حياكم الله بالخير جميعا
نواصل تكملة كتاب البديع فى نقد الشعر
المؤلف : أسامة بن منقذ
باب
التجاهل
قال صاحب الصناعتين: هو أن يقول الشاعر لا أدري، وأمثال ذلك من الكلام أو يستفهم ببعض حروف الاستفهام؛ كقول وذي الرمة:
بالله يا ظبيات القاع، قلن لنا: ... ليلاي منكنَّ، أمْ ليلي من البشرِ
وله أيضاً:
أيا ظبية الوعساء بين حلاحلٍ ... وبين النقا آأنتِ أمْ أمُّ سالمِ
وقال صاحب الصناعتين: كتب إلي بعض الأدباء: سمعت بورود كتابك فاستفزني الفرح قبل رؤيته، وهز عطفي المرح أمام مشاهدته، فلا أدري أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب، ولم أدر ما رأيت أخط مسطور، أم روض ممطور، أو كلام منثور، أو شي منشور، ولم أعلم ما أبصرت من منظومه أبيات شعر، أم عقود در، والسلام.
ومنه قول بعضهم:
أأسماءُ أيّ الواعدين تريهما ... أشدكما مطلاً فإني لا أدري
أأنت بنيلٍ منك يبردُ غلتي ... أم القلبُ بالسلوان عنك وبالصبر
ومنه لغيره:
أثغرٌ ما أرى أم أقحوانُ ... وقدٌّ ما أرى أم خيزرانُ
وطرفٌ ما تقلبُ أمْ حسامٌ ... ولفظٌ ما تساقطُ أمْ جمانُ
وشوقٌ ما أكابد أم حريقٌ ... وليلٌ ما أقاسي أمْ زمانُ
ومنه للمتنبي:
أريقك أمْ ماءُ الغمامةِ أم خمرُ ... بفيِّ برودٌ وهو في كبدي جمرُ
ومنه لغيره:
كم ليلةٍ عانقتُ فيها بدرها ... حتى الصباح موسداً كفيهِ
فسكرتُ لا أدري أمنْ خمر الهوى ... أم كأسه، أم فيه، أم عينيهِ
ومنه لغيره:
واللهِ لا أدري بأيّ صفاته ... ملكَ القلوبَ بأسرها في أسره
أبوجههِ، أم شعره، أم نحره ... أم ثغره، أم ردفه، أم خصرهِ
ومنه لغيره:
ذكرتُ عشيةَ الصدفين ليلى ... وكلَّ الدهر ذكراها جديدُ
وقالوا: قد بكيت فقلتُ: كلاَّ ... وهل يبكي من الطرب الجليدُ
ولكني أصابَ سوادَ عيني ... عويدُ قذىً له طرفٌ حديدُ
فقالوا: ما لدمعهما سواءً ... أكلتا مقلتيكَ أصابَ عودُ
عليَّ أليةٌ إن كنتُ أدري ... أينقصُ حبُّ ليلى أمْ يزيدُ
ومنه لغيره:
وخبرتُ: ليلى بالعراق مريضةٌ ... فأقبلتُ من أرضي إليها أعودها
وأقسمُ ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها
ومنه:
أحقاً يا حمامةَ بطنْ وجّ ... بهذا القول أنكِ تصدقينا
غلبتك في البكاء لأنَّ ليلي ... أواصله وإنك تهجعينا
كلانا يشتكي ألماً وشوقاً ... ولكني أسرُّ وتعلنينا
العرجي:
عوجي عليَّ وسلمي جبرُ ... فيمَ الوقوفُ وأنتمُ سفرُ
ما نلتقي إلاَّ ثلاث منىً ... حتى يفرق بيننا النفرُ
وزعمتِ أنَّ البين يعقبني ... صبراً عليك وأين لي صبرُ
ألحولُ بعد الحولِ نتبعهُ ... ما الدهرُ إلا الحولُ والشهرُ
ومنه:
وقفتُ وقد فقدتُ الصبر، حتى ... تبين صاحبي أني الفقيدُ
وشكك فيَّ عذالي؛ فقالوا ... لرسم الدار: أيكما العميدُ
ومنه:
لي سيدٌ فاتنٌ يعلمني ... بحبه كيف يعبدُ الصنمُ
لما رآني وفي يدي قلمي ... لم يدرِ للسقم أينا القلمُ
ومنه:
إذا قلتُ: هذا بيتُ عزة قادني ... إليه الهوى واستعجلتني البوادرُ
أمنقطعٌ يا عزُّ ما كان بيننا ... وشاجرني يا عزُّ عنك الشواجرُ
ومنه قول ذي الرمة:
أيا ميُّ، هلْ يجدي بكائي بمثلهِ ... مرارإن وأنفاسي عليكِ الزوافرُ
وإني متى أشرفْ من الموضعِ الذي ... بهِ أنتِ من بين الجوانبِ ناظرُ
وألا ينالَ الركبُ تهويم ساعةٍ ... من الليل إلا اعتادني لك زائرُ
ومنه لجميل:
أظنّ هواها تاركي بمضلةٍ ... من الأرضِ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
ولا أحدٌ أفضي إليه وصيتي ... ولا وارثٌ إلى المطيةُ والرحلُ
محا حبها حبَّ الأولى كنَّ قبلها ... وحلتْ مكاناً لم يكنْ حلَّ من قبل
ومنه للصوري:
بالذي ألهمَ تعذي ... بي ثناياك العذابا
والذي صير حظي ... منكِ هجراً واجتنابا
والذي ألبس خديك ... من الوردِ نقابا
ما الذي قالته عينا ... كِ لقلبي، فأجابا؟
ومنه:
توردَ دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمنْ مثلِ ما في الكأس عيناي تسكبُ
فأقسمُ ما أدري أبالخمرِ أسبلتْ ... جفوني، أم من ماء عينيّ تشربُ
ومنه:
هتف الصبحُ بالدجى فاسقنيها ... قهوةً تتركُ اللبيبَ سفيها
ليسَ يدري من رقةٍ وصفاءٍ ... هي في كأسها أم الكأسُ فيها
ومنه لمهيار الديلمي:
أيا صاحبيْ نجوايَ يومَ سويقةٍ ... أناةً وإن لمْ تسعدا فتجملا
سلا ظبيةَ الوادي، وما الظبيُ مثلها ... وإنْ كان مصقولَ الترائب أكحلا
أأنتِ أمرتِ البدر أن يصدع الدجى ... وعلمتِ غصنَ البان أن يتميلا
جمعت عليه حرقة الدمع والأسى ... وما اجتمع الداءان إلا ليقتلا
وحرمتِ يوم البينِ وقفةَ ساعةٍ ... على مدنفٍ ظنَّ الوداعُ محللا
ومنه:
تحصبُ يا رامي الجمار بها الأر ... ضَ، فقلبي لم يشتكِ الألما
كادتْ قريشٌ ترتدُّ جاهلةً ... لما تمثلت بينها صنما
يا لزماني على الحمى عجباً ... أيُّ زمانٍ مضى وأيُّ حمى
ومنه:
حملوا ريحَ الصبا نشركمُ ... قبل أنْ تحمل شيحا وخزامى
وابعثوا أشباحكمْ لي في الكرى ... إنْ أذنتمْ لجفوني أنْ تناما
أشتكيكم وإلى منْ أشتكي ... أنتم الداءُ فمن يبري السقاما
كلما أفكرتُ في فرقتنا ... قلتُ: ما كان اللقا إلاَّ مناما
ومنه:
دعوهُ ونجداً إنها شأنُ نفسه ... فلوْ أنَّ نجداً بلغةٌ ما تغذاها
وهبكمْ منعتمْ أن يراها بعينه ... فهلْ تمنعونَ القلب أنْ يتمناها
ومنه:
أستنجدُ الصبرَ فيكمْ وهو مغلوبُ ... وأسألُ النومَ عيني وهو مسلوبُ
وأبتغي عندكم قلباً سمحتُ به ... وكيف يرجعُ شيءٌ وهوَ موهوبُ
ما كنتُ أعلمُ ما مقدارُ وصلكمُ ... حتى هجرتُ، وبعضُ الهجر تأديبُ
ومنه:
أضيغمٌ، أم غزالٌ ذاك، أم بشرُ ... شمسٌ تزيتْ بزيّ التركِ، أم قمرُ
لقد تحير وصفي في حقيقته ... كما تحير في أجفانه الحورُ
باب
الكناية والإشارة
اعلم أن الفرق بين الكناية والإشارة أن الإشارة إلى كل شيء حسن والكناية عن كل شيء قبيح، مثل قوله عز وجل: " فيهن قاصرات الطرف " ، إشارة إلى عفافهن. وقوله سبحانه: " كانا يأكلان الطعام " كناية عن قضاء الحاجة. وقوله تعالى: " فرش مرفوعة " . إشارة إلى نساء كرام. وأرضاً لم تطؤها. إشارة إلى سبي النساء. ومثل قول العرب: طويل نجاد السيف، إشارة إلى ارتفاعه عن الدنايا. وعظيم الرماد، إشارة إلى كثرة القرى. وجبان الكلب، إشارة إلى كثرة الطارق ومهزول الفصيل، إشارة إلى سقي الألبان. وأسبق الناس إلى ذلك المعنى امرؤ القيس في قوله:
ويضحي فتيتُ المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
أشار بقوله: نؤوم الضحى إلى أنها مخدومة من بنات الملوك.
وقال بعض العرب وهو عمر بن أبي ربيعة:
بعيدةُ مهوى القرطِ، إما لنوفلٍ ... أبوها وإما عبدِ شمسٍ وهاشمِ
أشار بقوله: بعيدة مهوى القرط إلى طول عنقها.
وقال ذو الرمة:
ترى قرطها في واضح الليتِ مشرفاً ... على هلك في نفنف يتطوحُ
وقال همام الفرزدق:
غمرُ الرداءِ، إذا تبسمَ ضاحكاً ... عتقتْ لضحكتهِ رقابُ المالِ
وقال النابغة:
رقاقُ النعالِ، طيبٌ حجزاتهمْ ... يحيونَ بالريحان يومَ السباسب
أشار بطيب حجزاتهم إلى عفتهم وقالت ليلى الأخيلية:
ومخرقٍ عنهُ القميصُ تخالهُ ... وسط البيوتِ من الحياء سقيما
حتى إذا رفعَ اللواءُ رأيته ... تحتَ اللواء على الخميسِ زعيما
أشارت بتخريق القميص إلى كثرة طلب الحوائج منه.
وقال الأعشى:
ربَّ رفدٍ هرقته ذلك اليو ... مَ وأسى من معشرٍ أقيال
أشار برفد هرقته إلى قتله الكرام.
وقال امرؤ القيس:
وأفلتهنَّ علباءٌ جريضاً ... ولوْ أدركنهُ صفرَ الوطابُ
أشار بصفر الوطاب إلى خلو جسمه من روحه.
وقال عنترة:
بطلٌ كأنَّ ثيابه في سرحةٍ ... يحذى نعالَ السبت ليس بتوأم
أشار بقوله: كأن ثيابه في سرحة إلى طول قامته. ويقوله: يحذى نعال السبت إلى أنه ملك. وبقوله: ليس بتوأم إلى أنه قوي شديد.
وقال آخر:
أبيني، أفي يمنى يديكِ جعلتني ... فأفرحَ، أمْ خلفتني في شمالكِ
أشار باليمين إلى الرضا وبالشمال إلى السخط.
بعض العرب:
تركتُ الطعانَ لأهلِ الطعانِ ... وأكرهتُ نفسي على ابنِ الصعقْ
وضعتُ يديَّ وشاحاً لهُ ... وبعضُ الفوارسِ لا يعتنقِْ
أشار بوضع يديه إلى مصارعته.
وقول الخرنق:
لا يبعدن قومي الذينَ همُ ... سمُّ العفاة وآفةُ الجزرِ
النازلين بكلِّ معتركٍ ... والطيبينَ معاقدَ الأزرِ
أشار إلى أنهم غير زناة.
وقول ابن مقبل: هرت الشقاشق ظلامون للجزر أشار إلى فصاحتهم ونحرهم الإبل من غير علة.
وقال الأعشى:
الواطئينَ على صدورِ نعالهمْ ... يمشونَ في الدفني والأبرادِ
أشار إلى تجبرهم وأنهم ملوك.
ومثله:
كأنَّ أخمصها بالشوكِ منتعلُ.
ومنه أن يريد المتكلم شيئاً فيعبر عنه بلفظ غير لفظه كقولهم: فلان نقي الثوب، أي لا عيب فيه، وطاهر الجيب أي ليس بغادر، وطيب الحجزة أي عفيف، ودنس الثوب أي فاجر، وغمر الرداء أي كثير المعروف:، وطرب العنان أي فرس مسرع، ومغلول اليدين أي بخيل، ويقال: كبا زنده، وأفل نجمه، وذهب ريحه، وطفئت جمرته، وأخلف نوؤه، وانكسرت شوكته، وكل حده. وأفل غربه، وتضعضع ركنه، وفت عضده، ولانت عريكته " . وكل هذه أسماء المماثلة والمشابهة.
ومنه قوله عليه وآله السلام: " إياكم وخضراء الدمن " ، أراد المرأة الحسناء في منبت السوء.
واسترشد أعرابي أعرابياً الطريق، فقال استبطن الوادي وكن سيلاً حتى تبلغ.
ومنه قول زهير:
ومنْ يعصِ أطرافَ الزجاج فإنه ... يطيعُ العوالي ركبتْ كلَّ لهذم
قال: هذا مثل قولهم: من عصى السوط أطاع السيف.
ومن مليح التعريض: قيل لأبي العيناء: ما تقول في بني وهب؟ فقال: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج.
ومن التعريض الجيد ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون: أما بعد فقد استشفع بي فلان في إلحاقه بنظرائه؛ فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب الشافعين، ولو فعلت ذلك لتعديت طاعته والسلام. فوقع المأمون في كتابه: قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك لنفسك، فأجبناك إليهما ووقفناك عليهما.
ومنه:
فقل: السلامُ، ومنْ تباريح الجوى ... بعثَ القتيلُ تحيةً للقاتلِ
لقنَ النفارَ من الغزالة، واحتذى ... ليَّ العهود من القضيبِ المائلِ
ومنه:
ولما جلا التوديعُ عما عهدته ... ولم يبقَ إلاَّ نظرةٌ تتغنم
بكيتُ على الوادي؛ فحرمتُ ماءهُ ... وكيفَ يحلُّ الماءُ أكثرهُ دمُ
ومنه:
إذا رعتها من وصلِ أخرى بزلة ... تلافيتها من لمتي بشفيعِ
وما شبتُ لكن ضاعَ مما بكيتكمْ ... سوادُ عذاري في بياضٍ دموعي
ومنه:
وغرة كجبين الشمس لو برزت ... في حندس الليل للحرباء لانتصبا
باب
المبالغة
اعلم أن المعنى إذا زاد عن التمام سمي مبالغة، وقد اختلفت ألفاظه في كتبهم، فسماه قوم: الإفراط والغلو والإيغال والمبالغة، وبعضه أرفع من بعض، كما قال زهير:
كأنَّ فتاتَ العهن في كل منزلٍ ... نزلنَ به حبُّ الفنا لم يحطمِ
كأنه تم الكلام عند قوله: حب الفنا. ثم قال: لم يحطم لأنه أشد لحمرته.
وكذلك قول امرئ القيس:
كأنَّ عيونَ الوحشِ حول خبائنا ... وأرحلنا الجزعُ الذي لمِ يثقبِ
تم التشبيه عند قوله الجزع، ثم بالغ في قوله: الذي لم يثقب.
وفي الكتاب العزيز من هذا الباب قوله تعالى: " وبلغت القلوب الحناجر " وقوله تعالى: " لتزول منه الجبال.
وقال بعضهم:
أضاءتْ لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليلِ حتى نظم الجزعَ ثاقبه
ومن ذلك ألفاظ العرب في قولهم: هو امرؤ يهد الجبال ويصرع الطير، ويفزع الجن، ويعطش الماء.
وقال المتنبي:
لقيتُ المرورى والشناخيبُ دونه ... وجبتُ هجيراً يترك الماء صاديا
وقيل إن امرأة من العجم كانت لا تظهر للشمس وتقول: أخاف أن تكسفني.
وقال أعرابي في فرسه: يحضر ما وجد عدوإً وإن الوابل ليصيب عجزه، ولا يبله مفرقه، حتى أصيب حاجتي.
وذم أعرابي رجلاً فقال: يكاد يعدي لؤمه من تسمى باسمه.
وقال سكينة: ما لبست ابنتي الدر إلا لتفضحه.
وقال بعض العرب: لو وقع فلان في ضحضاحي لغرق.
ومن الهزل في هذا الباب ما رواه الصولي عن حمين قال: دخلت على بعض البرامكة وبين يديه خوان عليه صحاف كل صحفة من نصف خشخانة، فلو تنفست لطار الخوان من نفسي. ولو أن عفوراً نقر من طعامه ما رضي حتى يؤتى بالعصفور مشوياً بين رغيفين من عنده، وإن صعودك إلى السماء على سلم من زبد في تموز حتى تأخذ بنات نعش أيسر عليه من أن يطعمك لبابة في النوم.
ومنه:
يعثرُ الناسُ في الطري ... قِ بهِ من دمامتهِ
ومنه:
أراهُ بيدقَ الشط ... رنجِ في القيمة والقامةِ
ومنه:
يغصُّ بحيزومِ الجرادةِ صدرها ... وينضجُ ما فيها بعود خلال
ولابن منير:
لو جاز في عيب الذ ... ي يأكله لما درى
أو بلغ الصائم ألفاً ... مثله ما أفطرا
فقل لنا أعرضاً نح ... ده أم جوهرا
ومنه:
إن قرأ العاديات في رجب ... لمْ يقر آياتها إلى رجبِ
بل هو لا يستطيعُ في سنةٍ ... يختم " تبتْ يدا أبي لهبِ "
ومنه للمؤمل:
من رأى مثل حبتي ... تشبهُ البدرَ إذ بدا
تدخل اليومَ ثم تد ... خلُ أردافها غدا
ومثله:
إنَّ قوماً أصبحت تنفقُ فيهمُ ... لعلى غايةٍ من التخسير
ومثله:
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي، ويدنو بعيدها
من الخفرات البيضِ ودَّ جليسها ... إذا ما قضتْ أحدوثةً أن تعيدها
وكيف يودُّ القلبُ من لا يوده ... بلى قد تريدُ النفسُ من لا يريدها
علي بن العباس الرومي:
وحديثها السحرُ الحلالُ لو أنه ... لم يجنِ قتلَ المسلمِ المتحرزِ
إن طال لم يمللْ وإن هي أوجزتْ ... ودَّ المحدث أنها لمْ توجزِ
شركُ العقولِ وفتنةٌ ما مثلها ... للمطمئنِّ وعقلةُ المستوفزِ
ومنه:
خلتِ المنازلُ من أحبتنا ... ورمتْ بهمْ عنا يدُ الدهرِ
وأقلُّ ما لاقيتُ بعدهمُ ... أني فجعتُ بهمْ وبالصبرِ
نذر الزمان على تفرقنا ... نذراً فقام بواجب النذر
ومن المبالغة في القناعة حتى صار الشيء ضده كما أن الزيادة في الحد نقص في المحدود، ومنه لابن الدمينة:
وإني لأرضى منكِ يا ميُّ بالذي ... لو أبصرهُ الواشي لقرتْ بلابله
بلإ، وبألاَّ أستطيعَ، وبالمنى ... وبالوعد، حتى يسأمَ الوعدَ آمالهُ
وبالنظرة العجلى، وبالعام تنقضي ... أواخرهُ لا نلتقي وأوائله
ومنه قول ذي الرمة:
أإنْ ترسمتَ من خرقاء منزلةً ... ماءُ الصبابة من عينيكَ مسجومُ
كأنها بعد أحوالٍ مضينَ لها ... بالأشيمينِ يمان فيه تسهيمُ
منازلُ الحيِّ إذ لا الدارُ نائيةٌ ... بالأصفياء وإذ لا العيشُ مذمومُ
تعتادني زفراتٌ حين أذكرها ... تكادُ تنقدُّ منهنَّ الحيازيمُ
ومنه:
لا تحسبيه وإنْ أسأتِ به ... يرضي الوشاةَ ويقبلُ العذلا
لو كنتِ أنتِ، وأنت مهجته ... واشٍ هواكِ إليه، ما قبلا
ومنه:
بدرٌ يغلُّ غرامي، ثمَّ يطلقه ... ويسترقُّ فؤادي، ثمَّ يعتقه
وقد تسامحَ قلبي في مساعدتي ... على السلوِّ، ولكنْ منْ يصدقه
ومنه:
بيني وبين عواذلي ... في الحبّ أطرافُ الرماحْ
أنا خارجيّ في الهوى ... لا حكمَ إلاَّ للملاح
ومنه:
تمَّ لهُ الحذقُ فلا خارجٌ ... عن صنعةِ اللحنِ ولا نافر
غنى بشعري، فتعالوإن انظروا ... من المغني ومنِ الشاعرُ؟
ومنه:
جلبتُ لأصحابي بها درة الصبا ... بصهباء من ماءِ الكرومِ شمولِ
إذا حصلتْ دون اللهاة من الفتى ... دعا همه منْ صدرهِ برحيلِ
ومنه:
وما حمدتُ زماني وهو يصعدني ... فكيف أحمدهُ في حال منحدري
إني رميتُ بما لوْ قد رمين بهِ ... جوانبُ الفلكِ الدوار لم يدرِ
تزيدني قسوةُ الأيام طيبَ ثنا ... كأنني المسكُ بينَ الفهر والحجرِ
ومنه لأبي نواس:
علقتُ بحبلٍ من حبالِ محمدٍ ... أمنتُ به من طارقِ الحدثانِ
تغطيتُ من دهري بظل جناحهِ ... فصرت أرى دهري، وليس يراني
فلو تسألُ الأيامُ ما اسمي ما درتْ ... وأينَ مكاني ما عرفن مكاني
ومنه قول توبة:
ولو أنَّ ليلى الأخيلية سلمتْ ... عليَّ ودوني تربة وصفائحُ
لسلمتُ تسليمَ البشاشة، أو زقا ... إليها صدىً من جانبِ القبرِ صائحُ
ومنه قول قيس بن ذريح المجنون:
ولو أنَّ ليلى العامرية صبحتْ ... ومن فوقِ رمسينا صفيحٌ منصبُ
لظلَّ صدى جسمي وإن كان رمةً ... لصوت صدى ليلى يهشُّ ويطربُ
ومنه:
ألف الصدود، فلوْ يمرُّ خياله ... بالصبِّ في سنةِ الكرى ما سلما
ومنه:
إلى فتى مشرق الأحساب لو سبكتْ ... أخلاقهُ من شعاع الشمس لم تزدِ
لهُ عزائمُ رأيٍ لو رميتَ بها ... عند الهياج نجومَ الليلِ لم تقدِ
ومنه:
أمطرتهم عزماتٍ لو رميتَ بها ... يومَ الحقيقة ركنَ الدهرِ لانهدما
ومنه:
قبضتُ يدَ السحاب بفيضِ دمعي ... فأسكتُّ الحمائمَ بالزفير
ومنه:
يا برقُ، خذ بصري، واصنعْ بذاك يدا ... عندي، فلاق به حياً بذي قارِ
تكشفتْ بسناهُ كلُّ خافيةٍ ... حتى تحدث عن مكنون أسراري
ومنه:
ما في البرية غيرُ من يتغيرُ ... قلَّ الوفاءُ، فكلُّ خلق يغدرُ
يا ليتني ظفرتْ يدايَ بمخلص ... في الناس يخلصُ لي على ما أضمرُ
لو يشترى لشريتُ ذاك بمقلتي ... وبقيتُ بالأخرى إليه أنظرُ
ومنه:
مني تعلمت الحمامُ النو ... حَ والإبلُ الحنينا
باب
الازدواج
إعلم أن الازدواج هو أن يزاوج بين الكلمات والجمل كلام عذب، وأفاظ عذبة حلوة، كما قال الله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " . وقال عز وجل: " عليماً حكيماً غفوراً رحيما " وأشباه ذلك، لأنه ربما يكون مختلفاً وربما يكون مؤتلفاً وربما يكون كلمة كلمة، وربما يكون كلمتين كلمتين كقول العرب:
ومطعمُ النصر يوم النصرِ مطعمه ... أنى توجه، والمحرومُ محرومُ
ومنه:
لا صبر عنك، بلى عليكِ تصبري ... الهجرُ دأبك والتجلدُ دابي
لا تمزجي قدحي، فإنَّ مدامعي ... تكفي وتفضلُ عن مزاج شرابي
لا أستطيعُ من الضنى شكوى الضنى ... ويكادُ ما بي أن يرقَّ لما بي
ومنه لأبي تمام:
مطرٌ أبوك أبو الأهلةِ وائلٍ ... ملأ البسيطةَ عدةً وعديدا
أمثاله تلدُ الرجالَ، وإنما ... تلدُ الحتوفَ: أساوداً وأسودا
ورثوا الأبوة والحظوظ، فأصبحوا ... جمعوا جدوداً في العلا وجدودا
ومثله بي نواس:
عباسُ عباسٌ إذا احتدم الوغى ... والفضلُ فضلٌ، والربيعُ ربيعٌ
سادَ الربيعُ، وساد فضلٌ بعدهُ ... ونمتْ بعباسِ الكريمِ فروعُ
ومنه لأبي تمام:
له نائلٌ ما زال طالبَ طالبٍ ... ومرتاد مرتادٍ، وخاطبَ خاطبِ
ومنه:
سليمُ الشظا، عبل الشوى، مدمجُ القرا ... لهُ حجباتٌ مشرفاتٌ على الفال
ومنه:
بدتْ قمراً وماستْ خوطَ بانٍ ... وفاحتْ روضةً، ورنتْ غزالا
ومنه:
بسحمِ نواصيها، وحمرِ أكفها ... وصفرِ تراقيها وبيضِ خدودها
ومنه:
من القومِ لاحوا أنجماً ومضوا ظبا ... وصالوا أسوداً واستهلوا غمائما
ومنه:
سفرن بدورإن وانتقبنَ أهلةً ... ومسن غصوناً والتفتنَ جآذرا
ومنه:
أبلغْ أخانا أدامَ اللهُ دولتهُ ... أني وإن كنتُ لا ألقاهُ ألقاهُ
الله يعلمُ أني لستُ أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساهُ
ومنه أن يكون البيت مجموعاً من كلمة كلمة أو كلمتين كلمتين، مثل قول امرئ القيس:
فدمعهما سكبٌ وسحّ وديمةٌ ... ورشّ وتوكافٌ وتنهملانِ
ومنه قوله:
سماحةُ ذا، وبرذا، ووفاءُ ذا ... ونائلُ ذا، إذا صحا، وإذا سكر
ومنه:
فكفي والمدامُ ولونُ خدي ... عقيقٌ في عقيقٍ في عقيقِ
ومنه:
إنا رأينا حجاباً منكَ قد عرضا ... فلا يكنْ ذلنا في عزكَ الغرضا
اسمع مقالي ولا تعجلْ عليّ فما ... أبغي بنصحك لا مالاً ولا عوضا
العزُّ يفنى، وإن طالَ الزمانُ بهِ ... قد كان قبلك عزٌّ فانقضىَ ومضىَ
في هذه الدارِ، في هذا المكانِ، على ... هذي المراتب كان العزّ فانقرضا
ومنه:
وفي أربعٍ مني حلتْ منكَ أربعٌ ... فلستُ بناسيهنّ في البعدِ والقرب
خيالك في عيني، وذكرك في فمي ... ولفظك في سمعي، وحبك في قلبي
ومنه:
حليتها وحميت بيضة ملكها ... فغرار سيفك سورها وسوارها
تجري؛ لتلحقهُ عصائبُ قصرتْ ... عن شأوه؛ فقصارها إقصارها
ومنه:
إذا رضيتْ لم يهنني ذلك الرضا ... لعلمي به أن سوف يدركه العتبُ
وصالكمُ هجرٌ، وحبكمُ قلىً ... ووصلكمُ صدُّ، وسلمكمُ حربُ
ومنه:
منْ لدانٍ هواهُ نأيُ هواهُ ... قد شكتهُ شكواهُ من شكواهُ
ومرى شوقه المدامعَ حتى ... ظلَّ يبكيهِ من بكاهُ بكاهُ
بأبي عاتبٌ ظلومٌ، فشوقي ... فيه ألقاهُ حين تلا ألقاهُ
مثلتهُ المنى لطرفي وقلبي ... فكأني أراه إذ لا أراهُ
ومنه:
صقيلُ حواشي الدهر والرأي والنهى ... عتيقُ فرند السيف والوجهِ والبشرِ
كبدر الدجى، كالشمس، كالفجرِ، كالضحا ... كصرفِ الردى، كالغيثِ، كالليثِ، كالقطرِ
ومنه:
لأشكرنك معروفاً هممت بهِ ... إنَّ اهتمامك بالمعروف معروفُ
ولا أذمك إذ لمْ يمضهِ قدرٌ ... فالرزقُ بالقدرِ المصروف مصروفُ
ومنه:
أيا صاحبَ الذنبِ لا تق ... نطنَّ فانَّ الإلهَ روؤفٌ رؤوفُ
ولا ترحلنَّ بلا عدةٍ ... فإنَّ الطريقَ مخوفٌ مخوفُ
باب
الترصيع
اعلم أن باب الترصيع هو أن يكون البيت مسجوعاً مثل قوله سبحانه وتعالى: " ولستم بآخذيه، إلا أن تغمضوا فيه " . ومثل قول المتنبي:
في تاجهِ قمرٌ، في ثوبهِ بشرٌ ... في درعهِ أسدٌ تدمى أظافرهُ
ومثله:
كحلاء في برجٍ، صفراء في نعجٍ ... كأنها فضةٌ قدْ مسها ذهبُ
ولبعضهم:
كالبدر إن سفرتْ والغصنِ إن خطرتْ ... والريم إن نظرتْ، معسولة الشنبِ
ومنه:
فأوتاده ماذيةٌ، وعماده ... ردينيةٌ فيها أسنةُ قعضب
ومنه للهذلي:
سودٌ ذوائبها بيضٌ ترائبها ... محضٌ ضرائبها صيغت على الكرمِ
ومنه:
عبلٌ مقيدها حالٍ مقلدها ... بضٌّ مجردها في باردٍ شبمِ
ومنه:
بطيء عن الجلى، سريع إلى الخنا ... ذليل، بأجماعِ الرجال ملهد
ومنه:
هوانُ الحياةِ، وذلّ الممات ... وكلاًّ أراهُ طعاما وبيلاَ
فان كان لا بدّ من ذلةٍ ... فسيروا إلى الموت سيراً جميلا
ومنه قول ليلى الأخيلية:
وقد كان مرهوب السنانِ، وبينَ الل ... سانِ، ومخدامِ السرى، غير فاترِ
وأكثر الشعراء يغزو في هذا المغزى ويرمي ي هذا المرمى.
ومثل قول الخنساء تصف أخاها صخراً:
لو كان للدهر مالٌ عند متلده ... لكان للدهر صخرٌ مالَ قنيان
آبي الهضيمة وثاب العزي ... مةِ متلاف الكريمة، جلدٌ غير ثنيان
حامي الحقيقةِ نسالُ، الودي ... قةِ، معتاقُ الوسيقة، لا نكس ولا وان
رباءُ مرقبةٍ، مناعُ مثلبةٍ ... ركابُ سلهبةٍ، قطاعُ أقرانِ
هباطُ أوديةٍ، حمالُ ألويةٍ ... شهاد أنديةٍ، سرحانُ فتيان
يحمي، الصحابَ، إذا كان الضرابُ، ويك ... في القائلين إذا ما كبل العاني
فيترك القرن مصفراً أنامله ... كأن في ريطتيه نضحَ إرقان
يعطيك ما لا تكادُ النفسُ ترسلهُ ... من التلادِ، وهوبٌ غيرُ منان
ومنه:
يا مستهاماً بالأعن ... ةِ والأسنةِ والنحورِ
لا بالخدودِ، ولا القدو ... دِ، ولا النهودِ، ولا الثغورِ
تلقاهُ يوم الروع يق ... تلعُ الأسودَ عن الصخورِ
ومنه:
زهوا فتجنبوا، ودنوا فملوا ... دعوا فتمنعوا ملكوا فتاهوا
ومنه:
عرضوا ثم أعرضوا واستحالوا ... ثم مالو، وأنصفوا ثم جاروا
لا تلمهم على التجني، فلوْ لمْ ... يتجنوا لم يحسن الإعتذارُ
ومنه:
وأي قومٍ كقومي لو سألتهمُ ... سوابق الخيل في يوم الوغى نزلوا
كالصخر إن حملوا النار إن غضبوا ... والأسدِ إن ركبوا والغيثِ إن بذلوا
وللبحتري:
صارمُ الحزمِ، حاضرُ العزمِ ساري ال ... فكرِ ثبتُ المقامِ، صلبُ العود
سؤددٌ يصطفى، ومالٌ يرجى ... وثناءٌ يبقى، ومالٌ يودي
ومنه للبحتري أيضاً:
ما إنْ ترى إلاَّ توقد كوكبٍ ... في قونس قد غار فيه كوكبُ
فمجدلٌ، ومرملٌ، وموسدٌ ... ومضرجٌ، ومضمخٌ، ومخضبُ
ومنه:
وفي الأكلة، من تحتِ الأجلة، أمثا ... لُ الأهلةِ، بين السجفِ والكللِ
أدمٌ أوانسُ، كالأدمِ الكوانسِ، أو ... دمي الكنائس، لكنْ لسنَ بالعطلِ
ومنه:
جمعت أربع خلاتٍ فضلتهمُ بها ... وفضلك مذ أيفعت مقتبل
الجود إن منعوإن والبأسُ إن جزعوا ... والبذلُ إن جمعوإن والحلمُ إن جهلوا
ولابن حيوس:
ثمانية لم تفترقْ مذ جمعتها ... فلا افترقتْ ما افترَّ عن ناظرٍ شفرُ
يقينك والتقوى، وجودكَ والغنى ... ولفظك والمعنى، وسيفك والنصرُ
ومنه:
الدارُ دارانِ: إيوانٌ، وعمدانُ ... والملكُ ملكان، سامانٌ، وقحطانُ
ومنه:
والأرضُ فارسُ، والإقليمُ بابلُ وال ... إسلامُ مكةُ، والدنيا خراسان
باب
الرجوع والاستثناء
اعلم أن الرجوع والاستثناء هو أن تذكر شيئاً ثم ترجع عنه، مثل قولك: ليس له عقل، بل مقدار ما يوجب الحجة عليه.
ومنه:
أليسَ قليلاً نظرةٌ إن نظرتها ... إليكِ، ولكنْ ليسَ منكِ قليلُ
وقول دريد بن الصمة:
عيرُ الفوارسِ معروفٌ بشكته ... كاف إذا لمْ يكنْ من ضربه كافي
وقد قتلتُ بها عبساً وإخوتها ... حتى شفيتُ، وهلْ قتلي بهِ شافِ
ومنه:
نبئتُ فاضحَ أمهِ يغتابني ... عندَ الأميرِ، وهلْ عليَّ أميرُ
ومنه:
وما لي بانتصارٌ إن غدا الدهرُ ظالمي ... عليَّ، بلى، إنْ كانَ من عندك النصرُ
ومنه:
ولا عيب فيهم غيرَ أنَّ سيوفهمُ ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
ومنه للنابغة الجعدي:
فتىً كملتْ أخلافه غيرَ أنه ... جوادٌ فما يبقي منَ المالِ باقيا
فتىً تمَّ فيهِ ما يسرُّ صديقه ... على أنَّ فيه ما يسوءُ الأعاديا
ومنه:
ولا تبعدنْ إلاَّ من السوء، إنني ... إليكَ، وإنْ شطتْ بك الدارُ، نازعُ
ومنه:
بيضاءُ في وجنتها احمرارُ ... هنَّ الليالي وهي النهارُ
ومنه:
وخدها أحمرُ شفافٌ ترفْ ... كالوردِ إلاَّ أنهُ حينَ قطفْ
ومنه:
وأبيضَ فياضٍ يداهُ غمامةٌ ... على معتفيهِ ما تغبّ نوافله
أخي ثقةٍ لا يهلك الخمرُ مالهُ ... ولكنه قد يهلكُ المالَ نائله
ومنه:
وإخوانٍ تخذتهمُ دروعاً ... فكانوها ولكنْ للأعادي
وخلتهم سهاماً صائباتٍ ... فكانوها ولكنْ في فؤادي
وقالوا: قدْ صفتْ منا قلوبٌ ... لقد صدقوإن ولكنْ من ودادي
ومنه للشيخ المعافي رحمه الله:
أبا المرهفِ الباني من المجدِ منزلا ... منيفإن لهُ طنبٌ على النجم ممدودُ
ومن بات للعافينَ منْ جود كفهِ ... خضمُّ المدى عذبُ المشاربِ، مورود
لقد ضيمَ إلا في جنابكَ قاطن ... وأعوزَ إلاَّ من أناملكَ الجودُ
ومنه لابن المغربي:
فتى الحرب يغنيه عن السيف كفه ... وتكفيه من قودِ الجيوشِ العزائمُ
ويعدلُ في شرقِ البلاد وغربها ... على أنه للسيفِ والرمح ظالمُ
ومنه:
فنيتُ وما يفنى صنيعي ومنطقي ... وكلُّ امرئٍ، إلاَّ أحاديثه، فانِ
ومنه:
فإنْ تسألي عنا فإنا حلى العلا ... بنو عامرٍ والأرضِ ذات المناكبِ
ولا عيبَ فينا غيرَ أن سماحنا ... أضرَّ بنا والبأسَ من كلّ جانبِ
وأفنى الردى أعمارنا غيرَ ظالمٍ ... وأفنى الندى أموالنا غيرَ عائبِ
أبونا أبٌ لو كانَ للناسِ كلهم ... أباً واحداً أغناهمُ بالمناقبِ
ومنه:
يسعى به البرقُ إلا أنهُ فرسٌ ... في صورةِ الموتِ إلا أنه رجلُ
يلقى الرماحَ بصدرٍ منهُ ليس لهُ ... ظهرٌ، وصدرِ جوادٍ مالهُ كفلُ
ومنه:
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى ... وأحسن منهم كرهم في المكارمِ
ولولا احتقار الأسد شبهتهم بها ... ولكنها معدودة في البهائم
ومنه:
وصغيرة علقتها كا ... نت من المحن الكبار
كالبدر إلاّ أنها ... تبقى على ضوء النهار
باب
النفي والجحود
اعلم أن النفي والجحود قد كثر في أشعار العرب وأشعار المحدثين كقول عدي:
وما مخدرٌ وردٌ يرشحُ شبلهُ ... بخفان قد أحمى جميع المواردِ
كأنَّ دماءَ الهادياتِ بنحرهِ ... صبيبُ ملابٍ أو خضيبُ مجاسدِ
بأمنع منهُ موئلاً حين تلقه ... إذا الحربُ أبدتْ عن خدام الخرائدِ
ومنه:
وما هاجَ هذا الشوقَ إلا حمامةٌ ... دعتْ ساق حرّ ترحةً وترنما
مطوقةٌ خطباءُ تصدحُ كلما ... دنا الصيفُ، وانجابَ الربيعُ، فأتجما
عجبتُ لها أنى يكونُ غناؤها ... فصيحاً ولم تفغرْ بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقهُ صوتُ مثلها ... ولا عربياً شاقه صوتُ أعجما
ومنه قول كثير:
وما روضةٌ بالحزن طيبةُ الثرى ... يمجّ الندى جثجاثها وعرارها
لها أرجٌ بين البلادِ كأنما ... تلاقى بها عطارها وتجارها
بأطيب من أردان عزة موهناً ... وقد أوقدتْ بالمندلِ الرطبِ نارها
ومنه:
وما صادياتٌ حمن يوماً وليلةً ... على الماءِ يغشينَ العصيَّ حواني
لوائبُ لا يصدرن عنه لوجهة ... ولا هنَّ من بردِ الحياضِ دواني
يرينَ حبابَ الماءِ والموتُ دونهُ ... فهنَّ لأصوات السقاة رواني
بأكثرَ مني جهدَ نفسٍ وغلةٍ ... عليكِ، ولكنَّ العدوّ عداني
ومنه:
وما حاميات فوق ورد مناهلٍ ... ذوتْ عطشاً أكبادها والغلاصم
يروعنَ أو يرجعن عنه صوادياً ... وهنّ عليه حانيات حوائمُ
وتعلم أن الموتَ دون حبابهِ ... كعلم مدير الكأس فيها السمائم
بأوجع مني غلّ صدرٍ ولوعةٍ ... عليك وكم أبلى لي العذر لائم
ومنه:
وما وجدُ ذات البوِّ ضاقتْ لأجلهِ ... ثلاثإن فلما لم تجدهُ أرنتِ
إذا ذكرته آخر الليلِ رجعتْ ... وإنْ ذكرته أولَ الليلِ حنتِ
بأوجد من وجدي بكمْ غيرَ أنني ... أجمجمُ أحشائي على ما أجنتِ
عبدالله عمر





رد مع اقتباس
المفضلات