لغة الطفل و العولمة
أصبحت هناك وسائل أكثر جاذبية وتأثيرا يتعامل معها الطفل يوميا كالتلفاز والحاسوب والشبكة العالمية والألعاب الألكترونية
لابد من الاهتمام منذ ولادة الطفل بتنمية حصيلته اللغوية حتى يصبح عند بلوغه العام السادس قادرا على التعبير عن نفسه واحتياجاته بلغة واضحة

أصبحت اللغة العربية وكذلك وظيفتها من الموضوعات بالغة الأهمية في تشكل هوية الطفل، وفي ظل ظاهرة العولمة باتت تتكون عدة مخاوف، وتظهر بعض الرؤى، وتثار مجموعة نقاشات حول تأثر لغة الطفل العربي بانعكاساتها كونه الأكثر تأثرا بمتغيرات العصر التي لحقت بالمجتمع على كافة الأصعدة.
وتعتبر اللغة العربية هوية المجتمع، إضافة إلى كونها وسيلة للتفاهم والتواصل الاجتماعي، والعناية بها واجب وطني وقومي وديني، وإن التفريط بها لهو التفريط بوطنيتنا وقوميتنا، والأبعد من ذلك بمقومات شخصيتنا الإسلامية.
ومن الملاحظ أنه لم تعد الأسرة والمدرسة والمجتمع وحدها مصادر لتربية وتعليم وتثقيف الطفل؛ بل أصبحت هناك وسائل أكثر جاذبية وتأثيرا يتعامل معها الطفل يوميا كالتلفاز والحاسوب والشبكة العالمية (الإنترنت) والألعاب الألكترونية التي تؤثر على الطفل بطريقة مباشرة وغير مباشرة لتكون تفكيره واتجاهاته وقيمه، فبات الطفل العربي يعيش في فترة مخاض حضاري و ثقافي، فهو يبحث عن ذاته في ظل موروثه وثقافته، ويبحث عن موقع له في ظل عالم متجدد بمعرفته ومتسارع بتقانته.
لذا يحق لنا أن نتساءل: كيف يمكننا أن نغرس في أطفالنا حب اللغة العربية والاعتزاز بها؟ وكيف نتقبل مجريات الحاضر ونخطط لمسار المستقبل في عصر يفرض علينا متغيراته و قبول مجرياته بثوب جديد قد يبعدنا عن إرثنا و أصالتنا؟!
فمن المسلم به أن للغة دورا هاما في تحديد شخصية الطفل فبها يعبرعن أفكاره ورغباته وميوله، ومن خلالها يستوعب البيئة المحيطة للاستمتاع بها ويتواصل اجتماعيا مع الآخرين، فقد أكد الباحثون في علم النفس أن من أهم سنوات الطفولة تلك السنوات الست الأولى، لأنها تمثل مرحلة هامة وتأسيسية تبنى عليها مراحل النمو اللاحقة، وعليها تتشكل شخصية الإنسان وخصائصه، فيتواصل مع الآخرين باللغة التي يكتسبها، كما يؤكد "بياجيه" أهمية المحيط الاجتماعي عندما أشار إلى أن الكلام لدى الطفل يتطور في مرحلتين: الأولى مرحلة الكلام المتمركز حول الذات، والثانية مرحلة الكلام حول بيئته الاجتماعية المحيطة به في المنزل والمدرسة؛ ولكي يتعلم الطفل لغته الأم ويتقنها جيدا، لا بد أن يكون الاهتمام الأسري والاجتماعي والرسمي منصبا على تعليم الطفل اللغة العربية السليمة البسيطة الإيقاعية في المراحل العمرية المبكرة مما يبقيها لغته التي لا تتأثر بتعلم لغات أخرى لاحقا، لذا يرى الكثير من التربويين أن للأسرة ودور حضانة الأطفال ورياضها بالغ الأثر في تعلم السليقة اللغوية.
وبما أن اللغة هي أداة للتواصل واكتساب المعرفة، وهي الرابطة الوجدانية التي تربط بين الأفراد في المجتمع المتجانس، وهي الدافع الذي يوجه الإنسان نحو التفكير والتعبير؛ كونها تحمل هموم متكلميها وأشجانهم، وترسم طموحاتهم وآمالهم، وتنظم سلوكهم ودوافعهم، وتوحد ولاءهم وحبهم فتتشكل هويتهم الثقافية التي يدركون بها ذاتهم والعالم من حولهم، فلا بد أن نهتم منذ ولادة الطفل بتنمية حصيلته اللغوية، و أن نرعاها و نوجهها ونطورها حتى يصبح الطفل عند بلوغه العام السادس قادرا على التعبير عن نفسه واحتياجاته وما حوله بلغة واضحة وجمل تامة مختلفة الطول و البناء.
وللأسف الشديد فإن الطفل في وقتنا الحاضر لا يلقى الاهتمام المناسب لتعلمه اللغة العربية السليمة فالبيئة التي يعيشها محاصرة ما بين لهجات محلية متعددة، وأمية لغوية منتشرة بين الأسر، ومربيات من بيئات متباينة يحتضنه، ووسائل إعلام متنوعة، إضافة الى الألعاب الألكترونية التي يقضي معها أكثر ساعات يومه؛ مما يؤدي إلى اكتساب الطفل لغته الأم قبل دخوله المدرسة.
فللأسرة دور بارز ومهم في تربية الطفل وتنمية حصيلته اللغوية فكلما زادت حصيلة الطفل اللغوية زاد رصيد الطفل الثقافي والفكري وتطورت معلوماته ونمت شخصيته وتفاعلت مشاعره مع الآخرين وزادت ثقته بنفسه وقدرته على التكيف مع أفراد مجتمعه. والعكس صحيح فقلة حصيلته اللغوية تقلل من نضجه الفكري وقدرته على التواصل والتكيف مع البيئة المحيطة وأفراد مجتمعه حتى يصبح غير متفاعل ومعزول عن أقرانه.
ويواجه الطفل العربي مع لغته أزمة حقيقية في الواقع الحالي حيث بدأ يعاني من الاضطراب اللغوي المبكر كما أصبحت العولمة الحديثة سمة الحياة المعاصرة، فلم يعد هناك حواجز بين ثقافات العالم المتعددة والمتنوعة، فأصبح العالم بأسره موجود داخل قلب كل منزل مهما اختلفت ثقافته أو تعددت أطره أو تنوعت اتجاهاته، كما تحاصره منتجات العولمة ومؤسساتها في مواقع كثيرة خارج المنزل؛ وهكذا أصبحت ملامح شخصية الطفل ولغته مرهونة بهذا الطوفان الهائل الذي تحمله العولمة إليه من خير أو شر.
ويمكن أن أجمل أبرز تأثيرات العولمة في المجال اللغوي للطفل في النقاط الآتية:

أولا: وسائل الإعلام وما تحويه من فضاءات مفتوحة عبر الأقمار الصناعية، فقد أصبحت تدخل بيوتنا دون استئذان، وتفرغ محتوياتها في أذهان الكبار والصغار على السواء.

ثانيا: الشبكة العالمية ( الإنترنت ) وما لها من أثر سلبي فيما تعرضه في مواقعها من برامج ورسائل وإعلانات وسلع هدفها الترويج والتسويق والسطحية والإباحية دون أية رقابة أو محظور على وعي الطفل وإدراكه.

ثالثا: اللغة الأجنبية دفعت العولمة التي نعيشها إلى صدارة اللغة الإنجليزية فأصبحت لغة الإعلام والتجارة والثقافة والتعليم، ورغم أهمية تعلمها إلا إننا نشعر بالقلق من الأثر التدريجي على اللغة العربية أمام هذا النمو اللغوي للغة الإنجليزية الأمر الذي قد يسبب فقدان التواصل باللغة العربية من ناحية و بيننا وبين إرثنا من ناحية أخرى إضافة إلى أثر ذلك كله على الأطفال ثقافيا وحضاريا.

رابعا: العمالة الأجنبية بدخول الآلاف منها إلى بلادنا والأخطر دخولها منازلنا بثقافتها في تربية أبنائنا و تعلم لغتها التي هي عبارة عن خليط من تركيبة غير سليمة للغتهم و لغتنا المحلية أدى ذلك إلى تشوه مراكز اللغة والنطق عند الأطفال في سن مبكر

خامسا: التعليم والمدرسة فالتوقيت الذي يتعلم فيه الطفل اللغة الفصحى يتم بعد تجاوزهم السنة السادسة من أعمارهم، وتلك مرحلة متأخرة فعلماء التربية يؤكدون أن الطفل كلما تعلم اللغة التي تتاح له في السنوات الأربع الأولى من عمره كلما أصبحت هذه اللغة هي لغته الأم إذ تشبع الطفل بها.
و يزيد من إشكالية صعوبة تعلم اللغة في المدرسة ذلك التناقض اللغوي الذي يشعر به الطفل بين لغة المدرسة و لغة الشارع أو المنزل لأن قلة ممارسة الفصحى تضعف من طلاقته تحدثا و كتابة و بذلك يتولد إحساس لديه أن اللغة الفصحى محصورة داخل جدران المدرسة.

سادسا: دور الأسرة في إكساب الطفل ممارسة اللغة العربية و التواصل من خلالها والشعور بالانتماء لها، فهم يقبلون أيما إقبال على المدارس التي تعتبر اللغة الأجنبية للطفل هي اللغة الأم، فيبدأ الوالدان يتحدثان مع طفلهما داخل المنزل باللغة الأجنبية.
فما السبيل الذي قد يساعد على أن يتحقق تواصل أطفالنا اجتماعيا بلغتهم لتصبح اللغة العربية مصدر اعتزاز وانتماء تمثل ثقافتهم و هويتهم؟
تعزيز انتشار استعمال اللغة العربية في حقول الحياة المختلفة على كل المستويات الرسمية والثقافية والإعلامية في عالمنا العربي أسوة باللغات العالمية الحية الأخرى.
الإعداد لحملة وطنية تثقيفية داعية الى تعلم الأطفال اللغة العربية خلال سنواتهم الأولى، وترديد المفردات العربية السهلة المناسبة واستعمالها في تراكيب يفهمها الطفل.
إدراك أهمية اللغة العربية الفصحى ودورها في مجالات التنمية والثقافة والفكر، واستعادة مكانتها و جعلها لغة العلم و المعرفة والتقدم.
تعليم اللغة العربية الفصحى للأطفال بالفطرة قبل سن السادسة وتعميمها في رياض الأطفال و بين المعلمات والبيت والشارع.

تطوير الآليات والأساليب المتبعة في تدريس اللغة العربية، وتنفيذ الوسائل الحديثة عند تدريسها.
تقنين الساعات الطويلة التي يقضيها الطفل أمام التلفاز مع توفير البدائل بممارسة أوجه نشاط ممتعة ومتعددة كالرياضة والقراءة والكتابة والرسم.
إعادة النظر في البرامج المرئية والمسموعة المقدمة للطفل لضمان تقديمها بلغة عربية صحيحة مبسطة وسلسة تحفزهم نحو توظيف مهارات الاتصال اللغوي كالقراءة والتحدث والاستماع والكتابة.
إيلاء العناية بإصدارات الأطفال المتجددة والثرية بالأجناس الأدبية التي تستحوذ اهتمام الطفل وتنمي خياله وتفتح فضاءاته وتوسع خياله.
الاهتمام بالمراكز والمؤسسات التي تنمي أوجه الثقافة، وتعزز المهارات اللغوية بإنشاء المكتبات الخاصة والعامة.
تصميم البرامج التعليمية المحوسبة (المقروءة والمسموعة) التي تهدف إلى تنمية المهارات اللغوية وإثراء حصيلة الطفل اللغوية.
توفير معاجم متخصصة ألكترونيا مقروءة ومسموعة تساعد على تعلم المهارات اللغوية وفق منهج مشوق و مدروس ولغة سليمة مبسطة.
العمل على إنجاز مشروع قاموس معاصر وموحد لمفردات اللغة العربية يتضمن المصطلحات التعليمية الحديثة خاص بطلبة المدارس.
القيام بدراسات تعالج قضايا صعوبات تعلم اللغة العربية لدى الأطفال الناطقين بها.
الاهتمام بتصميم برامج خاصة لتعليم الأطفال غير الناطقين باللغة العربية.
وإذا كان إيماننا أن العلاقة بين الأمة واللغة علاقة عضوية، وكل منهما يعكس حال الآخر، قوة وضعفا، حركة وجمودا، انفتاحا وانغلاقا. أدركنا أن تعلم أطفالنا للغات الأجنبية العالمية لا يكون على حساب لغتنا الأم، بل لا بد من تحقيق توازن مدروس يتيح للطفل تعلم اللغة الأجنبية كلغة معارف وثقافة وعلم تمده بجسور العالم و تفتح أفقه لتفهم الآخر المختلف، وفي الوقت ذاته يوظف لغته العربية الأصيلة، التي يستطيع بها استيعاب الحداثة المعاصرة، ومن المهم أن تتكاثف جهودالمنظمات في المجتمع العربي ومؤسساته الرسمية بإشراك الأطفال أنفسهم في الحفاظ على لسان ثقافتهم و لن يتأتى ذلك إلا إذا ترسخ في وجدان أطفالنا على أنها اللغة التي تحقق لهم الآمال والأحلام القريبة والبعيدة.

عزيزة بنت عبدالله الطائي*
*كاتبة عمانية


ملحق اشرعة
Alwatan