير إذن فيه من الله تعالى، فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكا، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان «1» ذلك مبالغة في إعظام الأمر، وكيف سبح ربه ملتجئاً إليه، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه وقال أنا أول المؤمنين، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة «2» كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا. ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم! والقول ما قال بعض العدلية «3» فيهم:
    لجماعة سموا هواهم سنّة ... وجماعة حمر لعمري موكفه
    قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا ... شنع الورى فتستّروا بالبلكفه «4»
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    5- كتاب البلسم الشافي في تنزيه الباري المؤلف : د. زكريا بن خليفة المحرمي

    وقد أكَّد القرآن الكريم حقيقة إسرائيلية هذه العقيدة حين قال: ?يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أنَّ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ?([5])، وهذا الطلب والإلحاح الصبياني من بني إسرائيل لرؤية الله تعالى جهرة هو الذي حدا بِموسى تعالى أن يطلب الرؤية لنفسه ليريهم أنَّها مُستحيلة للنّبيِّ فكيف بِمَن هم دونه؟!. وقد روى التابعيُّ الكبير أبو الشعثاء جابر بن زيد أنَّ ابن عباس -رضي الله عنهما- سأل عن معنى قَوله تَعَالَى: رَبِّ أَرِنِي أنظُرْ إِلَيْكَ?([6]). فقال: ذلك على وجه الاعتذار لقومه ليريهم الله آية من آياته فيَيْئسوا من رؤية الله"([7]).

    وأصل القصَّة أنَّ الله تعالى وعد موسى تعالى أن يكلمه في يوم معلوم، وأن يأتي معه مَجموعة من قومه ليعتذروا من عبادتهم العجل، يقول تعالى: ?وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِن هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ?([8])، وحين وصلوا إلى الْميقات الْمَعلُوم قال هؤلاء لِمُوسى: ?أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً?([9])، أو أنَّهم طلبوا منه أنَّ يلبي رغبة سفهائهم الذين يطلبون رؤية الله تعالى، فأراد موسى تعالى أن يقطع دابر الشكّ في قلوبهم، وأنَّ الله تعالى لا يوصف بصفات الأصنام -كالعجل- الذي عبدوه من قبل، وأراد أن يبلّغهم أنَّ الرؤية في حقّ الله مُمتنعة؛ لأنَّه لا يوصف بصفات الْمَخلُوقات ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ?. يقول تعالى مؤكِّداً هذه الحقيقة: ?وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أنَّظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنَّ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأنَّاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ?([10])، فقَوله تَعَالَى: ?لَن تَرَانِي? تَدُلُّ على استحالة الرؤية في الحاضر والْمستقبل.

    وربط الله تعالى لِهذه الاستحالة باستقرار الْجبل في قوله: ?وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِن اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي? لا يَدُلُّ على إمكانيتها لارتباطها باستقرار الْجبل وهو مُمكن في ذاته كما يدَّعي البعض([11])، وذلك؛ لأنَّ الله تعالى هو علاّم الغيوب، وكان يعلم أنَّ الْجَبَل يَستحيل أن يستقرَّ مكانه، فاستقرار الْجَبَل شيء مستحيل؛ لأنَّ الله تعالى علم أنَّه لن يستقر.
    أَمَّا تَجلّي الله للجبل فهو تعبير مَجازي يراد به تَجلِّي بعض آيات الله للجبل، فخرّ الْجَبَل وصار دكًّا، وكيف لا يَخرّ الْجَبَل وهو من الضعف أمام جبروت الله بِحيث لو أنزل عليه القرآن لتصدّع من خشية الله،
    يقول تعالى: ?لَوْ أنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ?([12]). وقَوله تَعَالَى: ?فَلَمَّا أَفَاقَ? أي موسى تعالى من الصَّعقة ?قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ? أي: تبت إليك من مسألتي أنِّي أنظر إليك، ?وَأناْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ? الْمصدِّقين بأنَّه لا يراك أحد.
    والعجيب تكلّف الفخر الرزاي الغريب حيث اضطرَّ إلى الادِّعاء أنَّ الله تعالى خَلق حياةً وعقلاً وفهماً للجبل كي يستطيع أن يراه!، فقد قال: "لا يتمنع أن يقال: إِنَّه تعالى خلق في ذات الْجَبَل الْحَيَاة والعقل والفهم، ثُمَّ خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى!"([13])، وافتراض الرازي مُمتنع؛ لأنَّه مَحض ظنّ لا دليل عليه، بل إنَّ الدليل القطعي يُخالفه؛ لأنَّ الْحس والعقل الذي خاطبه تعالى يشهد بأنَّ الْجبال لا حياة لَها ولا عقول ولا أفهام، هذه هي سنة الله تعالى في خلقه، والله I يقول: ?فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً?([14]).

    والأعجب منه ادِّعاء أهل الْحَدِيث أنَّ الْجزء الْمتجلّي من الله تعالى! للجبل كان كَالخنصر!، فقد رَوُوا عن أنس بن مالك أنَّه قال: "لَما تَجلّى ربُّه للجبل رفع خنصره، وقبض على مفصل منها، فانساخ الْجَبَل"، وفي لفظ آخر: "قال: فحكاه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فوضع خنصره على إبْهامه فساخ الْجَبَل، فتقطع"([15])، ولفظ آخر: "أخرج طرف بنصره، وضرب على إبهامه، فساخ الْجَبَل"([16]). وراوي هذه الرواية الشنيعة هو حَمّاد بن سلمة([17]) الذي اشتهر برواية الروايات الْمنكَرة كرِواية «خلق الله الفرس فأجراها فعرقت، ثُمَّ خلق نفسه منها»([18]).
    وقد يَحتجُّ أهل الْحَدِيث بالقول: إِنَّ طلب موسى للرؤية يدلُّ على جوازها؛ لأنَّه نبِيّ ولا يَجُوز للأنبياء سؤال المستحيل، والواقع أنَّ طلب موسى للرؤية كان بسبب إلحاح قومه([19]). ولو لَم تكن الرؤية مستحيلة لَحصلت لِموسى تعالى، أو حصلت لِمُحمَّد صلى الله عليه وسلم على سبيل الْمُعجِزة وخرق العادة، لكنَّها لم تَحصل أبداً مِمَّا يؤكد على أنَّها مستحيلة، وثبوتها يوم القيامة كما يدَّعي هؤلاء يلزمهم إمكانيتها في الدنيا على الأقل للأنبياء على سبيل الْمُعجِزة، لكنَّها لَم تَحدث البتَّة، بل إنَّ موسى تعالى أصابته الصعقة مع قومه لَمَّا سألَها!.

    والصعقة التي أصابت موسى تعالى أصابت قومه معه كما رأينا في قَوله تَعَالَى: ?فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ?([20])، فالقرآن الكريم بسرده لِهذه القصة يؤكّد على أنَّ اعتقاد رؤية الباري هو من شأن الْمعاندين الْمستكبرين الذين حقّ عليهم نزول الصاعقة في الدنيا والخزي في الآخرة، يقول تعالى: ?وَقَالَ الَّذِينَ لاَيَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أنَزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا?([21])، فهؤلاء الوثنيون يعلقون إيمانَهم بالمستحيل كنُزول الملائكة، ورؤيتهم لله جهرة كما ترى الأصنام، فيقول الله تعالى بعد ذلك مؤكِّدا استحالة رؤية الله تعالى: ?يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا?([22])، فأثبت رؤية الْملائكة المستحيلة في الدنيا إِلاَّ للأنبياء، ولم يُثبت رؤية الْخَالِق له؛ لأنَّها مستحيلة.
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    6- كتاب العقيدة الاسلاميه في ضوء العقل والنقل لناصر بن مطر بن سعيد المسقري

    - قوله تعالى لموسى عليه السلام: { لن تراني } الأعراف 143، فإن الله نفى الرؤية نفياً قاطعاً غير مقيد بزمان، فلم يقل له لن تراني في الدنيا، لا تبديل لكلمات الله
    - فلو حصلت الرؤية في أي وقت لكان تكذيباً لهذا الخبر.
    - نزول الصاعقة واندكاك الجبل يقطع طمع من يطلب ما يتنافى مع كبرياء الله.
    - نزول الصاعقة دليل على أن سؤال الرؤية اقتحام لحمى محجور لرب العالمين، بدليل أنهالم تنزل عليهم الصاعقة حتى على عبادتهم للعجل.
    - لو كانت الرؤية نعيم للمؤمنين في الآخرة مثل الجنة لما نزلت بسؤالها الصاعقة، ألا ترى لو سأل أحدٌ ربه أن يدخله الجنة في الدنيا هل ستنزل عليه الصاعقة؟!!.
    - مسارعة موسى بالتوبة وتنزيه الله وقوله: { أنا أول المؤمنين } يعني بعدم الرؤية كما روى ذلك ابن جرير عن ابن عباس دليل على عدم جواز الرؤية.
    ? واعترض المثبتون بأن الله قال: { لن تراني } ولم يقل لست بمرئي وهذا دليل على ضعف الرائي لأنه في دار الفناء وليس على استحالة الرؤية.
    ورد عليهم أن الجواب على قدر السؤال فإذا انتفت الرؤية عن موسى وهو كليم الله فعن غيره أولى.
    ? وقال المثبتون إن : { لن } تفيد قلب النفي من الحال للاستقبال بدليل قوله تعالى عن اليهود: { ولن يتمنوه أبداً } البقرة 95، مع قوله تعالى: { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك } الزخرف 77 قالوا نفى عنهم الموت في الدنيا وأثبته في الآخرة وكذلك نفى الرؤية.
    ورد هذا بأنه يختلف باختلاف الأحوال فاليهود مشغوفون بالدنيا مشفقين من الموت أخلدوا إلى الراحة وفي الآخرة يتبدل حالهم. وأما الله تعالى فلا تجري على ذاته الأحوال والرؤية منافية لكبرياء الله كما جاء في الحديث : (..وما بينهم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء) وكبرياء الله أزلية أبدية لا تتبدل.
    3- ما جاء في كتاب الله من الإنكار الشديد البالغ للذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين دليل قاطع لعدم جواز الرؤية حيث قال الله سبحانه وتعالى: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة } النساء 153.
    4- تحذير الله سبحانه وتعالى للمسلمين أن يقعوا فيما وقع فيه بنوا إسرائيل من سؤال الرؤية حيث قال الله تعالى: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل } البقرة 108.فلو كانت الرؤية جائزة لماذا يحذرهم الله من سؤالها.
    5- ما رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)).
    - فالحديث صريح في عدم رؤيتهم لله لان رداء الكبرياء يحول دون ذلك والكبرياء صفة ذاتية لله تعالى لا تتبدل مثل العلم والقدرة.
    ? فإن قيل لماذا حملتم النظر في مقام النفي على الرؤية مع حملكم إياه في مقام الإثبات على الانتظار؟ كما في آية القيامة.
    الجواب: إن النظر يأتي بمعنى الانتظار وبمعنى الرؤية والقرائن تصرفه لأيهما يفسر.
    ? وقد تكلف ابن حجر في تفسير هذا الحديث فقال: إن في الحديث حذف تقديره: إلا رداء الكبرياء فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه.
    الجواب: فلو تبعنا هذه التأويلات البعيدة لما بقي نص مستقر لأنه يحتمل ا لزيادة لإثبات المنفي ونفي المثبت. وقد قال صاحب المنار: إن في هذا التأويل تكلفاً.
    6- ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عن أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال عندما سئل رؤيته لربه ((نور أنى أراه)).
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    7- كتاب بهجة الأنوار شرح [منظومة] أنوار العقول في التوحيد للشيخ نور الدين أبي محَمَّد عبد الله بن حُمَيْد بن سلوم السالمي رَحِمَه الله (المتوفَّى سنة 1332هـ / 1914م)

    ومنها قَوله تَعَالىَ لكليمه موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ: {لن تراني} (1) حين قال له: {رَبِّ أرني أنظر اِليكَ}، فلو كانت الرؤية جائزة في حقِّه تَعَالىَ لَمَا علَّقها بالمستحيل في جوابه لكليمه عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {ولكنُ انظُرِ اِلىَ الجبل فإِنِ اسْتَقَرَّ مكانه فسوف تراني} فعلَّق الرؤية عَلَى استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تَعَالىَ محال، والمعلَّق عَلَى المحال محال مثله، ألا ترى أَنَّ أحدنا يقول: آتيك إذا شاب الغراب، أي ابيضَّ شعره، وابيضاض شعر الغراب محال، فالإتيان محال مثله لتعلُّقه به.
    قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلَّق بالممكن ممكن مثله.
    قلنا: إمكانه في نفسه إِنَّمَا هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء، أَمَّا عند من علم الحقائق فاستقراره محال، فظهر أَنَّ الاستقرار ليس بممكن في نفسه، وَإِنَّمَا كان إمكانه بالنظر إِلىَ عدم اطِّلاعنا عَلَى الحقائق، والربُّ تَعَالىَ عالم بها وبعدم استقرار الجبل، وعلَّق وقوع الرؤية عَلَيْهِ، فصحَّ ما قلناه والحمد لله.
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    8- شرح غاية المراد في الاعتقاد لعبد الله بن سعيد القنوبي

    -قوله تعالى في وصف موسى - عليه السلام - { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أرِنِي أنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأنَاْ أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } (1) .

    استدل أصحابنا على نفي الرؤية من هذه الآية من عدة وجوه :
    أ-أن الله تعالى قال : { لَن تَرَانِي } وهي تدل على النفي المؤبد ، قالوا : النفي في هذه الآية موقوف على هذه الدنيا فقط .
    والرد عليهم :
    بأن صفات الله تعالى لا تتغير ، كما قال - عز وجل - : { لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا } أي لن يخلقوا ذباباً في الدنيا ولا في الآخرة .
    ب- قال أصحابنا : بأن الله تعالى علق الرؤية على مستحيل وهو استقرار الجبل ، والجبل لم يستقر ، فرؤية الله مستحيلة .
    ج- ما دام موسى - عليه السلام - وهو كليم الله مُنِع من الرؤية فغيره أولى بالمنع .
    تنبيه :
    قالت الأشاعرة : إن الرؤية ليست مستحيلة ؛لأن موسى - عليه السلام - استغفر ربه وقالوا : لو كانت مستحيلة فإنه لا يحتاج إلى الاستغفار .
    والرد عليهم : بأن موسى - عليه السلام - لم يطلب الرؤية لنفسه ،وإنما طلبها لقومه المعاندين الذين قالوا : { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } فأقام عليهم الحجة ، واستغفاره لربه إنما هو من خوفه لربه خشية أن يكون سأله قبل أن يأذن له ، فإن المقام يقتضي الاستئذان من الله قبل الإقدام على مثل هذا السؤال ، لذلك قال : { وَأنَاْ أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } أي أنا أول من آمن بأنك لا ترى .
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    9- مدخل إلى دراسة الإباضيّة وعقيدتها بحث مقارن في اللاهوت الإباضي في بلاد المغرب وعُمان

    "ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين". كان على الإباضيّة أن يردّوا على عدّة اعتراضات ومسائل تثيرها إحالتهم الرّؤية:
    - طلب محال من قِبل نبيّ كموسى،
    - تعليق التّجلّي باستقرار الجبل: هل الاستقرار جائز أم محال في حدّ ذاته؟
    - معنى "أرِني أنظر إليك": هل الرّؤية حقيقيّة أم مجازيّة؟ وهل طلب لموسى خاصّ أم هو لقومه؟
    - توبة موسى: أهي على طلبه أم لسبب آخر؟
    أ- مسألة موسى
    كيف الرّدّ على من يعترض بأنّ موسى ما كان ليسأل الرّؤية لو كانت مستحيلة، وهو النّبيّ الّذي اتّخذه الله رسولا أمينا إلى بني إسرائيل، وبأنّ طلب مستحيل يتنافى مع رسالته(1)؟ ردّ الورجلانيّ بأنّ موسى لا يعلم كلّ المستحيلات(2). ذلك أنّ علم كلّ الممكنات اختصّ به الله، وتحديد هذه الإمكانيّة تحديد لعلم الله ومن ثمّة قدرته؛ أمّا ألاّ يعلم موسى الحدود بين الممكن والمستحيل فهو أمر يشي بمحدوديّة علمه، لذلك يجوز أن يطلب المستحيل. يعتمد دليله على ضعف موسى لكونه بشرا، بينما يستند دليل الخصم إلى عصمة النّبيّ. استشهد الورجلانيّ بعد ذلك بقول الله لنوح بعدما طلب، هو أيضا، أمرا مستحيلا: "لا تسألْني ما ليس لك به علم" (ق 11: 46). شفع نوح، وهو النّبيّ المستجاب الدّعاء، لابنه، جهلا باستحالة دخول مشرك الجنّة. ولو جاء جواب الله السّلبيّ على سؤال موسى بحرف لا لما أغلق الباب أمام الرّجاء، لكنّه جاء بحرف لن الّذي يعني الإياس ويفيد استحالة المطلوب في الحاضر والآتي. لكنّ الباقلاّنيّ مثلا ردّ بأنّ نفي شيء لا يعني استحالته إذ قد يُنفى الممكن كالمستحيل. هكذا بقي النّقاش مفتوحا(3).
    ب- التّجلّي واستقرار الجبل

    قدّم الورجلانيّ هذا الاعتراض الّذي سجّله فخر الدّين الرّازي: كلّ ما يتعلّق بجائز جائز، وقد علّق الله رؤيته باستقرار الجبل وهو في علم الله من الجائزات، فرؤية الله جائزة إذن(1). ردّ السّالميّ مشيرا إلى غيب الله الّذي لا يُطلع عليه أحدا، فالاستقرار يبدو لنا ممكنا من حيث أنّا نجهل حقائق الأشياء. أمّا في علم الله فاستقرار الجبل محال، وكذلك بالتّالي الرّؤية الّتي علّقها به لأنّ المعلَّق على محال محال(2). فهم الباقلاّنيّ تجلّي الله للجبل كقوّة إدراك شبيهة بالّتي عند الإنسان منحها الله للجبل لتمكينه من رؤيته(3)، وهو تأويل لم يشر إليه الكتّاب الإباضيّون.
    ج- معنى مسألة موسى: "ربّ أرني أنظر إليك" وجواب الله: "لن تراني"

    لمّا ذاق موسى عذوبة كلام الله، نشأت فيه ونمت رغبة في رؤيته رغم علمه باستحالتها في الدّنيا كما في الآخرة(1). قدّم أطفيّش ملاحظات وجيهة حول المضمر في الخطأب القرآنيّ. لاحظ من جهة أنّه لم يردّ: "لن تنظر إليّ" وإنّما "لن تراني"، إمّا لأنّ النّظر هو إدراك للشّيء بالعين وهو من ثمّة رؤية، وإمّا لأنّه توجّه الحدقة نحو الشّيء بغرض الرّؤية، ولا يمكن قطعا أن يخالجنا ريب في أنّ نزغا كذلك راود موسى، لأنّه نبيّ، لكنّ القرآن تحدّث بصريح العبارة عن الرّؤية فلم يدعْ مجالا لأدنى لبس. من جهة أخرى لم يأت جواب الله السّلبيّ في صيغة المبنيّ للمفعول لن أُرى بحيث لم يتضمّن ازدجارا وانتهارا لموسى. ورغم أنّه جاء سلبيّا، هو ردّ إيجابيّ بوجه ما، ولأنّ موسى طلب الرّؤية كإنعام خاصّ لم يأت كجواب عامّ في صيغة فعل مبنيّ للمفعول. يجدر بالملاحظة أنّ الرّازي أوّلَ عدمَ استخدام تلك الصّيغة في اتّجاه مختلف(2). فضلا عن ذلك للجواب السّلبيّ على مسألة موسى دلالة عامّة. يرى أطفيّش أنّه لا ينبغي أن يقال: لو صدر الطّلب عن قوم موسى لبيّن لهم خطأهم (ضمنيّا: ما داموا لم يعربوا عن رغبتهم في رؤية الله، يمكن أن يُعترض بأنّ الرّفض موجّه إلى موسى لا إليهم). ويرى من اللاّزم إعادة الرّفض إلى سياقه، عبور بحر القلزم (ق 7: 138-141)، فقد سأل بنو إسرائيل موسى إلها محسوسا، وطلبهم: "أرنا الله جهرة" (ق 4: 153) هو طلب دليل عقليّ يعضد الدّليل السّمعيّ(3)

    . ووجِه هنا إصرارهم على طلب إله محسوس ملموس برفض باتّ، ذلك أنّ موسى وجّه الطّلب باسمه الخاصّ نيابة عنهم، وإن كان موسى مُنع الرّؤية فالأوْلى أن يُمنعوها. الرّفض الموجّه إلى موسى موجّه إليهم لأنّ المطلوب محال، كما لو أنّ الله قال: لست شيئا يُرى(1).
    د- معنى توبة موسى ("تبتُ إليك وأنا أوّل المؤمنين")
    أوّل الأشاعرة هذه التّوبة لا كندم على سؤاله رؤية الله بل كذكرى ذنوب سابقة طلب الله منه تجديد توبته عليها. أضاف الباقلاّنيّ أنّه ربّما تاب على إغفاله استئذان الله في هذه المسألة(2). لكنّ الورجلانيّ والعلماء الإباضيّين الآخرين يرون أنّ موسى تاب على تقديم ذلك الطّلب ولم يتب الله على طلب موسى أو قومه ذلك منه(3). وفي رأي أطفيّش لم يخطئ موسى بالتّقدّم بذلك الطّلب. فلو طلب الرّؤية لأنّه لم يكن يعلم أنّها ستُرفض لم يلزم شيء سواء من جانب الله أو من جانبه، وإذ لم يفعل لا وزر عليه فإنّما سأل اللهَ العلمَ. ذلك أنّ النّبوّة لا تعني اكتساب العلم وكلّ أركانه دفعة واحدة، كما كان الحسن البصريّ يرى وهو محقّ في ذلك(4).

    ما معنى امتناع رؤية الله إذن؟ في نظر متكلّمين سنّيّين(1) أو متصوّفة كالغزاليّ(2)
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    10- التفسير الميسر لسعيد الكدمي

    وَلَمَّا جاء موسى لميقاتنا} الذي وقَّتناه له، {وكلَّمه ربُّه} أوحى إليه بما شاء، {قال ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه} بقي عَلَى حاله، {فسوف تراني فَلَمَّا تجلَّى ربُّه للجبل} قيل: ما تجلَّى من عظمة الله للجبل إِلاَّ مثل سمِّ الخياط حَتَّى صار دكًّا، أي: مستويا بالأرض، {جعله دكًّا} مدكوكا مفتَّتا، {وخرَّ موسى صعقا} مغشيًّا عليه. قيل: إنَّ موسى كان عالما بِأَنَّ الله لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربَّهم، كما قال مخبرا عنهم بِقَولِهِ: {لن نؤمنَ لك حَتَّى نرى الله جهرة} (1) فطلب الرؤية لِيُبَيِّنَ الله تَعَالىَ أَنَّهُ ليس بمرئيٍّ. {فَلَمَّا أفاق} موسى من صعقته، وثاب (2) ورجع إِلىَ عقله، وعرف أَنَّهُ سأل أمرا لا ينبغي له، {قال سبحانك تُبتُ إليك} من السؤال، {وأنا أَوَّل المؤمنين(143)} بعظمتك وجلالك، وأنَّك لا ترى فيِ الدنيا ولا فيِ الآخرة.
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    11- تفسير كتاب الله العزيز لحود بن محكم الهواري (ق 3)

    وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

    قوله : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } . قال الحسن : لما كلّمه ربه دخل قلبَ موسى من السرور من كلام الله ما لم يصل إلى قلبه مثلُه قطّ . فدعت موسى نفسُه إلى أن يسأل ربّه أن يريَه نفسَه . ولو كان فيما عهد إليه قبل ذلك أنه لا يُرى لم يسأل ربه ما يعلم أنه لا يعطيه إياه .
    { قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } أي إن الجبل لا يستقرّ مكانه ، وكذلك لا تراني لأني لا تدركني الأبصار وأنا أدرك الأبصار .
    { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً } يعني أنه أبدى بعض آياته للجبل فجعله دكاً ، وخرّ موسى صعقاً . قوله : جَعَلَهُ دَكّاً . قال بعضهم : جعل بعضه على بعض . وبعضهم يقرأها : دكاء ، ممدودة . وسمعت بعضهم يقول : إن الدكاء الأرض المستوية .
    قال : { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً } . غشيته الصاعقة . { فَلَمَّا أَفَاقَ } قال بعضهم : فلما ردّ الله إليه نفسَه . وقال بعضهم : فلما أفاق من غشيته ، أي أنه غشى عليه . وكانت صعقة موسى أن غشى عليه ، ولم تكن صعقةَ موت ، ألا تراه يقول : فلما أفاق ، أي من غشيته ، والإِفاقة لا تكون من الموت . وكان دل على صعقةٍ أنها صعقة موت؛ دل على ذلك قوله : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً } قال : { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } قال : { ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ البقرة : 55 ، 56 ] .
    قال : فلما أفاق { قال سُبْحَانَكَ } ينزه الله { تُبْتُ إِلَيْكَ } أي مما تقدمت بين يديك من المسألة . { وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ } . قال مجاهد : وأنا أول قومي إيماناً . وقال بعضهم : وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى ، وهو أيضاً أول قومه إيماناً بهذا ، وقد آمن الناس قبله .
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    12- آراء الشيخ ناصر بن أبي نبهان في قاموس الشريعة الجزء الأول

    بيان: وأما الرؤية فاختلفوا في رؤية البارئ سبحانه جل وعلا بعين النظر، فدان بها أكثر النظريون في الدنيا، خصوصاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الآخرة عموماً لجملة المؤمنين، وخالفهم النافيون، والمتبرئون معهم، واحتج النظريون بظاهر قوله سبحانه جل شأنه: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) [القيامة:22-23].
    وبمسألة موسى عليه السلام لربه فقال: ((رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً)) [الأعراف:143]، ولا شك أن موسى عليه السلام أكبر علماً؛ لأنه نبي، وأنور عقلاً، وأكثر فهماً، فلو كان من المستحيلات لم يسأل الله تعالى، ولكنه قد استعجل الشيء قبل أوانه، فعاقبه الله بحرمانه.
    فقال النافيون والمتبرئون: ليس هذا بحجة لكم، وإنما هو حجة عليكم، لقوله: ((فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)) فلما كان الاستقرار محالاً كانت الرؤية كذلك محالاً، ولم يجبه عن استحالتها في الحين؛ لعلمه بما يقع عليه فيها من اليقين، ولا في جميع عمره إلى آخره؛ لعلمه بأنه لا يعود إلى السؤال، وإنما أجابه عنها للأخرى، وإن قيل في قوله تعالى: ((لَن تَرَانِي)) ما يدل في حينه لدنياه وجواب سوف لأخراه؛ لكان من التأويل الذي لا يصح خلافه، عند كل ذي بال، منور بنور الله ذي الجلال بحرف الاستقبال، ليكون دالاًّ على استحالتها كذلك دائماً على كل حال؛ لأنه أتى به، وليس في قوله تعالى: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) من دلالة على الرؤية، لوجود ذلك في كلام العرب، من قولهم: رأيت الله يقول كذا وكذا، ورأيت الله فعل كذا وكذا، وانظر ربك في كذا.

    وقولهم: إذا وقفت بين يدي الله تعالى للحساب، ورأيته يعدد عليك نعمه ويناقشك فيما تعبد. وأمثال هذا كثير في كلام العرب، وليس المراد منهم بنظر العين، وإنما المقصود بالنظر إلى الأفعال، والأحكام، والثواب، والعقاب، إلى غير ذلك، ومثل ذلك قوله جل ذكره: ((يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ)) [البقرة:284]، وقوله تعالى: ((يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً)) [الانشقاق:8].
    والمعلوم أن الذين يحاسبون الناس ملائكة الله تعالى، فصح أن المعنى في قوله سبحانه جل شأنه وعظم سلطانه: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) من النضارة التي هي الزهرة، أي باشَّةً من الفرح والسرور؛ لأجل أنها رحمة ربها، ناظرة كما في قوله: ((وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)) [الفجر:22]، فإذا جاء النظر، جاز وصفه بالمجيء والسير بظاهر النص، وإن لم يجز هذا على ظاهره إلا بتقدير محذوف، أي وجاء أمر ربك، فكذلك النظر لم يجز إلا بتقدير محذوف، أي: إلى رحمة ربها ناظرة، لعدم الفرق ما بينهما، وكيف يصح في تأويلكم وهو يقول: ((لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) [الأنعام:103] فاحتجوا أن المجمل لا يقضي على المفسر، كما أن العموم لا يقضي على المخصوص، فقالوا لهم: إن التأويل الصحيح في هذه الآية يقتضي إلى التوحيد الصحيح، الموجب استحالة الرؤية، فلا يصح معها تخصيص لوقت دون وقت؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها التبديل، والتغيير، ولا يصح في العقول الصحيحة السليمة المضيئة بالأنوار الناظرة بنور الله الملك الجبار.
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    13- آراء الشيخ ناصر بن أبي نبهان في قاموس الشريعة الجزء الأول

    واحتجوا بقول موسى: ((رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً)) [الأعراف:143]، فقالوا: أنتم أعلم من موسى نبي الله، وقد سأله، ولكن استعجل الرؤية في الدنيا، والآية تدل على أنه لا يراه في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لأنه قال: ((فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)) و(سوف) تستعمل للمستقبل، والمستقبل ما يكون بعد وقوع الأمر، وما يكون في الآخرة، ولم يخصص الله سبحانه النظر إليه في الدنيا دون الآخرة، فأي دليل يدل على تخصيصه في الدنيا، فإن كان لأجل سؤاله في الدنيا، وقع ذلك في الدنيا؛ قلنا: لم يأت ما يدل على وجوده في الآخرة، فلم يكن فيها دليل؛ لأن معنى (سوف) هو مطلق، لم يحد له نهاية، فلا يكون نفس السؤال دليلاً على وجوده في الآخرة؛ لأن موسى لو كان معه علم أنه في الآخرة يراه، ولم يعلم من نفسه أنه يراه في الدنيا أم لا، وسأله لأجل ذلك كيف يجوز لموسى أن يسأل ربه أن يراه في الدنيا ولا يجوز لقومه؟ حيث قالوا: ((أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ)) [النساء:153]، وهو مثلهم لا يعلم أنه له حظاًّ في الدنيا من الرؤية أم لا؟، ولو كان كذلك للزمه التأدب في حضرة الله تعالى وأن يسأله سؤال متأدب: هل لي حظ في الدنيا من الرؤية؟ ولا شك أن هذا كفر قد حكم الله بتكفير من قال ذلك من قوله.

    فإن كان موسى سأل قبل قومه أو بعدهم، فحكم الله في جميع عباده واحد فقال الله تعالى في نبيه محمد: ((وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ)) [البقرة:145].
    بيان: والحق معنا أن النبي موسى لم يسأل الله تعالى أن يريه ذاته، حاشاه عن ذلك، ومن وصفه بذلك فقد وصفه بالكفر، وكفر بالله تعالى الواصف له بذلك كفراً عظيماً، ولعنه الله وأخزاه إلى يوم الدين؛ وإنما سأل ربه أن يريه من قدرته الخارقة للعادة التي لم يألفها عقله، فقال تعالى: (إن قدرتي لا نهاية لها، وإنك لن تستطيع أن تنظر إلى ذلك؛ إذ لا يحتمل عقلك، ولكن أريك قدرتي في بعض الأشياء لتعرف ذلك)، فلما تجلى ربه؛ أي فلما تجلى تدبير ربه بقدرته للجبل جعله دكا، فلو كان مراد موسى من ربه تجلي الذات عليه، وجاء الجواب من ربه أنه لا يستطيع، والدليل على ذلك أن يتجلى للجبل، فإن استقر مكانه فسوف يراه، لوجب أن الله يتجلى بالذات أولاً للجبل حتى يعرف موسى حقيقة العجز، ويكون الجبل قد رأى ذات الله، فيكون أشرف من موسى عليه السلام، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً.
    وإذا قيل: أليس في خلق السماوات والأرض، ما يغني عن التجلي للجبل بصفات القدرة؟ فنقول: نعم؛ ولكن هذه كرامة اختص بها، وخارق للعادة التي ألفها، أما ترى إلى النبي إبراهيم قال: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) [البقرة:260]، وإن كان معنى هذا غير ذاك، ولكن كذلك لله آيات ينظرها إبراهيم ما تدل على قدرة الله تعالى في إحياء الموتى.
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    تلخيص

    موسى عليه السلام كان عارفا باستحالتها ولم يرد بسؤالها نيل المستحيل ، وإنما أراد ردع قومه الذين لجوا في طلبها وعلقوا عليها إيمانهم برسالته ، فلعلهم عندما يقرعون بالرد الحاسم باستحالتها يرعوون عن غيهم ويتراجعون عن جرأتهم ، خصوصا عندما يقترن الرد بآية بينة تزجرهم عن مثل هذا التعنت-

    ومما يؤكد أن موسى عليه السلام لم يسألها لنفسه وإنما سألها لقومه ، ما تكرر في القرآن من توبيخ الله لهم على هذا السؤال وعدّه من أعظم جرائرهم وأبلغ كفرهم ، كما في قوله سبحانه

    1- (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون)
    2- (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ)
    3- (اعتذار موسى إلى ربه بعد الرجفة مما حصل ، عازياً إياه إلى السفهاء حيث قال عليه السلام : (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خـير الغافرين)
    4- أورد الربيع بن حبيب ما يلي:" قال جابر بن زيد: سئل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى ( رب أرني انظر إليك) فقال ذلك على وجه الاعتذار لقومه ليريهم الله آية من آياته فييأسوا من رؤية الله".


    س/ إذا كان موسى طلبها لنفسه فلماذا جيء بالطلب في صيغة المفرد
    1- من باب التبكيت إذ إن منعت عنه فلا سبيل إلى حصولهم لهم
    2- أن إضافتها إلى نفسه دونهم أبلغ في اقتناعهم باستحالتها عندما يعلمون أنه - مع علو مرتبته وصفاء سريرته مما يعلمون أنهم متلوثون به - لا تمكن له الرؤية التي هم ملحون في طلبها ، وإذا تعذرت عليه فهي عليهم أشد تعذرا

    س/ هل لن في الايه تفيد التابيد

    قوله تعالى لموسى عليه السلام : (لن تراني)، فإنه نفي مطلق غير مقيد بزمان ولا تبديل لكلمات الله ، فلو حصلت الرؤية في أي وقت من أزمان الدنيا أو الآخرة لكان ذلك منافيا لصدق هذا الخبر ، وتتأكد دلالة هذا النص على هذا المعنى باندكاك الجبل الذي علقت الرؤية على استقراره اندكاكاً هائلاً ليكون آيةً بينةً تستأصل أطماع المتطاولين على الله بطلب أو تمني ما يستحيل عليه ويتنافى مع كبريائه ، وقد وضح لكل ذي عينين صبح الحق بعدم استقرار الجبل فلا مطمع في حصولها لأنها إحدى المستحيلات.

    1- فإنه نفي مطلق غير مقيد بزمان ولا تبديل لكلمات الله
    2-إنه لو حصلت رؤية في أي وقت من أزمان الدنيا أو الآخرة لكان ذلك منافيا لصدق هذا الخبر
    3- تتأكد دلالة هذا النص على هذا المعنى باندكاك الجبل الذي علقت عليه الرؤية
    1- ينطلق الإباضية من تفسير الربيع للن بمعنى الإياس حيث يقول:" لن حرف من حروف الإياس عند النحويين أي لن يراه أحد في الدنيا ولا في الآخرة".
    2- لن عند الزمخشري ((فإن قلت: ما معنى لَنْ؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا» وذلك أن «لا» تنفى المستقبل. تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً. والمعنى: أنّ فعله ينافي حالى، كقوله لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ فقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ نفى للرؤية فيما يستقبل. ولن تراني تأكيد وبيان، لأنّ المنفي مناف لصفاته.))

    3- أن الله تعالى قال : { لَن تَرَانِي } وهي تدل على النفي المؤبد ، قالوا : النفي في هذه الآية موقوف على هذه الدنيا فقط . والرد عليهم :بأن صفات الله تعالى لا تتغير ، كما قال - عز وجل - : { لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا } أي لن يخلقوا ذباباً في الدنيا ولا في الآخرة .

    س/ تعليق الرؤية باستقرار الجبل: يقول المثبتون: تعليق الرؤية بأمر ممكن وهو استقرار الجبل يجعل الرؤية ممكنة إذ ما تعلق بالممكن ممكن.

    يكون جواب هذا من وجوه:

    1- لو كانت الرؤية جائزة في حقِّه تَعَالىَ لَمَا علَّقها بالمستحيل في جوابه لكليمه عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {ولكنُ انظُرِ اِلىَ الجبل فإِنِ اسْتَقَرَّ مكانه فسوف تراني} فعلَّق الرؤية عَلَى استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تَعَالىَ محال، والمعلَّق عَلَى المحال محال مثله، ألا ترى أَنَّ أحدنا يقول: آتيك إذا شاب الغراب، أي ابيضَّ شعره، وابيضاض شعر الغراب محال، فالإتيان محال مثله لتعلُّقه به.

    1- أن الجبل أصلا لم يستقر فعلى ماذا النقاش، إذ لو كان تعليق الجبل إلى يومنا هذا غير معلوم إندكاكه لصح الاجتهاد، ولكن النص قد قطع بأن الجبل قد اندك،
    والله عزوجل قال أنه إذا اندك الجبل فليس هناك رؤية أصلا، وقد اندك الجبل فتعذر حصول الرؤية -فعلى ماذا النقاش!
    1- أن قوله ((فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)) ليس بحجة لكم، وإنما هو حجة عليكم، لانه لما كان إستقرار الجبل محالا، كانت الرؤية كذلك محالاً.
    1- ( فسوف تراني) ليس بوعد بالرؤية على الفرض ، لأن سبق قوله : ( لن تراني) أزال طماعية السائل الرؤية فلو حدث إستقرار لكان مخالف للشرط الذي قرر، وهذا باطل فمنزلة الشرط هنا منزلة الشرط الإمتناعي الحاصل بحرف " لو" بدليل قرينة السابق
    1- أن استقرار الجبل مستحيل في علم الله تعالى والمتعلق بالمستحيل مثله لأن الاعتبار في ذلك بالمخاطب بصيغة اسم الفاعل لأن الخطاب صدر منه وهو عالم باستحالته.
    فالله تعالى علق الرؤية على مستحيل وهو استقرار الجبل ، والجبل لم يستقر ، فرؤية الله مستحيلة .
    2- أن قوله تعالى : ( ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) يدل على قطع الرجاء أي فكما أن الجبل لا يستقر فكذلك لن تراني، ونظيره ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) فعلق دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط، وهذا محال، فهل يعني أنهم سوف يدخلون الجنة بسبب هذا التعليق؟!! ومعلوم أن الله يقدر أن يجعل الجمل يلج في سم الخياط بقدره تعالى، وبالتالي ينتفي الجواز المتكلف من مثبتي الرؤية

    3- أن استقرار الجبل انما هو ممكنا بحسب علم المخلوقين القاصر المحدود ، قبل أن ينكشف لهم، أَمَّا عند من علم الحقائق-وهو الله عزوجل - فاستقراره محال- فلذلك ليس هناك حجة للمخالف في تعلقهم بهذه القشة أصلا لان الفترة بين تعليق الرؤية وأندكاك الجبل كانت في عهد موسى وقد وقد انكشف جواب هذا الامر لديهم بحيث أن الجبل لم يستقر ،

    3- وفي هذا يقول الإمام ابن عاشور " ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوما لله انتفاؤه ، صح تعليق الأمر المراد تعذر وقوعه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء ، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى ، جائزة عليه تعالى خلافا لما أعتاد كثير من علمائنا من الاحتجاج بذلك" ه


    4- أنّ النظر إلىّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر: وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به وكيف أجعله دكا بسبب طلبك الرؤية؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عزّ وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً.

    5- فالله عزوجل قطع بعدم الرؤية في البدايه، بقوله لن تراني، ثم إنتقل بالكلام عن النظر في ذاته إلى النظر إلى الجبل وهو إستدراك لامر سوف يحدث، فهذا التعليق فيه تمهيد للرجفة لا تعليقا لجواز الرؤية فتنبه هداك الله




    س/ التجلي
    1- جاء عند الربيع بن حبيب ما يلي: وأما قوله ( فلما تجلى ربه للجبل) " أي فلما تجلى ببعض آياته فلم يحتملها الجبل حتى صار دكا وخر موسى صعقا".
    2- وما فائدة تجليه للجبل؟ بذاته إن كانت الرؤية قد منعت على سيدنا موسى عليه السلام؟
    2- يقول القاضي عبد الجبار:" مسألة: وربما سألوا عن قوله تعالى: ( فلما تجلى ربه للجبل) كيف يصح أن يتجلى وليس بجسم وما فائدة تجليه للجبل؟ وجوابنا أن المراد بهذا التجلي الإظهار وذكر الله الجبل وأراد أهله فكأنه قال فلما بين لأهل الجبل أنه لا يرى بأن جعله دكا حصل المراد في ما سألوه وهذا كقوله ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض) (33 الأحزاب 72) أراد على أهلها وكل ذلك بمنزلة (12 يوسف 82 وأراد أهلها". (88)


    س/ توبة موسى

    1- لأنه أحس باستعظام ما طلب من الله تعالى وقد بين الربيع هذا المعنى كما يلي:" عمير بن إسماعيل قال حدثنا أبو صالح عن ابن عباس عن جوبير عن الضحاك في قوله تعالى ( سبحانك تبت إليك) أي عن مسألتي أنى أنظر إليك ( وأنا أول المؤمنين) المصدقين بأنك لا يراك أحد. وقال مجاهد مثل ذلك..."
    2- لتقدمه بين يدي الله تعالى بالمسألة قبل أن يؤمر بذلك.



    ------------------------------------------------------


    بعض الاسئلة للمخالف


    1- قوله تعالى: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ))) لماذا شنع الله على بني إسرائيل في طلبهم الرؤية في الدنيا ووصفه أنه تجروء كبير عظيم- مع أن موسى عندكم طمع في الرؤية وطلبها لنفسه أيضا ؟
    2- قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) قوله تعالى (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) هل يعقل أن يطلب موسى عليه السلام، ويسأل عين ما سأله قومه ؟ ويرتكب نفس الخطا الذي ارتكبه بني إسرائيل وهو طلب الرؤية !؟
    3- هل موسى يعلم ما يجب وما لا يجب في حق الله عزوجل؟

    إن قلت نعم -

    هل يعلم أن الرؤية مستحيلة في الدنيا؟

    (1) إن قلت أنه يعلم أن الرؤية مستحيلة في الدنيا, قلنا /
    1- ناقضت قاعدتك الاولى (أن موسى يعلم ما يجب وما لا يجب في حق الله )
    2- فكيف يصر على طلب المحال؟ ناقضت قاعدتك الاولى أن



    (2) وإن قلت أنه لا يعلم أن الرؤية مستحيلة في الدنيا قلنا / ناقضت قاعدتك الاولى (أن موسى يعلم ما يجب وما لا يجب في حق الله )


    (3) إن قلت أن الذي يعلمه موسى فقط هو أن (الرؤية جائزة) لكنه يجهل امكانية وقوعها في الدنيا أو في الاخرة ؟
    1- ناقضت قاعدتك الاولى (أن موسى يعلم ما يجب وما لا يجب في حق الله)
    2- كيف علمت أن موسى كان يعلم أن (الرؤية جائزة) لكنه يجهل امكانية وقوعها في الدنيا أو في الاخرة ؟ من أين لك هذا الكلام فنحن نطالبك بالدليل على كلامك هذا؟



    (4) إن قلت أن الرؤية جائزة في الدنيا

    1- لو كانت الرؤية جائزة الحصول يوم القيامة، لَحصلت لِموسى على سبيل الْمُعجِزة، كما هو الْحال مع بقية المعجزات التي تَخالف قانون الكَوْن الدنيَوِي، لكن ردُّ الله كان قاطعاً جازماً حاسماً، ليؤكِّد على استحالة الرُّؤية التي طلبها موسى ويبرهن لقومه استحالة الرؤية
    2- لو كانت الرؤية جائزة في الدنيا / لماذا تاب موسى عليه السلام بعد الرجفه؟
    3- لو كانت الرؤية جائزة في الدنيا /لماذا اصابتهم الصاعقة؟ فإن الصاعقة لا تصيب أحدا إلا على أمر غير جائز على الله؟
    4- لو كانت الرؤية جائزة في الدنيا/ كيف تفسر قوله تعالى (وانا أول المومنين) أنه لا يراك أحد أي لا يراك أحد في الدنيا كما جاء عن إبن عباس ؟!
    5- لو كانت الرؤية جائزة في الدنيا/ كيف تتعامل مع حديث عائشة المرفوع حكما واستدلالها في نفي الرويه مطلقا بقوله تعالى ( لا تدركه الابصار)



    س/ التجلي

    1- ما فائدة تجليه للجبل؟ بذاته إن كانت الرؤية قد منعت على سيدنا موسى عليه السلام؟
    التعديل الأخير تم بواسطة ثعلب ; 11-05-13 الساعة 04:10 AM
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    سلطنة عمان
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,684

    افتراضي

    يتبع
    ارجوا عدم المشاركة لو سمحتم حتى أكمل موضوعي
    توقيع


    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ


المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •